سما‭ ‬عيسى  – كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬وناقد‭ ‬سينمائي

المقدمة

عَبْر‭ ‬مسعًى‭ ‬جاد‭ ‬وشَاق‭ ‬في‭ ‬التعرُّف‭ ‬على‭ ‬مَعَاثر‭ ‬ومُشكلات‭ ‬الفكر‭ ‬المعاصر،‭ ‬يذهبُ‭ ‬محمود‭ ‬حيدر‭ ‬إلى‭ ‬طرحِ‭ ‬الأسئلة؛‭ ‬حيث‭ ‬إنها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬أبوابَ‭ ‬الجدل‭ ‬والحوار‭.. ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تلتقِي‭ ‬عبرها‭ ‬الأزمنة‭ ‬والأمكنة،‭ ‬وتخضع‭ ‬عبرها‭ ‬التجربة‭ ‬البشرية‭ ‬للتقييم،‭ ‬دون‭ ‬غلق‭ ‬أبوابها‭ ‬بإجابات‭ ‬محدَّدة،‭ ‬تلغي‭ ‬التنظير‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬حيدر‭ ‬الرِّهان‭ ‬على‭ ‬اجتياز‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مألوف‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬شغلت‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬طويلا‭.‬

يَرْصُد‭ ‬المحاضِر‭ ‬اتجاهيْن‭ ‬متوازييْن‭ ‬في‭ ‬التنظيرِ؛‭ ‬هما‭: ‬الأنطولوجي‭ ‬والتاريخي‭.. ‬متوازيان‭ ‬لكنهما‭ ‬أيضا‭ ‬متلازمان،‭ ‬في‭ ‬بحثهما‭ ‬عن‭ ‬الوجود‭ ‬الأصيل،‭ ‬وعن‭ ‬ظهوراته‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭.‬

الأضلاع‭ ‬الثلاثة‭ ‬المتوازية‭:‬

1-‭ ‬استكشاف‭ ‬الذات‭.‬

2-‭ ‬تحري‭ ‬الآفاق‭.‬

3-‭ ‬إرادة‭ ‬التغيير‭.‬

تُشكِّل‭ ‬ماهية‭ ‬المنظر‭ ‬المُعَاين‭ ‬للخطة‭ ‬مُوجَبة‭ ‬التفكر‭ ‬بخصائصها،‭ ‬ومكوناتها،‭ ‬وطبيعة‭ ‬حركتها‭ ‬ومآلها‭.‬

ثمَّة‭ ‬إذن‭ ‬حيِّز‭ ‬ضروري‭ ‬لممارسة‭ ‬العمل‭ ‬التنظيري،‭ ‬هذا‭ ‬الحيِّز‭ ‬يؤدي‭ ‬مهمة‭ ‬عدم‭ ‬الانغلاق؛‭ ‬حيث‭ ‬تتعدَّد‭ ‬الأفكار‭ ‬والرؤى،‭ ‬ويتداخل‭ ‬الذاتي‭ ‬مع‭ ‬العيني،‭ ‬والخاص‭ ‬مع‭ ‬العام،‭ ‬المحلي‭ ‬مع‭ ‬العالمي،‭ ‬ضمن‭ ‬جدلية‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬التدافع‭ ‬والتناظر‭ ‬والتفاعل‭.‬

إشكاليَّة‭ ‬النهايات‭ ‬التي‭ ‬وصلتْ‭ ‬إليها‭ ‬تجربة‭ ‬التنظير‭ ‬في‭ ‬الهلال‭ ‬الخصيب،‭ ‬وهي‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬أثرت‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ؛‭ ‬بالتحوُّلات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬الكبرى،‭ ‬يقف‭ ‬منها‭ ‬الباحث‭ ‬موقفًا‭ ‬نقديًّا‭ ‬تحليليًّا،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الماركسية‭ ‬والقومية‭ ‬والليبرالية،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬مُجملها‭ ‬أنساقُ‭ ‬التفكير‭ ‬العربي‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬نهاية‭ ‬الرومانسية‭ ‬الثورية‭ ‬رغم‭ ‬روحانيتها‭ ‬وتضحياتها‭. ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬يُشتَرط‭ ‬ملؤه‭ ‬أولًا‭ ‬بالتحرُّر‭ ‬من‭ ‬غواية‭ ‬الثنائيات‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬استقلالية‭ ‬المثقف،‭ ‬كالعقل‭ ‬والوحي،‭ ‬والإيمان‭ ‬والإلحاد،‭ ‬والحادث‭ ‬والفكرة‭…‬إلخ‭.‬

الإشكاليات‭ ‬تظلُّ‭ ‬هي‭ ‬المطروحة‭ ‬على‭ ‬بساط‭ ‬البحث،‭ ‬دون‭ ‬حدوث‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬تجاوزها،‭ ‬خاصة‭ ‬وقد‭ ‬وَهن‭ ‬سحر‭ ‬الحكاية‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬بعد‭ ‬الهزائم‭ ‬المتواصلة‭ ‬لها‭ ‬تطبيقا،‭ ‬ويعني‭ ‬بها‭ ‬المحاضر‭ ‬مثلما‭ ‬أسلفت‭: ‬القومية،‭ ‬والليبرالية،‭ ‬والماركسية‭. ‬ولنا‭ ‬بالطبع‭ ‬أن‭ ‬نُضيف‭ ‬الدينية‭ ‬كذلك‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬طُرح‭ ‬كحامل‭ ‬لمهمة‭ ‬النهوض‭ -‬وهو‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭- ‬بقي‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬دون‭ ‬مُستوى‭ ‬التنظير‭ ‬المتجدِّد‭ ‬للعقل‭ ‬الديني‭.‬

أَخْلَص‭ ‬العقلُ‭ ‬الغربيُّ‭ ‬لجذوره‭ ‬الميتافيزيقية‭ ‬اليونانية؛‭ ‬التي‭ ‬انطلقتْ‭ ‬حداثتها‭ ‬منها؛‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬أرسطو‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الطبيعة‭”‬،‭ ‬وقد‭ ‬تشكَّلت‭ ‬الميتافيزيقيا‭ ‬الحديثة‭ ‬مُنطلقة‭ ‬من‭ ‬كانط،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬الباحث‭ ‬ذاويا‭ ‬في‭ ‬الخاتمة‭ ‬شطر‭ ‬الكوجيتو‭ ‬الديكارتي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ -‬على‭ ‬حدِّ‭ ‬تعبيره‭- ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬إنشاءً‭ ‬متجدِّدًا‭ ‬له‭. ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬توسله‭ ‬للمرجعية‭ ‬الأوروبية‭ ‬علميًّا‭ ‬لدى‭ ‬هيوم‭ ‬ونيوتن‭ ‬تقدِّم‭ ‬الميتافيزيقيا‭ ‬كعلم‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬متاخمة‭ ‬المشكلات‭ ‬الحقيقية‭ ‬للعالم‭ ‬الحديث‭.‬

وُصُولا‭ ‬في‭ ‬نقده‭ -‬بعد‭ ‬ذلك‭- ‬إلى‭ ‬هيكل،‭ ‬الذي‭ ‬أخْضَع‭ ‬الوجود‭ ‬للديالكتيك؛‭ ‬حيث‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬موجود‭ ‬ومعدوم‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬وحيث‭ ‬التناقض‭ ‬في‭ ‬الموجودات‭ ‬أساس‭ ‬حركة‭ ‬الأشياء‭ ‬وتكاملها،‭ ‬راحلا‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬عرضه‭ ‬إلى‭ ‬هايدجر‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬ليسأل‭ ‬من‭ ‬جديد‭: ‬لِم‭ ‬كان‭ ‬ثمَّة‭ ‬وجود‭ ‬وليس‭ ‬عدم؟‭ ‬مُعتَبرا‭ ‬ذلك‭ ‬السؤال‭ ‬الفلسفي‭ ‬المؤسس‭ ‬أساسَ‭ ‬منظومته‭ ‬الفلسفية،‭ ‬خاتِمًا‭ ‬بذلك‭ ‬حوارا‭ ‬جديدا‭ ‬لا‭ ‬يُغلق‭ ‬حول‭ ‬الميتافيزيقيا؛‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بنهاية‭ ‬وكمال‭ ‬فلسفتها،‭ ‬لدى‭ ‬الكوجيتو‭ ‬الديكارتي،‭ ‬فندق‭ ‬العقل‭ ‬الخالص‭ ‬لكانط؛‭ ‬فالروح‭ ‬المطلق‭ ‬لهيجل‭.‬

نحنُ‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬نَكُن‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬مَعاثر‭ ‬الفلسفة‭ ‬الغربية‭ ‬الحديثة،‭ ‬والتي‭ ‬لرِدحٍ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬رأينا‭ ‬فيها‭ ‬مأوى‭ ‬تفكيرنا‭ ‬وتنظيرنا‭ ‬للخروج‭ ‬بمجتمعاتنا‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬التخلف‭ ‬الذي‭ ‬فرضته‭ ‬علينا‭ ‬هيمنة‭ ‬الاستعمار‭ ‬الأوروبي،‭ ‬ثمَّ‭ ‬مع‭ ‬اصطدامنا‭ ‬بعثرات‭ ‬إشكالياتها‭ ‬التنظيرية‭ ‬في‭ ‬تطبيقها‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬العربي،‭ ‬جاءتْ‭ ‬رِدَّة‭ ‬الاستغراب‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬الباحث‭ ‬نقدا‭ ‬بنَّاء‭ ‬لسلبيته‭.‬

‭—————–‬

‭* “‬فِي‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أفقٍ‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭.. ‬محمود‭ ‬حيدر‭ ‬نموذجًا‭”.‬


محمود حيدر –‭ ‬باحث‭ ‬في‭ ‬الإلهيات‭ ‬وأستاذ‭ ‬محاضر‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة‭ ‬والأديان‭ ‬ومدير‭ ‬التحرير‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬فصلية‭ ‬الاستغراب

معاثر‭ ‬الغرب‭ ‬الفلسفي .. العقل‭ ‬الحسير‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬اليونان‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة

من أظهر السمات التي يمكن استخلاصها من اختبارات العقل الغربي، أنه صنع مدائن الحداثة وما لبث إلا قليلاً حتى وقع في أسرها. كما لو أنه آنَسَ الى صنعته لتصير له أدنى الى كهوف ميتافيزيقية مغلقة. ومع ان مساءلة الذات في التجربة التاريخية للحداثة انتجت تقليداً نقدياً طاول مجمل مواريثها الفكرية وأنماط حياتها، إلا أن هذه المساءلة- على وزنها في تنشيط الفكر وبث الحيوية في أوصاله- لم تتعدَ الخطوط الكبرى التي وضعها لها نظامها الصارم.

بسبب من ذلك، سنلاحظ ان جلَّ المنعطفات التي حدثت في حقل المفاهيم والنظريات والأفكار جاءت مطابقة لمعايير الفلسفة السياسية للدولة الأمة، ولمقتضيات الثورة العلمية. وما حصل هذا على سبيل المصادفة. فالمعاثر التي عصفت بالعقل الغربي في طوره المعاصر ليست حديثة العهد. فهي موصولة بأصلها اليوناني ولم تفارقه قط.

لقد بذلت الميتافيزيقا مذ ولدت في أرض الأغريق والى يومنا الحاضر ما لا حصر له من المكابدات. اختبرت النومين (الشيء في ذاته) والفينومين (الشيء كما يظهر في الواقع العيني) لكنها ستنتهي الى معضلة استحالة الوصل بينهما. كانت ذريعتها ان العقل قاصرٌ عن مجاوزة دنيا المقولات ولا ينبغي له العلم بما وراء عالم الحس. على هذا النحو انعطفت الميتافيزيقا الأولى نحو مفارقة سؤال الوجود كسؤال مؤسِّس، ثم لتستغرق في البحر الخضم الممتلئ بأسئلة الممكنات الفانية وأعراضها.

في كتابه “ما بعد الطبيعة” سيظهر أرسطو كمن يكشف عن الميقات الذي نضج فيه العقل البشري ليسأل عما يتعدى فيزياء العالم ومظاهره. لكأننا به يقول إن السؤال عن الموجود، ولماذا صار موجوداً بدلاً من العدم، هو سؤالٌ جاء في أوانه. ولنا أن نعترف لأرسطو ومن جاء من بعده أن سؤال “ما بعد الطبيعة” جاء مناسباً للميقات. ربما لهذا السبب انتظم منطقه وسرى بيانُه الميتافيزيقي إلى يومنا هذا. لكن السؤال الأرسطي -على سمو شأنه في ترتيب بيت العقل- سيتحول بعد برهة من زمن، الى علّةٍ سالبة لفعاليات العقل وقابليته للامتداد. وما هذا، إلا لحَيْرة حلّت على أرسطو ثم صارت من بعده قلقاً مريباً. ولفرط ذكائه أمسك أرسطو عن مواصلة السؤال الذي لا جواب عليه في حساب المنطق. ثم أعرض عن مصادقة السؤال الأصل الذي أطل منه الموجود على ساحة الوجود. والحاصل ان فيلسوف “ما بعد الطبيعة” مكث في الطبيعة وآَنَسَ لها فكانت له سلواه العظمى. رضي أرسطو بما تحت مرمى النظر ليؤدي وظيفته كمعلم أول لحركة العقل. ومع أنه اقرَّ بالمحرك الأول، إلا أن انسحاره بعالم الإمكان أبقاه سجين المقولات العشر. ثم لما تأمُّل مقولة الجوهر وسأل عمَّن أصدرها عاد الى حَيْرته الأولى. لكن استيطانه في عالم الممكنات سيفضي به الى الجحود بما لم يستطع نَيْلًه بركوب دابةَّ العقل. حيرته الزائدة عن حدّها أثقلت عليه فلم يجد معها مخرجاً. حتى لتبدو أحواله وقتئذٍ كذاك الذي دخل المتاهة ولن يبرحها أبداً.

لم تتخلص الفلسفة من تاريخها الإشكالي هذا منذ اليونان الى أزمنة الحداثة الفائضة. ذلك ما جعل كل مسألة ذات طبيعة ميتافيزيقية تستعصي على الحل. المعثرة الكبرى في مكابدات الميتافيزيقا كامنة في الانزياح عن مهمتها الأصلية، وهي فهم العالم كوجود متصل، والنظر إليه بما هو امتداد أصيل بين مراتبه المرئية واللامرئية، الطبيعية وفوق الطبيعية. وتبعاً لسيريّتها المعرفية تمضي الفلسفة الى طور أعلى لنتعرَّف الى سر الامتداد الجوهري بين الموجودات وموجدها. ولئن كانت مهمة الفلسفة بالأصل هي هذه، فذلك تذكير بما هو بديهي فيها ولو انه ابتلي لزمن مديد بغوايات التأويل. والتذكير بمهمة الميتافيزيقا بما هي استكشاف ما يحتجب عن ملكات العقل النظري، وتجاربه، هو إقرار للفلسفة بوصفها علماً حياً يحيي نفسه ويحيي سواه من العلوم في الآن عينه. انه أيضاً عرفان لها بالجميل وهي تقيم علاقة شديدة الخصوصية بالوجود خلافاً لسائر المعارف والعلوم. فإنها لا تكف عن إعلان رسالتها الاصلية. حتى وهي تستغرف عالم الممكنات وعوارضه بأسئلة الممكنات المتناهية وعوارضها.

وهذا مألوف في سيرة الفلسفة. ذلك بأن الخاصية الملحوظة لكل التعاليم الميتافيزيقية، هي التقاؤها على ضرورة البحث عن السبب الأوّل لكل ما هو موجود. ذاك الذي سمي المادة مع ديمقريطس، والخير مع أفلاطون، والفكر الذي يفكّر بذاته مع أرسطو، والواحد مع أفلوطين، والوجود مع كل الفلاسفة المسيحيين، والقانون الأخلاقي مع كانط، والإرادة مع شوبنهاور، والفكرة المطلقة عند هيغل، والديمومة الخلّاقة عند برغسون، وأي شيء يمكن أن تذكره. في جميع الأحوال، الميتافيزيقي إنسان يبحث وراء وبعد التجربة عن مصدر مطلق لكل تجربة حقيقية وممكنة. وحتى لو حدّينا من مجال ملاحظتنا لتاريخ الحضارة الغربية، فثمّة حقيقة موضوعية هي أن الإنسان سعى إلى هذه المعرفة منذ أكثر من خمس وعشرين قرناً، ثم بعد أن برهن أنه لا يجب البحث عنها وأقسم أنه لن يبحث عنها بعد الآن، وجد نفسه يطلبها من جديد. هذا هو القانون الكامن في العقل البشري. ما يجيز لنا القول خلافاً لأرسطو ان الانسان حيوان ميتافيزيقي بالطبع والغريزة. أي ماهيته ميتافيزيقية عكس كل الماهيات التي تنطوي في خلقتها الأولى على عقل ما يرعاها ويدبِّر لها أمرها. فالقانون الذي هو مخصوص بالكائن الإنساني لا يكتفي بتقرير الحقيقة، بل يشير إلى سببها، فبما أن الإنسان عاقل بماهيته، يجب أن يكون لتكرار الميتافيزيقا الثابت في تاريخ المعرفة الإنسانية تفسيره في نفس بنية العقل. بتعبير آخر، يجب أن يكون السبب في أن الإنسان حيوان ميتافيزيقي كامناً في مكان ما من طبيعته العقلانية. هذا وقد أكّد الفلاسفة، لقرون عدّة قبل كانط، على حقيقة أن في المعرفة العقلية أكثر ممّا نجده في التجربة الحسّية. فالصفات النموذجية للمعرفة العلمية، كالكلية والضرورة، لا يمكن إيجادها في الحقيقة الحسية، وواحد من التفاسير الأكثر عمومية هي أنها تأتي إلينا من نفس قدرتنا على المعرفة. إذ كما يقول لايبنتس، لا شيء في العقل ما لم يمرّ من قبل في الحواس، إلا العقل ذاته. وكما كان كانط أول من فقد الثقة بالميتافيزيقا وتمسّك بها باعتبارها لا مفر منها، كذلك كان أوّل من أعطى اسماً لقوّة العقل البشري الملحوظة في تجاوز كل تجربة حسية. وهو ما ذهب الى منسميته بـ “الاستعمال المتعالي للعقل” ثم ليتهمها (أي الميتافيزيقيا) بأنها المصدر الدائم لأوهامنا الميتافيزيقية[1].

لم تجد الميتافيزيقا المعاصرة في الحادث الأرسطي سوى هذا المنقلب الذي أعلن فيه عن العقل المكتفي بذاته. فلقد غفل ورثة الأرسطية عن حقيقة أن العقل الممتد الى ما وراء ذاته وما بعدها هو عقل جامع للشمل ومن خصائصه صنع الأعاجيب. ولأنه ممتد ولا يتوقف عند حد فهو يتعقَّل ما يحسبه العقل الحسَّاب نقيض المنطق. وهذا غالباً كان يستثير حفيظة الميتافيزيقا المثلومة التي حرصت على تقديس الكبرياء الأرضي  ومضت الى واقعية صمَّاء يسددها عقل صارم يقبض على الوجود المحسوس بكلتا يديه، ويؤيدها نظام محكم من التصورات التي يأخذ بعضها برقاب بعض. انشأت الأرسطية بعد الانقلاب على الأفلاطونية مساراً للمعقول الفيزيائي لا يقر الا بما يمكث في أرض المقولات العشر. كتبت على نفسها منذ تلك الانعطافة على الاعتناء بشأن العالم. ثم ابتدأت رحلتها بتحرِّي الظواهر، تتاخمها في مدها وجزرها وتواكبها خطوة إثر خطوة بآلة العقل وبديهياته وبراهينه وقواعد استدلاله الى أن تحكم عليها بالصواب أو الخطأ.

الميتافيزيقا الحديثة ابنة ماضيها: مثلث ديكارت – كانط – وهيغل

كانت الميتافيزيقا بالنسبة لأرسطو علم تبيين الواقع، وكان يحاول في إطارها أن يدرس الوجود كلّه دفعة واحدة من حيث أوصاف لا يستطيع أيُّ علم جزئي آخر دراستها. كان ينظر للميتافيزيقا (أو ما بعد الطبيعة، أو ما وراء الطبيعة) من زاوية تنكشف فيها أوجه معينة من الواقع غفلت عنها الدراسات الأخرى بالمرّة. بيد أن سوء فهمٍ كبير ظهر تدريجياً في الفلسفة الغربية، وخصوصاً من مطلع الحقبة الحديثة إلى زمن كانط، بخصوص ماهية الميتافيزيقا إلى درجة أن كانط اختزل موضوعها من الوجود كله إلى ثلاث قضايا كحدّ أقصى هي الله، والنفس، والعالم، وأوضح أن هناك حول كل واحدة من هذه القضايا ثلاث أو أربع مسائل معينة تمثل موضوع الميتافيزيقا.

الفيلسوف الحديث كوارث لمعضلة الانفصال

فيلسوف الحداثة الذي أخذ دربته عن الإغريق هذا حالُه. معه سيغدو كل سؤال تعلنه الفلسفة الحديثة على الملأ مثقلاً بحوامل الموجودات وعروضها. وسنجد كيف اكتظَّت بياناته بألوان الظنون، وهي يُسلم أمره لسلطان العقل واستدلاله.

تأسِّياً بالقدماء غالباً ما دارت اختبارات الفيلسوف المستحدث مدار الفراغ العجيب. هو حائر بين الموجود الفاني وواجب الوجود الحي. تتخطًّفه جواذب السؤال فلا ينتهي الى قرار. فلمّا أن وجد ضالّته الآمنة في ما وضعه المعلم الأول من دروس، مالَ الى عالم الممكنات. صار كلما بَسَطَ فكره على شيء فوق واقعي، انزلق ذلك الشيء من بين أصابعه ككائنٍ زئبقيٍ. الفيلسوف المأخوذ في قلقه حد التطيُّر، سؤالُه حائر وجوابُه حائر. ولأنه لا يقدر على تحصيل اليقين طابت له الإقامة في دنيا الأسئلة الفانية. حين كتب على نفسه ان يتعرَّف الى الأشياء كما هي في ذاتها، وان يقتفي أثر الأحداث والظواهر قصد تحرِّي عِللِهَا وأسبابها والنتائج المترتبة عليها، تاه في أمره؛ حتى لقد أخذه الظن بأن الاهتداء الى الحقيقي والعقلاني انما يمر عبر الحواس واستدلالات الذهن الحاسب.

في مفتتح كتابه الذي صدر عام 1763 بعنوان “بحث في وضوح مبادئ اللاَّهوت الطبيعي والأخلاق” ذكر ايمانويل كانط أن الميتافيزيقا ـ هي بلا أدنى شك ـ أكثر الحدوس الإنسانية قوة لكنها لم تُكتب بعد.. وفي كتابه “نقد العقل الخالص” أراد أن يدون الميتافيزيقا على هيئة لا قِبَلَ لها بها في سيرتها الممتدة من اليونان الى مبتدأ الحداثة. شعر وهو يمضي في المخاطرة كأنما امتلك عقلاً حراً، بعدما ظن انه تحرَّر تماماً من رياضيات ديكارت. راح يرنو الى الإمساك بناصيتها ليدفعها نحو منقلب آخر. لكن حين انصرف الى مبتغاه لم يكن يتخيل ان “الكوجيتو الديكارتي” رَكَزَ في قرارة نفسه ولن يفارقها قط. ربما غاب عنه يومئذٍ ان تخلِّيه عن منهج ديكارت الرياضي لن ينجيه من سطوة “الأنا أفكر” ولو اصطنع لنفسه منهجاً آخر. كانت قاعدته الاولى عدم البدء بالتعريفات كما يفعل علماء المنطق الرياضي، بل عليه البحث عما يمكن إدراكه في كل موضوع عن طريق البرهان المباشر. كأن يقومُ المبرهَنْ عليه من تلك الإدراكات بالتعبير مباشرة عن نفسه بحكمٍ ما. أما قاعدته الثانية فقد نهضت على إحصاء كل الأحكام بشكل منفصل، والتيقُّن من أن لا يكون أيّ منها متضمَّناً في الآخر. وأخيراً وضع الأحكام الباقية كأوليات أساسية ينبغي بناء كل المعرفة اللاحقة عليها.

سَيبينُ لنا جرَّاء ما سَلَفَ أن النقد الكانطي للميتافيزيقا، لم يكن سوى إنشاء متجدِّد للشك الديكارتي بوسائل وتقنيات أخرى. فالمشروع النقدي الذي افتتحه كانط هو في مسراه الفعلي امتدادٌ جوهريٌّ لمبدأ الـ “أنا أفكر” المؤكِّدة لوجودها بالشك. وهو المشروع الذي أسس لسيادة العقل، وَحَصَر الهم المعرفي الإنساني كله بما لا يجاوز عالم الحس. لكن انهمام كانط بالعقلانية الصارمة سيقوده راضياً شطرَ الكوجيتو الديكارتي حتى ليكاد يذوي فيه. الأمر الذي سيجرُّ منظومته الفلسفية نحو أظِلَّة قاتمة لم تنجُ الحضارة الحديثة من آثارها وتداعياتها حتى يومنا هذا.

من معاثر “مبدأ الأنا أفكر” انه أفضى إلى انبعاث الإلحاد في فضاء الفلسفة الحديثة. فقد جرت الألوهية مع “الكوجيتو” وفق معادلة مختلة الأركان قوامها: الله الموجود هو مجرد نتيجة لـ «الأنا موجود». ومن معاثره أيضاً أن الإنسان ـ بوصفه مخلوقاً ـ يكوّن معرفته الخاصة ويجعلها تؤسّس ذاتها من دون مسبقات. الـ “أنا موجود” (ergosum) التي تلي «الأنا أفكّر» (cogito) هي تعبير عن كيان يريد إظهار نفسه بالتفكير والكينونة بمعزل عن الله، وبسبب من كونه عاجزاً عن فعل هذا، فإنه يمنع تجلّي نفسه وتجلّي الله في اللحظة عينها.  زد على هذا أن الكوجيتو الديكارتي، بالأساس، يشكل انعطافة معرفية نحو الأنا المكتفية بذاتها. وهي التي ستفضي بحكم غلوائها المفرطة، إلى أنانية ليبرالية ذات نظام سياسي واقتصادي شديدة الأنانية.

منظومة كانط المسكونة بسلطان الكوجيتو ومعاثره، سوف تُستدرج الى تناقض بيِّن في أركانها. وللبيان نتساءل: كيف يمكن أن يستخدم كانط العقل كوسيلة ليبرهن أن هذا العقل لا يستطيع أن يصل إلى المعرفة الفعلية بالأشياء كما هي واقعاً؟ وكيف يمكن أن يعلن أن المرء لا يستطيع تحصيل معرفة الشيء في ذاته، وفي الوقت نفسه يستمر في وصف العقل كشيء في ذاته. واضح أن مجمل حجج كانط ـ كما يبين الفيلسوف الألماني فرانز فون بادر Franz Von Baader (1756 ـ 1841) ـ لا أساس لها ما لم تكن قادرة على وصف العقل كما هو في حقيقته. وهذا لا ينطبق على كانط فحسب، بل على كل الفلاسفة الذين تشابهت عليهم مكانة العقل وحدوده. فإذا كنا لا نعرف إلا ظواهر الأمور، فكيف يمكننا أن نعرف العقل بذاته؟ وإذا كنا لا نعرف إلا الظاهر فقط، فهل ثمة معنى لقولنا إننا نعرف شيئا ما؟ واما سبب هذه التناقضات على الجملة فتكمن في أن الفلسفة النقدية استثنت معرفة اللَّه والدين النظري من حقل المعرفة التي يمكن الحصول عليها عن طريق العقل[2].

اضطر كانط لمواجهة اليأس من التعرّف على “سرّ الشيء في ذاته”، إلى ان يبتني أسس المعرفة الميتافيزيقية بوساطة العلم. استبدل التعريفات المجردة بالملاحظة التجريبية، حتى لقد خُيِّل للذين تابعوه وكأنه يغادر الفلسفة الأولى ومقولاتها ليستقر في محراب الفيزياء. وليس كلامه عن أن “المنهج الصحيح للميتافيزيقا هو المنهج نفسه الذي قدمه نيوتن في العلوم الطبيعية”، سوى شهادة بيِّنة على نزعته الفيزيائية.

كان “تقوياً” الى الدرجة التي جعلته يحارب على جبهتين في آن: رفض الميتافيزيقا غير المبرهن عليها بسلطان العقل، ودحض ما قرره الفلاسفة الوضعيون لجهة إقصاء الفلسفة من مهمة تدبير العالم. لقد رأى ان إلغاء الميتافيزيقا تماماً سيكون مستحيلاً، وان أكثر ما يمكن فعله هو إزالة بعض الأنواع غير الصالحة منها، وفتح الباب أمام ما يسميه بالعقيدة العلمية الجديدة. وهي العقيدة التي سيضعها كانط تحت عنوان “الإمكان الميتافيزيقي” في العالم الطبيعي، وتقوم على التمييز المنهجي بين عالمين غير متكافئين: عالم الألوهية وعالم الطبيعة.

لكن التمييز الكانطي بين هذين العالمين سيغدو في ما بعد تفريقاً بين الكائن المتعالي فوق الزمان والمكان، وبين الدين بما هو كائن تاريخي ثاوٍ في الزمان والمكان. مع هذا التفريق سينفجر التأويل وتتعدد القراءات ليُرى إلى كانط تارة كفيلسوفٍ مؤمن توارى إيمانه بين السطور والألفاظ، أو كملحدٍ لا يرى إلى الله إلا كمتخيَّل بشري…

لقد قيل بصدد هذا المُشكل أن هدف كانط من نقده لأدلة وجود الله لم يكن من أجل ترسيخ الإنكار النظري التام لوجود الله، بل لتمهيد الطريق لإثباتٍ أكثر أصالة لوجود الله. ومن خلال قصر كانط لمعنى “المعرفة” على الفهم العلمي للأشياء الظاهرية وقوانينها، وبإنكاره لإمكانية امتلاكنا المعرفة النظرية بوجود الله، كان يُنكر إمكانية معرفة الله بالطريقة نفسها التي نُدرك من خلالها أي شيءٍ مادي. وبما أن الله ليس جزءاً من العالم المادي بأي شكل من الأشكال، فلا يُمكن على نحوٍ أدق إثبات كونه موضوعاً للمعرفة النظرية. وإذا أردنا إثباته، فلن يكون ذلك من خلال بيئة المعرفة العلمية بل عبر نوع من الإثبات الذي يتجاوز المعرفة العلمية ويمكن إطلاق صفة الإيمان المنطقي عليه بسبب الافتقار لمصطلح أفضل.

بالتأكيد لن يُحمل على كانط أنه كان عدوّاً للإيمان، لكن عَيْبَه الموصوف أنه أسس لـ “مانيفستو فلسفي” يقطع صلات الوصل المعرفية بين الله والعالم وبالتالي بين الدين والعقل. هذا هو الإجراء “الكوبرنيكي” الذي شقّ الميتافيزيقا إلى نصفين متنافرين (ديني ـ دنيوي) وما سينتهي إليه من غلبة الدنيوي المحض على أزمنة مديدة من أنوار الحداثة.

مع هذا، فقد بدا كانط كما لو أنه فتح الكوة التي ستتدفق منها موجات هائلة تعادي التنظير الميتافيزيقي ولا تقيم له وزناً في عالم الإمكان الفيزيائي. أهل الميتافيزيقا المثلومة من مثل هؤلاء أخذوا مقالة كانط بشغف ولا يزالون عاكفين عليها كأمر قدسي. أعادوا إنتاج القطيعة بين الكائن الذي لا يُدرك والموجود الواقع تحت راحة اليد. في أحقاب متأخرة حرصوا على وقف مهمة الميتافيزيقا حيناً على التحليل العلموي وحيناً آخر من أجل استخدامه في عملية التوظيف الإيديولوجي. وعليه فقط دأبوا على إحاطتها بسوار لا ينبغي فكّه إلا عند الاقتضاء. فلا تصبح الميتافيزيقا ممكنة إلا متى كان هناك مجال شرعي للمبحث الميتافيزيقي. في حين تكون العلوم التجريبية هي الحاكم. بل هي وحدها القادرة، على إنبائنا ببنية الواقع الأساسية.

لم يكن الحاصل من تصيير الميتافيزيقا علماً متاخماً للعلوم الإنسانية وسيَّالاً في ثناياها، سوى طغيان النزوع العقلاني على الثقافة الغربية منذ أرسطو إلى يومنا هذا. ولقد أكمل كانط رحلة الإغريق من خلال سعيه الى انشائها على نصاب جديد عبر تحويلها الى موقف ينزلها من علياء التجريد الى الانهمام بالعالم. لكن بدل الاكتفاء بالتمييز والإبقاء على خيط تتكامل فيه العملية الإدراكية للموجود بذاته والموجود بغيره، راح يفصل بين العالمين ليبتدئ زمناً مستحدثاً تحولت معه الميتافيزيقا الى فيزياء أرضية محضة.

2- هيغل ذروة اضطراب الميتافيزيقا المعاصرة

أخذ هيغل عن الأسلاف معثرته الكبرى. فكان بذلك أرسطياً بقدر ما كان ديكارتياً وكانطياً في تمارينه الفلسفية. من بعدِ ما أضناه مبحثُ الوجود بذاته سيعرض هيغل عن ورطته اللاهوتية ليحكم على الوجود بالخلاء المشوب بالعدم. فلا وجود عنده إلا ما هو ظاهرٌ وواقعٌ تحت مرمى الأعين. وفي هذا لم يأتِ بجديد يَفْرُق بينه وبين السلف. ليس ثمة على ما يبدو من مائز جوهري بينه وبينهم. أخذ عنهم دربتهم ثم عكف على مجاوزتهم حتّى اختلط الأمر عليه حدّ الشبهة. آمن هيغل بالوجود ثم اخضعه للديالكتيك. هذه المرة على خلاف ما استلهمه من جوهر الايمان المسيحي. لم يفعل ذلك من أجل توكيد كفاية الوجود لذاته بذاته، بل للتقرير أنه متناقض في ذاته. ومعنى هذا – كما يبيِّن في مدّعاه- أن وجود المجرّد – قبل وجود الطبيعة – يحتمل ألا يكون موجوداً وموجوداً في الآن عينه. أي أنّه ينطوي هو نفسه على الوجود واللاوجود في الآن عينه. والحال فقد اصطدم كل من هذين النقيضين في نظامه الفلسفي لينجم من ذلك أن تحوَّلَ فكرُه بكامله الى ظواهر الموجودات، ثم ليسري مذهبه التناقضي إلى كل موجود، سواء كان طبيعة أم إنساناً أم مجتمعاً.

من المفيد للذكر.. أن إحدى أبرز النظريّات التي طرحها هيغل هي نفي (الوجود المحض) جملةً وتفصيلاً. ذلك لاعتقاده ان كلّ وجودٍ إنّما ينشأ إثر تركيبه مع العدم. بمعنى أنّ الوجود والعدم يجتمعان مع بعضهما ليتمخّض عنهما الوجود الطبيعي. ولقد سعى الرجل الى توليفٍ ملتبسٍ يجتمع فيه الضدان والنقيضان، ثم ليكون هذا التوليف مؤسَّساً على فرضيتين أساسيتين:

الأولى: أن كل شيء يكون موجوداً ومعدوماً في آن واحد.

والثانية: أن التناقض في الموجودات هو أساس حركتها وتكاملها.

3- هايدغر كانعطاف معاكس

بدت مساعي هايدغر على خلاف ما اقترفه السابقون عليه. قد يكون سؤاله الأثير عن السبب الذي أفضى الى وجود الوجودات بدلاً من العدم؟ دليلاً على ذهابه الى السؤال المؤسِّس. الإجابة كانت بديهية من طرف هايدغر: إن الشيء الذي يناقض نفسه لا يمكن أن يكون أو يوجد. لكأنما يرد على هيغل من دون أن يسمّيه؛ ثم يضيف متعجِّباً: كيف يكون هناك وجود محدّد وغير محدّد في آن واحد. ومن جهتنا نضيف: كيف لهيغل أن يرتضي لنفسه السؤال عن شيء ليس موجوداً؟.

استعاد هايدغر ما سبق وما لَحِق من أسئلة الميتافيزيقا، ثم استودعها «حاضرته» الفائضة بالإبهام. فليس من غرابةٍ إذاً، أن نرى إلى مختبر أفكاره كمستودع يحوي العناوين الكبرى التي أنجزتها الفلسفة، على تعاقب أطوارها، وتنوع مدارسها وتياراتها[3].

شُغلُه باستعادة الأسئلة الماضية الحاضرة، لم يكن لأجل تفكيكها او انتقادها تمهيداً للتبرُّؤ منها، وإنما لتكون له ممراً إجبارياً لمجاوزتها، وإعادة تظهيرها وفقَ ما يختزنه مشروعه من إنشاء فلسفي متجدد. أفصح هايدغر عن ذلك لمَّا أشار إلى صعوبة الكتابة من خارج أفق الميتافيزيقا. وحجَّتُه أن الاعتناء بالسؤال المؤسس – أي ذاك الذي يستفهم حقيقة الوجود – يستحيل ان يُنجز بمعزلٍ عن عالم الواقع، الذي يشكل برأيه أفق الدلالة الشاملة للذّات الحيّة، والذي في مجاله تتحقَّق الخبرة الإنسانية.

لم يقطع هايدغر مع الميتافيزيقا الكلاسيكية التي اكتفت بالاعتناء بالموجود، بل دعا إلى اجتيازها من خلال العودة إلى السؤال الأصيل عن وجودٍ لفَّهُ النسيانُ. لأجل ذلك راحت منظومته تنمو وتتكامل على امتداد انعطافات أربعة:

الأول: حين توقف مليّاً عند معنى واجب الوجود.

الثاني: لمَّا سعى إلى تجاوز وهن الميتافيزيقا وفقرها الوجودي. كانت دعوته حالذاك متّجهةٌ إلى   نقل الهمّ الميتافيزيقي من حيِّز الاعتناء بالماهيّات نحو فضاءِ العنايةِ بالوجودِ وأصالتهِ.

الثالث: لمَّا استدرجه السؤال عن حقيقة الوجود إلى قلق طاول قاع النفس والفكر، وبسببه طفق يبحث عن مَلَكَاتٍ أخرى غير مرئية في الروح الإنسانية لتكون البديل من العقلانية المتشيّئة لميتافيزيقا الحداثة.

الرابع: حَيْرتُه في الإشراقات التي وجد أن الكينونة تَهَبُها للإنسان لكي يهتدي بها إلى صواب الضمير[4].

إذا كانت مهمة هايدغر الأولى مجاوزة الميتافيزيقا بداعي انئخاذها بالموجود، وغفلتها عن الحقيقة الأصلية للوجود، فمثل هذه المهمة لا تلبث حتى تتضاعف تحيُّراً حين تعلم أن تلك “الغافلة عن أصلها” لمَّا تزل تحتل مساحة العالم وتقرر مصائر أهله. ذاك أن عصر الانتقال من الميتافيزيقا المكتفية بعالم الحواس إلى ما فوقها، يتم بصوت خفيض أمام ضوضاء التقنية وسيطرتها المطلقة. في هذه الحقبة من تطوّر الميتافيزيقا يصبح الكائن الإنساني في وضعيّة حدِّية وحرجة: من ناحية تجعله يستسلم لجنون الهيمنة، ومن ناحية أخرى يتنبَّه إلى وجوب أن يأخذ قسطه من مسؤولية كشف الواقع الذي هو فيه. والكشف هنا هو إزاحة السِّتر عما يمارسه العقل التقني، إلى الحد الذي يجعل انتماء الإنسان للوجود يعلن عن نفسه عبر استشعاره للخطر. وهذا الإنسان هو نفسه الذي سيطلق عليه هايدغر اسم “الدازاين” أو”الكائن الإنساني الباحث عن سر حضوره في العالم”. وهو ما حاول هايدغر التفكير فيه تفكيراً خاصاً عبر ما سمَّاه (الإيرأيغنيس Ereignis). أو “الانبثاق الكبير”[5]

لم يفارق هايدغر أسئلة الميتافيزيقا الصمّاء. لكنه لم يسكن إليها، وإنما ساكَنَهَا على سبيل المجاراة والوفاء لقربى قديمة. أما ما ستؤول إليه رغائبه فذلك ما ستفي به إلقاءات السنين الأخيرة من عمره.

لن نقول إن هايدغر بلغ المكان الآمن في الحضرة. لقد مضى بالبذل طلباً لهذا المبتغى. لكنه اتجه شطر الألوهي بشقّ النفس.. الى ان وجدناه بعد طوافه الأخير في صحراء الميتافيزيقا الظمأى يعلن ان بإمكان: “الله وحده أن يمنحنا النجاة”… وما كنا لنستحضر التنظير الهايدغري هذا، إلا باعتبار ما “اقترفه من شَغَبٍ فريد” في تاريخ الميتافيزيقا الغربية. فالمحصول الذي زوَّدنا به كان أدنى إلى «جيولوجيا فلسفية» لم تُخرج كل نباتها بعد..

4- معثرة التناقض بين العقل والدين

الأثر البيِّن لمعاثر الميتافيزيقا الحديثة سيظهر في ملحمة الاحتدام بين الايمان الديني والعقل العلمي. فلقد جاءت أطروحة التناقض بين العقل والإيمان الديني كتمثيل بيِّن على مشروع التنوير الذي افتتحته الحداثة في مقتبل عمرها. وسيأتي من فضاء الغرب نفسه من يُساجل أهل الأطروحة ليُبيِّن أن الإيمان لو كان نقيضاً للعقل لكان يميل إلى نزع الصفة الإنسانية عن الإنسان. فالإيمان الذي يدمِّر العقل يدمر في المقابل نفسه ويدمر إنسانية الإنسان. إذ لا يقدر سوى كائن يمتلك بنية العقل على ان يكون لديه هماً أقصى. أي أن يكون شغوفاً بالله والإنسان في آن، وذلك إلى الدرجة التي يؤول به هذا الشغف إلى تخطي الثنائية السلبية التي تصنع القطيعة بين طرفيها. وحدُه من يمتلك ملكة «العقل الخلاَّق» ـ أي العقل الجامع بين الإيمان بالله والإيمان بالإنسانية ـ هو الذي يفلح بفتح منفذٍ فسيح يصل بين الواقع الفيزيائي للإنسان وحضـور المقـدس في حياته. وما نعنيــه بالعقل الخلاَّق هـو العقــل الذي يشكل البنية المعنويــة للذهن والواقع، لا العقل بوصفه أداة تقنية بحتة. وبهذا المعنى يصير العقل شرطاً تأسيسياً للإيمان: ذلك لأن الإيمان هو الفعل الذي يصل به العقل في نشوته الإنجذابية إلى ما وراء ذاته. أي إلى ما بعد أنانيته التي يتجاوزها بالإيثار والعطاء والجود والغيرية. بتوضيح آخر، أن عقل الإنسان متناهٍ ومحدود، ويتحرك داخل علاقات متناهية ومحددة حين يهتم بالعالم وبالإنسان نفسه. ولجميع الفعاليات الثقافية التي يتلقى فيها الإنسان عالمه هذه الخاصية في التناهي والمحدودية. لكن العقل ليس مقيداً بتناهيه، بل هو يعيه، وبهذا الوعي يرتفع فوقه وعندها يجرب الإنسان انتماءً إلى اللاَّمتناهي الذي هو مع ذلك ليس جزءاً منه ولا يقع في متناوله، ولكن لا بد له من الاستحواذ عليه. وحين يستحوذ على الإنسان يصير بالنسبة إليه هماً لا متناهياً أي مقدساً ونبيلاً. وحين يكون العقل ـ بهذه الصيرورة ـ مسلّمة للإيمان، يكون بهذا المعنى تحققاً للعقل. ومقام الإيمان بوصفه حالة هم أقصى هو نفسه مقام العقل في طور نشوته الإنجذابية. والنتيجة أن لا تناقض بين طبيعة الإيمان وطبيعة العقل بل يقع كل منهما في داخل الآخر[6]..

في الفضاء العرفاني الإسلامي سنجد تأصيلاً غير مسبوق في التمييز بين العقل الحسير والعقل الخلاَّق. يتخذ العقل عند ابن عربي صورتين: صورة فاعلة، يكون فيها العقل مرادفًا للـ “فكر”، أي للقياس والممارسات الاستدلالية والحدِّية بصفة عامة، وصورة منفعلة، يتخذ فيها العقل معنى المكان، أي مكان قبول المعارف الآتية إليه إما من الله، أو من الفكر، أو من القلب. يوجِّه ابن عربي نقده العنيف فقط لصورة العقل بمعناه الفكري، ويرصد ثلاثة عيوب أساسية للعقل الظواهري(الفينوميني) هي: عيب الوساطة، وعيب التقييد، ثم عيب الموضوعية والحياد[7].

إذا نظرنا إلى الكيفية التي يحصل بها العقل في منزلته الظواهرية على معطياته المعرفية، نجده لا يستطيع أن يدرك بنفسه لا الظواهر الخارجية ولا المعاني الغيبية، وإنما هو يقوم بذلك بالواسطة، عن طريق الاستدلال والحد، سواء على صعيد الطبيعة أو على صعيد ما بعد الطبيعة. فبالنسبة لظواهر الطبيعة، كالألوان مثلاً، أو أسرار الذات والأسماء الإلهية، يبدو العقل عاجزًا أن يقف عليها بنفسه ومباشرة[8]. عن افتقار العقل إزاء غيره يقول: «إن العقل ما عنده شيء من حيث نفسه، وإن الذي يكتسبه من العلوم إنما هو من كونه عنده صفة القبول.» (الفتوحات، 1: 289)؛ ويضيف في ن.ص.: «وقد علم الله أنه جعل في القوة المفكِّرة التصرف في الموجودات والتحكم فيها بما يضبطه الخيال من الذي أعطته القوى الحسية، ومن الذي أعطته القوة المصوِّرة…» (ن.م.، 2: 319)؛ كما يقول: «فإن العقل ليس له مجال بميدان المشاهد والغيوب. فكم للفكر من خطأ وعجز، وكم للعين من نظر مصيب. ولولا العين لم يظهر لعقل دليل واضح عند اللبيب”. (ن.م.، 2: 628) فالألوان إنما يدركها العقل عن طريق الحواس: “… وكذلك القوة البصرية جعل الله العقل فقيرًا إليها فيما توصله إليه من المبصرات، فلا يعرف الخضرة ولا الصفرة ولا الزرقة ولا البياض ولا السواد ولا ما بينهما من الألوان ما لم ينعم البصرُ على العقل بها؛ وهكذا جميع القوى المعروفة بالحواس”.[9] عن تبعية العقل للحواس والخيال يقول: “وإدراك العقل على قسمين: إدراك ذاتي، هو فيه كالحواس لا يخطئ؛ وإدراك غير ذاتي، وهو ما يدركه بالآلة التي هي الفكر، وبالآلة التي هي الحس. فالخيال يقلِّد الحس فيما يعطيه، والفكر ينظر في الخيال، فيجد الأمور مفردات، فيحب أن ينشئ منها صورة يحفظها العقل، فينسب بعض المفردات إلى بعض. فقد يخطئ في نسبة الأمر على ما هو عليه، وقد يصيب؛ فيحكم العقل على ذلك الحد، فيخطئ ويصيب. فـالعقل مقلِّد، ولهذا اتصف بالخطأ”. (ن.م.، 2: 628) أما الصفات والأسماء والذات الإلهية فلا يمكن أن يدركها الإنسان إلا بالقلب والبصيرة. هكذا يبدو العقل غير مستقل بنفسه بالنسبة لموارده المعرفية، سواء إزاء الحواس والخيال أو إزاء القلب. من هنا جاء افتقارُه وتبعيَّته لغيره: «يا أخي، ما أفقر العقل حيث لا يعرف شيئًا مما ذكرناه إلا بوساطة هذه القوى، وفيها من العلل ما فيها”.[10] ويستخلص ابن عربي بأنه إذا كان لا مناص من التقليد، فلنقلِّد الخبر؛ فهو أولى من تقليد العقل، لاسيما عندما يتعلق الأمر بمعرفة الذات الإلهية، التي يتكفل الله نفسه بالإخبار عنها. عن عيب التقليد يقول: «فقد علمنا ما عنده [العقل] شيء من حيث نفسه، وأن الذي يكتسبه من العلوم إنما هو من كونه عنده صفة القبول. فإذا كان بهذه المثابة، فقبوله من ربِّه لما يخبر به عن نفسه تعالى أوْلى من قبوله من فكره – وقد عرف أن فكره مقلِّد لخياله، وأن خياله مقلِّد لحواسه؛ ومع تقليده، فهو غير قوي على إمساك ما عنده ما لم تساعده على ذلك القوة الحافظة والمدركة… فتقليد الحق أوْلىَ.» (ن.م.، ج 1: 289)؛ ويضيف: «… فيعرف الأمور كلَّها بالله، ويعرف الله بالله؛ إذ لا بدَّ من التقليد. وإذا عرفتَ الله بالله، والأمور كلَّها بالله، لم يدخل عليك في ذلك جهل ولا شبهة ولا شك ولا ريب.» (ن.م.، 2: 298)؛ «فقلِّد ربك؛ إذ لا بدَّ من التقليد، ولا تقلِّد عقلك في تأويله، واصرف علمه إلى قائله، ثم اعمل حتى تنزل في العلم كهو. فحينئذٍ تكون عارفًا، وتلك المعرفة المطلوبة والعلم الصحيح.» (ن.م.، 2: 298).

بذلك يتضح لنا مورداً أساسياً من الموارد التي يؤسس عليها العرفاء نظريتهم المعرفية. ونعني به مورد الشرع الذي يتأتى إليهم بالإخبار الإلهي عن طريق الأنبياء والأولياء. فالعقل الاستدلالي الذي يعتمد على المنطق والتجربة يصل في جهوده الى الحد الذي لا يستطيع معهما مواصلة التعرف على حقائق الأشياء في عللها الباطنة. أما الشرع المقبل إلينا من الغيب فهو يجيئنا بالخبر المسلَّم به، وإن خفي علينا ما يختزنه من أسرار.

ب- العيب الثاني للعقل، وهو عيب الحصر والتقييد ويتجلَّى في نظر الشيخ الأكبر في أرقى وسائله للبحث عن الحقيقة والتعبير عنها، وهما الحد والبرهان. ذلك أنه لمَّا كانت نظرية الحدِّ تنطلق من اعتبار أنه لا يوجد للشيء الواحد إلا حد واحد، بحكم حيازته لماهية واحدة فقط، وأن هذه الماهية محصورة في مقوِّمَين اثنين فقط، هما جنسها القريب وفصلها الذي يميزها داخل هذا الجنس عن بقية الماهيات، فإن حدَّ ذات الشيء معناه، في نظر ابن عربي، إعطاء صورة فقيرة عنها، لأنه يستبعد كلَّ الصفات الأخرى التي تتحلَّى بها الذات، ما خلا الصفتين اللتين يُعتَقَد أنهما أساسيتان. ويظهر عيب التقييد بكيفية سافرة وغير مقبولة عندما يتطاول العقل على الذات الإلهية التي هي، بالتعريف، غير قابلة للحدِّ والتقييد، ولو كان تقييد إطلاق[11]. لكن ليس معنى هذا أن ابن عربي يتخذ موقفًا لاأدريًّا من الذات الإلهية؛ بل إنه يقترح بديلاً للوقوف على غناها وقابليتها للتحلِّي بصور لامتناهية، هو طريق القلب، لأنه مكان يَسَعُ كلَّ شيء، ولأنه لا يقيِّد ولا يحصر، بل يحيط بكلِّ الصور في تقلُّبها وتواردها المستمر على الذات[12].

أما العيب الثالث للعقل البرهاني، فيتمثَّل بنظر ابن عربي، يتمثل في ادِّعائه القدرة على الوصول إلى معرفة موضوعية ومحايدة تصمد أمام تحولات التاريخ، وتتعالى عن صراع الآراء وتَطاحُن المعتقدات. بل يذهب الشيخ الأكبر إلى القول بأن كلَّ معرفة مشروطة بذات ما، وبوضع معرفي وتاريخي معين؛ ولا يمكن القول أبدًا بحقيقة خارجة عن مُدرِكها وفاعلها الذاتي والموضوعي[13]. ومما يدل على ذلك أن المبادئ الأولى التي يستند إليها العقل في عملياته المعرفية، كمبدأ الذاتية وعدم التناقض والثالث المرفوع والسببية إلخ، ليست في مأمن من الخطأ والضلال. ولعل اختلاف أهل الفكر والنظر فيما بينهم خير دليل على أن عدم صحة دعوى موضوعية وثبات المعرفة العقلية[14]، في مقابل أهل الكشف والوجود من الأنبياء والأولياء، الذين لا نجد – حسب ابن عربي – أيَّ أثر للخلاف والصراع فيما بينهم؛ بل كلُّ واحد منهم يؤيِّد كلام السابقين عليه. وبهذه الجهة يكون شيخ مرسية أقرب إلى الإيمان بأن طريق الاتفاق والتسليم والتقليد أوْلَى وأسلَم للوصول إلى العرفان الحقِّ من الخلاف والصراع والابتداع[15].

  • رجوع الديني تراجع العلماني

هل يعني عودة القضية الدينية الى المجتمعات العالمية، والمجتمعات الغربية على وجه الخصوص، غياب العلمانية أو انكفائها عن حضورها التاريخي؟

الجواب الابتدائي كما تشير اليه صورة النقاش بين النخب الغربية نفسها لا تقر بمثل هذه المعادلة. لذا ستأخذ حلقات التفكير مساراً آخر لا يقوم على قانون النفي والاثبات، وإنما على سعي للعثور على منطقة وسطى تؤسس لتسوية المشكلة.

لا ريب بأن “رجوع الديني”، هو عنوان إشكالي سيكون له آثاره البيِّنة على المفاهيم والأفكار والقيم التي تجتاح المجتمعات الغربية اليوم. من بين تلك الآثار ما ينبري إلى تداوله جمعٌ من فلاسفة ومفكري الغرب سعياً للعثور على منظور معرفي يُنهي الاختصام المديد بين الدين والعلمنة. والذي تسالَمَ عليه الجمعُ في ما عرف بنظرية “ما بعد العلمانية”، هو أحد أكثر النوافذ المقترحة حساسية في هذا الاتجاه. ما يعزز آمال القائلين بهذه النظرية أن أوروبا الغنية بالميراثين العلماني والديني قادرة على إبداع صيغة تناظر تجمع الميراثين معاً بعد فِرقة طال أمدها. ربما هذا هو السبب الذي لأجله ذهب بعض منظِّري “ما بعد العلمانية” ـ ومنهم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ـ إلى وجوب تخصيص إطار مرجعي يحضن أهل الديانات وأتباع العلمنة سواء بسواء بغية العيش المتناغم في أوروبا تعددية.

شغف التساؤل حول صيرورة الاحتدام بين العقل والدين ومآلاته، لم يتوقف عند هذا المفرق.. كان ثمة منحى آخر تترجمه المحاورات الهادئة بين اللاَّهوت والفلسفة. واللقاء المثير الذي جمع قبل بضعة أعوام البابا بينيدكتوس السادس عشر إلى الفيلسوف هابرماس[16]، شكَّل في العمق أحد أبرز منعطفات التحاور الخلاّق بين الإيمان الديني والعلمنة في أوروبا. ومع أن اللقاء لم يسفر يومئذٍ عما يمكن اعتباره ميثاقاً أوليّاً للمصالحة بين التفكير اللاهوتي والتفكير العلماني، إلا أنه أطلق جدلاً قد لا ينتهي إلى مستقر في الأمد المنظور.

اللقاء الفريد بين الرجلين، ظَهَّرَ المسلَّمات التي ينبغي الأخذ بها لتحصين كرامة الإنسان في زمن بلغت فيه اختبارات الحداثة حدَّ التهافت. وجد هابرماس في العقل العملي لـ “الفكر ما بعد الميتافيزيقي العلماني” نافذة نجاة.. بينما وجده البابا بنيديكتوس في الإنسان كمخلوق إلهي. يومها اعترف هابرماس باستعداد الفلسفة التعلُّم من الدين. كان لسان حاله يقول: ما دام العقل لم يستطع القضاء على الوحي في فضاء علماني، فليهتم الفيلسوف بالإيمان عوض الاستمرار في الحرب معه. ثم أصرَّ على ضرورة أن توليَ الدولة المشرِّعة للقوانين كل الثقافات والتمثُّلات الدينية عنايتها، وأن تعترفَ لها بفضاء خاص في إطار ما سماه بالوعي “ما بعد العلمانيّ” للمجتمع. أما إجمالي ما ذهب إليه البابا فهو دعوته إلى تحصين الحضارة الغربية المعاصرة عبر خمس ركائز: التعاون بين العقل والإيمان ـ مواجهة التحديات الجديدة التي تواجه الإنسان ـ فكرة الحق الطبيعي كحق عقلي ـ  التعدد الثقافي كفضاء لارتباط العقل والإيمان ـ العقل والإيمان مدعوان لتنظيف وإشفاء بعضهما البعض[17]

لو كان لنا من عبرةٍ تُستخلَصُ مما دار بين اللاهوتي والفيلسوف، لقلنا إن ما حصل هو أشبه بإجراء ينبئ عن انصرام تاريخ غربي كامل من الجدل المزمن حول “بِدعة” الاختصام بين الوحي والعقل. لكن ماذا لو افترضنا بناء على ما مرّ، أن تكون صنيعة ما بعد العلمانية هي منطقة التوسط الفضلى بين نقيضين شكلا محور اهتمام مثل سواها من المفاهيم التي استحدثتها الحداثة يجري القول على فكرة “ما بعد العلمانية” مجرى البدايات والنهايات. أي على بَدءٍ جديد يلي انتهاءات مضت. والأحاديث عن موت المفاهيم في ثقافة الغرب عمرُها عمرُ الحداثة. أحاديث لم يتوقف سَيلُها منذ أول نقدٍ “لتنويرٍ” مالت شمسُه إلى المغيب مع المنعطف الميتافيزيقي الذي قاده كانط وهو يعاين معاثر العقل المحض وعيوبه. لم يكن شغف العقل الحداثي بختم المفاهيم والاعلان عن نهايتها، إلا لرغبة ببدءٍ جديد. فالتاريخ ليس حركة انتقال من الخواء إلى الملاء، وإنما هو امتدادٌ جوهريٌّ بين الماقبل والمابعد. فكل مقالة عن نهاية أمرٍ ما، إنما هي ضربٌ من إعلان مضمر عن بَدءٍ لأمر تالٍ من دون الحكم عليه بالبطلان. في ذلك شَبَهٌ ـ بنسبة ما ـ مع تنظير هايدغر حول نهاية الميتافيزيقا ليُظهر أن إنهاءها هو التملك الفعلي لها وليس نبذها أو الإطاحة بها. فالانسحاب والتواري داخل السلالة الواحدة، لا يدل بالضرورة على فعليْن متناقضيْن يريد كلٌّ منهم نفي نظيره[18].

ولذا فإن المسرى الامتدادي بين الماقبل والمابعد لا ينشط على سياق آليّ، كأن يتحرك من النقطة ألِف إلى النقطة ياء من دون أخذ وعطاء، فذلك ليس من طبيعة المسرى الذي نحن في صدده، وإنما هو فعالية متضمَّنة في جوهر حركة التاريخ التي تتأبَّى على الانقطاع والفراغ.

كل ما جاء به العقل الغربي من محاجَّات، فإنما من تضخم الذات التي أسلمت نفسها لمسلمتين سحابة أربعة قرون خلت:

1 – مسلَّمة العلم التي تقرر أن العلم والتفكير العلمي قادران لوحدهما أن يحدِّدا كل ما علينا أن نتقبله على أنه حقيقي. وأن كل شيء يجب أن يخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، او أي فرع آخر من فروع العلم، أما الروحانيات وحتى الشعور بالجمال والحدس والعاطفة والأخلاقيات، فقد اختزلتها النظرة العقلانية إلى مجرد متغيرات في كيمياء الدماغ تتفاعل مع مجموعة من القوانين الميكرو ـ بيولوجية المرتبطة بتطوّر الإنسان.

         2 – مسلَّمة الهيمنة والاستحواذ، لمَّا رأت ان الهدف من العلم – كما يقول فرانسيس بيكون – هو التحكم بالعالم الخارجي واستغلال الطبيعة، والسعي الحثيث إلى جلب المنافع أنَّى وُجِدَت…

من أجل ذلك سيكشف مسار الحداثة الفائضة عن خراب مبين في اليقين الجمعي سيُعرِّفُهُ عالم الاجتماع الألماني دوركهايم بـ”هيكل الشرك الحديث”. وهذا هو في الواقع، ما تستجليه عقيدة الفرد وشخصانيته المطلقة. فالشكل العبادي للشرك الحديث ـ كما ألمحَ دوركهايم ـ ليس الوثنية بل النرجسية البشرية، حيث بلغ تضخم الذات لديها منزلة الذروة في زمن الليبرالية المطلقة..

لقد ظهر في اختبارات الحداثة وامتداداتها المعاصرة أن ليس للمقدس لدى “العِلْموية” بصيغتها الإلحادية من محل. وهنا على وجه الضبط تكمن إحدى أهم خاصِّيات التهافت في الفكرة الإلحادية. نعني بذلك نظرها إلى الانسان كشيء زائل ككل الموجودات الزائلة، حيث لا يعود المتعالي الإلهي بالنسبة إليها غير وهم محض.

[1] – إيتان جيلسون – وحدة التجربة الفلسفية –

[2] – رولاند بيتشي – فرانز فون بادر: ناقد العلمانية الملحدة – ترجمة: طارق عسيلي – فصلية الاستغراب- العدد السابع – ربيع 2017.

[3] – أنظر مارتن هايدغر – الكينونة والزمان >

  1. Heidegger, Being and Time. Translated By John Maquarrie and Edward Robinson, New York, Harper, 1962.

[4] – محمود حيدر – هايدغر: الفيلسوف الحائر في الحضرة – فصلية “الاستغراب” العدد الخامس.

[5] – مارتن هايدغر – رسالة في الأنسية – الأعمال الكاملة – الجزء التاسع – فرانكفورت – ألمانيا – 1976 – ص 342.

[6] – بول تيليتش – بواعث الإيمان. ترجمة سعد الغانمي – دار الجمل –  بيروت – 2005. ص 120.

[7] – محمد المصباحي – ابن عربي في مرآة ما بع الحداثة: مقام “نعم” و”لا” – نقلاً عن موقع “معابر” الألكتروني. WWW.maaber.or

[8]  (الفتوحات، 1: 289)؛

[9] – ن.م.، (الفتوحات، 1: 289). (ن.م.، 2: 628)

[10] – (الفتوحات، 1)  ن.م.، ج 1: 289.

[11] انظر: الفتوحات، 2: 661؛ 3: 162؛ ويقول: “فإن الله لا يقبل التقييد، والعقل تقييد، بل له التجلِّي في كلِّ صورة”. (ن.م.، 3: 515)؛ ويذهب ابن عربي إلى أنه حتى وصف الله بالإطلاق تقييد له! انظر مثلاً: ن.م.، 3: 219؛ 4: 332؛ غير أنه يقبل أحيانًا وصف الله بالإطلاق في التقييد؛ انظر: ن.م.، 3: 454.

[12] المصباحي – المصدر نفسه.

[13] عن اختلاف المعقول باختلاف النسبة إلى المنسوب إليه، انظر مثلاً: ن.م.، 2: 319.

[14] عن اختلاف مقالات أهل النظر في مقالاتهم، انظر مثلاً: ن.م.، 2: 319؛ غير أن هَيْدِغِّر كان يعتبر الصراع الذي يدور بين الفلاسفة ليس سوى صراع عشاق؛ وإلا فإن الحقيقة واحدة والجميع يقولون الشيء الواحد نفسه؛ انظر:

Martin Heidegger, Lettre sur l’humanisme, in Questions III, Paris, 1965, pp. 110, 152.

[15] – المصدر نفسه.

[16] – حصل هذا اللقاء التاريخي بين هابرماس واللاهوتي جوزيف راتسينغر (البابا بنيديكتوس) في بداية العام 2004، وجرى تنظيمه في مقر الأكاديمية الكاثوليكية بمدينة ميونيخ الألمانية.

[17] – يورغن هابرماس وجوزيف راتسينغر (البابا بنيديكتوس XVI)- جدلية العلمنة والعقل والدين – تعريف وتقديم: حميد لشهب – جداول للنشر والترجمة – بيروت 2013 – ص (33) (43).

[18] – محمود حيدر – ما بعد العلمانية – منطق الحدث وفتنة المفهوم – فصلية “الاستغراب” – صيف 2014.


خميس‭ ‬العدوي – ‭ ‬كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬ومفكر

مداخلة ١

أشكر‭ ‬الدكتور‭ ‬محمود‭ ‬حيدر‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قدمه‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬رائعة‭ ‬ومهمة،‭ ‬وكانت‭ ‬ورقته‭ ‬ثرية‭ ‬جداً،‭ ‬تستدعي‭ ‬الأفكار‭ ‬وتلهم‭ ‬التفكير‭. ‬وسأحصر‭ ‬مداخلتي‭ ‬المختصرة‭ ‬في‭ ‬نقطتين؛‭ ‬هما‭:‬

‭- ‬النقطة‭ ‬الأولى؛‭ ‬تنزيل‭ ‬المصطلحات‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬واقعنا‭ ‬الإسلامي،‭ ‬فمع‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المصطلحات،‭ ‬والتي‭ ‬عملت‭ ‬فعلاً‭ ‬على‭ ‬الدفع‭ ‬بالأفكار‭ ‬والمجتمعات‭ ‬نحو‭ ‬الأمام،‭ ‬لكن‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نحلل‭ ‬هذه‭ ‬المصطلحات‭ ‬وفق‭ ‬منظورنا،‭ ‬فالعلمانية‭ ‬في‭ ‬موطنها‭ ‬الذي‭ ‬نشأت‭ ‬فيه‭ ‬أخذت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مسار،‭ ‬منها‭ ‬السياسي،‭ ‬ومنها‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وهي‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭ ‬تعني‭ ‬فصل‭ ‬السياسة‭ ‬عن‭ ‬الرؤية‭ ‬الدينية،‭ ‬وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التفكير‭ ‬بمنطقية‭ ‬لا‭ ‬تتقيد‭ ‬بالمعتقدات‭ ‬الشخصية،‭ ‬وعلى‭ ‬كلا‭ ‬الحالين‭ ‬كانت‭ ‬تصطدم‭ ‬بالواقع‭ ‬الاجتماعي‭.‬

وينظر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬إلى‭ ‬العلمانية‭ ‬بكونها‭ ‬ريبة،‭ ‬لأنها‭ ‬في‭ ‬شعورهم‭ ‬تهمش‭ ‬الدين،‭ ‬بينما‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬الدين‭ ‬ذاته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نحدد‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما،‭ ‬فالإسلام‭ ‬له‭ ‬مساران‭ ‬متمايزان‭ ‬لكنهما‭ ‬متداخلان؛‭ ‬هما‭: ‬المعتقد‭ ‬وما‭ ‬يتعلق‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬شعائر‭ ‬كالصلاة‭ ‬والحج،‭ ‬والشريعة؛‭ ‬أي‭ ‬الأحكام‭ ‬الاجتماعية؛‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭.‬

فعلى‭ ‬المسار‭ ‬الأول‭ ‬جاء‭ ‬الإسلام‭ ‬باعتباره‭ ‬أمراً‭ ‬فردياً،‭ ‬يخص‭ ‬المرء‭ ‬نفسه،‭ ‬فلا‭ ‬توجد‭ ‬كهانة‭ ‬تشكل‭ ‬الواسطة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬وخالقه‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الإيمان‭. ‬وفي‭ ‬المسار‭ ‬الثاني؛‭ ‬فإن‭ ‬الإسلام‭ ‬جعل‭ ‬الأحكام‭ ‬متغيّرة‭ ‬بتغيّر‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬ورفض‭ ‬الجمود،‭ ‬ودعا‭ ‬إلى‭ ‬تحكيم‭ ‬القيم‭ ‬والأخلاق‭ ‬في‭ ‬استنباط‭ ‬الأحكام،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تأبيد‭ ‬الأحكام‭ ‬وفق‭ ‬نصوص‭ ‬مجتزأة‭.‬

وعلى‭ ‬هذا‭.. ‬فإن‭ ‬المجتمع‭ ‬لدينا‭ ‬لا‭ ‬تماسه‭ ‬العلمانية،‭ ‬فالعلمانية‭ ‬موضعها‭ ‬في‭ ‬الاجتماع‭ ‬الغربي‭ ‬وما‭ ‬يشابهه،‭ ‬أما‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسلامي‭ ‬فيقوم‭ ‬على‭ ‬التجدد‭ ‬الدائم‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الآيات‭ ‬المحكمات‭ ‬الضامن‭ ‬للأخلاق‭ ‬والمبادئ‭ ‬القيمية‭.‬

‭- ‬النقطة‭ ‬الثانية؛‭ ‬يذهب‭ ‬أستاذنا‭ ‬الفاضل‭ ‬إلى‭ ‬انسداد‭ ‬المعرفة؛‭ ‬وبإطار‭ ‬فلسفي،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬وما‭ ‬أراه‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬انسداداً،‭ ‬بل‭ ‬العالم‭ ‬يمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬تشظي‭ ‬معرفي‭ ‬أوجدته‭ ‬التقنية‭ ‬المعاصرة؛‭ ‬منذ‭ ‬ظهور‭ ‬الإذاعة‭ ‬حتى‭ ‬انتشار‭ ‬الانترنت‭ ‬ومواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فالوجود‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بالفراغ،‭ ‬والانسداد‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الفراغ،‭ ‬أما‭ ‬التشظي‭ ‬فهو‭ ‬حركة‭ ‬دائبة؛‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الانسلاخ‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬المعرفي‭ ‬ريثما‭ ‬يدخل‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التكوّن‭ ‬المعرفي‭ ‬بإطار‭ ‬فلسفي‭ ‬جديد،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أتوقعه‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الزمنية‭ ‬القادمة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تبعد‭ ‬عنا‭ ‬كثيراً،‭ ‬فالعالم‭ ‬متسارع‭ ‬وبدأ‭ ‬يفرض‭ ‬نماذجه‭ ‬المعرفية‭.‬


د‭.‬سُعُود‭ ‬الزدجالي –  ‬كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬حاصل‭ ‬على‭ ‬دكتوراة‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬السيميائيات‭ ‬والتداوليات

مداخلة ٢

يَبْدُو‭ ‬أنَّ‭ ‬الورقة‭ ‬التي‭ ‬قدَّمها‭ ‬الدكتور‭ ‬محمود‭ ‬حيدر‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬يُمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ‭”‬البحوث‭ ‬الأساسية‭”‬؛‭ ‬ترُوم‭ ‬إحياء‭ ‬الجوانب‭ ‬التأسيسية‭ ‬والنظرية‭ ‬والمنهجية‭ ‬التي‭ ‬تنحُو‭ ‬إلى‭ ‬بناءِ‭ ‬إبستمي‭ ‬للمعرفة‭ ‬العربية؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬محوريْن‭: ‬يأتي‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬إحياء‭ ‬سؤال‭ ‬التنظير،‭ ‬وأهم‭ ‬جوانبه‭ ‬استكشاف‭ ‬حيويات‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬البيئات‭ ‬العربية،‭ ‬وبيان‭ ‬مشكلاتها،‭ ‬ونقد‭ ‬الاستغراب‭ ‬السلبي‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬المعاصر،‭ ‬والذي‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬نتيجة‭ ‬لحالة‭ “‬الاغتراب‭” ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬المصائر‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬واهتزاز‭ ‬أصولها‭ ‬المعرفية‭ ‬والحضارية‭ ‬بعد‭ ‬الكولونيالية،‭ ‬والاستشراق،‭ ‬أو‭ ‬بِسَبب‭ ‬تجدُّد‭ ‬اهتزاز‭ ‬الأصول‭ ‬بعد‭ ‬حالات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬وإشكالات‭ ‬الإرهاب؛‭ ‬مما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نعتقد‭ ‬أنَّ‭ ‬حالة‭ ‬الهيمنة‭ ‬العربية‭ ‬تستمدُّ‭ ‬شرعية‭ ‬وجودها‭ ‬من‭ ‬شبكات‭ ‬التضليل‭ ‬الغربي‭ ‬ومكامن‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معًا‭. ‬أمَّا‭ ‬المحور‭ ‬الثاني،‭ ‬فيستعيد‭ ‬البُعد‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬سؤال‭ ‬التنظير؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬المنقلب‭ ‬الأرسطي،‭ ‬وفي‭ ‬أزمة‭ ‬الحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعدها،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬هذا‭ ‬المحور‭ ‬يستمد‭ ‬شرعيته‭ ‬من‭ ‬السؤال‭ ‬الهيدغري‭ ‬في‭ ‬معاثر‭ ‬الفلسفة‭ ‬الغربية‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬امتداد‭ ‬للميراث‭ ‬اليوناني‭.‬

إنَّ‭ ‬أهمَّ‭ ‬المحاذير‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬نَقَع‭ ‬فيها‭ ‬ونحن‭ ‬نُحاول‭ ‬الانفلات‭ ‬من‭ ‬أسر‭ “‬الاستغراب‭ ‬السلبي‭” ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬آنفًا‭: ‬إشكالية‭ ‬المقارنة‭ ‬أو‭ ‬الاقتران‭ ‬اللاشعوري‭ ‬بالغرب؛‭ ‬مما‭ ‬يجدِّد‭ ‬الأزمة‭ ‬ذاتها‭ ‬بسبب‭ ‬محاولات‭ ‬الانفلات‭ ‬اليائسة‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬الدين‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والتاريخ‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬مسار‭ ‬للسلطة‭ ‬والدين‭ ‬واندماجهما؛‭ ‬ومنشأ‭ ‬الإشكال‭ ‬يكمُن‭ ‬في‭ ‬ادعاء‭ ‬الورقة‭ ‬أنَّ‭ ‬الغرب‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬المأساوية‭ ‬المادية‭ ‬فعلا؛‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬المقارنة‭ ‬العكسية‭ ‬مع‭ ‬المشرق‭ ‬في‭ ‬انفلاته‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المأساوية‭ ‬المدَّعاة،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يشتت‭ ‬ارتكاز‭ ‬الدعوى‭ ‬سؤالٌ‭ ‬فحواه‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬يناقشه‭ ‬الغربُ‭ ‬اليوم،‭ ‬وبعد‭ ‬الأنوار،‭ ‬وإبان‭ ‬الحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الفلسفية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬والسياسية‭… ‬وغيرها،‭ ‬هي‭ ‬ذات‭ ‬ما‭ ‬يناقش‭ ‬الشرق‭ ‬حتى‭ ‬نستطيع‭ ‬تجديد‭ ‬الادعاء‭ ‬السابق؟‭ ‬إنَّ‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يُوقظ‭ ‬فينا‭ ‬تلكم‭ ‬الصدمة‭ ‬حيال‭ ‬النزعة‭ ‬التبجيلية‭ ‬والاحتفائية‭ ‬إزاء‭ ‬التراث،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬نقع‭ ‬في‭ ‬إشكاليات‭ ‬الإسقاط‭ ‬والأيديولوجيا،‭ ‬وفي‭ ‬التبرير‭ ‬الديني‭ ‬والفلسفي‭ ‬لأخطائنا‭ ‬المتجددة؛‭ ‬وهذا‭ ‬يجعلني‭ ‬أستعيد‭ ‬سؤالًا‭ ‬متجدِّدا‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬الحفريات‭ ‬المعرفية‭ ‬العربية‭: ‬لماذا‭ ‬ترتبط‭ ‬القضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والفكرية‭ ‬المطروحة‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬التفكر‭ ‬بالدين‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬وبالسلطة‭ ‬في‭ ‬آخر،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬الإنسانَ‭ ‬العربيَّ‭ ‬أو‭ ‬المسلم‭ ‬يتنفس‭ ‬السلطة؛‭ ‬باعتبارها‭ ‬كائنا‭ ‬ميتافيزيقيا‭ ‬يستمدُّ‭ ‬شرعيته‭ ‬من‭ ‬المطلق‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭: ‬فهي‭ ‬صُورة‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬المُعتقد؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬المعرفية‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الدين‭ ‬والسلطة‭ ‬المقدسة؟‭ ‬إنَّ‭ ‬هذه‭ ‬المنطلقات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬دفعتْ‭ ‬التفكُّر‭ ‬إلى‭ ‬محاولات‭ ‬هدم‭ ‬الأنموذج‭ ‬النقدي‭ ‬لمحُمَّد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري‭.‬

وعليه؛‭ ‬فإنَّنا‭ ‬إذ‭ ‬ندَّعي‭ ‬بوجود‭ ‬مأساوية‭ ‬مادية‭ ‬في‭ ‬الغرب؛‭ ‬فهل‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الادعاء‭ ‬تبريرًا‭ ‬لمشكلاتنا‭ ‬المعرفية‭ ‬والسياسية؛‭ ‬بحيث‭ ‬نعُود‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬التبجيل‭ ‬والاحتفاء،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬عوض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الاحتفاء‭ ‬مركوزًا‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬فإنَّه‭ ‬يتجاوزه‭ ‬إلى‭ ‬الرِّاهن‭ ‬المعرفي‭ ‬والسياسي؟‭ ‬لذا؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الادعاءَ‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬جانبه‭ ‬السيكولوجي‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬المعرفي؛‭ ‬بمحاولة‭ ‬استكشاف‭ ‬حقيقته‭ ‬وصحة‭ ‬وجوده؛‭ ‬إذ‭ ‬إنَّه‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬نقيض‭ ‬ما‭ ‬نعتقد‭ ‬بوجوده‭ ‬في‭ ‬الذات؛‭ ‬أي‭ ‬أننا‭ ‬عِندما‭ ‬اعتقدنا‭ ‬بأنَّ‭ ‬الدين‭ ‬الروحي‭ ‬يعيش‭ ‬بكل‭ ‬مضامينه‭ ‬الإيمانية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬في‭ ‬أفعالنا‭ ‬وأخلاقنا،‭ ‬ظننا‭ ‬أنَّ‭ ‬الغربَ‭ ‬فارغ‭ ‬من‭ ‬مضامين‭ ‬الدين؛‭ ‬بَيْد‭ ‬أنَّ‭ ‬الطرف‭ ‬الأول‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬البرهنة؛‭ ‬فالعرب‭ -‬كما‭ ‬يزعُم‭ ‬نوبو‭ ‬أكي‭ ‬نوتوهارا‭- ‬متديِّنون‭ ‬جدًّا‭ ‬وفاسدون‭ ‬جدًّا؛‭ ‬مما‭ ‬يجعلنا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬الانفكاك‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الشكلي‭ ‬والجمعي‭ ‬للدين‭ ‬في‭ ‬الرَّاهن‭ ‬الإسلامي‭ ‬كله‭.‬

عند‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬عنوان‭ ‬الورقة‭ “‬سؤال‭ ‬التنظير‭”‬،‭ ‬نجده‭ ‬ينزع‭ ‬إلى‭ ‬عمومية‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬يبررها؛‭ ‬فهي‭ ‬عمومية‭ ‬مقصودة؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬رسم‭ ‬الخارطة‭ ‬المعرفية؛‭ ‬أو‭ ‬ثنائية‭ ‬الفعل‭ ‬بسبب‭ ‬انفعال‭ ‬الحساسية‭ ‬بالموجود‭ ‬أو‭ ‬بالمادة‭ ‬المعرفية؛‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬ذلك‭ ‬يُمكن‭ ‬اشتقاق‭ ‬مصطلح‭ “‬انعراف‭” ‬المعرفة‭ ‬بوصفها‭ ‬قابلية‭ ‬قصدية‭ ‬من‭ ‬الذات‭ ‬إليها؛‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬كانط‭ “‬صورة‭ ‬المعرفة‭” ‬أو‭ ‬الأفهوم،‭ ‬و‭”‬مادة‭ ‬المعرفة‭”‬؛‭ ‬فهذه‭ ‬المادة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للانعراف‭ ‬إلا‭ ‬بشرط‭ ‬وجود‭ ‬الأفهوم‭ ‬القبلي؛‭ ‬وعليه‭ ‬فإننا‭ ‬نواجه‭ ‬إشكالية‭ ‬المعرفة‭ ‬داخل‭ ‬هوية‭ ‬عربية‭ ‬أو‭ ‬إسلامية؛‭ ‬فمع‭ ‬استحضار‭ ‬الهُويات‭ ‬فيما‭ ‬يرتبط‭ ‬بالمادة‭ ‬المعرفية؛‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬الأفهوم‭ ‬منتميا‭ ‬إلى‭ ‬هُويات‭ ‬مخصوصة،‭ ‬وإنما‭ ‬إلى‭ ‬الذات‭ ‬الما‭-‬ورائية‭ ‬المنطبقة‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬الإنساني‭ ‬كله؛‭ ‬لذلك‭ ‬فإنَّ‭ ‬البُعد‭ ‬المجرَّد‭ ‬في‭ ‬العنوان‭ ‬قد‭ ‬يعترض‭ ‬على‭ ‬الأبعاد‭ ‬المخصوصة‭ ‬داخل‭ ‬الورقة،‭ ‬وفي‭ ‬مسألة‭ ‬التماهِي‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أنطولوجي‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬فينومينولوجي،‭ ‬وإذ‭ ‬نستحضرُ‭ ‬مفهوم‭ “‬الشيء‭ ‬في‭ ‬ذاته‭”‬،‭ ‬وله‭ ‬ما‭ ‬يبرره‭ ‬من‭ ‬مُعطيات‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬ما‭ ‬طرحه‭ ‬ابن‭ ‬تيمية‭ ‬حول‭ ‬نقده‭ ‬للماهيات‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬الرد‭ ‬على‭ ‬المنطقيين‭”‬؛‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬محاولة‭ ‬البرهنة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أنطولوجي‭ ‬هو‭ ‬محض‭ ‬أوهام؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتماسك‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬المعرفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المستمدة‭ ‬من‭ ‬الأفاهيم‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬المادة‭ ‬عند‭ ‬كانط؛‭ ‬فما‭ ‬يبرهن‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬أنطولوجي‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬فينومينولوجي‭ ‬فلا‭ ‬يتماسك‭ ‬الزعم‭ ‬المطروح‭.‬

ونلاحِظ‭ ‬أنَّ‭ ‬الورقة‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬نقدها‭ ‬الاستغراب‭ ‬السلبي؛‭ ‬إزاء‭ ‬الحداثة‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬استشكال‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬لانتزاع‭ ‬الذات‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬العقل‭ ‬الإسلامي‭ ‬من‭ ‬عموميته‭ ‬الإنسانية؛‭ ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬تقذفنا‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬القضية‭ ‬التاريخية‭ ‬عندما‭ ‬حَاول‭ ‬العقل‭ ‬المسلم‭ ‬بناء‭ ‬سؤال‭ ‬التنظير‭ ‬ذاته،‭ ‬فلم‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الذات‭ ‬العارفة‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬هُوية؛‭ ‬وإنَّما‭ ‬تجاوزته‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إنساني؛‭ ‬فما‭ ‬أنتجه‭ ‬الآخر‭ ‬لا‭ ‬يبعد‭ ‬أن‭ ‬يعاد‭ ‬امتلاكُه‭ ‬عبر‭ ‬الدائرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬كلها؛‭ ‬وأحيل‭ ‬في‭ ‬القضية‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬المنهج‭ ‬عند‭ ‬طه‭ ‬عبدالرحمن؛‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ “‬الكوجيتو‭ ‬الجمعية‭” ‬لا‭ ‬تتماسك‭ ‬بسبب‭ ‬اهتزاز‭ ‬مفهوم‭ ‬الكوجيتو‭ ‬الديكارتية‭ ‬في‭ ‬فرادتها؛‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لمحاولات‭ ‬المعرفة‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬على‭ “‬العقل‭ ‬الإنساني‭” ‬المجرد؛‭ ‬أي‭ ‬العقل‭ ‬قبل‭ ‬محاولات‭ ‬التفكُّر؛‭ ‬فالعقل‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬أدرك‭ ‬ذاته‭ ‬أدركها‭ ‬متضمخة‭ ‬بالمعرفة‭ ‬ووشائجها‭ ‬في‭ ‬التاريخ؛‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬محاولة‭ ‬استكناه‭ ‬العقل‭ ‬خارج‭ ‬التاريخ‭ ‬غير‭ ‬ممكن،‭ ‬ولا‭ ‬نستطيعه‭ ‬دون‭ ‬إدراك‭ ‬الكوجيتو‭ ‬لتاريخها‭.‬


RMJ

د‭. ‬ضا‭ ‬بن‭ ‬مهدي‭ ‬بن‭ ‬جواد‭ ‬اللواتي – دكتوراة‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الاسلامية

مداخلة ٣

نُرحِّب‭ ‬بالدكتور‭ ‬محمُود‭ ‬حيدر‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان،‭ ‬ونشكُر‭ ‬الأخويْن‭ ‬خميس‭ ‬العدوي،‭ ‬والدكتور‭ ‬سُعود‭ ‬الزدجالي؛‭ ‬على‭ ‬مُداخلتهما‭.‬

عِدَّة‭ ‬أسئلة‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تُطرح‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬الدكتور‭ ‬محمود‭ ‬حيدر؛‭ ‬وذلك‭ ‬لما‭ ‬تحويه‭ ‬من‭ ‬كمٍّ‭ ‬هائلٍ‭ ‬من‭ ‬النقودات؛‭ ‬سَوَاء‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬والتي‭ ‬يعتبرها‭ ‬استمراراً‭ ‬للفلسفة‭ ‬اليونانية،‭ ‬وكذا‭ ‬التبعية‭ ‬الفكرية‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬المفكِّرين‭ ‬العرب‭ ‬لتلك‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية،‭ ‬وهذا‭ ‬يستدعي‭ -‬كما‭ ‬يُسميه‭ ‬الدكتور‭ ‬الباحث‭- ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ ‬المؤسِّس‭ ‬لأجل‭ ‬نهضة‭ ‬فكرية‭ ‬عربية‭ ‬إسلامية‭.‬

السؤال‭ ‬للدكتور‭ ‬محمود‭ ‬حيدر‭: ‬كيف‭ ‬نَتَجاوز‭ ‬المفصلة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬بحثِنا‭ ‬بما‭ ‬أسميته‭ “‬السؤال‭ ‬المؤسِّس‭” ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نتفق‭ ‬على‭ ‬المرجعية‭ ‬الفكرية‭ ‬أو‭ ‬الأيديولوجية؛‭ ‬حيث‭ ‬إنَّ‭ ‬كل‭ ‬مرجعية‭ ‬لها‭ ‬أُصولُها‭ ‬ومُقدِّماتها‭ ‬الفكرية‭ ‬والعقدية،‭ ‬ولا‭ ‬يُمكننا‭ ‬إيجاد‭ ‬نتائج‭ -‬سَواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أو‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬الثقافي‭- ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المقدِّمات‭ ‬أو‭ ‬المرجعية‭ ‬الفكرية‭ ‬مبنيَّة‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬وُلِدت‭ ‬ونَشَأت‭ ‬من‭ ‬بيئة‭ ‬غير‭ ‬إسلامية‭ ‬كالمنظومة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬أو‭ ‬الاشتراكية‭. ‬إذن،‭ “‬السؤال‭ ‬المؤسِّس‭” ‬يستدعي‭ ‬الاتفاق‭ ‬ابتداءً‭ ‬على‭ ‬المرجعية‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬ينبغِي‭ ‬التوافق‭ ‬عليها‭ ‬قبل‭ ‬السؤال‭ ‬المؤسِّس‭.‬

النقطة‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬أطروحة‭ ‬الدكتور‭ ‬محمود‭ ‬حيدر،‭ ‬والتي‭ ‬يجدُر‭ ‬بنا‭ ‬الوقوف‭ ‬عليها؛‭ ‬هي‭: ‬أدوات‭ ‬الاجتهاد‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تُعالج‭ ‬المجتمع‭ ‬وإدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام؛‭ ‬حيث‭ ‬نعلم‭ ‬أنَّ‭ ‬النصوص‭ ‬هي‭ ‬حمَّالة‭ ‬أوجه‭ ‬متعددة؛‭ ‬لذلك‭ ‬اهتمَّ‭ ‬العلماء‭ ‬الأوائل‭ ‬بإيجاد‭ ‬منظومة‭ ‬فقهية،‭ ‬والتي‭ ‬نشأ‭ ‬منها‭ ‬علم‭ ‬أصول‭ ‬الفقه؛‭ ‬لكننا‭ ‬نجد‭ ‬أنَّ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأزمنة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مفاهيم‭ ‬كمفهوم‭ ‬الدولة‭ -‬بالقراءة‭ ‬الحديثة‭ ‬للدولة‭- ‬قد‭ ‬نَشأت‭ ‬بعد،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬طَور‭ ‬الصَّيرورة‭ ‬كذلك،‭ ‬وإنما‭ ‬نشأتْ‭ ‬فكرة‭ ‬الدولة‭ ‬بعد‭ ‬اتفاقية‭ ‬وسيتفاليا،‭ ‬أو‭ ‬بما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالدولة‭ ‬القطرية،‭ ‬والتي‭ ‬سُنت‭ ‬لها‭ ‬قوانين‭ ‬دولية‭ ‬خلال‭ ‬المائة‭ ‬سنة‭ ‬الماضية؛‭ ‬فكيف‭ ‬نتجاوز‭ ‬ضِمن‭ “‬السؤال‭ ‬المؤسِّس‭” ‬تلك‭ ‬المفصلة؛‭ ‬وهي‭ ‬قراءة‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬الدولة‭ ‬القطرية،‭ ‬خاصة‭ ‬ضمن‭ ‬النظم‭ ‬والقوانين‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وهي‭ ‬نظم‭ ‬غير‭ ‬إسلامية‭ ‬وغير‭ ‬دينية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية؟

طبعاً‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬تقتضي‭ ‬اتفاقَ‭ ‬عُلماء‭ ‬المسلمين‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬لإدارة‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة‭ ‬بكل‭ ‬تجلياتها،‭ ‬وإيجاد‭ ‬منظومة‭ ‬فكرية‭ ‬قابلة‭ ‬للاستمرار‭ ‬والبناء‭ ‬للمستقبل‭.‬

والنقطة‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬أودُّ‭ ‬من‭ ‬الأستاذ‭ ‬الباحث‭ ‬أن‭ ‬يُعالجها؛‭ ‬هي‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمفهوم‭ “‬القراء‭ ‬المغايرة‭ ‬للتاريخ‭”‬،‭ ‬والتي‭ ‬طرحها‭ ‬المفكر‭ ‬اللبناني‭ ‬الأمريكي‭ ‬نسيم‭ ‬نيكولاس‭ ‬طالب،‭ ‬وهي‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالإجابة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭: “‬ماذا‭ ‬لو‭ …‬؟‭”. ‬ولتوضيح‭ ‬الفكرة،‭ ‬لنفترض‭ ‬أن‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬أخذت‭ ‬بالعمل‭ ‬بالنظم‭ ‬الاشتراكية‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وكانت‭ ‬تحت‭ ‬المظلة‭ ‬السوفييتية،‭ ‬فالسؤال‭: ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬مصيرنا‭ ‬اليوم؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬النتائج‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬القرارات‭ ‬المصيرية؟‭ ‬ومَن‭ ‬كان‭ ‬يتحمَّل‭ ‬مسؤوليتها؟‭ ‬لأنَّنا‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تعالت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬كانت‭ ‬تطالب‭ ‬بنظام،‭ ‬مُستمِدة‭ ‬أصولها‭ ‬من‭ ‬الفكر‭ ‬الاشتراكي‭ ‬الماركسي‭. ‬فالسؤال‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬الإجابة‭ ‬عنه‭ ‬قبل‭ “‬السؤال‭ ‬المؤسِّس‭”: ‬ماذا‭ ‬لو؟‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬اتفقنا‭ ‬عليها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نتائجها‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية؟‭ ‬ومن‭ ‬يتحمَّل‭ ‬المسؤولية‭ ‬بمبدأ‭ ‬الهروب‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬وتجربة‭ ‬نُظم‭ ‬إدارة‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬نبرر‭ ‬ونقول‭ ‬إنها‭ ‬إحدى‭ ‬التجارب‭ ‬الفاشلة‭ ‬ضمن‭ ‬الصيرورة‭ ‬التاريخية‭ ‬للأمم‭! ‬طبعا‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يقتضي‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬عدم‭ ‬الجلوس‭ ‬وعدم‭ ‬التفكير‭ ‬بالحلول‭ ‬والمعالجات‭ ‬الجزئية،‭ ‬وإنما‭ ‬النقطة‭ ‬هي‭ ‬تبنِّي‭ ‬رُؤى‭ ‬وأفكار‭ ‬وأيديولوجيات‭ ‬مغايرة‭ ‬للمجتمعات،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬يتمخَّض‭ ‬عنها‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬ماهيات‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭.‬

764 total views, 2 views today