230355_155608691172773_100001709284131_330609_2589200_n

د. رضا بن عيسى اللواتي

“دراسة علمية تبشر بعلاج لمرض السكري”.. هكذا عَنْون أحد المواقع الإلكترونية صفحته الرئيسية بخطٍّ عريض. كان هذا الخبر الأكثر انتشاراً وقراءة في ذلك اليوم.. اكتشاف لا شك أنه مهم جدًّا في عالم الطب؛ فعلاج مرض السكري الذي كان صعبا -بل مستحيلاً- قبل عدة سنوات، أصبح اليوم قريب المنال. العلم يتطور في كل يوم، بل وفي كل ساعة؛ حيث يكتشف العلماء شيئًا جديدًا لم يخطر على بال أحد من قبل، وما كان مستحيلاً بالأمس أصبح اليوم واقعًا. والحقيقة أن تطور العلم ليس مقتصرًا على الطب فحسب، بل يشمل مختلف مجالات الحياة، من: علوم الأرض إلى علوم الفضاء، مرورًا بعلم النبات والحيوان والفيزياء والكيمياء…وغيرها.

إلا أنَّ العلوم الصحية والطبية كان لها النصيب الأوفر من الاهتمام من قِبل القائمين عليها، والباحثين في أغوارها. فقد شهد حقل العلوم الصحية والطبية -خلال السنوات القليلة الماضية- تطورات وإنجازات على قدر كبير من الأهمية؛ حيث توالت اكتشافات واستنتاجات تُبشر بمستقبل مشرق وواعد في مواجهة الأمراض المستعصية، ورفع كفاءة الحياة (quality of life) للمرضى المصابين بأمراض مزمنة، إضافة إلى الوقاية من الأمراض. وقد تحقَّق كل ذلك على الرغم من التحديات الطارئة التي يواجهها العلماء مع ظهور أمراض جديدة لم تكن موجودة سابقًا من قبيل مرض إيبولا (Ebola)، أو انتكاسات في علاجات تم اكتشافها سابقًا.

ولو أردنا الإسهاب في الحديث عن هذه الإنجازات والاكتشافات، فهي كثيرة ومتنوعة؛ فبعضها سلطت مزيدًا من الضوء على تشخيص بعض الأمراض، وأخرى على التوصُّل إلى علاجات لأمراض كانت حتى الأمس القريب ميئوسا من علاجها. والجدير بالذكر أنَّ بعض هذه الاكتشافات لا يزال في طور التجربة، ولم يتم تطبيقه على أرض الواقع. وفي هذا المقال، سوف أسلط الضوء على عدد من هذه الاكتشافات والإنجازات الطبية، وسوف أتناول -بشيء من التفصيل- اثنين من هذه الاكتشافات الطبية، واللذين أراهما مهمين نظرًا لأنهما يتعلقان بأمراض يعاني منها المجتمع العماني، وسوف يكونان في حال تطبيقهما بُشرى خير للمرضى ومصدر عَوْن للعاملين في قطاع الصحة في السلطنة.

نستهلُّ المقال بالموضوع الأبرز؛ ألا وهو علاج مرض السكري، حديث الساعة في الأوساط العلمية والطبية. مرض السكري الموصوف بالقاتل الصامت يزداد انتشارًا؛ حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن ما يقرب من 350 مليون شخص في العالم مصابون بمرض السكري؛ منهم: 34 مليون شخص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية، فإنَّ نسبة الإصابة بمرض السكري في سلطنة عمان بلغت 8% من مجمل السكان بنهاية العام 2013؛ أي ما يقارب 150 ألف حالة.

ولا شك أنَّ هذه الأرقام المهولة والمفزعة، دفعت العلماء والباحثين للاستماتة في سبيل إيجاد حلول وعلاج لمرض السكري؛ فارتفاع نسبة السكر في الدم يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، قد تصل إلى الوفاة بصورة غير مباشرة. ولهذا السبب، عمل الباحثون في جامعة هارفارد -على مدى 15 عامًا متواصلة- حتى استطاعوا تحويل الخلايا الجذعية لخلايا مشابهة للبنكرياس لتقوم بوظيفة البنكرياس في حالة فشله ألا وهي إفراز الأنسولين. وبموجب هذا الاكتشاف، يتم حقن هذه الخلايا في البنكرياس؛ فتقوم باستشعار كمية السكر في الدم، وبناءً عليه تقوم بإفراز الكمية المناسبة من الأنسولين. وقد اختبرت هذه الخلايا على حيوانات التجارب وأثبتت نجاحها، ولكنها بحاجة إلى بعض الوقت ليتم تطبيقها على الإنسان. والجدير بالذكر أنَّ المرضى المتوقَّع استفادتهم من هذا العلاج في حالة نجاح تجربته على الإنسان هم مرضى السكري بنوعه الأول.

… إنَّ نجاح هذا العلاج على الإنسان -فيما لو تحقق- سوف يؤدي إلى شفاء الملايين من البشر من مرض السكري؛ وبالتالي إنقاذهم من الموت البطيء الذي يُسببه ارتفاع نسبة السكر في دم الإنسان، وفي الوقت نفسه تخلصهم من شبح إبرة الأنسولين اليومية. وغنيٌّ عن القول أنَّ البشرية سوف توفر مبالغ طائلة تنفقها الآن على علاج المرضى المصابين بالسكري من دواء واختبارات، ناهيك عن المبالغ والجهد الذي يُصرف على علاج المضاعفات التي يُسببها هذا المرض للمبتلين به.

الأورام الخبيثة.. من مِنَّا يجهلها، أو يجهل المصائب التي يعاني منها ضحاياها من البشر؛ ففي كل يوم نسمع عن اكتشاف ورم خبيث من نوع جديد. وفي الحقيقة، فإنَّ هذه الأورام السرطانية تشكِّل معضلة حقيقية للأطباء والباحثين؛ نظرًا لكونها متنوعة، ونسبة الشفاء منها قليلة على عكس بقية الأمراض المزمنة، وآثارها تبقى لفترة طويلة قد تمتد لنهاية عمره. كذلك فإن علاج الأورام السرطانية يشكل عبئًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا كبيرًا على الدولة والمجتمع؛ نظرًا لارتفاع تكلفة علاجه وطولها.

أحد أنواع هذه الأورام هو الورم النقوي المتعدِّد (Multiple myeloma)، الذي يُصيب الخلايا البلاسمية في الدم، وهي الخلايا المسؤولة عن الدفاع عن الجسم في حالة مهاجمة الفيروسات له. وبحسب الإحصائيات الواردة من الولايات المتحدة الأمريكية، فإنَّ كل 6 أشخاص من 100 ألف شخص يُصابون بهذا المرض سنويًّا، وتبلغ حالات الوفاة نصف هذا العدد؛ في حين أنَّ معدل بقاء المصابين بهذا المرض على قيد الحياة لـ5 سنوات مقبلة بعد الإصابة بالمرض تبلغ 45% فقط.

وفي هذا الصدد، أجْرَت عيادة مايو كلينيك (Mayo clinic) الشهيرة تجربة على شخصيْن مصابيْن بالورم النقوي المتعدد؛ وذلك من خلال حقنهما بفيروس الحصبة الذي يستخدم للتطعيم ضد الحصبة، وتمَّ حَقن المريضين بكمية مركزة جدًّا تكفي لتطعيم 100 مليون شخص. وقد استجاب المريضان لهذا العلاج، واختفت الخلايا السرطانية، وشُفي أحد المريضين من هذا المرض وبقي جسمه خاليًا من الخلايا السرطانية لمدة 6 أشهر. أما المريض الآخر، فلم يستجب للعلاج تمامًا مثلما حدث للأول، ولكن تدمَّرت أجزاء كبيرة من الخلايا السرطانية في جسده. ويُذكر أنَّ المريضين لم يستجيبا لأي علاج آخر يُعطى في مثل هذه الحالات؛ مما اضطر فريق البحث لأن يجري هذه التجربة عليهما.

ولا يزال البحث مُستمرًا لمعرفة مزيد عن علاقة فيروس الحصبة بالأورام السرطانية، وكيف أثَّر فيروس الحصبة على الخلايا السرطانية في الجسم. علما بأنَّ الاستنتاج الأولي من خلال هذه التجربة هو أنَّ فيروس الحصبة قد نبَّه خلايا المناعة في الجسم إلى وجود أجسام سرطانية يجب مُهاجمتها وتدميرها. وإلى الآن لا يمكن الجزم بأن الورم النقوي المتعدد يمكن معالجته والقضاء عليه عن طريق الحقن بفيروس الحصبة، ولكن مُنطلق القول أنَّ بداية الغيث قطرة؛ فقد يتمكن العلماء بعد هذه التجربة من اكتشاف علاقة بعض الأورام الأخرى بفيروس الحصبة، أو فيروسات أخرى.

وجدت مجموعة من العلماء في كلية الطب بجامعة هارفارد أنه بزيادة مادة (NED) في فئران التجارب التي تقدَّمت بها السن، أعادت عمل عضلاتها وهيكلتها الداخلية إلى ما كانت عليه سابقًا. وبهذه التجربة يُريد العلماء معرفة مدى إمكانية تجديد عمر عضلات شخص في الـ60 من العمر، وإعادتها إلى عمر الـ20 عاما؛ بتطبيق الأسلوب نفسه. نتائج هذه الدراسة إنْ نجح تطبيقها على الإنسان فلربما تساهم في زيادة العمر الافتراضي له.

جاء في دراسة -نُشرت في صحيفة الجارديان البريطانية- أنَّ علماء من الولايات المتحدة الأمريكية تمكَّنوا من إنتاج خلايا شبيهة بالخلايا المسؤولة عن الذاكرة في الدماغ؛ وذلك عن طريق تحويل الخلايا الجذعية بإضافة بعض المواد الكيميائية عليها -والمعروف أن الخلايا المسؤولة عن الذاكرة والموجودة في الدماغ تموت أولاً مع بداية مرض ألزهايمر- كان الهدف من هذه الدراسة هو معرفة مدى إمكانية زراعة هذه الخلايا في دماغ مريض بألزهايمر؛ وبالتالي التوصل إلى إيجاد علاج مناسب لمرض ألزهايمر. وفيما يبدو أن الفريق القائم بهذا البحث قد استنسخ عددًا كبيرًا من الخلايا، ولكن لا تزال إمكانية زراعة هذه الخلايا في دماغ مريض بألزهايمر مستحيلة في الوقت الراهن، وتحتاج إلى مزيد من البحث والتجارب.

هل يمكن وضع حدٍّ لمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)؟ طُرح هذا السؤال المهم جدًّا في مؤتمر حول مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، والذي أقيم في أتلانتا العام الماضي. وقد كان الجواب مؤثرًا عندما قالت الدكتورة ديبورا من جامعة جونس هوبكنس الأمريكية: إن الاحتمال قائم بشكل كبير لوضع حدٍّ لهذا المرض الخطير الذي قضى حتى الآن على الملايين من البشر؛ حيث ذكرت أنَّ مستشفى جامعة جونس هوبكنس الأمريكي استطاع أن يقضي على مرض الإيدز في طفل حديث الولادة كان المرض قد انتقل له عن طريق والدته المصابة بالمرض، ونتيجة عدم حصولها على الرعاية اللازمة أثناء فترة الحمل، لم يتمكن الفريق الطبي من اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقاية الطفل من المرض أثناء الحمل. وبعد ولادة الطفل، قام الأطباء بحقنه بثلاثة أدوية مستخدمة في علاج مرض الإيدز خلال الـ30 ساعة الأولى بعد الولادة، ولاحظ الأطباء بعد شهر من ولادة الطفل أنَّ عدد نسخ الفيروس في جسم هذا الطفل وصلتْ إلى نسبة غير مقروءة بالجهاز. واستمرَّ الأطباء في علاج هذا الطفل لمدة سنتين ونصف السنة، حتى لاحظوا اختفاء جميع علامات المرض من جسمه.

هذه الاكتشافات والتجارب التي ذكرتها أعلاه هي غيض من فيض، ولا يتَّسع المجال هنا لذكر كلِّ ما توصل إليه العلم الحديث، ولكن يبدو أنَّنا مُقبلون على ثورة كبيرة في المجال الطبي في السنوات القليلة المقبلة، خصوصًا مع تطوُّر التكنولوجيا وتطوُّر أساليب البحوث، وزيادة نسبة نشر البحث العلمي في العالم.

3,558 total views, 11 views today