Haider Ahmed

د. حيدر بن احمد اللواتي

كان الاعتقاد السائد قبل القرن السادس عشر أن الأرض تقع في مركز الكون، وأن الشمس هي التي تدور حول الأرض، لقد كان هذا الاعتقاد متوافقًا مع ما جاء في بعض الكتب المسيحية، فقد جاء فيها: «إن الله أقام الأرض على قواعدها، وأن الشمس تشرق وتغرب»، وقد فهم من النص بأن الشمس هي التي تدور حول الأرض. (1)

لقد كان هذا الاعتقاد راسخًا في الوجدان الأوربي، ولم يكن وليد لحظة بل إنه يمتد قرابة 2000 عام وذلك منذ عهد بطليميوس الإغريقي الذي بلور هذه العقائد على إثر أرسطو.(1)

ومع إطلالة القرن السادس عشر حدث انعطافًا هامًّا في تاريخ العلوم، حيث قام العالم الشهير كوبرينك بدق أول مسمار زعزع فيه عرش الكنيسة التي كانت تفرض قيودًا من حديد على كل الآراء العلمية آنذاك، وذلك عندما أعلن أن الأرض هي التي تدور حول الشمس على عكس ما هو شائع، وثارت ثائرة الكنيسة وقوبلت آراء كوبرينك بعنف.

وعندما جاء جاليليو (1564-1612 م) ناصر وبقوة نظرية كوبرينك وأثبتها تجريبيًّا وذلك بفضل المرقاب الذي صنعه بنفسه عام 1605م، واستنتج من خلال ما رآه أن الأرض هي التي تدور حول الشمس.

كما استطاع جاليليو أن يتوصل إلى قانوني الأجسام المعروفين في الفيزياء التقليدية.(2)

وبالرغم من أهمية النتائج التي توصل إليها جاليليو إلا أن أهم الأعمال التي قام بها هو أنه فصل العلوم الطبيعية عن الفلسفة وذلك بعد أن استخدم المنهج العلمي التجريبي للوصول إلى القوانين الفيزيائية، وبذلك دشن جاليليو عصرًا جديدًا للعلوم وأرسى منهجًا علميًّا دقيقًا معتمدًا على التجربة.

يقول جاليليو في هذا الصدد «غايتي أن أضع علمًا بالغًا في الجدة، يعالج موضوعًا بالغًا في القِدَم وقد لا يكون في الطبيعة ما هو أقدم من الحركة، التي وضع الفلاسفة فيها كتبًا ليست قليلة ولا صغيرة، ومع ذلك فقد اكتشفت بواسطة التجربة خصائص تجدر معرفتها، لم يسبق لأحد أن لاحظها أو أقام عليها الدليل: «وإن أكثر ما هو أهمية من ذلك أنه فتحت أمام هذا العلم الواسع طرق ومحاولات كثيرة سيستفيد منها علماء أقوى مني عقلاً، وسيذهبون فيها إلى أبعد نهايتها وأعمق نواحيها، والنظريات التي سأناقشها بإيجاز إذا ما تناولها باحثون آخرون فستؤدي باستمرار إلى معرفة جديدة ومدهشة، وإنه لمن المعقول أن تشمل معالجة قيمة كهذه جميع نواحي الطبيعة باتباع مثل هذه الطريقة».(2)

وهكذا انفصل العلمان ولكل واحد منهم منهجه وأسلوبه وهدفه، فبينما كانت الفلسفة تبحث في الوجود بصورة عامة، كان علم الطبيعة يبحث في القوانين التي تحكم وتسير العالم وتحاول أن تصيغها رياضيًّا.

خطوات المنهج العلمي التجريبي

 يتألف المنهج العلمي التجريبي مِن الخطوات التالية:

  • الملاحظة
  • الفرضية
  • التجربة
  • القانون

وبالرغم من أن هذا التسلسل يعتبر منطقيًّا إلا أن هناك تداخل كبير بين هذه الخطوات.

أولى خطوات المنهج هي الملاحظة وهي مشاهدة ومراقبة ظاهرة ما تقع في الطبيعة لاكتشاف أسبابها وعلاقاتها.

وبهذا تختلف الملاحظة عن التجربة والتي عادة ما يخلقها الفيزيائي في مختبره ويعزلها عمَّا يحيط بها في الطبيعة وذلك محاولة منه لمعرفة الأسباب والعلاقات التي تحكم هذه الظاهرة.

فالعالم الفيزيائي قد تلفت نظره ظاهرة ما فيبدأ برصدها ومتى توجد؟ وكيف توجد؟، ثم يبدأ بعمل تجارب مخبرية ليتأكد من صحة الفروض التي وضعها، وبعد إجراء هذه التجارب يقوم بتحليل النتائج التي توصل إليها ويحاول إيجاد علاقات بينها ثم يبدأ بصياغة هذه العلاقات رياضيًّا، وفي كثير من الأحيان يعاود الفيزيائي تكرار التجارب ليتأكد من صحة الفروض التي توصل إليها. وقد تكون لدى الفيزيائي فكرة معينة تدور في مخيلته فيبدأ بإجراء التجارب الأولية، فإذا سارت الأمور كما يظن يبدأ برصد الظواهر الطبيعية ثم يكمل بقية الخطوات.

وهكذا نجد أن التسلسل في المنهج التجريبي ليست من الأمور الثابتة، ولكن الثابت أن جميع هذه الخطوات تتبع للوصول إلى القوانين الفيزيائية.

وعلى الرغم من التطور العلمي المدهش الذي استطاع الانسان أن يصل إليه في العصر الحديث بدءًا من فلق الذرة وانتهاء إلى غزو الفضاء والذي لعب فيه المنهج الذي دشنه جاليليو دورًا رياديًّا إلا أن الغريب في الأمر أن الإنسان واجه صعوبات جمة في معرفة السبب العقلي الذي يجعله يطمئن إلى المنهج الاستقرائي في البحث العلمي على الرغم من أن كافة العلوم تتكئ على عصا الاستقراء المعوجة والتي لم تستقم في عقل الإنسان بعد.

السؤال الذي نحاول أن نسلط عليه الضوء في هذه العُجَالة هو هل بالامكان تقديم مستند عقلي يدعم منهج الاستقراء والتي تتكئ عليه كل العلوم الطبيعية والتقنيات الحديثة كما أسلفنا وذلك من خلال إيجاد قواعد متينة يستند عليها العقل في قبوله للقيم الاحتمالية الكبيرة ورفضه للقيم الاحتمالية الصغيرة؟

سوف نحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال تسليط الضوء على أحد أهم المدارس الفلسفية التي حاولت الإجابة على هذا التساؤل وهي الفلسفة الأرسطية والتي تعد من أعرق المدارس الفلسفية وأكثرها نضوجًا وذلك كما أورده المفكر الإسلامي الكبير محمد باقر الصدر في كتابه العملاق «الأسس المنطقية للاستقراء». (3)

بداية؛ ولكي يتضح الأمر بصورة جلية يحسن بنا أن نتكلم عن منهجَي الاستدلال الرئيسيين وهما: المنهج الاستنباطي والاستقرائي.

يعرف المنهج الاستنباطي بأنه المنهج الذي ينطلق مِن قاعدة عامة ليطبقها على حالة خاصة، فمثلاً عندما نقول أن المعادن تتمدد بالحرارة فإننا نستطيع أن نستنتج أن الحديد يتمدد بالحرارة، وذلك لأن هذا الاستنتاج مبني على قاعدة عقلية متينة وهي استحالة اجتماع النقيضين في موضوع واحد في آن واحد إذ إننا عندما قلنا بأن المعادن تتمدد بالحرارة فهذا يجرُّنا للقول بأن الحديد يتمدد بالحرارة وإلا فإن ذلك يعني إمكان اجتماع النقيضين في موضوع واحد -لأن الحديد نوع من أنواع المعادن – وهذا مُحال عقلاً.

أما المنهج الاستقرائي فهو المنهج الذي يعتمد على دراسة مجموعة معينة مِن الظواهر ليستخرج منها قاعدة عامة، ونستطيع أن ندعي وبكل اطمئنان أن جميع القوانين العلمية والنظريات الحديثة التي توصَّل إليها الإنسان إنما هي مبنية على المنهج الثاني وهو المنهج الاستقرائي، إذ إننا ومن خلال متابعتنا لعدد كبير من الظواهر الطبيعية نستنتج قانونًا عامًّا، فمثلاً عندما نرجع إلى القاعدة العلمية التي تناولناها سابقًا وهي تمدد المعادن بالحرارة، فالواقع يقول إن هذه القاعدة ليست مستنبطة بل مستقرأة، وذلك لأننا قمنا بملاحظة عدد من المعادن وهي تتمدد بالحرارة ثم قمنا بتعميم القاعدة، وقلنا بأن جميع المعادن تتمدد بالحرارة فمنهجنا الاستدلالي كان منهجًا مستقرأ ولم يكن مستنبطنًا.

إن القاعدة العقلية التي يستند عليها هذا المنهج الاستدلالي كما تطرحه الفلسفة الأرسطية هو أن التعميم إنما تم لأن التجمع العددي والتكرار للظاهرة كشف عن رابطة السببية، وقاعدة السببية قاعدة عقلية متينة كما تعتقد بها الفلسفة الأرسطية، أما كيف أن الاستقراء أوجد هذه الرابطة السببية فيرجع إلى قاعدة أخرى تؤمن بها الفلسفة الأرسطية و هي «أن الصدفة لا تتكرر بشكل دائمي أو أكثري» وعليه فإن تكرار المشاهدات لا يمكن أن يكون محض صدفة فلابد وأن تكون هناك رابطة سببية.

ولكن ألا تعتقد معي أن القاعدة المذكورة «أن الصدفة لا تتكرر بشكل دائمي أو أكثري» هي قاعدة مستقرأة بذاتها، فكيف توصل العقل إلى القاعدة المذكورة؟ أليس من خلال التجربة البشرية، ولكي يتضح الأمر بشكل أفضل لنقارن بين القاعدتين العقليتين والتي تبرر أحدهما المنهج الاستنباطي والأخرى للمنهج الاستقرائي وسوف نجد أن بينهما بونًا شاسعًا، فالأولى قاعدة عقلية متينة ولا يمكن لنا أن نتصور بحال من الأحوال اجتماع النقيضين، بينما تفتقر القاعدة العقلية الثانية إلى ذلك، فلك أن تتصور أن تتكرر الصدفة ولا تحكم باستحالة حدوث هذا الأمر، نعم قد تقلل من احتمال حدوثه -نتيجة للخبرة المكتسبة من الحياة وليس لقاعدة عقلية مسبقة- ولكن لا يمكن أن تنفيه، كما هو الحال مع اجتماع النقيضين واستحالة حدوثه، فالعقل يقطع ولا يتصور حدوثه. ولهذا فيبقى التساؤل قائمًا ما هي القاعدة العقلية التي على أساسها نرفض الأخذ بالاحتمال الضعيف جدًّا.

تناول الصدر هذا الموضوع بشكل موسَّع في كتابه العملاق «الأسس المنطقية للاستقراء»، وطرح فيه حلا لمعضلة الاستقراء، وقد اعتمد في حله على ما يعرف بالمذهب الذاتي وقوانين الاحتمالات وخلص إلى نتيجة مفادها أنه ومن خلال تطبيق قوانين الاحتمالات يتحول الاحتمال الاستقرائي إلى يقين موضوعي.

ويوضِّح أن اليقين الذي يوصل إليه الدليل الاستقرائي إنما هو يقين موضوعي أي أنه يقين تفرضه المبررات الموضوعية، وهذا اليقين يختلف عن اليقين الرياضي الذي يتولد عن الدليل الاستنباطي، «كلما تجمع عدد كبير من القيم الاحتمالية في محور واحد، فحصل هذا المحور نتيجة لذلك على قيمة احتمالية كبيرة، فإن هذه القيمة الاحتمالية الكبيرة تتحول –ضمن شروط معينة – إلى يقين، فكأن المعرفة البشرية مصممة بطريقة لا تتيح لها أن تحتفظ بالقيم الاحتمالية الصغيرة جدًّا، فأي قيمة احتمالية صغيرة تفنى لحساب القيمة الاحتمالية الكبيرة المقابلة»(4).

تعد المعالجة التي قدمها الصدر في كتابه من أكثر المعالجات جدية، حيث قام بمعالجة عميقة للموضوع ودعمها بقوانين الاحتمالات بشكل رائع، فهل استطاع الصدر أن يقوِّم الاعوجاج في عصا الاستقراء؟

 —————————-

1) صالح، هاشم، العلم والإيمان كتاب الرياض العدد 513\93

2) الجابري محمد عابد مدخل إلى فلسفة العلوم ط 3 1994

3) الصدر محمد باقر، الأسس المنطقية للاستقراء، الطبعة الرابعة 1402 هـ \ 1982 م

4) الصدر محمد باقر، الأسس المنطقية للاستقراء الطبعة الرابعة 1402 هـ \ 1982 م، ص 333

4,192 total views, 5 views today