د‭. ‬علي‭ ‬مُحمَّد‭ ‬سلطان‭ ‬الزعابي

المحطة‭ ‬الأولى: العلاقة‭ ‬المتأصلة‭ ‬ببريطانيا‭ ‬العظمى

بدأتْ‭ ‬كلمة‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور،‭ ‬والتي‭ ‬ألقاها‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1968م،‭ ‬عن‭ ‬حقبة‭ ‬والده‭ ‬السلطان‭ ‬تيمور‭ ‬بن‭ ‬فيصل؛‭ ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬ورث‭ ‬عن‭ ‬حكومة‭ ‬سلفه‭ ‬ديونا‭ ‬كثيرة،‭ ‬فوجد‭ ‬أمامه‭ ‬حكومة‭ ‬مثقلة‭ ‬بالديون‭ ‬مستحقَّة‭ ‬التسديد‭ ‬لتجار‭ ‬البلاد،‭ ‬وقد‭ ‬استمرَّت‭ ‬الحال‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه،‭ ‬والديون‭ ‬آخذة‭ ‬في‭ ‬الازدياد‭ ‬حتى‭ ‬العام‭ ‬1920؛‭ ‬حيث‭ ‬رأى‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬إدارة‭ ‬دفة‭ ‬الحكم‭ ‬ومالية‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬عجز‭ ‬وانحلال،‭ ‬عندها‭ ‬قرَّر‭ ‬المبادرة‭ ‬لتحسين‭ ‬الحالة‭ ‬المالية‭ ‬للحكومة،‭ ‬بإدخال‭ ‬الأنظمة‭ ‬الحديثة‭ ‬لإصلاحها‭. ‬وأخيرا،‭ ‬اتضح‭ ‬أنَّ‭ ‬حكومته‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬السير‭ ‬قدما‭ ‬بخطى‭ ‬واسعة‭ ‬وراء‭ ‬أي‭ ‬إصلاح‭ ‬منشود،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتخلص‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الديون‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُثقل‭ ‬كاهلها،‭ ‬وكما‭ ‬ذكرنا‭ -‬والكلام‭ ‬له‭- ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الديون‭ ‬كانت‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬التجار‭ ‬في‭ ‬البلاد؛‭ ‬فرأى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬توحيد‭ ‬مصدر‭ ‬الدين؛‭ ‬بحيث‭ ‬يستطيع‭ ‬تسديد‭ ‬الديون‭ ‬القديمة‭ ‬مع‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬تصلح‭ ‬للمساعدة‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بالإصلاحات‭ ‬المرجوة‭. ‬عندها،‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬أمامه‭ ‬من‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بتلبية‭ ‬طلبه‭ ‬هذا‭ ‬غير‭ ‬حكومة‭ ‬الهند‭ ‬الإنجليزية‭.‬

ملحوظة‭:‬

الهند‭ ‬الإنجليزية‭.. ‬تحمل‭ ‬دلالة‭ ‬عميقة؛‭ ‬نسبة‭ ‬للواقع‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬للفترة‭ ‬التي‭ ‬تحدَّث‭ ‬عنها‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور،‭ ‬وكان‭ ‬بالإمكان‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬كلمته‭ ‬الإنجليز،‭ ‬ويكتفي‭ ‬بهذا‭ ‬القدر،‭ ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الهند‭ ‬كانت‭ ‬شريكة‭ ‬الإنجليز‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬المنطقة،‭ ‬سيما‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬احتاجت‭ ‬للمعونة،‭ ‬وأنه‭ ‬من‭ ‬أوضح‭ ‬الواضحات‭ ‬أن‭ ‬القنصلية‭ ‬الهندية‭ ‬بجانب‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العاصمة‭ ‬مسقط‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬القنصليات،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العنصر‭ ‬الهندي‭ ‬قد‭ ‬وطِأت‭ ‬أقدامه‭ ‬أرض‭ ‬عُمان‭ ‬منذ‭ ‬القدم‭.‬

واستطرد‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬في‭ ‬ذكر‭ ‬دور‭ ‬الإنجليز‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مالية‭ ‬الدولة؛‭ ‬فقال‭ ‬إن‭ ‬الفترة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬1925؛‭ ‬رأى‭ ‬فيها‭ ‬السلطان‭ ‬تيمور‭ ‬بن‭ ‬فيصل‭ ‬ما‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭ ‬الحالة‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬وانهيار،‭ ‬فكَّر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يستخدم‭ ‬موظفا‭ ‬جديدا‭ ‬ليقوم‭ ‬بتنظيم‭ ‬مالية‭ ‬الحكومة،‭ ‬فقرَّر‭ ‬استخدام‭ ‬مستر‭ ‬برترام‭ ‬طومس‭ ‬الإنجليزي،‭ ‬فعيَّنه‭ ‬وزيرا‭ ‬للمالية‭ ‬بعقد‭ ‬لمدة‭ ‬خمس‭ ‬سنوات؛‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬الوضع‭ ‬المالي‭ ‬للحكومة‭.‬

ويتحدَّث‭ ‬عن‭ ‬العام‭ ‬1931،‭ ‬فيقول‭: ‬فقرَّ‭ ‬الرأي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يستخدم‭ (‬مستر‭ ‬هجوك‭ ‬الإنجليزي‭) ‬مستشارا‭ ‬للمالية،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1931،‭ ‬وهذا‭ ‬الرجل‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬موظفي‭ ‬وزارة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬العراق‭ ‬وقتئذ،‭ ‬وقد‭ ‬باشر‭ ‬عمله‭ ‬بكل‭ ‬نشاط‭ ‬ومثابرة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انتشل‭ ‬المالية‭ ‬مما‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭. ‬وكُنَّا‭ ‬آنذاك‭ ‬رئيسا‭ ‬للوزراء‭ ‬مع‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬الشؤون‭ ‬المالية‭ ‬للسلطنة‭.‬

سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬يخفض‭ ‬مخصصاته

‭”‬وفي‭ ‬يوم‭ ‬11‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬1932،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬تنازل‭ ‬والدنا‭ ‬المحبوب‭ ‬السلطان‭ ‬تيمور‭ ‬بن‭ ‬فيصل‭ ‬لنا‭ ‬لأسباب‭ ‬صحية؛‭ ‬فبعون‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬تولينا‭ ‬الحكم‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ،‭ ‬وأولينا‭ ‬الناحية‭ ‬المالية‭ ‬اهتماما‭ ‬خاصا،‭ ‬ولكن‭ ‬نظرا‭ ‬للضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬ميزان‭ ‬التجارة‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ،‭ ‬وجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬نضطر‭ ‬معها‭ ‬لضغط‭ ‬مختلف‭ ‬أبواب‭ ‬الصرف،‭ ‬والاقتصاد‭ ‬في‭ ‬النفقات،‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬عمل‭ ‬نفذناه‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬تخفيض‭ ‬مخصصات‭ ‬السلطان؛‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تخفيضها‭ ‬إلى‭ ‬نصف‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬السابق‭”.‬

ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬العجيبة‭ ‬أن‭ ‬السلطنة‭ ‬قد‭ ‬تحسنت‭ ‬أوضاعها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬نشوب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وكما‭ ‬يذكر‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬كلمته‭: “‬أما‭ ‬الفترة‭ ‬الثالثة،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬بدايتها‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬1939،‭ ‬يوم‭ ‬نشبت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬إلى‭ ‬سنة‭ ‬1945؛‭ ‬حيث‭ ‬توالى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والحاجيات،‭ ‬فتحسن‭ ‬دخل‭ ‬السلطنة‭ ‬من‭ ‬الجمارك،‭ ‬فأدخلنا‭ ‬زيادات‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬رواتب‭ ‬الموظفين،‭ ‬وقمنا‭ ‬ببعض‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الضرورية‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬السلطنة،‭ ‬ومنذ‭ ‬1933‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يطرأ‭ ‬على‭ ‬ميزانية‭ ‬الحكومة‭ ‬أي‭ ‬عجز‭ ‬مالي‭ ‬ولله‭ ‬الحمد‭.‬

واستطاعتْ‭ ‬الحكومة‭ ‬أن‭ ‬تحتفظ‭ ‬باحتياطي‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬للطوارئ،‭ ‬هذا‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬ملزمة‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أبواب‭ ‬الصرف،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مخصصا‭ ‬للدفاع،‭ ‬وهو‭ ‬الباب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يستنزف‭ ‬نصف‭ ‬الميزانية‭ ‬تقريبا،‭ ‬وكنا‭ ‬نتطلع‭ ‬إلى‭ ‬إدخال‭ ‬مختلف‭ ‬الإصلاحات‭ ‬إلى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مرافق‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬ماسة‭ ‬لذلك،‭ ‬غير‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نجد‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬مالية‭ ‬الحكومة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الاحتياطي‭ ‬ما‭ ‬يُشجع‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بأي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المشاريع،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬لم‭ ‬نشأ‭ ‬أن‭ ‬نرهق‭ ‬مالية‭ ‬السلطنة‭ ‬فنُثقلها‭ ‬بديون‭ ‬جديدة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سددنا‭ ‬الديون‭ ‬السابقة‭ ‬جميعها،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يتيسَّر‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬المال‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬بالدين‭ ‬وبفائدة‭ ‬بنسبة‭ ‬مئوية‭ ‬معينة،‭ ‬وهذا‭ ‬الربا‭ ‬بعينه،‭ ‬فلم‭ ‬نوافق‭ ‬عليه‭ ‬إطلاقا،‭ ‬وتحريمه‭ ‬الديني‭ ‬غير‭ ‬مجهول‭”.‬

قبل‭ ‬صدور‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة،‭ ‬بدأتْ‭ ‬الحكومة‭ ‬تهيئة‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬وبث‭ ‬الدعاية‭ ‬عبر‭ ‬الوسائل‭ ‬المتاحة‭ ‬لتلقِّي‭ ‬خبر‭ “‬كلمة‭ ‬السلطان‭”‬،‭ ‬وواضح‭ ‬من‭ ‬الديباجة‭ ‬أن‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬تدفق‭ ‬البترول‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬معه‭ ‬أن‭ ‬يتحدث‭ ‬للشعب‭ ‬العُماني‭ ‬بخصوص‭ ‬المشاريع‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬خاطره؛‭ ‬حيث‭ ‬قال‭: “‬الآن‭.. ‬وقد‭ ‬مضت‭ ‬ستة‭ ‬أشهر‭ ‬على‭ ‬ابتداء‭ ‬تصدير‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬عُمان،‭ ‬بتوفيق‭ ‬الله،‭ ‬وبجهود‭ ‬شركة‭ ‬نفط‭ ‬عُمان‭ ‬المحدودة،‭ ‬أرى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬علينا‭ ‬جميعا‭ ‬تقديم‭ ‬فروض‭ ‬لشكر‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أنعم‭ ‬علينا‭ ‬جل‭ ‬شأنه‭ ‬من‭ ‬فيض‭ ‬الخيرات‭ ‬وعميم‭ ‬البركات،‭ ‬ولولا‭ ‬ظهور‭ ‬النفط‭ ‬لما‭ ‬استطعتُ‭ ‬أن‭ ‬أتحدَّث‭ ‬إليكم‭ ‬بخصوص‭ ‬ما‭ ‬سنحقق‭ ‬من‭ ‬مشاريع،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬أفكارنا‭ ‬من‭ ‬آمال،‭ ‬ما‭ ‬تعلمون‭ ‬بأن‭ ‬المال‭ ‬هو‭ ‬عماد‭ ‬الآمال‭.‬

ويحسُن‭ ‬بنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬المشاريع‭ ‬الجديدة،‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬قليلا،‭ ‬ونلتفت‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬القريب،‭ ‬لنعيد‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬حقيقة‭ ‬الحالة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬السلطنة،‭ ‬وما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الأوان،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬إلمام‭ ‬بأحوال‭ ‬البلاد‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬عُمان‭ ‬ليس‭ ‬بالبلد‭ ‬الغني،‭ ‬وأن‭ ‬الحالة‭ ‬المالية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تساعدنا‭ ‬على‭ ‬السير‭ ‬قدما‭ ‬بخطوات‭ ‬أوسع‭ ‬مما‭ ‬كنا‭ ‬نخطو،‭ ‬لذا‭ ‬خطونا‭ ‬وئيدا‭”.‬

نتذكَّر‭ ‬جيدا‭ ‬أن‭ ‬الأهالي‭ ‬في‭ ‬مطرح‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الترقب‭ ‬المشوب‭ ‬بالسعادة،‭ ‬والأحاسيس‭ ‬الجياشة‭ ‬فيما‭ ‬أشيع‭ ‬من‭ ‬خبر‭ ‬كلمة‭ ‬السلطان‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬المطرحي‭. ‬فالمقاهي‭ ‬والمجالس‭ ‬والبحر‭ ‬والمدارس‭ ‬وأماكن‭ ‬السمر‭ ‬والأسواق،‭ ‬كلها‭ ‬كانت‭ ‬تتهيَّأ‭ ‬لنبأ‭ ‬كلمة‭ ‬السلطان‭ ‬التي‭ ‬أشغلت‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬كراس‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬صفحات‭ ‬قليلة‭ ‬عميقة‭ ‬المعنى‭ ‬والدلالة‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الشارع‭ ‬العُماني‭ ‬قد‭ ‬سمع‭ ‬من‭ ‬سلطانه‭ ‬خطابا،‭ ‬أو‭ ‬كلمة،‭ ‬أو‭ ‬تسديدا‭ ‬مباشرا،‭ ‬ولعل‭ ‬الظروف‭ ‬الاستثنائية‭ ‬المؤلمة‭ ‬التي‭ ‬ألمَّت‭ ‬بالواقع‭ ‬العُماني‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬الطاحنة‭ ‬من‭ ‬البريمي‭ ‬والجبل‭ ‬فظفار،‭ ‬قد‭ ‬أنهكت‭ ‬قوام‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬فتأت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وتاهت‭ ‬مواردها‭ ‬حتى‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬السلطان‭ ‬يذكر‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ ‬أن‭ ‬الجيش‭ ‬كان‭ ‬يستحوذ‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬موازنة‭ ‬الدولة‭.‬

نتذكَّر‭ ‬جيدا‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬العُماني‭ ‬في‭ ‬الستينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬يتلهف‭ ‬لسماع‭ ‬الخبر،‭ ‬ومتابعة‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬تطوره،‭ ‬وإنني‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأيام‭ ‬أوقف‭ ‬القارئ‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬مشاهد‭ ‬حية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬لها‭ ‬صور‭ ‬في‭ ‬المخيلة،‭ ‬وليست‭ ‬هي‭ ‬كلها،‭ ‬لكنها‭ ‬وعلى‭ ‬قلَّتها‭ ‬تُعتبر‭ ‬من‭ ‬المشاهد‭ ‬التي‭ ‬ارتكزت‭ ‬في‭ ‬الأذهان‭. ‬فنتذكَّر،‭ ‬ومن‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬مطرح،‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬الأخبار‭ ‬كانت‭ ‬شحيحة‭. ‬فمع‭ ‬أُوْلَى‭ ‬ساعات‭ ‬الصباح،‭ ‬كان‭ ‬التجار‭ ‬يهرعون‭ -‬وبعد‭ ‬تناولهم‭ ‬الإفطار‭ ‬في‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬المطاعم‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬وحواري‭ ‬مطرح‭- ‬إلى‭ ‬أخبار‭ ‬الحائط‭ ‬على‭ ‬مدخل‭ ‬سوق‭ ‬مطرح،‭ ‬على‭ ‬جدار‭ ‬محلات‭ ‬جعفر‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف،‭ ‬على‭ ‬مدخل‭ ‬سوق‭ ‬خور‭ ‬بمبا‭. ‬فعلى‭ ‬الحائط،‭ ‬كانت‭ ‬الحكومة‭ ‬تنشر‭ ‬القرارات‭ ‬والتعاميم‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬لآخر،‭ ‬وإعلان‭ ‬الوفيات،‭ ‬وحكم‭ ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬في‭ ‬المحاكم‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالتجارة‭ ‬أو‭ ‬التجار‭ ‬أو‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يستحوذ‭ ‬على‭ ‬الأهمية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الأخبار‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬الورثة‭ ‬والمطالبات‭ ‬والفتاوى‭ ‬الشرعية،‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬حضور‭ ‬على‭ ‬البرواز‭ ‬المفتوح‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مُستجد؛‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬الإعلانات‭ ‬كانت‭ ‬تأخذ‭ ‬حيزا‭ ‬من‭ ‬أطراف‭ ‬الجدار‭ ‬خارج‭ ‬المكان‭ ‬المحدد‭ ‬لها،‭ ‬ومع‭ ‬تقادم‭ ‬الخبر‭ ‬كانت‭ ‬الأوراق‭ ‬تمزق‭ ‬من‭ ‬لدن‭ ‬المأمور‭ ‬بمكتب‭ ‬الوالي،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬سهلا‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬لها‭ ‬يد‭ ‬المار‭ ‬أو‭ ‬المتابع‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬ضيق‭ ‬المساحة‭ ‬وأهمية‭ ‬الأخبار‭ ‬المستجدة‭.‬

وقد‭ ‬استمرَّت‭ ‬الحالة‭ ‬حتى‭ ‬بدايات‭ ‬العام‭ ‬1972،‭ ‬حينها‭ ‬وعلى‭ ‬الطرف‭ ‬المقابل‭ ‬وضعت‭ ‬مناشير‭ ‬الأفلام‭ ‬في‭ ‬برواز‭ ‬حديدي‭ ‬سميك‭ ‬مع‭ ‬صور‭ ‬الأفلام‭ ‬الهندية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬روي‭ ‬مع‭ ‬النهضة‭ ‬الميمونة‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬المطرحي،‭ ‬وفي‭ ‬الخمسينيات‭ ‬وجزءا‭ ‬من‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬تناهى‭ ‬لأسماعه‭ ‬قرع‭ ‬الطبول،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬إعلام‭ ‬الناس‭ ‬بالخبر،‭ ‬وعلى‭ ‬شاكلته‭ ‬كان‭ ‬الطبال‭ ‬يقرع‭ ‬في‭ ‬أسحار‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬لإيقاظ‭ ‬الناس‭ ‬لتناول‭ ‬السحور‭.‬

بقي‭ ‬المطرحي‭ ‬متابعا‭ ‬لأخبار‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوسائل‭ ‬المتاحة،‭ ‬ومع‭ ‬انتشار‭ ‬المذياع‭ ‬من‭ ‬محلات‭ ‬جعفر‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭ (‬فيلبس‭)‬،‭ ‬وتاول‭ (‬أجهزة‭ ‬سيرا‭)‬،‭ ‬ورغم‭ ‬ضعف‭ ‬الالتقاط‭ ‬وغلاء‭ ‬البطاريات،‭ ‬فإن‭ ‬المطرحي‭ ‬لم‭ ‬تعوزه‭ ‬الهمة‭ ‬من‭ ‬متابعة‭ ‬الأخبار‭ ‬ساعة‭ ‬بساعة‭ ‬ولحظة‭ ‬بلحظة‭.‬

فعلى‭ ‬صوت‭ ‬عموم‭ ‬الهند،‭ ‬وعلى‭ ‬وقع‭ ‬لتا‭ ‬ورفيع‭ ‬ونورجهان‭ ‬وشمشاد‭ ‬بيغام‭ ‬وأشا‭ ‬بوسلي‭ ‬وطلعت‭ ‬محمود‭ ‬ومكيش،‭ ‬كانت‭ ‬الأسطح‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الأنغام‭ ‬على‭ ‬ممنوعيتها‭. ‬ومع‭ ‬تقوية‭ ‬البث‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬تم‭ ‬التقاط‭ ‬صوت‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬القاهرة،‭ ‬وعلى‭ ‬جلجلة‭ ‬حنجرة‭ ‬عبدالناصر‭ ‬وخطاباته‭ ‬القارعة‭ ‬للاستبداد‭ ‬والظلم‭ ‬واستنهاض‭ ‬الهمم،‭ ‬كان‭ ‬المطرحي‭ ‬يتابع‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬عالمه‭ ‬العربي‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬أسواره‭.‬

وبعد‭ ‬ناصر‭ ‬وقبله،‭ ‬فإن‭ ‬حنجرة‭ ‬كوكب‭ ‬الشرق‭ ‬كانت‭ ‬تهدهد‭ ‬الكبار،‭ ‬ومعها‭ ‬أسمهان،‭ ‬وعبدالوهاب‭ ‬والصغيرة‭ ‬نجاة‭. ‬مع‭ ‬برامج‭ “‬ما‭ ‬يطلبه‭ ‬المستمعون‭” ‬من‭ ‬القسم‭ ‬العربي‭ ‬بإذاعة‭ ‬الباكستان،‭ ‬و‭”‬البث‭ ‬العربي‭” ‬من‭ ‬إذاعة‭ ‬الكويت،‭ ‬و‭”‬القسم‭ ‬العربي‭” ‬من‭ ‬الإذاعة‭ ‬البريطانية،‭ ‬ومن‭ ‬إذاعة‭ ‬كولومبو‭ ‬سايلون‭ ‬من‭ ‬سريلانكا،‭ ‬كان‭ ‬المطرحي‭ ‬يتابع‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وفي‭ ‬بلده‭ ‬كذلك‭.‬

عاش‭ ‬المطرحي‭ ‬عزلة‭ ‬مقيتة،‭ ‬وكان‭ ‬يتواصل‭ ‬مع‭ ‬أهله‭ ‬المغتربين‭ -‬سعيا‭ ‬وراء‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭- ‬عبر‭ ‬رسائل‭ ‬بالمراسلات‭ ‬البريدية‭ ‬والشفهية،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬له‭ ‬أهل‭ ‬خارج‭ ‬الوطن‭ ‬يتجمعون‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬وصل‭ ‬من‭ ‬السفر‭ ‬لاستلام‭ ‬الرسائل‭ ‬المرسلة،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬تشكل‭ ‬وسيلة‭ ‬التواصل‭ ‬الوحيدة‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬الوسائل‭ ‬الأخرى‭ ‬المتاحة‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المجاورة‭.‬

وقد‭ ‬انتشرت‭ ‬بعض‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬خِلسة؛‭ ‬منها‭: ‬آخر‭ ‬ساعة‭ ‬والمصور‭ ‬المصريتان،‭ ‬والمجلة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬الكويت،‭ ‬وجريدة‭ ‬نور‭ ‬الإسلام‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬وكانت‭ ‬تصدر‭ ‬بالهند‭. ‬وكان‭ ‬بعض‭ ‬الشباب‭ ‬يستعيرون‭ ‬مجلة‭ ‬الهلال‭ ‬المصرية‭ ‬من‭ ‬نادي‭ ‬مقبول‭ ‬بمسقط‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الدوريات‭ ‬والكتب‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬وجها‭ ‬ثقافيا‭ ‬جيدا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭.‬

ومن‭ ‬الطرائف‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحصل‭ ‬في‭ ‬مطرح،‭ ‬وكانت‭ ‬تعتمدها‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تنشر‭ ‬الخبر‭ ‬لأهميته،‭ ‬فتعمد‭ ‬إلى‭ ‬مندوب‭ ‬من‭ ‬مندوبيها‭ ‬أن‭ ‬ينشر‭ ‬الخبر‭ ‬عبر‭ ‬شخص‭ ‬مُتفنن‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الأخبار،‭ ‬وعادة‭ ‬كان‭ ‬يأتي‭ ‬المندوب‭ ‬وينبس‭ ‬في‭ ‬أذن‭ ‬هذا‭ ‬المتفنن‭ ‬الناقل‭ ‬الحاذق‭ ‬خبرا‭ ‬من‭ ‬الأخبار،‭ ‬وينشده‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يذيع‭ ‬الخبر؛‭ ‬كونه‭ ‬سرا‭ ‬مهما‭ ‬للغاية،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬ينتهي‭ ‬الخبر‭ ‬إلى‭ ‬مسامع‭ ‬هذا‭ ‬الناقل‭ ‬حتى‭ ‬تجد‭ ‬أن‭ ‬الخبر‭ ‬قد‭ ‬شاع‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬والبيت‭ ‬والمطعم،‭ ‬ولم‭ ‬يبقَ‭ ‬أحدٌ‭ ‬إلا‭ ‬وقد‭ ‬عرف‭ ‬بالخبر،‭ ‬وقد‭ ‬انتشر‭ ‬كانتشار‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬الهشيم‭. ‬فنٌ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليجيده‭ ‬إلا‭ ‬أصحاب‭ ‬الفن،‭ ‬وعلى‭ ‬غراره‭ ‬عاش‭ ‬المطرحي‭ ‬فنونا‭ ‬وأشكالا‭ ‬من‭ ‬التعامل؛‭ ‬لذا‭ ‬فإنَّ‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬مطرح‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬عُمان،‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يعش‭ ‬مطرح‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬الستينية‭ ‬فاته‭ ‬جل‭ ‬طعم‭ ‬مطرح‭.‬

بقيت‭ ‬كلمة‭ ‬السلطان‭ ‬محل‭ ‬درس‭ ‬ونقاش‭ ‬وتأويل‭ ‬وتفسير‭ ‬وتخمين،‭ ‬وعاش‭ ‬المطرحي‭ ‬مترقبا‭ ‬لها،‭ ‬وأول‭ ‬ما‭ ‬نشرته‭ ‬الحكومة‭ ‬فإن‭ ‬تجار‭ ‬مطرح‭ ‬كانوا‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬نسخها،‭ ‬ويومها‭ ‬كان‭ ‬أكبر‭ ‬عيد؛‭ ‬لأن‭ ‬مطرح‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬كلمة‭ ‬السلطان،‭ ‬وسنعرج‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ ‬كلمة‭ ‬السلطان،‭ ‬وظروف‭ ‬وواقع‭ ‬عُمان‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬الستينية‭.‬

أستطرد‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬السلطان‭: “‬في‭ ‬سنة‭ ‬1958،‭ ‬عرضت‭ ‬علينا‭ ‬الصديقة‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬مساعدات‭ ‬مالية‭ ‬لتصرف‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تقوية‭ ‬جيش‭ ‬السلطنة،‭ ‬وإدخال‭ ‬التحسينات‭ ‬على‭ ‬التعليم،‭ ‬وإقامة‭ ‬المستوصفات‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬ولايات‭ ‬الساحل‭ ‬والداخل،‭ ‬وإنشاء‭ ‬الحقول‭ ‬النموذجية‭ ‬التجريبية‭ ‬لتحسين‭ ‬حالة‭ ‬الزراعة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬ولرفع‭ ‬مستواها،‭ ‬ولشق‭ ‬طرق‭ ‬المواصلات‭…‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إصلاحات‭ ‬أخرى،‭ ‬فقبلنا‭ ‬منهاجا‭ ‬منها‭ ‬هذه‭ ‬المساعدات،‭ ‬شاكرين‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬العون‭.‬

وقد‭ ‬استمرت‭ ‬هذه‭ ‬المساعدات‭ ‬حتى‭ ‬أواخر‭ ‬مارس‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬الماضية؛‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬بأربعة‭ ‬أشهر،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬يوليو‭ ‬1967‭”.‬

إننا‭ ‬أمام‭ ‬تاريخ‭ ‬مضى‭ ‬عليه‭ ‬قرابة‭ ‬نصف‭ ‬القرن،‭ ‬وأمام‭ ‬بلد‭ ‬شحيح‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬آنذاك،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬فإن‭ ‬البلد‭ ‬كان‭ ‬أمام‭ ‬محنة‭ ‬مستحكمة‭ ‬من‭ ‬الحروب،‭ ‬ومكبلا‭ ‬باتفاقية‭ ‬السيب‭ ‬التي‭ ‬وقعها‭ ‬الطرفان‭ ‬عام‭ ‬1920؛‭ ‬جانباه‭: ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬مسقط،‭ ‬وآخر‭ ‬متمثل‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬بالإمامة‭.‬

وقفت‭ ‬بريطانيا‭ ‬مع‭ ‬سلطة‭ ‬المركز‭ ‬ودعمتها‭ ‬بكل‭ ‬ثقل‭ ‬لتجتاز‭ ‬المحنة،‭ ‬ولولا‭ ‬هذه‭ ‬الوقفة‭ ‬التي‭ ‬اعتبرها‭ ‬رجال‭ ‬الإمامة‭ ‬التفافا‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬السيب‭ ‬التي‭ ‬أعطت‭ ‬الإمامة‭ ‬السلطات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬لدرجة‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بتقسيم‭ ‬البلد‭ ‬لجزئين‭ ‬مسقط‭ ‬والداخل،‭ ‬وما‭ ‬حرب‭ ‬الجبل‭ ‬إلا‭ ‬إفراز‭ ‬طبيعي‭ ‬من‭ ‬وجهتهم‭ ‬بتملص‭ ‬سلطة‭ ‬المركز‭ ‬عن‭ ‬الاتفاق‭ ‬الموقع‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭.‬

ما‭ ‬يهمنا‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬بريطانيا‭ ‬في‭ ‬الوقوف‭ ‬مع‭ ‬سلطة‭ ‬المركز‭ ‬المتمثلة‭ ‬بسلطان‭ ‬البلاد‭ ‬السيد‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور؛‭ ‬حيث‭ ‬اجتاح‭ ‬الجيش‭ ‬مواقع‭ ‬الإمامة‭ ‬ودارت‭ ‬رحى‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬وهرب‭ ‬من‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬رجالات‭ ‬الجبل‭ ‬فيما‭ ‬نجحت‭ ‬حكومة‭ ‬المركز‭ ‬من‭ ‬القضاء‭ ‬عليهم‭ ‬بالمساندة‭ ‬البريطانية‭ ‬التي‭ ‬لولاها‭ ‬لتقسمت‭ ‬عُمان‭ ‬إلى‭ ‬دويلات‭ ‬وكيانات‭.‬

يتذكَّر‭ ‬أهل‭ ‬مطرح‭ ‬أن‭ ‬حالات‭ ‬الهلع‭ ‬كانت‭ ‬تسود‭ ‬البلاد؛‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬مستشفى‭ ‬طوماس‭ ‬كان‭ ‬يتلقى‭ ‬الجرحى‭ ‬والمصابين‭ ‬جراء‭ ‬التفجيرات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬البلاد،‭ ‬وهناك‭ ‬وثائق‭ ‬أثبتت‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تعامل‭ ‬معها‭ ‬المستشفى‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬فترات‭ ‬الحرب‭ ‬المستعرة‭ ‬بين‭ ‬سلطات‭ ‬المركز‭ ‬وأخرى‭ ‬الجبل‭. ‬يتذكر‭ ‬الأهالي‭ ‬كيف‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬نشر‭ ‬خبر‭ ‬احتراق‭ ‬سفينة‭ ‬دارا‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬عام‭ ‬1961،‭ ‬وهي‭ ‬منطلقة‭ ‬من‭ ‬قبالة‭ ‬سواحل‭ ‬دبي،‭ ‬وعلى‭ ‬متنها‭ ‬عُمانيون،‭ ‬وقد‭ ‬تناولنا‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬حلقات‭ “‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأيام‭”‬؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الإذاعة‭ ‬البريطانية‭ ‬بالعربية‭ ‬نشرت‭ ‬الحدث‭ ‬ليلة‭ ‬الفاجعة‭ ‬أي‭ ‬يوم‭ ‬8‭ ‬من‭ ‬أبريل‭ ‬عام‭ ‬1961،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحاصل‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬السفينة‭ ‬كان‭ ‬ناشئا‭ ‬عن‭ ‬انفجار‭ ‬قنبلة‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬السفينة‭ ‬أي‭ ‬الحاصل‭ ‬كان‭ ‬بفعل‭ ‬فاعل‭.‬

ومهما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الأمر،‭ ‬ومدى‭ ‬صحة‭ ‬الخبر‭ ‬من‭ ‬عدمه،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأجواءَ‭ ‬كانت‭ ‬مُهيَّأة‭ ‬لتصديق‭ ‬الخبر‭ ‬نتيجة‭ ‬توالي‭ ‬التفجيرات‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الاحتقان،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬سفينة‭ ‬دارا‭ -‬إن‭ ‬كان‭ ‬حاصلا‭ ‬كما‭ ‬نسبته‭ ‬الإذاعة‭ ‬بي‭.‬بي‭.‬سي‭ ‬لندن‭- ‬من‭ ‬تفجير،‭ ‬فإنه‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬الجبل‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬سلطة‭ ‬المركز‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬العقد‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬دارا‭ ‬كان‭ ‬بعد‭ ‬استتباب‭ ‬الهدوء‭ ‬المشوب‭ ‬بالحذر‭ ‬بأربع‭ ‬سنوات‭ ‬بتمامها‭.‬

واستطرادًا‭ ‬للواقع،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يَرى‭ ‬أن‭ ‬حرائق‭ ‬مطرح‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1964‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬كان‭ ‬بفعل‭ ‬فاعل،‭ ‬لتقويض‭ ‬سلطات‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور،‭ ‬ويرجع‭ ‬السبب‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬كانت‭ ‬وراءها‭ ‬لخلق‭ ‬التذمر‭ ‬والسخط‭ ‬الجماهيري‭ ‬على‭ ‬سلطات‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬رجالات‭ ‬الجبل‭ ‬وفلولهم،‭ ‬ولا‭ ‬أرى‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬يصمد‭ ‬أمام‭ ‬الحقيقة‭ ‬التاريخية‭ ‬الراسخة،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬بريطانيا‭ ‬وقفت‭ ‬مع‭ ‬سلطة‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور،‭ ‬ودعمته‭ ‬بالمساعدات‭ ‬حتى‭ ‬أواخر‭ ‬يوليو‭ ‬عام‭ ‬1967‭, ‬كما‭ ‬بينه‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ ‬التي‭ ‬تناولنا‭ ‬أجزاء‭ ‬منها،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬بريطانيا‭ ‬كان‭ ‬بإمكانها‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬بأوراق‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صعيد،‭ ‬خصوصا‭ ‬وأن‭ ‬قيادة‭ ‬الجيش‭ ‬والاستخبارات‭ ‬كان‭ ‬بيدها،‭ ‬ونعلم‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬الأول‭ ‬TIM LANDAN‭ ‬كان‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬ساعات‭ ‬وجود‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬موجودا‭ ‬وقريبا‭ ‬من‭ ‬السلطان‭.‬

أراد‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ -‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬أراده‭- ‬توضيح‭ ‬الوضع‭ ‬المالي‭ ‬للبلاد‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬معينة،‭ ‬وباقتضاب‭ ‬مر‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬والده‭ ‬السلطان‭ ‬تيمور‭ ‬بن‭ ‬فيصل،‭ ‬الذي‭ ‬تنازل‭ ‬عن‭ ‬الحكم‭ ‬لابنه‭ ‬سعيد‭ ‬الذي‭ ‬استلم‭ ‬مقاليد‭ ‬الحكم‭ ‬عام‭ ‬1932‭.‬

كما‭ ‬أنه‭ ‬سلط‭ ‬بعض‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬عهد‭ ‬جده‭ ‬فيصل‭ ‬بن‭ ‬تركي؛‭ ‬حيث‭ ‬ذكر‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬جده‭ ‬السلطان‭ ‬فيصل‭ ‬وحتى‭ ‬ما‭ ‬قبله،‭ ‬تنتهج‭ ‬نهجا‭ ‬عاديا‭ ‬بسيطا‭ ‬في‭ ‬تصريف‭ ‬جميع‭ ‬شؤونها‭ ‬وعلاقاتها؛‭ ‬فلا‭ ‬ميزانية‭ ‬ولا‭ ‬تخطيط‭ ‬ولا‭ ‬تنظيم،‭ ‬فالارتجال‭ ‬كان‭ ‬الأساس‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يعمل‭ ‬أو‭ ‬يقال،‭ ‬وهي‭ ‬الحال‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العهد‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭.‬

ونعلم‭ -‬كما‭ ‬أسلفنا‭ ‬في‭ ‬الحلقات‭ ‬الماضية‭- ‬أن‭ ‬حكومة‭ ‬الهند‭ ‬الإنجليزية‭ ‬أقرضت‭ ‬حكومته‭ ‬في‭ ‬تسديد‭ ‬الديون‭ ‬للتجار،‭ ‬فوحَّد‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬الدَّيْن،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬استعان‭ ‬بمال‭ ‬الإنجليز‭ ‬الذي‭ ‬تحصل‭ ‬عليه‭ ‬كمساعدات،‭ ‬ولأنها‭ ‬بعنوان‭ ‬المساعدات‭ ‬فقد‭ ‬قبلها‭ ‬لإنعاش‭ ‬مالية‭ ‬الحكومة،‭ ‬وقد‭ ‬قضى‭ ‬على‭ ‬الدَّيْن،‭ ‬وعلاوة‭ ‬عليه‭ ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬مد‭ ‬يده‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬للعطايا‭ ‬والهبات‭ ‬المعتادة‭ ‬لشيوخ‭ ‬القبائل‭ ‬والوفود؛‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬الحكومة‭ ‬تظهر‭ ‬بمظهر‭ ‬الغني‭ ‬واسع‭ ‬الثروة،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬كلمته‭.‬

ومع‭ ‬هذه‭ ‬السيرة،‭ ‬فإن‭ ‬الإنجليز‭ ‬لم‭ ‬يحجموا‭ ‬عن‭ ‬المساعدات،‭ ‬وقد‭ ‬ذهب‭ ‬نصف‭ ‬الموازنة‭ ‬العامة‭ ‬للدولة‭ ‬على‭ ‬الجيش‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬عماد‭ ‬البلد،‭ ‬ولعلنا‭ ‬ندرك‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬وضع‭ ‬السلطنة‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬المنصرم،‭ ‬أن‭ ‬المئات‭ ‬بل‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬أعداد‭ ‬الجنود‭ ‬في‭ ‬المعسكرات‭ ‬الذين‭ ‬غاصت‭ ‬بهم‭ ‬السلطنة‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬حدودها‭, ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الفلج‭ ‬وبوشر‭ ‬وبدبد‭, ‬وعلى‭ ‬تخوم‭ ‬الجبل‭ ‬وفي‭ ‬كشمير‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬صحار،‭ ‬وفي‭ ‬أم‭ ‬الغوارف،‭ ‬بقيادة‭ ‬المقدم‭ ‬تيرنل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬السلطان‭ ‬يعتمد‭ ‬عليه‭ ‬لتمركز‭ ‬فرقته‭ ‬في‭ ‬صلالة‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬رجالات‭ ‬الإنجليز‭ ‬من‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬العقيد‭ ‬هيو‭ ‬أولدمان‭ ‬وقائد‭ ‬قوات‭ ‬السلطان‭ ‬المسلحة‭ ‬جراهام‭.‬

ديموغرافية‭ ‬مطرح‭ ‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬هدأ‭ ‬زئير‭ ‬البنادق‭ ‬في‭ ‬الجبل،‭ ‬ومع‭ ‬العام‭ ‬1957‭ ‬سيطرت‭ ‬قوات‭ ‬السلطان‭ ‬المسلحة‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬على‭ ‬امتداده،‭ ‬فإن‭ ‬جل‭ ‬اهتمام‭ ‬السلطان‭ ‬بدأ‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬البريمي‭ ‬في‭ ‬1952،‭ ‬ثم‭ ‬1957‭ ‬في‭ ‬الجبل‭ ‬قد‭ ‬انصب‭ ‬على‭ ‬جبهات‭ ‬ظفار‭ ‬التي‭ ‬أنهكت‭ ‬موارد‭ ‬الدولة،‭ ‬وكانت‭ ‬هي‭ ‬الأشرس‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الحروب،‭ ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬الأثر‭ ‬السلبي‭ ‬البالغ‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬والقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬سبب،‭ ‬ولعل‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬بين‭ ‬القطبين‭ ‬الناتو‭ ‬والوارسو،‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬بؤرها‭ ‬هي‭ ‬جبال‭ ‬ظفار،‭ ‬والدعم‭ ‬الممدود‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬عدن‭.‬

ولست‭ ‬واردًا‭ ‬تناول‭ ‬الحدث‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تفاصيله‭ ‬ومؤثراته‭ ‬الدولية‭ ‬والمحلية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬التحدث‭ ‬عن‭ ‬مطرح‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬محور‭ ‬اهتمامي‭ ‬لهذا‭ ‬السرد‭ ‬كله،‭ ‬منذ‭ ‬أول‭ ‬حلقة‭ ‬من‭ ‬حلقات‭ “‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأيام‭”. ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬مطرح‭ ‬التحولات‭ ‬الديموغرافية‭ ‬بشكل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معهودا‭ ‬حتى‭ ‬العهد‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬عهد‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬بدايات‭ ‬عهده‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬أوج‭ ‬حرب‭ ‬الجبل،‭ ‬فالبريمي،‭ ‬ثم‭ ‬ظفار‭.‬

واستدراكا‭ ‬من‭ ‬السلطات‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬سكان‭ ‬مطرح،‭ ‬فإن‭ ‬أول‭ ‬شرطة‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬تشكيلها‭ ‬في‭ ‬مطرح‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬عام‭ ‬1963‭ ‬وأوائل‭ ‬عام‭ ‬1964،‭ ‬علما‭ ‬بأنَّ‭ ‬نواة‭ ‬الشرطة‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تشكلت‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الثلاثينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وكانت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مسقط،‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬مفتش‭ ‬لها‭ ‬هو‭ ‬مُحمد‭ ‬جواد‭ ‬درويش‭ ‬اللواتي،‭ ‬الذي‭ ‬استقال‭ ‬منها‭ ‬بعد‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الخدمة،‭ ‬وغادر‭ ‬إلى‭ ‬باكستان‭ ‬للالتحاق‭ ‬بصديق‭ ‬دربه‭ ‬الأستاذ‭ ‬جواد‭ ‬الخابوري،‭ ‬عند‭ ‬انفصال‭ ‬باكستان‭ ‬عن‭ ‬الهند‭ ‬بعد‭ ‬استقلال‭ ‬الهند‭ ‬عن‭ ‬بريطانيا‭ ‬عام‭ ‬1947‭.‬

الشرطة‭ ‬في‭ ‬مطرح‭ ‬تكونت‭ ‬كأول‭ ‬نواة‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬عنصرا،‭ ‬ونتذكر‭ ‬أن‭ ‬الشرطي‭ ‬كان‭ ‬يلبس‭ ‬الكاكي‭ ‬الداكن‭ ‬من‭ ‬اللبس‭ ‬العسكري،‭ ‬وكان‭ ‬المركز‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مكتب‭ ‬عند‭ ‬شركة‭ ‬سانيو،‭ ‬ومن‭ ‬ضمن‭ ‬من‭ ‬التحق‭ ‬بالشرطة‭ ‬في‭ ‬مطرح‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬تأسيس‭ ‬السيد‭ ‬قاسم‭. ‬وكانت‭ ‬شرطة‭ ‬مطرح‭ ‬تتبع‭ ‬مكتب‭ ‬الوالي‭ ‬إسماعيل‭ ‬الرصاصي‭.‬

ومع‭ ‬تنامي‭ ‬السكان،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الجريمة‭ ‬قد‭ ‬ازدادت‭ ‬فيها‭ ‬حتى‭ ‬أمست‭ ‬ليالي‭ ‬مطرح‭ ‬غير‭ ‬مأمونة‭ ‬الحال؛‭ ‬بحيث‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬المنازل‭ ‬والسرقات‭ ‬الليلية‭ ‬في‭ ‬الحارات‭ ‬مع‭ ‬سرقة‭ ‬المحلات‭ ‬أصبحت‭ ‬أحاديث‭ ‬المقاهي،‭ ‬ومع‭ ‬تنامي‭ ‬الجريمة،‭ ‬فإن‭ ‬أهالي‭ ‬الحارات‭ ‬جاسوا‭ ‬خلال‭ ‬الديار‭ ‬أثناء‭ ‬ساعات‭ ‬الليل‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬البيوت‭ ‬من‭ ‬السطو،‭ ‬وما‭ ‬حرائق‭ ‬مطرح‭ ‬عام‭ ‬1964‭ ‬إلا‭ ‬شاهد‭ ‬حي‭ ‬على‭ ‬تنامي‭ ‬الجريمة‭ ‬في‭ ‬مطرح،‭ ‬والتي‭ ‬على‭ ‬إثرها‭ ‬شكلت‭ ‬قبيلة‭ ‬اللواتية‭ ‬فريقا‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬البيوت‭ ‬من‭ ‬التعرض‭ ‬للسرقة‭ ‬أو‭ ‬السطو‭ ‬أو‭ ‬الحرائق‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬مطرح‭.‬

ونتذكر‭ ‬فيما‭ ‬له‭ ‬الصلة‭ ‬بشرطة‭ ‬مطرح‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬الفرق‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬مطرح‭: ‬فرقة‭ ‬الشرطة‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬مع‭ ‬الأهالي،‭ ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬إخماد‭ ‬حرائق‭ ‬مطرح،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أهالي‭ ‬مطرح‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬يشكلون‭ ‬الواجهة‭ ‬الإدارية‭ ‬والمالية‭ ‬والتنظيمية،‭ ‬وبقي‭ ‬دور‭ ‬الشرطة‭ ‬بادئ‭ ‬ذي‭ ‬بدء‭ ‬مساعدا،‭ ‬ومع‭ ‬الزمن‭ ‬فإنه‭ ‬قد‭ ‬تطور‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬المبادرات‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الشرطة‭ ‬قد‭ ‬نشطوا‭ ‬في‭ ‬لاحق‭ ‬الأيام‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬المتاجرين‭ ‬بالخمور‭ ‬والمحششين،‭ ‬حيث‭ ‬انتشر‭ ‬الخمر‭ ‬والحشيش‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬الدخول،‭ ‬ومع‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭.‬

شهدتْ‭ ‬أسواق‭ ‬مطرح‭ ‬حركةً‭ ‬نشطةً‭ ‬في‭ ‬الستينيات‭ ‬لم‭ ‬تعهدها‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل،‭ ‬ونظرة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬المطاعم،‭ ‬فإن‭ ‬المشهد‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬هذا‭ ‬المكون‭ ‬بصورة‭ ‬مضطردة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭. ‬فقد‭ ‬زاد‭ ‬عدد‭ ‬المطاعم‭ ‬إلى‭ ‬الضعف،‭ ‬بل‭ ‬ويربو‭. ‬وقد‭ ‬ذكرنا‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬المطاعم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليتجاوز‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مطرح‭ ‬عشرة‭ ‬مطاعم‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الحالات‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الستينيات‭.‬

من‭ ‬مطعم‭ ‬داود‭ ‬مشهدي‭ ‬إلى‭ ‬شمبيه‭ ‬فغلوم‭ ‬العجمي،‭ ‬مرورا‭ ‬بمطعم‭ ‬علي‭ ‬حسن‭ ‬بكارا‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعتبر‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬المطاعم‭ ‬السعفية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬خور‭ ‬بمبا،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬مرتادوه‭ ‬تجارا‭ ‬وباعة‭ ‬في‭ ‬مطرح،‭ ‬وأغلبهم‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الدخول‭ ‬الجيدة‭ ‬والمتوسطة‭.‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬المطعم‭ ‬من‭ ‬المطاعم‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬خور‭ ‬بمبا،‭ ‬وميزته‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬أولى‭ ‬ساعات‭ ‬الصباح‭ ‬يقدم‭ ‬مرق‭ ‬اللحم‭ ‬المشبع‭ ‬بالتوابل‭ ‬مع‭ ‬خبز‭ ‬التنور‭ ‬والدال‭ (‬العدس‭)‬؛‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬أجود‭ ‬اللحم‭ ‬من‭ ‬لحوم‭ ‬الضأن‭ ‬كان‭ ‬يتوافر‭ ‬في‭ ‬مطعمه‭ ‬دون‭ ‬أكثر‭ ‬المطاعم‭ ‬انتشارا؛‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يشتري‭ ‬من‭ ‬أحسن‭ ‬اللحوم،‭ ‬ومع‭ ‬أولى‭ ‬ساعات‭ ‬الفجر‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬المسلخ‭ ‬في‭ ‬الأربق‭ ‬في‭ ‬حارة‭ ‬الشمال،‭ ‬وهو‭ ‬المسلخ‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مطرح‭.‬

وقد‭ ‬ذكرتُ‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الحلقات‭ ‬أنَّ‭ ‬أجود‭ ‬أنواع‭ ‬الزلابية‭ ‬التي‭ ‬أكلها‭ ‬المطرحي‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬الأعياد،‭ ‬كانت‭ ‬تُصنع‭ ‬بيديه،‭ ‬وكان‭ ‬يُقدِّمها‭ ‬في‭ ‬الكراع‭ (‬الكيس‭ ‬الورقي‭ ‬المقوى‭)‬،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬مطرح‭ ‬من‭ ‬سبقه‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬مع‭ ‬التواجد‭ ‬الباكستاني‭ ‬المتزايد‭ ‬في‭ ‬السبعينيات‭.‬

نَبْقى‭ ‬في‭ ‬المطاعم؛‭ ‬فمع‭ ‬تزايد‭ ‬أعداد‭ ‬السكان،‭ ‬افتتح‭ ‬رجل‭ ‬يُدعى‭ ‬إبراهيم‭ ‬من‭ “‬جوادر‭” ‬مطعمه‭ ‬المشهور‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬موقع‭ ‬سانيو‭ ‬مقابل‭ (‬الإستيشن‭) ‬لسيارات‭ ‬الأجرة‭ (‬التكاسي‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬استأجره‭ ‬من‭ ‬جعفر‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭. ‬واشتهر‭ ‬هذا‭ ‬المطعم‭ ‬بأصناف‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬على‭ ‬أسلوب‭ ‬إخواننا‭ ‬الجوادريين‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬المرق‭ ‬وأصناف‭ ‬الحلوى‭.‬

وكان‭ ‬المطعم‭ ‬يكتظُّ‭ ‬بمرتاديه‭ ‬حتى‭ ‬ساعات‭ ‬الليل،‭ ‬وغدا‭ ‬المطرحي‭ ‬حينها‭ ‬رقما‭ ‬مضافا‭ ‬لمرتادي‭ ‬هذا‭ ‬المطعم‭ ‬الذي‭ ‬تميَّز‭ ‬عن‭ ‬غيره‭ ‬بسعة‭ ‬الموقع‭ ‬ونوع‭ ‬الطعام،‭ ‬وقد‭ ‬قدم‭ ‬أنواعا‭ ‬من‭ ‬الإدامات‭ ‬لم‭ ‬يعرفها‭ ‬المطرحي‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل؛‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬القيمة‭ (‬اللحم‭ ‬المفروم‭)‬،‭ ‬وناروشت‭ ‬لأصناف‭ ‬من‭ ‬الكبدة‭ ‬والكيعان‭ ‬وحلاوة‭ ‬بوتينج‭.‬

وتبعُه‭ ‬رجل‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬بلدته‭ ‬أيضا‭ ‬يُدعى‭ “‬عبدالرسول‭”‬؛‭ ‬حيث‭ ‬اشترى‭ ‬من‭ ‬الحاج‭ ‬مال‭ ‬الله‭ ‬علي‭ ‬أغا‭ ‬مطعمه‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬العلوي‭ ‬المعروف‭ ‬بمطعم‭ ‬مال‭ ‬الله،‭ ‬وكان‭ ‬موقعه‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬أمتار‭ ‬من‭ ‬مطعم‭ ‬إبراهيم‭ ‬الجوادري،‭ ‬وميزة‭ ‬المطعم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يُطل‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬المفتوحة‭ ‬لبوابة‭ ‬مطرح،‭ ‬وعلى‭ ‬الدوار‭ ‬لموقف‭ ‬الشرطي‭ ‬المحافظ‭ ‬على‭ ‬سير‭ ‬المرور‭ ‬في‭ ‬دائرته‭ ‬المظللة‭.‬

كان‭ ‬المطعم‭ ‬على‭ ‬أقصى‭ ‬ارتفاع‭ ‬من‭ ‬المبنى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬وكان‭ ‬مرتادو‭ ‬المطعم‭ ‬يحرصون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يأخذوا‭ ‬مكانهم‭ ‬عند‭ ‬شرفات‭ ‬المطعم‭ ‬ليُطلوا‭ ‬على‭ ‬المارة،‭ ‬وعلى‭ ‬حركة‭ ‬السوق،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬شارد‭ ‬ووارد‭ ‬في‭ ‬مطرح،‭ ‬ومع‭ ‬الليل‭ ‬وهدوئه‭ ‬فإن‭ ‬المحظوظ‭ ‬في‭ ‬ليالي‭ ‬الأعياد‭ ‬من‭ ‬يجد‭ ‬له‭ ‬موقعَ‭ ‬قدم‭ ‬في‭ ‬فناء‭ ‬المطعم‭ ‬وباحته،‭ ‬ويفاخر‭ ‬بين‭ ‬أقرانه‭ ‬أنه‭ ‬تناول‭ ‬الوجبة‭ ‬في‭ ‬المطعم‭ ‬العلوي‭. ‬وهذان‭ ‬المطعمان‭ ‬كانا‭ ‬يُعدان‭ ‬من‭ ‬أغلى‭ ‬المطاعم‭ ‬في‭ ‬مطرح؛‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬الوجبة‭ ‬الواحدة‭ ‬فيهما‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬ثلاث‭ ‬وجبات‭ ‬لمعوز‭ ‬يتناوله‭ ‬في‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬المطاعم‭ ‬المنتشرة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬خط‭ ‬المطاعم‭ ‬وحواليها‭.‬

وبجانب‭ ‬هذين‭ ‬المطعمين،‭ ‬فإنَّ‭ ‬غريب‭ ‬آباد،‭ ‬ومطعم‭ ‬داود‭ ‬جمعة،‭ ‬ومطعم‭ ‬كوه‭ ‬سنج،‭ ‬ومطعم‭ ‬عمر‭ ‬البلوشي،‭ ‬على‭ ‬أول‭ ‬خط‭ ‬من‭ ‬جيدان،‭ ‬فإن‭ ‬معظم‭ ‬هذه‭ ‬المطاعم‭ -‬إن‭ ‬لم‭ ‬نجزم‭ ‬بكلها‭- ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أنشئت‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬الوافدين‭, ‬خصوصا‭ ‬من‭ ‬بلدة‭ “‬جوادر‭” ‬في‭ ‬مطرح‭.‬

وما‭ ‬دمنا‭ ‬قد‭ ‬مررنا‭ ‬على‭ ‬ذكر‭ ‬المطاعم،‭ ‬فإن‭ ‬مطعم‭ ‬آدم‭ ‬كان‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬مطاعم‭ ‬الجيل‭ ‬الأول،‭ ‬وقد‭ ‬امتاز‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬المطاعم‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬متنوعا،‭ ‬وبقي‭ ‬الأرخص‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬المطاعم،‭ ‬بل‭ ‬الأكثر‭ ‬شعبية‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬المطاعم‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬استثناء،‭ ‬فمرتادوه‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬والمعوزين‭ ‬ومتوسطي‭ ‬الحال،‭ ‬وبقي‭ ‬على‭ ‬مستواه‭ ‬وقدم‭ ‬الأحسن‭ ‬في‭ ‬السمك‭ ‬والدال‭ ‬والناروشت‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬والسمك‭ ‬ما‭ ‬فاق‭ ‬به‭ ‬أقرانه‭.‬

فمع‭ ‬ساعات‭ ‬الليل‭ ‬وقبل‭ ‬الفجر‭ ‬بوقت،‭ ‬كانوا‭ ‬يتحركون‭ ‬على‭ ‬المسلخ‭ ‬في‭ ‬الأربق،‭ ‬ويذبحون‭ ‬لأهل‭ ‬مطرح‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يتعدى‭ ‬لكل‭ ‬منهم‭ ‬ثلاث‭ ‬ذبائح،‭ ‬وكان‭ ‬كل‭ ‬أهل‭ ‬مطرح‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬المطاعم‭ ‬يكتفون‭ ‬بهذا‭ ‬المقدار‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الستة‭ ‬من‭ ‬الأسبوع،‭ ‬عدا‭ ‬الجمعة؛‭ ‬حيث‭ ‬الكمية‭ ‬كانت‭ ‬تتضاعف‭ ‬لتناول‭ ‬معظم‭ ‬البيوت‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬يوما‭ ‬مخصصا‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬في‭ ‬وجبة‭ ‬الغداء،‭ ‬وباقي‭ ‬الأيام‭ ‬فإن‭ ‬الناس‭ ‬كانوا‭ ‬يتناولون‭ ‬السمك‭ ‬لرخصه‭ ‬وتوافره‭ ‬وتنوعه‭.‬

ومع‭ ‬أواخر‭ ‬الستينيات،‭ ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬المطاعم‭ ‬وازدياد‭ ‬مرتاديها،‭ ‬فإن‭ ‬استهلاك‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬التزايد‭ ‬بجانب‭ ‬السمك‭ ‬والبقوليات،‭ ‬حتى‭ ‬اضطر‭ ‬معها‭ ‬القصابون‭ ‬لإمضاء‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬الباطنة‭ ‬والداخلية‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬أجود‭ ‬اللحوم،‭ ‬وحملها‭ ‬إلى‭ ‬مطرح،‭ ‬وهذه‭ ‬الحالة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتتكرر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬الأعياد‭ (‬الفطر‭ ‬والأضحى‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬عداها‭ ‬فإن‭ ‬الحالة‭ ‬المادية‭ ‬لأهل‭ ‬مطرح‭ ‬في‭ ‬عمومهم‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتسمح‭ ‬بتناول‭ ‬اللحوم‭ ‬لغلائها‭ ‬وشحها‭.‬

ومع‭ ‬هذا‭ ‬التزايد‭ ‬في‭ ‬استهلاك‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء،‭ ‬فإنه‭ ‬وبعد‭ ‬دخول‭ ‬الكهرباء‭ ‬لمطرح،‭ ‬ومع‭ ‬برادات‭ ‬مطرح،‭ ‬والشركة‭ ‬الفنية،‭ ‬ومحلات‭ ‬تاج،‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬‭-‬وقد‭ ‬مررنا‭ ‬على‭ ‬ذكرها‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الحلقات‭- ‬فإن‭ ‬اللحوم‭ ‬المجمدة‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬الأرض‭ ‬وغربها‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬قد‭ ‬دخلت‭ ‬على‭ ‬الخط،‭ ‬ومع‭ ‬تبدل‭ ‬الأمزجة‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الحالات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬المستجدة،‭ ‬ومع‭ ‬ازدياد‭ ‬السكان‭ ‬عن‭ ‬الوتيرة‭ ‬المتسارعة‭ ‬للأسباب‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬ذكرها،‭ ‬فإن‭ ‬مطرح‭ ‬شهدت‭ ‬تطورا‭ ‬ملموسا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭.‬

مُحسن‭ ‬علي‭ ‬اللواتي‭ (‬جكاب‭).. ‬التاجر‭ ‬الإنسان‭ ‬

يُعتبر‭ ‬الحاج‭ ‬محسن‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬اللواتي‭ ‬المعروف‭ ‬بلقب‭ “‬جكاب‭” ‬أول‭ ‬صراف‭ ‬في‭ ‬مطرح،‭ ‬ومنذ‭ ‬الأربعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬الذي‭ ‬تعامل‭ ‬بالأخص‭ ‬مع‭ ‬العملة‭ ‬الهندية‭ ‬ثم‭ ‬الهندية‭ ‬والباكستانية،‭ ‬بعد‭ ‬انفصال‭ ‬الدولتين‭ ‬بعد‭ ‬استقلال‭ ‬الهند‭ ‬عن‭ ‬الاستعمار‭ ‬البريطاني‭.‬

كثيرا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحصل‭ ‬أن‭ ‬كميات‭ ‬السلع‭ ‬كانت‭ ‬تنفد‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬مطرح،‭ ‬فكان‭ ‬الحاج‭ “‬جكاب‭” ‬يوفرها‭ ‬من‭ ‬دبي،‭ ‬ويبقي‭ ‬على‭ ‬أسعاره،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬متوافرة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬مطرح،‭ ‬وبالحالة‭ ‬هذه‭ ‬فإنه‭ ‬سيطر‭ ‬على‭ ‬مفاصل‭ ‬هذه‭ ‬السلع‭. ‬وبالنسبة‭ ‬للعملات،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الحاج‭ ‬جكاب‭ ‬يوفرها‭ ‬بسعرها‭ ‬اليومي،‭ ‬وكان‭ ‬يجلبها‭ ‬من‭ ‬دبي‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر،‭ ‬وقد‭ ‬حصل‭ ‬أن‭ ‬تعرض‭ ‬غير‭ ‬مرة‭ ‬للنصب‭ ‬والسرقة‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬مطرح‭ ‬عام‭ ‬1968،‭ ‬وكسرت‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬الهجوم‭ ‬المباغت‭ ‬عليه‭ ‬رِجله،‭ ‬وبقي‭ ‬طريح‭ ‬الفراش‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬شهر‭.‬

الإنجليز‭ ‬ودورهم‭ ‬

ذكرنا‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬المتأصِّلة‭ ‬بين‭ ‬الإنجليز‭ ‬وحكم‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حلقة‭ ‬من‭ ‬حلقات‭ “‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأيام‭”‬،‭ ‬في‭ ‬تناولنا‭ ‬لكلمة‭ ‬السلطان‭.‬

بقيت‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬من‭ ‬المتنانة‭ ‬والقوة،‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬المتابع‭ ‬يقف‭ ‬حيالها‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬التساؤل‭ ‬المحير؛‭ ‬فمن‭ ‬المتعارف‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬أن‭ ‬المصالح‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬مُقدمة‭ ‬الإستراتيجيات‭ ‬الناشئة‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقات،‭ ‬وتسخر‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬الإمكانات،‭ ‬وتُحشد‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬والإثنيات‭ ‬والطائفيات‭ ‬والعلوم،‭ ‬وكل‭ ‬أنواع‭ ‬الإمكانات،‭ ‬وتشن‭ ‬لأجلها‭ ‬الحروب،‭ ‬فيما‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬سلطنة‭ ‬مسقط‭ ‬وعُمان‭ ‬وبين‭ ‬بريطانيا،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬ورائها‭ ‬أية‭ ‬مصالح‭ ‬واضحة،‭ ‬حتى‭ ‬لكأن‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬السلطان‭ ‬لا‭ ‬يلمس‭ ‬منه‭ ‬المرء‭ ‬أية‭ ‬دلالة‭ ‬أن‭ ‬لبريطانيا‭ ‬مصالح‭ ‬ملموسة‭ ‬وذات‭ ‬أثر‭ ‬يعود‭ ‬عليها‭ ‬بالنفع؛‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬جميع‭ ‬ما‭ ‬ذكره‭ ‬السلطان‭ ‬هي‭ ‬مصالح‭ ‬بلده‭ ‬المحضة،‭ ‬وقد‭ ‬شكر‭ ‬لبريطانيا‭ ‬وقفتها‭ ‬غير‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬كلمته‭.‬

نحمد‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬عُمان‭ ‬بابنها‭ ‬البار‭ ‬جلالة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ ‬المعظم،‭ ‬قد‭ ‬أعاد‭ ‬التلاحم‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬شعبه،‭ ‬ولولا‭ ‬هذه‭ ‬القيادة‭ ‬الحكيمة‭ ‬لتمزقت‭ ‬عُمان‭ ‬أشلاء،‭ ‬ولدارت‭ ‬رحى‭ ‬التقاتل‭ ‬البيني‭ ‬حتى‭ ‬أكلت‭ ‬كل‭ ‬أخضر‭ ‬ويابس‭.‬

لقد‭ ‬عانت‭ ‬عُمان‭ ‬من‭ ‬ويلات‭ ‬التقاتل‭ ‬الداخلي‭ ‬الذي‭ ‬أخَّر‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬لسنين،‭ ‬ولعل‭ ‬السبب‭ ‬الأساس‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬التأخير‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬لم‭ ‬يستخرج‭ ‬من‭ ‬باطن‭ ‬الأرض‭ ‬مع‭ ‬أولى‭ ‬بشائر‭ ‬الخير‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬المنصرم،‭ ‬لمروره‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬المحتدمة‭ ‬فيها‭ ‬الحرب،‭ ‬وأجدني‭ ‬منقادا‭ ‬للرأي‭ ‬الذي‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وقفة‭ ‬بريطانيا‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬الحسم،‭ ‬وأدت‭ ‬لتدفق‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الستينيات؛‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬أكبر‭ ‬الأثر‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬البلد،‭ ‬وتحريك‭ ‬اقتصاده،‭ ‬وانتعاش‭ ‬واقعه‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬بالسلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬أن‭ ‬يشكر‭ ‬بريطانيا،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬فإن‭ ‬لبريطانيا‭ ‬مصالحها‭ ‬التي‭ ‬أشارت‭ ‬إليها‭ ‬صحيفة‭ “‬نيويورك‭ ‬تايمز‭” ‬في‭ ‬27‭ ‬يوليو‭ ‬1957،‭ ‬بمقالٍ‭ ‬بعنوان‭: “‬الحاكم‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬البترول‭”‬؛‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭: “‬حلم‭ ‬الإنجليز‭ ‬يتلخَّص‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مصدر‭ ‬أساسي‭ ‬للبترول‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الركن‭ ‬من‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬ذي‭ ‬الموقف‭ ‬الدفاعي‭ ‬المناسب،‭ ‬يماثل‭ ‬الحقول‭ ‬الغزيرة‭ ‬في‭ ‬الكويت‭ ‬والبحرين‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الخليج‭”. ‬والسلطان‭ ‬يعي‭ ‬كل‭ ‬ذلك؛‭ ‬فهو‭ ‬يقرأ‭ ‬صحيفة‭ ‬التايمز‭ ‬اللندنية،‭ ‬ومشترك‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬الأمريكية‭.‬

عرف‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬واقعه،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬فهمه‭ ‬العميق‭ ‬لهذا‭ ‬الواقع،‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬المتاح‭ ‬له،‭ ‬والذي‭ ‬لولاه‭ ‬لما‭ ‬أمكنه‭ ‬من‭ ‬فض‭ ‬النزاع‭ ‬وتوحيد‭ ‬أطراف‭ ‬البلاد‭. ‬

1,454 total views, 8 views today