HUSSAIN OBAID

حسين عبيد

الاقتراب من تجربة الفنان التشكيلي المغربي عادل حواتا، تتيح للبصيرة التجوال في الإنشائيات الفنية القائمة على استشراقات الروح، ومجموعة متلاحقة من المشاهد الصورية المختزلة في الذاكرة، الباحثة وسط الأشياء المتراكمة عن إملاءات المخَّيلة ونَزَقها، لا يدرك غاياتها إلا من قَبِل اقتناص فكرة عائمة على غنائيات حاضرة، تنظر إليها من زوايا تتباين عليها اشتراطات الرسم وتقاطعاته الشيئية الملازمة للروح.

إن استيعاب الفنان للمنحى الجمالي دفعته نحو إدراك جوهر الأشياء، وفَهْم البنية الوجودية للعمل الفني، فقدَّم ضمن حدود نصية متكررة، نواظم بصرية مجرَّدة، تشير في مقاصدها وإيماءاتها إلى معانٍ مضافة واختزالات مشخَّصَة للواقع. تتمحور عليها قيم إبداعية ذاهبة مع المكونات التشكيلية إلى نفي الآني الخاص، والتنظيرات العالقة في الذاكرة.

هذه الذاكرة التي تشكل في حد ذاتها سيرة فنية متصلة بمختبر الفنان الواعي الحَصِيف لضرورياته الجمالية. يحاول منها الارتحال بالنصوص من جغرافية لأخرى بحثًا عن خُلاصات تأملية محتَدِمَة، تتنوع عليها موضوعات مرئية متلاصقة، ودوائر تعبِّر عن العالم الروحي.. تسرد مع المربعات حكايات وقصص باحثة عن لوحة جديدة، حاضرة بجمالياتها الشرقية. لا تُسْتقام إلا على مناخات وقِيَم لونية – الأبيض والأسود والأحمر والأخصر ومشتقات اللون البني – ونصوص موسيقية مدعومة من الداخل، تشعرنا أننا أمام لذة استثنائية مؤثثة على قناعات تجريدية مختزلة، تحاكي الواقع وتلامس الأسطح بمواد وخامات تفتح شهية الحوار مع الرائي، يسفر عنه الإثارة والدهشة في النتائج التي تم التوصل لها عبر تلك الوصلات الحميمية والانعكاسات المرئية المؤخوذة بفتنة التجريب والبحث عن رخاء للجمال.

استطاع حواتا بمعنى أوسع إحالة مشاهداته الصورية اليومية إلى رمزيات تحاكي من جوانيتها سماوات تفصح عن تداخلات شكلية، يراهن عليها رصد جماليات المكان والعبور منها نحو أمكنة سرية آمنة، مندمجة مع ذات الحلم والأضداد _الظل والنور، الفاتح والداكن_ التي دأب عليها التنقل باتجاهات متباينة لرسم فضاءات تجريدية مختلفة    _الفضاء المرسوم والفضاء الذي يوجد فيه الرسم_ ترشدنا بخفة ساحرة إلى مفارقات موضوعية/عفوية، تُوارِي خلفها علاقات ميكانيكية وكيميائية لا تأسِر الروح فحسب، بل تعيد المرئيات حيث الحقول الفنية الموصوفة في الذاكرة، المليئة بشفرات تستعرض معانيها كلما أتيح لها مباشرة التمرد على الرسم باعتباره الحراك الذي يقيم عليه الفنان مشروعاته الجمالية، ويرتجي من نقطة التلاق الوصول بخياله إلى مستوى الحقيقة الكامنة في الذاكرة.

إنَّ ملازمة الفنان للمكان أوجدت لمادتة البصرية عوالم بمعايير خاصة، تميزت بالبساطة والصفاء.. لم يجد الفنان صعوبة في الاشتغال عليها وحذْف كل ما من شأنه جعل مشروعاته متكاملة بحسب مقاييس فعل الرسم المختزل والباحث عن جماليات وحدود وهمية، لا تهدأ إلا على الصراعات النفسية المتقاسم عليها أسئلة مبهمة، تتغير بحسب تفسيرنا للشيئية، ربما نتفق معها أو نختلف عليها، إلا أنها تقودنا بتداخلاتها ومسلماتها المنطقية إلى رصد مصادرها بمزاج متوارد، محكوم على حقيقة الأشياء المتجهة نحو أزمنة مشتعلة، ومكاشفات مرئية تطرح الأفكار، وتتخذ من الخطاب الفني بلاغة محورية لتسكين الروح على أسطح متجاذبة مع العقل وبريق الجمال.

2,513 total views, 5 views today