علي بن حَمَد الفارسي

لم تحظَ السلطنة -حسب اطلاعنا اللغوي العام- بدراسة علميَّة عميقة تتناول بالوصف والتحليل قضية المستويات اللغوية الاجتماعية، والفوارق بين مستوى لغوي وآخر، ومدى انتشار تلك المستويات في الهرم اللغوي والأسئلة القائمة بعد ذلك على الهرم اللغوي المتحصل من مثل هذه الدراسة في حالة قيامها؛ فلماذا يسود مستوى على حساب المستويات اللغوية الأخرى؟! وما النتيجة الثقافية والتعليمية المباشرة التي يعكسها مثل هذا الانتشار؟!

ويبُدو أنَّ الوضع اللغوي بالسلطنة يحتاج لمثل هذه الدراسات التي تُعنى بالجانب اللغوي الاجتماعي، أو ما يُسمَّى باللسانيات الاجتماعية (Social Linguistics) نظرًا لأنَّ مثل هذه الدراسة تقوم عليها سياسات التخطيط اللغوي (Language Planning): وهذا التخطيط اللغوي لا يقل أهمية عن التخطيط السكاني أو التخطيط السياسي أو الاقتصادي؛ فصناعة المناهج اللغوية التعليمية -سواءً كانت بالمدارس، أو بالجامعات، أو بمعاهد اللغة العربية للناطقين..بغيرها- تقوم على مثل هذه الدراسات، وتنبني على تلك الدراسات -أيضًا- البرامج الثقافية وقضية التكوين «الهُويَّة» وهي قضية جوهرية وتحظى باهتمام خاص عند من يسعى للنهوض الحضاري والمعرفي المتنور.

ونحن نسعى من خلال هذا المقال الصغير أن نصفَ بعض المستويات اللغوية المعاصرة بالسلطنة، ونصنِّفها بعد ذلك، ونُبدي الملحوظات التي تتصل بهذه القصية قدر الإمكان، من باب «ما لا يُدرك جُله لا يترك كُله».

وتفرض دراسة الدكتور السعيد محمد بدوي قبل عقود -بعنوان «مستويات العربية المعاصرة بمصر»- نفسها في هذا المجال؛ بوصفها الأشهر ليس على مستوى مصر والبلدان العربية فحسب، بل على مستوى العالم أجمع(2)؛ فقد استفادت دراسات غربية عديدة من دراسة السعيد بدوي تلك، وهي حقًّا جديرة بهذه العناية وذلك الاهتمام.

وإذا أردنا أن نستلهم تلك الدراسة لوصف المستويات اللغوية -وبالتالي وصف الواقع اللغوي بعُمان- فلا بد أن ندخل بعض التعديلات أو التحسينات حتى تستقيم لنا القناة ويشتد عندنا عود المنهج.

فطبيعة المجتمع المصري في عقد السبعينيات وقت دراسة السعيد بدوي، يختلف عن طبيعة المجتمع العُماني في العام 2016؛ فمن أبرز تلك الاختلافات: عدم وجود عمالة وافدة في المجتمع المصري تكاد تشكل «ظاهرة لغوية» منفردة بذاتها، بينما نجد أنَّ العمالة الوافدة من شبه القارة الهندية تكاد تمثل نصف المجتمع العُماني (43%) من عدد السكان الأصليين، بل تكاد تمثل نصف المجتمع الخليجي (3).

فمئات الألوف من العاملات الأجنبيات يعشن بين ظهرانينا أي في منازل العُمانيين ومساكنهم، وهذا الوجود الكثيف لا بد أن يصنع ظاهرة لغوية فريدة تستحق الرصد والوصف والدراسة، أطلقنا عليها في مقالنا هذا «لغة المغتربين».

هذه اللغة تداخلتْ فيها الأنظمة اللغوية التي تتبع بنية اللغات الهندوأوروبية بأنظمة اللغة العربية التي تنتمي إلى فصيلة اللغات السامية، وشكلت شكلاً من أشكال اللغة الهجين (pidgin)، لكن السؤال المنهجي الآن: هل مُمكن أن نعد مثل هذه اللغة الهجين من ضمن مستويات العربية المعاصرة بعُمان، نقول: نعم، إنها لغة تدخل ضمن مستويات العربية المعاصرة؛ لأنَّ ألفاظها وتراكيبها عربية، ولكن حدث فيها إعادة ترتيب في طرق البناء؛ بمعنى أنَّ مادتها من معاجم العربية، لكن صياغتها تسير على غير طرق العربية في تنظيم أجهزة القول وتأليف تراكيب الكلام.

وقد جمعنا جل المادة اللغوية (المدونة) التي اعتمدناها في التحليل من مادة شفهية مسموعة، ومنتقاة من المجتمع اللغوي العُماني.

واتخذنا المستويات اللغوية التالية: المستوى الصرفي، والمستوى التركيبي، والمستوى المعجمي، معيارًا للفصل بين تلك المستويات في المجتمع اللغوي المتكامل والفرز بين مستوى وآخر.

أولاً: فصحى التراث: هي «فصحى تقليدية غير متأثرة بشيء نسبيًّا» (4)، لغة تكاد تشبه فصحى التراث الكلاسيكيّة إلى حدِّ التطابق، يظهر هذا المستوى في لغة الخطباء والفقهاء ممن تأثر تأثيرًا مباشرًا ومستمرًّا بأسلوب التراث، فيدمن قراءة كتب التراث، ويحضر حلقات الوعظ والدروس الدينية التي تنتح من معين التراث ويشتغل بهذه القضية طوال حياته حتى تتكون لديه سليقة لغوية لها صفة «فصحى التراث»؛ فلا يكاد يجد أدنى إشكال في التواصل مع التراث وقراءة أمَّات الكتب، دون أن يستعين بمعجم أو مرشد في فهم بعض الألفاظ الغامضة أو التراكيب الغَلِقة.

وإذا ما أردنا التدقيق والتحديد، فسنجد مثل هذه اللغة التراثية في لغة سماحة المفتي العام للسلطنة الشيخ أحمد بن محمد الخليلي، لاسيما في برنامجه المتلفز المسمّى «جواهر التفسير..أنوار من بيان التنزيل»، وهو برنامج ديني يعرض في التليفزيون العُماني كل جمعة يفسِّر فيه سماحته آيات القرآن الكريم وسوره، ويشبه في طريقة سرده وتقديمه «الأمالي» التي كانت الطريقة المعتمدة في حلقات العلم بالمساجد في التراث العربي؛ حيث يُملي العالم ويدوِّن طلابه تلك النصوص والأمالي دون مشاركة تفاعلية بالسؤال أو الجواب.

أمَّا برنامجه المعروف «سؤال أهل الذكر»، الذي يقدمه الدكتور سيف بن سالم الهادي؛ فلغته تقترب من المستوى التالي في الهرم اللغوي الذي يلي «فصحى التراث»؛ ألا وهو مستوى «العربية الفصيحة المعاصرة»؛ لأنه برنامج تشاركي تفاعلي، وفيه إفتاء وعرض حاجات الناس الدينية؛ لذلك يستعمل سماحة المفتي المستوى الثاني حتى تكون لغته مفهومة لدى غالبية الناس، بينما برنامج «جواهر التفسير» هو قريب في طبيعته اللغوية من فصحى التراث:

ففي مستوى المعجم، نجد: «فلا يَسُوغُ أن تحمل السيئات في الآيتين الكريمتين على أنها الصغائر»، وهذه اللفظة لا تستخدم إلا في هذا المستوى، ونجد ما يقابلها في العربية الفصيحة المعاصرة: «يبرر»، أو «يجوز»، و«القرينة»: أي العلامة أو الإشارة، و«لا ريب»: يقال الآن: «لاشك»، و«تعقبه الفخر الرازي فيما تعقب» أي: «انتقده فيما انتقد»، و«ينهنه الإنسان عنها إيمانه»: يبعد أو يترفَّع أو يرفع، و«نزوة نفسية»: شهوة، و«تمتلك لبه»: تمتلك قلبه، و«تعد»: يقال الآن: «تعتبر» (5).

وفي مستوى الصرف: نجد بعض الأوزان الصرفية التي يستخدمها الشيخ تكاد تختفي في العربية الفصيحة المعاصرة، ولا تظهر غالبًا إلا في فصحى التراث، من مثل قوله: «أمر جَلَلَ»، «وهو جُنُب»: على جنابة، و«نُهِيَ»: التي تحولت في العربية الفصيحة المعاصرة إلى تم النهي عن.

وفي مستوى التركيب: نجد في هذا البرنامج لغةً معربةً تعتني بقضايا الرفع والنصب والجر حين النطق بها: من مثل قول المفتي: «حديث أبي هريرةَ»، حيث جُرَّت كلمة «أبي»، لوقوعها في موقع الجر (المضاف إليه)، وقوله: «فلذلك كانَ تبديدُ ظلماتِ المعاصي مرهونًا بالتوبةِ»، حيث رفع اسم كان «تبديد» لوقوعه في موقع الرفع، ونصب خبرها «مرهونًا» لوقوعه في موضع النصب، وقوله: «خرج هاربًا»، فنصب «هاربًا» لوقوعه في موضع الحال، كذلك يعتني الشيخ حين يتحدث بقضية تركيب الإضافة، فيقول: «ارعواء الإنسان وازدجاره»، على الإضافة التأليفية/التركيبية (Synthetic Genitive)، ولا يقول: «ارعواء وازدجار الإنسان» على طريقة العربية المعاصرة حين تلجأ إلى الإضافة التحليليّة (Analytic Genitive).

ومما يُذكر في هذا الصدد أنَّ سماحة المفتي يعتمد في نطق التاريخ الهجري على طريقة العربية في تأليف الكلام من اليمين إلى اليسار، فيقول: الثاني عشر من ربيعٍ الأول، سنة خمسٍ وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة، ويتمثل مستوى فصحى التراث في اعتماده كثيرًا على التاريخ العربي الهجري الذي بدأ يتراجع في مواجهة التاريخ الميلادي في المستويات اللغوية الأخرى؛ فقد فرض نفسه في التقويم الرسمي، ويقرأ التاريخ من اليمين إلى اليسار مُراعيًا حين النطق قضية التطابق والاختلاف في نطق الأرقام.

ويطرح سماحة المفتي في مواضع عديدة السؤال هكذا: «ما السماء؟» و«ما الآخرة؟»، وليس: ما هي السماء؟ وما هي الآخرة؟ كما نلاحظ ذلك في مستوى العربية الفصيحة المعاصرة؛ فالتعبير الأول هو الأفصح، فوجود الضمير في التعبير لا يُستساغ لعدم وجود مرجعية له، فـ «هي» ضمير يعود على من؟

ثانيًا: العربية الفصيحة المعاصرة (ع.ف.م)، «فصحى متأثرة بالحضارة المعاصرة على الخصوص» (6)، وهي التي نتحدَّث بها الآن في الإعلام والمحاضرات والسياسة والثقافة، أو ما يُسمى بـ «خطاب الرسميَّات»، وهي آخر مرحلة من المراحل التي مرت بها اللغة العربية عبر التاريخ بالنسبة لنا نحن المتحدثين بها، وتظهر هذه اللغة بوضوح في الصحف والمجلات العُمانية بل العربية، ونرى أن البرنامج الإذاعي المشهور «كتاب أعجبني» وهو برنامج ثقافي يومي يُذاع على إذاعة سلطنة عُمان يقدمه الإعلامي المعروف سليمان المعمري، يُعرض في هذا البرنامج كتاب ويُناقش باستفاضة لمدة خمس عشرة دقيقة تنقص أو تزيد قليلاً، يندرج ضمن العربية الفصيحة المعاصرة.

ففي مستوى المعجم: نجد الكلمات التالية: «الإمبريالية»، و«الاستشراق»، و«الاستعلائية»، و«الشوفينية»، و«الانتفاضة»، و«الاستعمار»، و«أدب المقاومة»، و«البنيوية»، و«ممارسة نصية»، و«لسانيات النص»، و«أدبيات»، و«موضوعات»، و«الحاسب الآلي»، و«المستوى التداولي».

وفي مستوى الصرف: نجد الصيغ الصرفية التالية وهي كلها حديثة مستحدثة على اللغة العربية؛ مثل: «يُشرعن» على وزن يفعلن، و«علمنة الأدب» على وزن فعلنة.

وفي مستوى التركيب: نجد التراكيب التالية: «موقف جد رافض»، حيث فصل بين النعت «رافض» والمنعوت «موقف» بكلمة «جد»، والأصل أن يكون موقعها بعد النعت؛ فنقول: «موقفٌ رافضٌ جدًّا للاستعمار»، وكذلك نجد التركيب التحليلي التالي: «قاموا بمنع اللغة العربية»، وفصحى التراث يُقال: منعوا وليس قاموا بمنع، و«قاموا ببناء ما أنتجوه»، والأصل أن يقال: «بنوا ما أنتجوه»، ونجد كذلك التركيب التالي: «… كمنع اللغة العربية في المغرب»، و«كقراء»، وكنماذج»، وهذه الكاف كاف التمكين وهي دخيلة على العربية، جاءت نتيجة ترجمة الأداة (as) من اللغة الإنجليزية، وكذلك التركيب التالي: «أي وصف يتجاوز الجملة»، واستخدام الأداة «أي» في هذا الموضع جديد على العربية وهي ترجمة للأداة (any) عن اللغة الإنجليزية.

ثالثًا: لغة المثقفين: وهذه اللغة ليست واضحة تماما كما هو الحاصل فعلا في مصر؛ فنحن في عُمان يوجد لدينا «التزام أكبر»، إلى درجة نستطيع أن ندرج هذا المستوى ضمن المستوى السابق، كما لا يوجد ثمَّة فارق كبير بين مستوى لغة المثقفين ومستوى لغة عامية المتنورين؛ لارتفاع مستوى الأمية بمصر في زمن السبعينيات وانخفاضه بالسلطنة في الوقت الحالي، ولوجود انتماء لغوي قوي بالعربية في السلطنة كذلك؛ لذلك نرى أنَّ هذا المستوى الذي اعتمده السعيد بدوي في تقسيمه للمستويات اللغوية بمصر لا ينطبق على السلطنة.

رابعًا: عامية المتنورين: هذه اللغة تقل من ناحية التركيبية (Synthetic) عن مستوى العربية الفصيحة المعاصرة، وترتفع عن مستوى عامية الأميين، وينتشر هذا المستوى انتشارًا واسعًا في الحياة العامة بالسلطنة، وفي المعاملات اليومية غير المكتوبة، ويمثل هذا المستوى من ناحية اللغة برنامج «صباح الشباب» وهو من إعداد الإعلاميّة سُهى الرقيشية وتقديمها، ويتناول قضايا الشباب من يوم الأحد حتى الخميس، على إذاعة سلطنة عُمان.

ففي مستوى المعجم، نجد الكلمات التالية: «الحين»: بمعنى الآن، «أيوا»: بمعنى نعم، «إنزين»: بمعنى جيد أو موافق، و«نشوف»: بمعنى نرى، و«يلا»: بمعنى «هيا»، و«أروح المدرسة»: أي أذهب إلى المدرسة.

وفي مستوى الصرف: نجد أن الاسم الموصول «الذي» في هذا المستوى يتحول إلى «اللي»، وهو تحول من النمط التركيبي إلى النمط التحليلي، و«بعدين»: بمعنى بعد ذلك؛ فقد حدث لها تحوير لكي تناسب طبيعة اللهجات، و«أكثير» وفي الأصل: كثير، فقد أضيفت الألف إلى الصيغة الصرفية المعتادة، و«إيش»: اختصار معروف منذ القدم للتركيب الاستفهامي أي شيء؟ وتحولت «معنا» إلى «معانا» في عامية الأميين.

وفي مستوى التركيب: نجد التركيب التحليلي التالي: «ما عندنا امتحان»: أي على صيغة النفي ليس لدينا امتحانٌ، فقد عوضت الأداة «ما» في اللهجة العُمانية أداة النفي «ليس» في العربية الفصحى، و«أنتي اليوم ما مركزة معانا»: أي لست مركزةً معنا اليوم؟ ونلاحظ أن نظام الرتبة (Word Order) تغيَّر في هذا المستوى، فأصبح الظرف «اليوم» يأتي في بداية الجملة، بينما يحل في فصحى التراث في آخر التركيب «فضلة»، والغريب أنَّ أداة النفي «ما» أصبحت تدخل في لغة الأطفال مع اللغة الإنجليزية في تركيب غريب، فيقول أحد الأطفال (7):

(ما car+ want) أي لا أريد سيارةً: في مقابل: (I want car).

كذلك حدث تغيير كبير لصيغة السؤال: ويظهر ذلك في المثال التالي: «تسمعي كثير أناشيد؟»: أي هل تسمعين أناشيد كثيرة؟ فقد أُسقطت الأداة «هل» في هذا المستوى من اللغة، وحذفت نون النسوة واكتفت اللهجة بالياء للدلالة على المؤنث، وقدمت الصفة «كثير» وحذفت تاء التأنيث «ة»، وأُخِّر الموصوف «أناشيد». وكل تلك التطورات السابقة تندرج ضمن حركة التطورات التحليليّة (Analytic).

خامسًا: عامية الأميين: وهي عامية من لم يحظ بشكل من أشكال التعليم، وتكاد تنغلق مثل هذه العامية عليك إذا كنت من خارج المنطقة، ويبدو أن هذا المستوى سيذهب مع مرور الأيام؛ نظرًا لارتفاع مستوى التعليم بين الشباب العُماني في مقابل انخفاض مستويات الأمية بالسلطنة، نجد هذا المستوى اللغوي في بعض الحوارات الإذاعية مع كبار السن وغيرهم، وقد اخترنا نموذجًا واحدًا من برنامج «الصواري» في إذاعة سلطنة عُمان الذي يقدمه الدكتور حمد الغيلاني، لاسيما في لقائه مع أحد النجَّارين المعروفين بصناعة السفن الخشبية بالسلطنة:

في المستوى الصوتي: وقد أضفنا هذا المستوى الصوتي في عامية الأميين؛ لأنَّ الظواهر الصوتية والاختلافات في النطق بين اللهجات تظهر بوضوح في هذا المستوى أكثر من غيره من المستويات السابقة، ومن هذه المظاهر الصوتية: تحول القاف في «أقل» إلى غين فتصبح «أغل»، وكذلك القاف في «القائد» تتحول إلى غين فتصبح «الغايد» وتسهل الهمزة فتتحول إلى ياء، والقاف في «إفريقيا» تتحول إلى غين «إفريغيا»، وهذه الظاهرة قلب القاف إلى غين معروفة في سواحل الخليج وليست تقتصر على ولاية صور فحسب.. انظر: على سبيل المثال لهجات دولة البحرين.

وكذلك تقلب الجيم فتتحول إلى ياء، في مثل قولهم: «الساي»: أي خشب الساج، و«الغنْية»: أي الغنجة.

وفي المستوى المعجمي: «الوستاذ: الأستاذ: أي كبير النجارين»، «الزين: الجيد»، «وايد: كثير»، «القلفاط: مادة قطنية تغرس في الفراغات بين أخشاب السفينة وأعمدتها»، «الباورة: المرساة»، «يوب: مثل»، «تشل: تنشد»، و»ناقفين الباورة: مقتلعين المرساة»، «تثمري وتحتي: أي تثمري وتسقطي ثمارك»، و«طية: لفافة»، «تبشرتي يا نخلتي: أي أثمرتي بداية الثمار».

وفي المستوى الصرفي: تحول اسم الإشارة هذا إلى «إذيه»، واسم الإشارة «ذلك اليوم» إلى «إذيج اليوم»، وتحول صيغة الفعل: «تجلب على وزن تُفعل إلى تياب» أي يؤتى بها، و«مدِّيت» أي مددت، «لعصير»: صيغة تصغير من وقت العصر.

وفي المستوى التركيبي: «الرئيس مالهم»: أي رئيسهم، و«الأغاني مال القلفاط»، على الإضافة التحليليّة، والأصل أن يقال: أغاني القلفاط، وفي ذلك يقول المستشرق الهولندي كيس فرسيتج: «تطورَّت اللهجات العربية الحديثة باتجاه نمط لغوي تحليلي، خاصة في بعض التراكيب النحوية، وفي هذا النمط يتم التعبير عن الوظائف النحوية باستخدام كلمات منفصلة بدلا من مورفيمات متصلة بالكلمات، حدث ذلك في حالة اللهجات العربية، وتم بعده تقعيد تلك الكلمات فأصبحت مورفيمات نحوية في حد ذاتها، عندما اختفت علامات الإعراب من اللهجات حل تركيب إضافة تحليلي محل تركيب الإضافة العربي الكلاسيكي القديم، وفي هذا التركيب تحل أداة إضافة تحليلية محل علامات الإعراب القديمة؛ حيث حلت في اللهجات الحديثة «أداة تحليلية محل علامة الكسر في الفصحى» (8).

ويقصُد بذلك: أن تتحوَّل الإضافة التركيبية في «بيت الملك» في العربية الفصحى إلى إضافة تحليلية: «بيت مال الملك» في اللهجة العُمانية، و«بيت بتاع الملك» في اللهجة المصرية، و«بيت ديّال الملك» في اللهجة المغربية.

ونجد أيضًا في المستوى التركيبي السابق العبارة التالية: «مب زينة»: أي ليست جيدة، و«محد باجي»: أي «ليس باقٍ منهم أحد».

سادسًا: لغة المغتربين (الهجين) (Pidgin)، وهي لغة عربية تغيَّرت فيها طرائق التعبير والرتبة المعروفة لغرض التواصل مع المغتربين من شبه القارة الهندية، وكان الغرض من هذا التهجين إنجاز التواصل اللغوي وتحقيقه، ووظيفة هذه اللغة البراجماتية/ الذرعية إنجاز الأشياء بالكلمات، فهي ليست لغة بيانية/تعبيرية تتصف ببلاغة خاصة بقدر ما هي لغة وظيفية، وقد سجلنا بعض المحاورات في السوق بين عمال هنود وزبائن عُمانيين، وبعض المحادثات الشخصية؛ لأن هذا المستوى لا يسمح له العرف اللغوي في السلطنة أن يظهر في قنوات التواصل الرسمية أقول العرف وليس القانون:

في المستوى الصوتي: «زرب: ضرب»، و«اسنين: اثنان»، و«صلاة الزهر: صلاة الظهر»، و«أزان الزهر: أذان الظهر»، ويبدو أن عدم وجود مثل هذه الحروف في اللغات الهندوأوروبية ولد مثل هذا التغيُّر الصوتي.

وفي المستوى المعجمي: «سيدا: أي مباشرةً»، و«معلوم: معروف»، و«توله: أي كمية محددة من العطر أو البخور»، و«نماز: صلاة»، و«البرياني: رز مطبوخ بالطريقة الهندية»، و«هات: أي ناولني أو أجلبه لي»، و«بنكه: مروحة كهربائية».

وفي المستوى الصرفي: «بابا: أي أبي، ماما: أمي»، «حجي: الحاج».

وفي المستوى التركيبي: «واحد نفر»، والأصل أن يقال: رجل فكلمة «نفر» لا تستخدم إلا في الجمع، و«ثلاثة حرمه»، والأصل عدم المطابقة فيقال: «ثلاث فتيات»، وفي التركيب كذلك نجد: «سوي تصليح مكيف»، أي «صلح المكيف: دون استخدام الكلمة «سوي»، ويبدو أن الأداة «سوي» في هذه اللغة الهجين أصبحت تقوم مقام الأفعال المساعدة أو تعوض سقوطها، أيضًا: «أنا ما فيه معلوم تصليح»، حيث تستخدم «الأداة: فيه» في هذه اللغة مثل استخدام الاسم الموصول، فتأتي في مواضع النفي ومواضع التوكيد، على تقدير: «أنا الذي يعرف»، و«أنا الذي لا يعرف»، ومن الأشياء التركيبية التي تثير الاهتمام في لغة المغتربين انقلاب الإضافة، فيقال: «بابا سيارة، و«ماما بيت»، وانقلاب الإضافة معروف في اللغات الهندوأوروبية وفي هذا النوع من تركيب الإضافة يقول نهاد الموسى: «انقلاب عبارة الإضافة بتقديم المضاف إليه على المضاف في مثل: الحديقة سوبر ماركت، الجمال سنتر، وأثر الترجمة ظاهر، ولكنه لا يبلغ أن يتحول بالعربية إلى مثل نظم اللغات الهندية الأوروبية، على ما ذهب إليه الشطط ببعض الباحثين» (9).

وفي الخلاصة.. نستطيع أن نقول: إنَّ أقرب مستوى لغوي نبني عليه مناهجنا في تعليم العربية وتعلمها عند الطالب العُماني أو الطالب الأجنبي الذي يأتي إلى عُمان لدراسة العربية ومعرفة طبيعة المجتمع العُماني، هو المستوى الثاني من المستويات السابقة: مستوى العربية الفصيحة المعاصرة (ع.ف.م)؛ لأنها أولاً: تمثل لغة «خطاب الرسميات بكافة أشكالها»، من مراسيم سامية وقوانين تشريعية ولغة الإعلام والسياسة. ثانيًا: لغة واقعية تعبر عن روح العصر وتساير تطوراته المستمرة؛ لذلك نقول بصراحة وبصوت عالٍ لمن حاول أن يضع مناهج العربية للناطقين بغيرها بجمهورية مصر العربية بالمستوى الثالث «عامية المتنورين»؛ فقد أخطأ ولم يوفق إلى إصابة الهدف وتحقيق المراد، ودليل ذلك أننا أصبحنا في مواقف كثيرة نضحك من بعض السفراء الغربيين حينما يحاولون أن يتواصلوا معنا نحن العرب باللهجة المصرية فيثيرون الضحك أكثر من إثارة الإعجاب والاحترام، بل الأمر يصبح أكثر إثارة للسخرية حينما نسمع صينيا يقول: «إزيك يا أفندم؟» أو «بتعمل كده ليه»؟!

وبالمقابل، تُثار فينا الدهشة حينما نسمع إفريقيًّا من السنغال يتحدث فصحى التراث، أو يستخدم مصطلحات تراثية، لاحظ (لغة الجماعات الإسلامية المتطرفة بإفريقيا خاصةً).

كذلك نستطيع من خلال مراقبة المستويين الرابع والخامس: «عامية الأميين»، و«لغة المغتربين»، معرفة مدى انتشار التعليم وجودة المعرفة المقدمة، ومعرفة مدى طغيان ثقافة العمالة الوافدة على ثقافة المجتمع العُماني أو تلاشيها.

—————————————-

الهوامش:

2- انظر مقدمة الطبعة الأولى لدار السلام من كتاب مستويات العربية المعاصرة في مصر، السعيد محمد بدوي، ط:1، دار السلام، القاهرة، 2012، ص: 11.

3- انظر إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، حيث بلغ عدد الوافدين بالسلطنة قرابة: 1.751196  أي مليون وسبعمائة ألف نسمة في عام 2016، أي ما يعادل 43% من عدد السكان أغلبهم من شبه القارة الهندية. انظر:www.ncsi.gov.om.

4- مستويات العربية المعاصرة بمصر، السعيد محمد بدوي، ط:1، دار السلام، القاهرة، 2012، ص: 119.

5- انظر: جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل، تفسير الآية 31 من سورة النساء (ج:2)، لسماحة مفتي السلطنة العام الشيخ أحمد بن محمد الخليلي.

6- مستويات العربية المعاصرة: ص: 119.

7- سمعت هذا التركيب غير مرة من ابني الصغير حمد الذي لا يتجاوز عمره ثلاث سنوات وهو خلط نتيجة تعليمه أكثر من مستوى وأكثر من لغة.

8- اللغة العربية، تاريخها ومستوياتها وتأثيرها، كيس فرستيغ، ص: 120.

9- الثنائيات في قضايا اللغة العربية من عصر النهضة إلى عصر العولمة، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، نهاد الموسى، 2003، ص: 119

10- انظر: مستويات العربية المعاصرة بمصر، ص: 128.

2,449 total views, 2 views today