د. فريال الرشيد

مُتلازمة النفق الرسغي أو “carpal tunnel syndrome”: هي حالةٌ شائعةٌ نسبيًّا تُسبِّبُ شعوراً بالنخز والاخدرار (التنميل)، كما تُسبِّبُ شعوراً بالألم في اليد والأصابع أحياناً.. وتُعرف اختصارًا بـ”CTS”.

أعراضُ متلازمة النفق الرسغي:
تنشأ الأعراضُ الرئيسيَّة لمتلازمة النفق الرسغي عن تهيُّج العصب المتوسِّط (median nerve).. حيث يمرُّ العصبُ المتوسِّط من خلال النفق الرسغي في المعصم، وهو يتحكَّم ببعض حركات إصبع الإبهام (thumb)، إضافة إلى نقل الإحساس في الإبهام والسبَّابة والوسطى.
تَظْهَر أعراضُ مُتلازمة النفقِ الرسغيِّ تدريجيًّا، وتتفاقم الحالةُ في أثناء الليل أو في وقتٍ مبكِّرٍ من الصباح عادةً.
الأعراضُ الرئيسيَّة الثلاثة للإصابة بمتلازمة النفق الرسغي؛ هي:
– النخز.
– الاخدرار.
– الألم.
وتظهرُ هذه الأعراضُ في الأصابع التالية: الإبهام، والسبابة، والوسطى، والبنصر.. إلاَّ أنَّ الشعورَ بالنخز والاخدرار والألم قد ينتشرُ إلى خارج هذه المنطقة أحياناً. كما قد تظهر هذه الأعراضُ في إحدى اليدين أو كلتيهما، رغمَ أنَّ معظمَ الحالات تُصيبُ كلتا اليدين في النهاية.

أعراض أخرى:
تشتمل الأعراضُ الأخرى المُحتملة لمتلازمة النفق الرسغي على ما يلي:
– ألم وانزعاجٍ في اليد أو الساعد أو الذراع.
– إحساس حارق أو واخِز في اليد، يكون شبيهاً بوخز الإبر والدبابيس.
– جفاف الجلد، أو تورُّم أو تغيُّر لون جلد اليد.
– نقص حاسَّة اللمس.
– ضُعف وضمور العضلات عندَ قاعدة الإبهام.
وتتفاقمُ أعراضُ مُتلازمة النفق الرسغي بعد استعمال اليد المُصابة غالباً؛ فالقيامُ بأيَّة أعمالٍ مُتكرِّرة في اليد أو في المعصم قد يؤدِّي إلى زيادة الأعراض، مثل الإبقاء على الذراع أو اليد في نفس الوضعيَّة لفترة زمنيَّة طويلة.

وقد يُعاني بعضُ المصابين بمتلازمة النفق الرسغي من انتشار الألم من اليد إلى الساعد والمرفق.

استعمال اليدين
غالباً ما يشكو العديدُ من الأشخاص المُصابين بمتلازمة النفق الرسغي من سقوط الأشياء من أيديهم كثيراً. كما تَضعُفُ المهارةُ اليدويَّة (والتي هي القدرةُ على استعمال اليدين بفعاليَّة للقيام بأعمالٍ مُعيَّنة) لدى الأشخاص المُصابين بمتلازمة النفق الرسغي غالباً. فضلا عن أنَّهم قد يجدون صعوبةً في استعمال الأصابع المصابة للقيام بمهام مُحدَّدة؛ مثل الكتابة على الآلة الكاتبة، أو إدخال الزر في العروة.

الأشخاص المُعرَّضون للإصابة:
تكون نسبةُ إصابة النساء بمتلازمة النفق الرسغي أكبرَ من نسبة إصابة الرجال؛ ففي المملكة المتَّحدة مثلاً، يُعاني حوالي 3% من الرجال و5% من النساء من هذه المتلازمة في حياتهم.
كما تزداد نسبة الإصابة بمتلازمة النفق الرسغي مع التقدُّم بالعمر، ويمكن أن يُصابَ بها الأشخاصُ من جميع الأعمار.

أسباب الإصابة بمتلازمة النفق الرسغي:
تنجمُ أعراضُ متلازمة النفق الرسغي عن انضغاط العصب المتوسِّط في المعصم، حيث إنَّ العصبُ المتوسِّط مسؤول عن وظيفتين رئيسيَّتين؛ هما:
أ- نقل أو ترحيل الأحاسيس الجسديَّة (مثل إحساس اللمس) من اليد إلى الدماغ.
ب- نقل الإشارات العصبيَّة من الدماغ إلى اليد، والتحكُّم بالحركة.
وقد يؤدِّي أيُّ ضغطٍ على العصب المتوسِّط إلى اضطراب الإشارات العصبيَّة؛ ممَّا يؤثِّرُ في حاسَّة اللمس وحركات اليد. وينضغِط العصبُ المتوسِّطُ عندما تتورَّم الأنسجة داخل النفق، أو عندما يتضيَّق النفقُ مع مرور الوقت.

زيادة خطر المشكلة:
ما زالت الأسبابُ التي تؤدِّي إلى انضغاط العصب المتوسِّط مجهولةً في أغلب الحالات، رغم وجود عدد من العوامل التي تؤدِّي إلى زيادة خطر متلازمة النفق الرسغي؛ مثل:
1- تاريخ العائلة الصحي: حالات صحيَّة مُعيَّنة؛ مثل: داء السكَّري أو قصور الغدَّة الدرقيَّة أو التهاب المفاصل الروماتويدي.
2- الحمل: إذا أُصيبتْ المرأةُ بمتلازمة النفق الرسغي خلال حملها، فينبغي أن تزولَ أعراض هذه الإصابة بعد الولادة (بعد حوالي 6-12 أسبوعاً). ولكن، قد يُصاب العصبُ المتوسِّطُ بضررٍ وتضمرُ العضلات عند تعرُّضه لضغطٍ شديدٍ، أو إذا أصبحت أعراضُ الإصابة مزمنةً، ويكون من الضروري عندها اللجوءُ إلى العلاج.
3- بعض إصابات المعصم.
4- نشاطات مُعيَّنة: قد يؤدِّي القيامُ بنشاطات مُعيَّنة إلى المساهمة في حدوث متلازمة النفق الرسغي. وتشتمل هذه النشاطاتُ على القبض المفرِط وتكرار ثني المعصم (الحني) والتَّعرُّض لتأثير الاهتزاز.. ومن الأمثلة على هذه النشاطات: العزف على آلة موسيقيَّة، وتجميع الأشياء وحزمها، والأعمال اليدويَّة، واستعمال الأدوات الهزَّازة، كالمناشير.

تشخيص متلازمة النفق الرسغي:
يمكن للطبيب أن يُشَخِّصَ الإصابة بمتلازمة النفق الرسغي عادةً، وذلك من خلال قيامه بفحص يد ومعصم الشخص، وسؤاله عن الأعراض التي يُعاني منها. كما أنَّه يقوم بتقييم قدرة الشخص على استعمال يده أو معصمه أو ذراعه، والتَّحرِّي عن علامات حدوث ضَعفٍ في العضلات المُحيطة بالإبهام.

الاختبارات السريريَّة:
يُمكن أن يقومَ الطبيبُ بالنَّقر على معصم الشخص برفقٍ لمعرفة درجة إحساسه بالنخز والاخدرار في الأصابع، إلا أنَّه لا يمكن الاعتمادُ كثيراً على هذا الاختبار.. كما يُعَدُّ ثنيُ المفصل أو إبقاؤه فوق الرأس لمدَّة دقيقة واحدة من الاختبارات البسيطة التي تُجرَى لتقييم الإصابة بمتلازمة النفق الرسغي؛ حيث ينبغي لهذه الحركات أن تُسبِّبَ نفسَ درجة الألم أو النخز أو الاخدرار في اليد المُصابَة بهذه الحالة.
قد يكون أيُّ عَرضٍ من الأعراض السابقة ناجماً عن انضغاط العصب المتوسِّط، وتكون هذه الاختباراتُ كافيةً لتشخيص الإصابة بمتلازمة النفق الرسغي غالباً إذا كانت الأعراضُ نموذجيَّة.

اختبارات إضافيَّة:
يقتصرُ إجراءُ اختباراتٍ إضافيَّة على الحالات التي لم يتأكَّد الطبيبُ من تشخيصها عادةً، وعندَ الرَّغبة في استبعاد احتمال الإصابة بحالاتٍ أخرى لها نفس الأعراض.. وتشتمل هذه الاختباراتُ الإضافيَّة على ما يلي:
– اختبارات دمويَّة: يمكن إجراءُ اختبارٍ دمويٍّ عندَ اشتباه الطبيب بوجود إصابةٍ بحالةٍ كامنة مرتبطة بالإصابة بمتلازمة النفق الرسغي؛ مثل: داء السكَّري، والتهاب المفاصل الروماتويدي، وقصور الغدة الدرقية.
– دراسة التوصيل العصبي: دراسةُ التوصيل العصبي (nerve conduction study) هي اختبارٌ يقيس سرعةَ انتقال الإشارات العصبيَّة في الأعصاب؛ ففي أثناء الاختبار، تُوضعُ مجسَّاتٌ كهربائيَّة على اليد والمعصم، ويُستَعملُ تيَّارٌ كهربائيٌّ خفيف لتحفيز أو تنبيه الأعصاب في الإصبع والمعصم، والمرفق في بعض الأحيان. وتُشيرُ نتائجُ الاختبار إلى حجم الضرر الذي أصابَ الأعصاب.
– تخطيط كهربيَّة العضل: يُعطي تخطيطُ كهربيَّة العضل “electromyography” (EMG) معلوماتٍ مفيدةً عن مدى قدرة العضلات على الاستجابة عندَ تحفيز العصب؛ ممَّا يُشير إلى حجم الضرر الذي لحقَ بالعصب.
تُدخَلُ إبرٌ رفيعةٌ في العضلات في أثناء الاختبار، حيث تكشف هذه الإبرُ أيَّ نشاطٍ كهربائيٍّ طبيعيٍّ في العضلات.
لكن، من النادر اللجوءُ إلى تخطيط كهربيَّة العضل لتشخيص متلازمة النفق الرسغي، لأنَّ دراسات التوصيل العصبي تكون قادرةً على تأكيد التشخيص، وقياس حجم الضرر الذي أصابَ العصب عادةً.

علاج متلازمة النفق الرسغي:
يعتمدُ علاجُ متلازمة النفق الرسغي على شِدَّة الحالة، وعلى طول الفترة التي عانى خلالها الشخصُ منها.. ففي بعض الحالات، قد تتحسَّن الحالةُ من تلقاء نفسها بعدَ بضعة أشهر. وقد يكون تحريكُ اليدِ أو هزَّ المعصم مفيداً في تخفيف الأعراض.
وينبغي تجنُّبُ القيام بأيَّة نشاطاتٍ تُفاقمُ من الأعراض.. كما أنه إذا كان عملُ الشخص يقوم على استعمال لوحة مفاتيح الكمبيوتر، فهناك القليل من الأدلَّة التي تُشيرُ إلى أنَّ إجراء تعديلاتٍ على مكان العمل قد يُفيدُ في تخفيف الأعراض، ويُمكن كذلك استعمالُ مجموعةٍ واسعة من العلاجات الجراحيَّة وغير الجراحيَّة، والتي تهدف لتخفيف الضغط عن العصب المتوسِّط، وذلك عندَ استمرار الأعراض.
أمَّا إذا كانت متلازمةُ النفق الرسغي ناجمةً عن حالة صحيَّةٍ كامنةٍ، كالتهاب المفاصل الروماتويدي، فإنَّ علاجَ هذه الحالة الكامنة ينبغي أن يُحسِّنَ الأعراض.

العلاجات غير الجراحيَّة:
يُستحسَن استعمالُ علاجاتٍ مثل جبائر المعصم وحُقن الكورتيكوستيرويدات في بداية العلاج غالباً، ما لم يكن هناك اعتقادٌ بضرورة إجراء عمليَّةٍ جراحيَّةٍ فوريَّة.
لا تتوفَّرُ أدلَّةٌ تدعمُ استعمالَ مضادَّات الالتهاب غير الستيرويديَّة كالإيبوبروفين في علاج متلازمة النفق الرسغي، أو استعمال المدرَّات البوليَّة للمساعدة على تخفيف احتباس السوائل.

جبائر المعصم:
تُستَعمل جبائرُ المعصم (wrist splints) لدعم المعصم وإبقائه في وضعيَّةٍ متعادلة، ولكن ينبغي عدمُ تطبيقُ ضغط مباشر على النفقِ الرسغيِّ. ويؤدِّي استعمالُ الجبيرة إلى منع انحناء المعصم؛ حيث إنَّ انحناءَه قد يُولِّدُ ضغطاً على العصب المتوسِّط، ويُفاقمُ الأعراض. وينبغي ملاحظةُ حدوث تحسُّنٍ في الأعراض خلال 4 أسابيع من استعمال جبيرة المعصم.
الكورتيكوستيرويدات:
يُستَحسنُ البدءُ باستعمال حقنةٍ واحدةٍ عادةً؛ فإذا كانت الاستجابةُ لهذه الجرعة المُفرَدة جيِّدةً، ثمَّ انتكست الحالة، يمكن عندها إعادةُ حقن الدواء ثانيةً.

جراحة تحرير النفق الرسغي:
يُفضَّلُ إجراءُ العمليَّات الجراحيَّة للمصابين بمتلازمة النفق الرسغي عندَ فشل المعالجات الأخرى في تخفيف الأعراض عادةً.. وتُعرَفُ جراحةُ النفق الرسغي بجراحة تخفيف الضغط عن النفق الرسغي، أو جراحة تحرير النفق الرسغي، وتُجرى في العيادات الخارجيَّة؛ ممَّا يعني عدمَ الحاجة إلى البقاء في المستشفى إلى اليوم التالي.

ويجري قطعُ الرباط الرسغي أثناء جراحة سقف النفق الرسغي؛ وذلك لتخفيف الضغط عن العصب المتوسِّط في المعصم. يُستَعملُ مخدِّرٍ موضعيّ لتخدير اليد والمعصم، ويبقى الشخصُ مُستيقظاً خلال العمليَّة.

680 total views, 5 views today