Wael's photo

وائل قاقيش

يشملُ مُصطلح غرب إفريقيا عِدَّة دول إفريقية؛ منها: الصحراء الغربية، وموريتانيا، والسنغال، ومالي، وغينيا، وليبيريا، وسييرا ليون…وغيرها من الدول التي تشترك في كثيرٍ من الأمور؛ سواء كانت تاريخية أو سياسية أو فكرية أو فنية. ومن هذه الدول، اخترنا بلديْن لهما أهمية تاريخية وموسيقية مميزة؛ وهما: مالي، والسنغال، كمثال شامل على كثير من التراث الإفريقي بشكل عام؛ حيث يحوي هذان القُطران تراثًا غنيًّا من الموسيقى التراثية التقليدية، والذي لم يقتصر انتشاره فقط على أطراف البلدين، ولكنه كان قادراً على الانتشار خارج حدود القارة الإفريقية، ويعود ذلك لأسباب عدة؛ أهمها: رغبة بعض الفنانين الأفارقة بالتجديد، ومواكبة الأغنية الشعبية العالمية، والوصول إلى العالمية؛ وذلك عن طريق إحداث تغيرات وتحديثات أجريت للهيكل العام للأغنية الإفريقية، ولكن في الوقت ذاته حافظتْ على العناصر الرئيسية للأغنية، والتي كان أهمها: الإيقاع واللحن والروح الفنية المميزة في الموسيقى الإفريقية بشكل عام. وتركَّز التأثير الخارجي على الموسيقى الإفريقية؛ سواء كان أوروبيًّا غربيًّا أو من الأمريكتين (شمالية وجنوبية)، أكثر على الآلات الموسيقية الإلكترونية، وبعض التراكيب الإيقاعية، مع إضافة بعض الأساليب والأشكال الموسيقية الحديثة، والتي مع الزمن -بداية الستينيات إلى آخر الثمانينيات تقريبا-قادتها إلى مرحلة فنية جديدة أطلق بعض الدارسين لها اسم “الموسيقى الإفريقية الحديثة أو المتطورة”.

سأذكر في هذا المقال نبذة مُوجزة عن تاريخ موسيقى الغرب إفريقية، وعلاقتها بالموسيقى العالمية، مع ذكر لأهم الآلات الموسيقية المستخدمة في هذه الموسيقى. وفي الكلام عن الموسيقى الإفريقية، لا بد من ذكر بعض الأسماء اللامعة والتي كان لها الفضل الأكبر بانتشار الأغنية الإفريقية عالميًّا وهم كثيرون، ولكني سأسلط الضوء على اثنين من أهم الفنانين المتميزين في هذا المجال؛ وهما: الفنان المالي “سالف كيتا”، والفنان السنغالي “يوسو ندور”.. نستعرض فيها نبذة عن حياتهما ومشوارهما الفني كفنانيْن شقَّا طريقهما إلى العالمية خلال الثلاثين سنة الماضية، وحيث لا يزال يعتبران المغنيين الأكثر شهرة في غرب إفريقيا بشكل خاص وفي القارة الإفريقية بشكل عام.

تقع مالي في غرب القارة الإفريقية، وهي ثامن أكبر دولة في إفريقيا من حيث المساحة، دولة غير ساحلية وليست لها أية حدود مع البحار؛ فهي محاطة باليابسة من جميع جهاتها، ومعظم أراضيها صحراوية، يحدها من الشمال الجزائر، والنيجر من الشرق وساحل العاج وبركينا فاسو من الجنوب وغينيا من الغرب. يبلغ عدد سكانها تقريباً 13 مليون نسمة يعيش أغلبيتهم في الجنوب، والسبب هو مجرى نهري النيجر والسنغال اللذين يمرَّان بها من الجنوب. أمَّا بالنسبة لسكانها، فيُشكل المسلمون تقريباً 89% من السكان، وأمَّا البقية فيعتنقون المسيحية ومعتقدات أخرى قديمة. وكما أنها دولة متعددة الديانات فهي أيضاً دولة متعددة اللغات؛ حيث يتكلم سكانها أكثر من 13 لغة، ولكن اللغة الفرنسية لا تزال اللغة الرسمية المتداولة. أما اللغة “البمبارية”، فهي اللغة الأصلية، والتي يتكلمها ويفهمها بقية السكان، إضافة إلى الدول المجاورة.

أمَّا السنغال، فتقع أيضاً في غرب القارة الإفريقية، ولكن أكثر على جزئها المائي. يحدها من الشمال موريتانيا، ومالي من الشرق، وغينيا وغينيا بيساو من الجنوب، ومن الغرب المحيط الأطلسي. تُعرف السنغال بطبيعتها الساحرة والخلابة وبسهولها الخضراء ومياهها الوفرة. السنغال بلدٌ إسلامي يبلغ عدد سكانها تقرياً 14.5 مليون نسمة؛ حيث يشكل نسبة المسلمون فيها 92% من مجموع السكان. السنغال أيضا دولة مُتعددة اللغات، تحوي على أكثر من 35 لغة؛ أهمها: اللغة “الولفية”، والتي هي اللغة الأصلية ويتكلمها ويفهمها معظم السكان والدول المجاورة، ولكن لا تزال اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية.

تُعتبر الموسيقى في مالي امتداداً لموسيقى السنغال والعكس تماماً؛ فمعظم الأشكال والآلات الموسيقية مُتقاربة؛ حيث تستخدم السلالم الموسيقية ذات الأبعاد المعدلة المتساوية، ولكن في الغالب تستخدم السلالم الموسيقية ذات الطابع الإفريقي، وهي في أساسها مبنية على سلم خماسي (البنتاتونيك)، وهذه السلالم عُرفت منذ القدم عند شعوب كثيرة مختلفة مثل الفراعنة والأغريق ودول في آسيا وإفريقيا. لا يزال السلم الخماسي يُستخدم في أجزاء كبيرة من القارة الإفريقية، وفي بعض الدول العربية، خاصة دول شمال إفريقيا الناطقة بالعربية؛ مثل المغرب، ونسمعها في موسيقى “الجناوه”، والتي ترد أصولها إلى غينيا، وأيضا نسمع مؤلفات من ذات السلم الخماسي في موريتانا وفي السودان.

أمَّا بالنسبة للآلات الموسيقية المستخدمة في كلتا البلدين؛ فهي كثيرة ومتنوعة، وأغلبها محلية الصنع.. تأتي آلة “الكورا” كواحدة من أهم وأكثر الآلات شهرةً واستعمالاً. تُصنع هذه الآلة من حبَّة كبيرة من نبات اليقطين مقطوعة نصفين، ومغطاة بجلد البقر لجعلها مرنة، ولها مشط مُسنن مثل الجسر المستخدم على آلة العود العربية. صوت آلة الكورا يشبه آلة القيثارة. يستخدم العازف أصبع الإبهام والسبابة من كلتا اليدين للنقر على الأوتار بأساليب إيقاعية متعددة أو ما يُسمَّى بـ”الباليفونك”. أمَّا بقية الأصابع، فتستخدم لتثبيت الآلة في اليدين من خلال الإمساك بها من المنتصف على جانبي السلاسل. تحتوي آلة الكورا التقليدية على واحد وعشرين وتراً؛ حيث تصنع الأوتار من شرائط رقيقة من الجلد مثل جلد الظبي، ولكن الآن أصبحت أوتارها تصنع من النايلون. تستخدم آلة الكورا أيضاً في كل من غينيا، وغينيا بيساو، وبوركينا فاسو، وغامبيا.

عازفو آلة الكورا في العادة ينتسبون إلى عائلة “الجريوت” (griot) أو الحكواتية، وهم المؤرخون التقليديون ورواة القصص الذين ينقلون براعتهم وفنهم لخلفائهم. عازف الكورا التقليدى يُدعى “جالي”، وهذا يُماثل الشاعر في غرب إفريقيا أو المؤرخ الشفهي. معظم الموسيقيين في غرب إفريقيا يفضلون مصطلح “جالي” عن “griot”، وهي كلمة من أصل فرنسي؛ فالجريوت أو الجالي عبارة عن شاعر وعازف ومغنٍ وراقص، يخبر روايات وقصصا وأشعارا قديمة، وينشر أخبارا ورسائل إلى العامة. هو في العادة واحد أو مجموعة من الموسيقيين الذين لهم شأن عال ومرموق لدى القصور، يُمتِعون الملوك والأغنياء بقصائد صوفية وأخرى متوارثة تقليدية، ويشاركون بالمناسبات الخاصة والوطنية والاحتفالات الشعبية…وغيرها. ويُشكل هذا الموروث الموسيقي التقليدي القاعدة المهمة والأساسية التي نشأ عليها معظم الموسيقيين والمطربين الأفارقة؛ ومنهم: سالف كيتا؛ الذي هو بالأصل واحد من أحفاد سندياتا كيتا الملك والمحارب المشهور الذي أسس الإمبراطورية المالية في القرن الـ13 الميلادي، وأيضاً يوسو ندرو الذي نشأ في عائلة موسيقية من “الجريوت”، فكانت والدته تملك صوتاً جميلاً وكانت العائلة معروفة عند الطبقات الحاكمة والأثرياء والنبلاء.

أمَّا الآلة الموسيقية الثانية المهمة، فهي آلة “البلافون”؛ وهي من عائلة الزايلوفون (الأوكسيلوفون) وهي آله نغمية وإيقاعية في نفس الوقت، تم تصميمها على أساس المقام الخماسي. يصنع البلافون من قاعدة سفلية ويوضع عليه تقريباً 20 قطعة مستطيلة مصفحة من الخشب بطول تنازلي، لكل قطعة ترددها الصوتي متدرجة الذبذبات ومن أسفل الآلة تعلق ثمرات من القرع متدرجة في الحجم بداخلها زمارة من القصب تهتز؛ فتحدث ذبذبات صوتية عند الضرب على الصفيحات الخشبية. يعزف عليها بمضربيْن خشبيين ينتهي كل مضرب بقطعة من المطاط. ومن الآلات الأخرى المهمة في مالي آلة الـ”نجوني”، وتشبه آلة الـ”خلام” السنغالية، وآلة “الهجهوج”، أو “السنتير” في المغرب العربي، أو آلة “الوتر” أو “لوطار” -كما تسمى عند قبائل الأمازيغ في جبال الأطلس- تعزف كآلة العود، ولكن في تكنيك مختلف وترافق المغنيين كما الحال في طريقة عزف الربابة مع شعراء البدو، أو “البغلما” التركية مع العاشق أو الراوي التركي.

وتتميَّز الموسيقى الإفريقية في الإيقاعات المركبة والملونة -والتي يجيدها معظم الفنانين الأفارقة والعامة العاديين- معظم الآلات الإيقاعية الإفريقية مصنوعة من أشجار معينة مثل شجرة “الدوجورا” ذات اللون البُني أو شجرة “اللنكة” ذات اللون الأحمر، ومن أهم هذه الآلات وأكثرها شيوعاً آلة “الجنبة” الإيقاعية، وهي أكثر الآلات الإفريقية شهرة تشبه في شكلها الدَّربُكة أو الطبلة في الموسيقى العربية، ولكنها أكبر حجماً. تشارك في العزف الإيقاعي مجموعة طبول بأشكال وأحجام مختلفة تعمل على خلق نوع من الهارموني المزخرف بالإيقاعات المتعددة الأصوات (polyrhythmic)، والذي يتميز فيه اللون الإفريقي عن غيره من الفنون الأخرى.

وإضافة إلى “الجنبة” يستعمل الـ “تاما” أوالطبل المتكلم وآلات إيقاعية أخرى مشتقه من نباتات وأشجار طبيعية؛ أشهرها: ثمرة اليقطين. ومن الآلات الإيقاعية الأخرى المشهورة: آلة “الكلابش”، وهي أيضاً مصنوعة من ثمرة اليقطين تُقص إلى نصفين؛ حيث يستعمل أحد الأنصاف للعزف مقلوباً على الأرض ويضرب باليدين على القبة لتصدر أصواتاً إيقاعية.

أمَّا الآلات الإيقاعية الأخرى المشهورة: آلة “السبار”؛ وهذا أيضاً اسم لرقصة معروفة في غرب إفريقيا، وهذه الآلة كانت ولا تزال تستخدم من قبل الجريوت.

أمَّا عن الفنانين سالف كيتا ويوسو ندور؛ فكلاهما يمتاز بتقديمه أغاني إفريقية تقليدية، ولكن بمظهر حديث وقالب يميل إلى الغرب؛ سواء كان باستخدام إيقاعات لاتينية كالسامبا والرومبا، أو استخدام أسلوب موسيقى الجاز والفنك، ولكنه ورغم ذلك فهم دائمو الحفاظ على تقديم التراث الموسيقي الإفريقي التقليدي القديم؛ سواء كان من الغناء الصوفي، أو السردي للروايات الشعبية والدينية. إضافة إلى استخدام الآلات الحديثة الكهربائية كالجيتار والأورجن وآلات النفخ كالترمبت والترمبون والإيقاعية كالدرمز، والتي تصدر أصواتاً وطابعاً جديداً للموسيقى الإفريقية، وهي بالطبع تختلف وتبعد كل البعد عن الآلات التقليدية في فرق التراث (الجروتي) التي نشأوا عليها، ولكن كان لا بد لكل الفنانين في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إضافة إلى آلات غربية واستخدام قوالب موسيقية حديثة لمواكبة التطور الموسيقي الشبابي السريع ليفرض على الفنان البقاء والشهرة في الساحة الفنية؛ فكان لا بد من تبنِّي هذه الإضافات، والتي بالتالي حافظت على استمرارية هذا التراث التقليدي والغني ونشرة عالمياً بصورة أكبر ومتطورة.

لم يُستحسن المستمع التقليدي هذه البادرة الجديدة والمتطورة في أداء الموسيقى والأغنية التقليدية الإفريقية، والتي مالت إلى أسلوب وقالب موسيقي غربي، وابتعدتْ بدورها بعض الشيء عن الموروث التاريخي والفني للبلد، ولكن الآن أيقن الكثير أنها الوسيلة الوحيدة لإيصال هذه الفنون التاريخية العريقة بمضمونها الموسيقي، والغنائي والأدائي الراقص، إلى العالمية، وأصبحت الآن جزءاً من التراث الإفريقي الحديث، والذي أسهم في نشره عالميًّا فنانون إفريقيون يعتبرون سفراءً لبلادهم مثل يوسو أندور، وسالف كيتا، وتوماني دياباته، وعلي فركاتورى، ودبيه نوايوره، وتيناورين التواريج وأمادو ومريم…وكثيرون غيرهم.

2,906 total views, 12 views today