Wael's photo

وائل قاقيش

مِنْ أهمِّ ما تَمْتاز به الموسيقى العربية التقليدية اشتمالها على مجموعة كبيرة من الأجناس الغنائية والآلية، وتكمُن أهميتها في أنها تحتوي على مادة تُدعى الطرب، أو غيرها من الكلمات المستخدمة؛ مثل: “السلطنة” أو “النشوة”، والتي هي عبارة عن كلمات تُستخدم للتعبير عن حالة روحانية وجسدية تعبّر عن الانسجام التام والكلي عند سماع بعض القوالب الموسيقية؛ مثل: الموال (الارتجال الصوتي؛ سواء كان مصحوبا بآلة موسيقية أو بدون)، أو تقاسيم آلية ارتجالية، أو أغنية؛ حيث ينفعل معها المستمعون هاتفين بعبارات تُظهر شدة الإعجاب والتقدير؛ مثل ترديد كلمة “الله”، أو كلمة “يا سلام”، أو “يا عيني”، هذه الكلمات التي نسمعها مراراً عند سماعنا لمطرب جيد وقادر على إيصال أحاسيسه الإنسانية وإشراك المستمعين فيها.

تعدُّ مادة الطرب العمودَ الأساسيَّ في الموسيقى العربية، وما وصلنا -على سبيل المثال- من حضارة الأندلس -والتي لا تزال تُعتبر مجدَ العرب والمسلمين من بغداد إلى إسبانيا- إلا قليل من مجموعة التراث الموسيقي الهائل التي سبقت هذا العصر؛ ابتداءً من العصر الأموي والعباسي، واختلاطه بموسيقى الشعوب الأخرى كالفارسي والمصري والشمال إفريقي وبلاد أوروبية وأخرى، وانتهاءً بلوحات الفن الموسيقي في الأندلس.

وصلتْ الفنون الموسيقية في ذلك الوقت إلى ذروتها وغزارة معاصريها وروَّادها، والذين بَرَعوا في مهارة العزف على الآلات الموسيقية العديدة والمختلفة وتوجههم إلى تأليف أشكال غنائية وآلية مبنية على أسس مقامية وإيقاعية متطورة وراقية. احتوتْ الفِرق الموسيقية على عدد كبير من العازفين والمغنين والراقصين التزموا بتقديم وصلات طربية تستمر إلى ساعات تتجلَّى بها النفوس، وتصل إلى قمة النشوة والجمال. لم يصلنا من هذه الموسيقى إلا القليل؛ فقد ضاعت واختفت الكثير من هذه الفنون؛ كان أهمها: التدوينات الموسيقية. فبعد الهجرة من بلاد الأندلس، استقرَّ وتناثر كثيرٌ من الموسيقيين في مناطق شمال إفريقيا؛ مثل: المغرب العربي، وليبيا، وتونس، والجزائر؛ منهم من حفظ التراث شفهيًّا وتناقلوه، ومنهم من اقتنى بعضَ المدونات البسيطة والتي اهتمَّ بعضُ المختصين الدارسين لهذا التراث بتحليلها وتدوينها من جديد، وحفظها في بعض المكتبات ومراكز العلوم الثقافية والتراثية. كانت مسؤولية جمع هذا التراث وفقاً لأصوله وبنيته، والذي أخذ أسماءً متعددةً وفقاً للمكان الذي استقرَّت فيه؛ مثل: النوبة، أو النوبات في الجزائر، والطرب الأندلسي أو موسيقى الآلة في المغرب، والمألوف في ليبيا وتونس، وما أصبح يُسمَّى بالموشحات الأندلسية في مصر وبلاد الشام (والتي أخذت تتأثر تدريجيًّا بالأسلوب التركي).

ففي شمال إفريقيا، أصبح المخزون الموسيقي الأندلسي الذي يُعتبر من أرقى الفنون الموسيقية المتوارثة، أو ما يسمى بالموسيقى الكلاسيكية العربية، ومكانها أصبح منحصراً في أماكن مخصصة، ويقدَّم في مناسبات معينة تستقطب لها مستمعيها الخاصين، وتجذب إليها الباحثين والمثقفين ذوي الذوق الفني الرفيع.

في بدايات النهضة الموسيقية الحديثة، والتي كانت خلال أواخر الحكم العثماني وبدايات التقارب الأوروبي في المنطقة العربية في منتصف القرن التاسع عشر (1850)، انتعشتْ حركات موسيقية عدة في مصر وبلاد الشام، وافتتحت كثير من الملاهي والمقاهي والمسارح، وبتشجيع من بعض السادة والحكَّام والولاة للموسيقى والاهتمام بها ومكافأة الموسيقيين المتفوقين. حيث بدا الاهتمام واضحاً بالموسيقى من عشاق الفن الطربي الذين ساهموا في خلق أشكال وقوالب جديدة وطربية أصبحت الأساسَ في الموسيقى العربية اليوم؛ فكان لغناء “الدور” المصري دوره الرائد والمهم، والذي اعتمد على صياغة القصيدة الشعرية “باللهجة العامية”؛ حيث أبْدَع الكثيرون في أداء هذا اللون من الغناء الطربي، وأجاد به هؤلاء ذوو الأصوات العذبة والقوية، أصوات احتوتْ مدى واسعا من الدرجات الصوتية تزينها “العُرَب” أو التزيينات والتقلبات المقامية الذكية والجميلة في تعابير حسية عميقة منسجمة -كل الانسجام- مع إيقاع الوحدة الكبيرة.

وكان “التخت” الشرقي (فرقة موسيقية صغيرة مكونة من عازف قانون، عود، كمان، ناي وإيقاع) يتربّع على العرش في القصور وبيوت الأثرياء، يقوده مطرب رئيسي يُسمَّى “التخت” على اسمه، ويرافقه مجموعة من الردِّيدة، يقدم معزوفات وأغاني متنوعة من القوالب الموسيقية التقليدية؛ مثل: الدواليب، والبشارف، والسماعيات، والأدوار، والموشحات. كان يتألق “التخت” بالمحاورات الارتجالية تارةً بين الآلات الموسيقية وتارةً بين الآلات والمغني، والتي بدورها تشكِّل أسمى لحظات الطرب بمنتهى الجمال والروعة.

في بدايات القرن العشرين، أصبح هذا اللون الغنائي الطربي يتقلَّص ويقتصرُ على مجموعة قليلة من المبدعين. ومن حُسن الحظ، حافظ مجموعة من المهتمين على عددٍ لا بأس به من التسجيلات القديمة التي تمَّت عن طريق شركات التسجيل العالمية في نهايات القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20 (أسطوانات 78، وأجهزة البكرات)؛ حيث تمَّ تسجيل بعض من أعمال مشاهير هذه الحقبة؛ مثل: عبده الحامولي، وسيد درويش، وعبد الحي حلمي، وصالح عبد الحي، والشيخ سيد الصفتي، ويوسف المنيلاوي، ومنيرة المهدية، وأبو العلى محمد، ومحمد العاشق، وعبداللطيف البنا، وفنانين آخرين متميزين.

أمَّا في مصر وسوريا، فبرز نوعٌ آخر من الطرب وهو الأغنية الطربية الخفيفة، والتي كانت تسمى بـ”الطقطوقة”، والتي هي بدورها حافظت على الروح الشرقية بألحانها البسيطة المرحة وإيقاعاتها الراقصة، مقدَّمة بأسلوب طربي بحت وبنفس الوقت محافظة على عُمقها الفني وموضوعاتها الإنسانية والفكرية والاجتماعية. أصبح هناك أنماط عديدة للأغنية الطربية؛ فمنها ما كان ترفيهيا خفيفا، وآخر ملتزماً ومتقناً. فكان الترفيهي الخفيف مكانه معظم في الأحيان المقاهي والأفراح والملتقيات الشعبية، وأحيانا الحانات والمقاهي الليلية. والملتزم الجاد كان مكانه المسرح أو دور العرض الفخمة كالأوبرا…وغيرها. اختلف المضمون الشعري والإيقاعي أحياناً، ولكنَّ الشكل الموسيقي كان متقاربًا في كلا الأسلوبين؛ فوجود التخت كان رئيسيا في كلاهما، وكان العازفون من أمهر الموسيقيين وأشهرهم، وكان المؤدون يُبدعون في إجادة الغناء؛ حيث اللفظ السليم، وسهولة التلاعب بالمقامات والطبقات الصوتية.

… تحوَّل الغناء في بداية السبعينيات من طربي مقامي -يرتكز على القصيدة المتقنة الملتزمة؛ سواء دورا أو موشحا أو طقطوقة- إلى مرحلة جديدة من الغناء العربي وهو الغناء العاطفي أو الرومانسي؛ حيث كان للموسيقى الكلاسيكية أو الرومانسية الأوروبية أبلغ الأثر في تطور وصقل هذا النوع. أخذتْ أهمية التخت الشرقي تتلاشى تدريجيا، وحلت محله فرق الأوركسترا الكبيرة متعددة الآلات، والتي أُطلق عليها اسم (الفِرقة)، ودخلت فيها عدة آلات غربية لم تكن موجودة في الفرق الصغيرة أو التخت؛ مثل: الكونترباص، والبانجو، والتشللو. وبعدها، دخلت آلات موسيقية كهربائية كالجيتار والأورج والباص، وأحياناً الاوكورديون والبيانو. وتدريجيا في الثمانينيات، أُضيفت آلات مثل الساكسفون والكلارينت وآلات نفخ عديدة، وآلات إيقاعية مثل الدرامز، وكان التركيز الأكبر على التكنيك، والذي ابتعد بعض الشيء عن الأداء الطربي.

كانت هناك محاولات كثيرة لبعض الموسيقيين والفرق المهتمة بالتراث للحفاظ على الأسلوب والأداء الشرقي وعلى الآلات الشرقية، لكنها أصبحت في الثمانينيات مُهملة ومهمة مستحيلة؛ حيث ارتبطت الموسيقى والقوالب الرومانسية الحديثة بالذوق العام، وقلَّت نسبة “السمِّيعة” وأصحاب الذوق الفني التقليدي في معظم أنحاء الوطن العربي، وحلت مكانه استديوهات تعمل إلكترونياً على دمج وتوزيع تركيبات صوتية وسمعية حديثة، هدفها الأغنية السريعة الراقصة! والتي انتهى ارتباطها بالأصول الفنية التقليدية المتعارف عليها، والأشعار الموزونة، واللحن الطربي الأصيل.

تميَّز المطربون القدامى بأنهم قدَّموا أغنيات تتناسب مع الذوق الفني العام في ذلك الوقت، ولا يزال البعض القليل من مطربي اليوم يحاول الحفاظ على هذا الأسلوب المميز من الغناء الطربي، ومنهم بعض الفنانين (وهم قِلَّة) من الذين أخذوا على عاتقهم الالتزام بتقديم الأغنية العربية الطربية المتكاملة والمتقنة. فكان دورهم على الغالب حفظ وترديد أغاني عمالقة الغناء العربي؛ أمثال: السيدة أم كلثوم، والموسيقار محمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش…وغيرهم الكثير ممن غنَّى أغاني الطرب، والتي بدورها أوصلت بعضهم إلى الشهرة والنجومية؛ حيث أعاد بعضهم تسجيل مجموعة من أغنيات عمالقة الزمن الجميل بأصواتهم على أسطوانات “رقمية”. وبعضهم حاول تقديم نوع طربي جديد وخاص بهم، ولكن محاولاتهم حققت لهم نجاحاً كبيرًا فقط لدى الجمهور الشاب الحديث، والذين انقطعت صلتهم بالتراث الموسيقي العربي التقليدي.

نتمنى لهذا الجيل الحديث أن ينهج -ولو قليلا- مما صدى في آذاننا من عصرنا الماضي، ويعود ليملأ الجو بأغاني الطرب الأصيلة؛ ليعود بنا إلى ذكريات الزمن الجميل والأمسيات الساهرة، في حديقة تزهو بألوانها الجذابة وبرائحة زهورها العَبِقة.

3,119 total views, 5 views today