Hadrami

محمد بن سليمان الحضرمي


تنوَّعتْ الفعاليات الثقافية التي قُدِّمت في نزوى خلال الفترة الماضية؛ كونها عاصمة للثقافة الإسلامية؛ من بينها: الندوة التي تناولت “تجربة الفن التشكيلي في عُمان”، قُدِّمت خلالها مجموعة من الورقات، بحثتْ في خطاب العمل وثقافته، لمجموعة من الباحثين الأكاديميين والفنانين التشكيليين، وأدارتها الدكتورة الفنانة فخرية بنت خلفان اليحيائية من جامعة السلطان قابوس، وأقيمت في المركز الترفيهي بولاية منح بمحافظة الداخلية.

في بداية الأمسية، قرأتْ الدكتورة فخرية ورقة نقدية بعنوان “قراءة في نصوص نقدية في الفن التشكيلي العُماني”، بالإنابة عن الدكتور وسام عبدالمولى، تناولت المراجع والكتب لمجموعة من الفنانين التشكيلين العُمانيين؛ من بينها: كتاب “الفن التشكيلي في عُمان” لمؤلفيه د.فخرية اليحيائية ود.محمد العامري (نُشر في العام 2006م)، عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, وكتاب “الفن التشكيلي المعاصر في عُمان” لمؤلفه الفنان العراقي شوكت الربيعي (نُشر سنة 2007م) عن منشورات مؤسسة الرُّؤيا للصحافة للنشر بمسقط، وكتاب “الفن التشكيلي العُماني: واقع الممارسة ومداخل التجريب” ضمَّ بين دفتيه حصاد ندوة أقامها المنتدى الأدبي في مسقط بتاريخ 13 فبراير 2011م، بالتعاون مع الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية.

قراءة وتحليل الأعمال الفنية

اختار الباحث هذه الكتب لعدة أسباب؛ منها: أن الكتابات النقدية وقراءة وتحليل الأعمال الفنية، لم تنل من الدارس العناية التي نالتها مجالات معرفية وفنية أخرى مرتبطة بالنقد، وأن التفكير في النقد الفني يتيح تحليل العلاقة بين النقد والفن، وكذلك الاهتمام بنقد أعمال الفنانين التشكيليين أو الممارسة الفنية لبعض التشكيليين، يساعد على امتلاك وعي بالممارسة النقدية في أسسها وخصائصها وشروطها؛ حتى تُصبح موضوعَ بحث وتأمل نظري.

وذكر الباحث -في سياق قراءته لهذه الكتب- أنَّ الساحة الفنية التشكيلية العُمانية تزخر بفنانين متميزين، وهم أصحاب ممارسة فنية مهمة ومشاريع طلائعية, تستحق فعلا لفتة نقدية، تدفع بها أكثر نحو صحوة فكرية وثقافية، وبهذا يتم الدور الحيوي الذي يلعبه النقد الفني.

وفي هذه الندوة، قدَّم التشكيلي عبدالكريم الميمني ورقة بعنوان “الثقافة في الفن التشكيلي في عُمان”؛ طرح فيها مجموعة من التساؤلات، كانت الإجابة عنها بمثابة المحرك الذي سارت عليه الورقة..ومن بين هذه الأسئلة: من هو المثقف تشكيليا؟ وما هي مصادر الثقافة التشكيلية، وأثر نمائها على المجتمع؟ وماذا عن واقع الثقافة التشكيلية في السلطنة، على اعتبار أنَّ الثقافة التشكيلية في المجتمعات تعتبر مطلبا في غاية الأهمية؟

التسامح والقيم المجتمعية في الفن

وفي الندوة، شارك د.بدر بن محمد المعمري بورقة حول فكرة “التسامح والقيم المجتمعية في الفن التشكيلي في عُمان”؛ أكد فيها أن الكثيرَ من التجارب الفنية في عُمان سارت إلى المضي قدما في تقديم نماذج تلامس مبدأ التسامح وتدعو إليه، إلى أن امتدَّ تأثيرها خارج حدود السلطنة.وفيما يخص موضوع التسامح، استشهد بنماذج من الفن التشكيلي العُماني المعاصر؛ مُستفيدا من الرُّؤية العالمية لهذا الموضوع، القائمة على خمسة مبادئ؛ هي: سلطة القانون، وأهمية التعليم، والثقافة، ووعي الفرد، والحلول المحلية للقضايا العالمية (التفرد والخصوصية).

وقدَّم في ورقته رؤية لبعض اللوحات العُمانية التي تتناول هذا الجانب؛ حيث يقول الباحث المعمري: كانت الحركة التشكيلية العُمانية دوما منصفة للإنسان، مهما اختلف: فلسفة أو ثقافة أو اتجاها فكريا. وقد تتعدَّد الأشكال الفنية والتعبيرية، ولكن الثبات على بعض المبادئ كان سمة لا تفارق هذه الحركة، وكان مبدأ التسامح المجتمعي أحد أهم المبادئ الصامدة في علاقة الفنان باللوحة، والفنان بالفنان والفنان بالمجتمع.

ويُضيف: إنَّ تجربة “المعرض الفني العُماني الطائر” التي أقيمت خلال العام الماضي 2014م، كانت بمثابة تتويجا لخط زمني وتاريخي طويل، عكس بقوة مفهوم “التسامح مع الآخر” عبر 43 فنانا عُمانيا، انتقلوا جوًّا بين سبع عواصم عالمية، حاملين نتاجهم الفني إلى العالم، وقد تختلف تجارب الفنانين المشاركين في هذا المشروع عن بعضها البعض، ولكن اتفقت جميعا على مبدأ “قبول الآخر، وتقدير الآخر، والتنازل للآخر، والتعايش مع الآخر”، وهذا ما أوحت به أعمالهم الفنية.

الحروفية العربية المعاصرة

كما شارك د.سلمان بن عامر الحجري من جامعة السلطان قابوس، بورقة حول “الحروفية العربية المعاصرة: باعتبارها خطابا جماليا متجددا، وقيمة حضارية متفردة”؛ قدَّم فيها شرحا عن الجوانب الجمالية والوظيفية والتعبيرية للحرف العربي؛ باعتبارها أيقونة اتصال متفردة، لها مكانتها الخاصة في اللغة البصرية المعاصرة، وأحد أهم رموز الفن الإسلامي، وحاول في ورقته التعرف على الحركة الحروفية العربية المعاصرة، واستكشاف مدى تأثير بعض التجارب الحروفية العُمانية، في بلورة خطاب جمالي ذي قيمة حضارية عالية، من خلال الاطلاع على تجارب بعض الفنانين الحروفيين في الوطن العربي بشكل عام، وفي عُمان بشكل خاص. وشرح في ورقته بعض الجوانب الجمالية والوظيفية والتعبيرية للحرف العربي؛ باعتبارها أيقونة اتصال متفردة، لها مكانتها الخاصة في اللغة البصرية المعاصرة، وكأحد أهم رموز الفن الإسلامي، مُتَّبعا في ذلك المنهجية الوصفية التحليلية؛ من خلال تناول المفاهيم بالوصف والتحليل للأعمال الفنية لأهم الفنانين الحروفيين العرب.

يقول د.سلمان الحجري: لم تكن السلطنة بمعزل عن هذا الحراك التشكيلي النشط، ورغم حداثة التجربة التشكيلية العُمانية، إلا أنها أنجبت فنانين حروفيين اهتموا بتوظيف الحرف العربي، وإعطائه قيمة سيادية في أعمالهم التي تعبر عن هوية أرض لها من الإرث الحضاري الشيء الكثير، وذات إسهامات موثقة في نشر الدعوة الإسلامية في أقاصي المعمورة، أبناؤها يرسمون نخيلها وأفلاجها الغناء بمفردات الحروفية. هذا؛ وقد مارس الاتجاه الحروفي في عُمان مجموعة من الفنانين؛ من أمثال: محمد الصائغ، وعبدالناصر الصائغ، وصالح الشكيري، ومحمد فاضل، وسلمان الحجري…وغيرهم، اهتموا جميعًا بتوزيع الكتل اللونية على جسد اللوحة بشكل مُتقن ومُعبِّر، وبالتوافق والانسجام في توزيع العناصر المكونة لهذه الأعمال.

ويضيف الحجري: لقد استطاعتْ الحركة الحروفية العُمانية التفاعل مع التيارات التشكيلية الأخرى، والمدارس الفنية السائدة في الوطن العربي -كالواقعية والتجريدية- وجد فيها الفنانون قدرة هائلة على تأكيد الهوية الثقافية والإسلامية والترويج لهما. وبالرغم من طغيان التيارات الغربية الحديثة على المشهد التشكيلي، إلا أن الفنانين الحروفيين أسهموا في إثراء التيار التشكيلي العالمي، برافد جديد ومؤثر له طابع عربي وإسلامي أصيل، يتميز باستقلالية عالية ولم يذب مع بقية التيارات؛ وبذلك استطاع الترويج لقيم جمالية ومعانٍ روحانية متفردة، تؤكد أن هذا الإنسان هو الخليفة على هذه الأرض وكل شيءٍ مسخَّر لخدمته ولصالحه.

وأوْرَد الباحث في سياق ورقته النتائج التي توصَّل إليها، ووجد أن الكتابة والحروف العربية، لها اتصال مباشر وعضوي بهوية الفنانين الحروفيين العرب وخلفياتهم الثقافية، وأن استخداماتهم للحروف العربية تأكيد تلقائي على هذه الهوية الثقافية، وأنَّ الحرف العربي تجاوز الغاية التوصيلية والتواصلية، إلى غايات جمالية وثقافية متمكنة ومتفردة، تجعله ناجحا في الرهان، لتقديم خطاب جمالي متجدد، بشرط خضوعه للتجريب الدائم والمستمر.

فنانون رسموا نزوى

وشارك د.محمد العامري -من جامعة السلطان قابوس- بورقة تناول فيها أعمال التشكيليين الذين رسموا مدينة نزوى؛ أكد فيها أن المكان يعد نقاط جذب لكثير من الفنانين؛ فقد استطاع الفنان التعبير وبقوة عن المعاني والأحاسيس التي يجسدها المكان، من خلال لغة بصرية تتمثل في الحس والشعور والوعي والفكر والثقافة والخيال والإبداع، معلنة عن جماليات أخرى للمكان نفسه، قد تغيب أو لا تكون حاضرة عند المتلقي العادي.

يقول د.محمد العامري: إنَّ مدينة نزوى التاريخية هي إحدى أقدم المدن العُمانية؛ فهي عاصمة العلم والعلماء، وهي العاصمة القديمة لعُمان. ومن الصعوبة بمكان الجزم بأعداد الأعمال الفنية التي صوَّرت هذه المدينة، غير أنه من المؤكد أنها كانت مصدرَ إلهام للكثير من الفنانين، غير أنَّ المكان وحده لا يكفي للتعبير عن جماليات المكان؛ فهناك المناظر الطبيعية بما تحويه من أشجار وأفلاج ومياه ومزروعات خضراء، والناس بكل أطيافهم وأشكالهم وأنسابهم، يشكلون عوامل إضافية تجعل من المكان أكثر جمالاً ورونقاً، والعمارة العُمانية بكل أنواعها تُشكل علاقة جميلة مع المكان.

وعَرَض أعمال مجموعة من الفنانين بالنقد والتحليل؛ من بينهم: “ديفيد ويليس”؛ وهو -بحسب الدكتور العامري- فنان أسترالي جاء إلى السلطنة في العام 1979م؛ فأعجب بالمكان وأخذه موطنا له منذ العام 1986م. وفي العام 2014 عرض متحف “بيت البرندة” مجموعة من لوحاته التصويرية، تنوعت فيها الأمكنة من بحار وسهول وأودية…وغيرها من المناظر الطبيعية والمواقع الأثرية من مناطق مختلفة من السلطنة، وعرض أعمال ألكس باركار، وتونيي هولسبرجين، ذات العلاقة بجماليات المكان العُماني.

وأكَّد الدكتور العامري أنَّ اللوحات التي رسمت مدينة نزوى عبَّرت بشكل بصري ومباشر عن جماليات المكان، مع اختلاف واضح لطرق وأساليب التقنيات الفنية المستخدمة، كما تنوعت الخامات والوسائط التي عبر من خلالها الفنانون عن رؤاهم ومشاعرهم حول المكان؛ فالحب للطبيعة والمكان وطيبة الناس، كانت دوافع حركة مشاعر الفنانين للتعبير بكل صدق ومباشرة عن واقع الحياة الاجتماعية.

ولأنَّ الندوة درست تجربة الفن التشكيلي العُماني؛ فقد قدمت خلال أيامها معرضا فنيا، أقيم على هامش الندوة لمجموعة من الفنانين التشكيليين الموهوبين، الذي حققوا بإبداعات ريشتهم حضورا في الداخل العُماني والخارج.

3,564 total views, 15 views today