RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

تتمايز العلوم بتمايز الموضوعات التي تبحث فيها والأمور التي تعالجها. فجميع العلوم في الماضي كانت مندرجة تحت علم الفلسفة ولكن مع تطور البشرية انفصلت العلوم عن بعضها. حيث أضحت جميع الفروع العلمية تعالج موضوعًا محددًا لا يعالجه علم آخر. فعلم الطب مثلاً، يختص بدراسة الإنسان من خلال الأمراض التي يُصاب بها والعلاج المناسب لتلك الأمراض وهكذا بقية العلوم.

أما علم الفلسفة – والتي يطلق عليه بأم العلوم- فهل لها موضوع محدَّد وثابت يعالجه ويختص به أم هو علم عام شامل ليس له إلا السؤال المطلق والإجابة عنه كيفما كان؟ اختلف الباحثون في تحديد موضوع علم الفلسفة فمن قائل يقول إنه علم لا موضوع له إلا السؤال، ومنهم من يرى أنه علم لا موضوع له ابتداء ويبدأ بالسؤال عن قضية معينة ثم يتدرج ويتطوَّر إلى أن تصبح هذه الأسئلة موضوعًا قائمًا بذاته وبعده ينفصل هذا الوليد الجديد من رحم أمه ويصبح علمًا مستقلاً ذا موضوع ثابت.

أما الفلاسفة المسلمون فيرون أن موضوع الفلسفة هو الموجود بما هو موجود وغايته معرفة الموجودات على وجه كلي وتميزها مما ليس بموجود حقيقي؛ ولذلك نجد أن الشيخ الرئيس ابن سينا يصفه بـ الفلسفة الأولى حيث يقول «وهو الفلسفة الأولى؛ لأنه العلم بأول الأمور في الوجود، وهو العِلَّة الأولى وأول الأمور في العلوم».

وما كان اهتمام الفلاسفة المسلمون بالجوانب التوحيدية في الفلسفة الإسلامية إلا بإيمانهم بأهمية المرتكزات والأسُس العقلية في تثبيت العقائد الدينية التي ينتمون إليها وأصبحت النصوص الوحيانية هو المصدر الأساس الذي يستقون منه أمورهم العالية.

ولذا نجد أن الفلاسفة المسلمون قد قفزوا بالفلسفة إلى جوانب وزوايا لم يتطرق إليها الفلاسفة السابقون البتة؛ وأبدعوا في الكثير من المسائل الفلسفية وأجادوا في تمحيص كل المسائل التي كانت مطروحة منذ زمن اليونان وأضافوا إلى الفلسفة ما يزيد على الخمسمائة مسألة.

وحيث إن العالم يحتفل سنويًّا في الخميس الثالث من شهر نوفمبر بيوم الفلسفة العالمي؛ وإدراكًا منها لأهمية موضوع الفلسفة فقد ارتأت إدارة المجلة أن تفرد ملفًا خاصًّا وتسلط الضوء على بعض المفردات الفلسفية الهامة وقراءة المشهد الفلسفي الحالي على سعته في مقالات شيقة وعميقة.

ومِن البحوث الفلسفية التي كانت مطروحة منذ القدم موضوع إدارة الشأن العام وإدارة أمور المدينة وأهلها. فمنذ عصر اليونان نجد أن مسألة السياسة وإدارة شؤون البلد كانت مثار بحث ونظر من قِبل الفلاسفة العظماء كأفلاطون وأرسطو. فمثلاً نجد أن أرسطو في كتابه «السياسة» يركز على مبدأ سيادة الدولة على الأفراد وهي بدورها – أي الدولة – أن توفر أسس ومقدمات العدل الاجتماعي.

وكذلك نجد الفيلسوف الأمريكي جون رولز في كتابه الكبير «نظرية في العدالة» والذي يعتبره الباحثون أهم ما ألف في الفلسفة السياسية الحديثة – نجده يركز – فيما يسميه الوضع الأصلي – على المساواة في الحقوق والواجبات وتعويض المتضرر في حالات اللامساواة في تخصيص الحقوق الأساسية.

وعندما نقرأ المنظومة الفكرية التي أرساها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظَّم – حفظه الله ورعاه – منذ قيام عمان الحديثة نجد أن هذه المبادئ التي تحدث عنها الفلاسفة جلية واضحة في جميع خطاباته؛ وغَدَت هذه الرؤى النظرية تتحول تدريجيًّا في جميع البرامج الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في العقود الأربعة الماضية والتي أولاها جلالته اهتمامًا بالغًا وأشرف على تنفيذ خطته منذ تسلُّمه مهام إدارة البلد.

ومن هنا أدعو الباحثين في الفلسفة السياسية النظر في المرتكزات الفكرية لفلسفة إدارة الدولة العمانية الحديثة ومقارنتها مع فكر الفلاسفة السابقون منذ عهد اليونان والتي كانت مهد الحضارة والفلسفة مرورًا بالنظريات الحديثة كنظرية جون رولز في الفلسفة السياسية. وإنني على يقين أن فلسفة جلالته في إدارة الدولة لم تكن إدارة عشوائية أو مبعثرة وإنما كانت مبنية على أسس ثابتة قوامها النظريات الحديثة في إدارة الدولة مع تضمين ومراعاة الإرث الديني والمرتكز الاجتماعي للوطن.

إن حالة التسامح والأمن الاجتماعي الذي نعيشه في بلادنا ما هو إلا نتاج تلك الرؤية التي كانت ولا يزال يحملها جلالته والذي سعى دومًا إلى ترسيخها وتجذيرها جيلاً بعد جيل. فحريُّ بالجيل الحالي أن يقرأ هذه التجربة الفريدة في منطقة غدا العقل فيها آخر سلاح يُستفاد منه وأصبح المواطن والوطن ضمن الهوامش الجزئية التي لا يلتفت إليها إلا عندما تستنفذ جميع نظريات الخراب والدمار.

نبارك لجلالته وللشعب العماني هذا العيد السعيد وندعو المولى عز وجل أن يحفظه في حله وترحاله ونبارك للشعب الوفي الذي كان خير رعية لخير راع.

5,089 total views, 11 views today