Haider Ahmed

د. حيدر بن آحمد اللواتي

هل سألت نفسك يوما: لماذا ننتظر طويلا لكي نقوم ببعض التحاليل في المستشفى؟ ولماذا لا يُمكن الحصول على النتائج بشكل فوري، كما نحصل على تحليل مباشر للصورة التي نراها؟! فدماغنا البشري يقوم بتحليل تلك الصورة ويخبرنا بالنتيجة بسرعة متناهية، وإذا تذوَّقنا شيئا ما، فبمجرد التذوق نستطيع أن نُدرك المادة التي تذوَّقناها، وإذا شممت شيئا ما؛ فالنتيجة تصل بسرعة منقطعة النظير.. اللافت في الأمر أن الدماغ البشري يقوم بتحليل بصري وذوقي ويستخدم حاسة الشم في آن واحد، وكل واحدة من هذه العمليات تحتاج لعدد هائل من العمليات الكيميائية، وهناك آلاف -بل الملايين- من العمليات الكيميائية الأخرى التي تحدث بكفاءة عالية وسرعة كبيرة في هذا المختبر الذي لا يتجاوز حجمه حجم جمجمة الإنسان.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو السر في سرعة ودقة هذه العمليات الكيميائية؟ وهل بإمكاننا محاكاة الدماغ البشري من حيث السرعة والكفاءة العالية والقيام بعمليات كيميائية بسيطة في المختبر لنحصل على النتائج دون أن ننتظر طويلا؟!

قد يرجع البعض الأمر إلى نوعية المواد الكيميائية المستخدمة في الكائنات الحية، وهو أمر صحيح دون أدنى شك؛ إذ إنَّ المواد الكيميائية المستخدمة في الكائنات الحية مواد مميزة، ومصنَّعة بشكل دقيق، ولها القدرة على القيام بالمهام الموكلة لها بدقة وسرعة فائقة.

حسنا.. لنغير صيغة السؤال إلى الآتي: لنفرض أنَّنا استطعنا الحصول على هذه المواد الكيميائية، أو قمنا بتصنيعها في المختبر، هل بإمكاننا الحصول مختبر شبيه بالدماغ البشري؟

أدرك عزيزي القارئ أنَّ بداخلك “لا” كبيرة ترفض إمكانية الحصول على مختبر شبيه بالدماغ البشري، ولكن هذه الـ”لا” تعجز عن تقديم سبب مُقنع لهذا الرفض، على فرض الحصول على نفس المواد الكيميائية التي يستخدمها الدماغ. ولكي تعرف السبب، لنُكمل الحديث عن الدماغ البشري، وكيفية عمله بشكل بسيط ودون تعقيد مُمل.

الواقع أن الأمر لا يقف فقط عند المركبات الكيميائية المستخدمة، بل هناك أسباب أخرى عديدة؛ من أهمها: هندسة مختبر الدماغ، والتي تسمح له بالعمل بكفاءة منقطعة النظير؛ حيث إنَّ هذا المختبر يقوم بكل العمليات الكيميائية المعقدة في تجاويف تشبه الأنابيب المجوفة، وهي أنابيب ذات قُطر صغير جدًّا قد لا يتجاوز واحدًا من الألف ملليمتر (0.001 مللم)، ويوجد في الدماغ البشري 100 إلى 500 تريليون منها وتعرف بـ(synapses)، ونظرا لصغر حجمها فالمختبر بأسره لا يحتاج إلى مكان واسع للقيام بأنشطته المعقدة. إضافة إلى ما سبق، فإنَّ كلَّ هذه العمليات الكيميائية المعقدة تحدث والمحاليل الكيميائية في حالة تدفق وسيلان، بينما تقوم مختبراتنا التقليدية على هندسة مختلفة تماما؛ حيث إنَّنا نقوم بكل العمليات الكيميائية بحاويات زجاجية، ونقوم بنقلها من مكان إلى آخر في المختبر.

لذا؛ فمن المهم تغيير التفكير المتعارف عليه في عمليات إجراء التفاعلات الكيميائية، وإجراء هذه التفاعلات والتحاليل وهي في حالات تدفق وسيلان مستمر، بدلا من استخدام الدورق الزجاجي المعروف، كما أن حجم الدورق الزجاجي يلعب دورا مهمًّا في الوقت الزمني اللازم لحدوث التفاعل الكيميائي، هذا إضافة لدرجة الحرارة وغيرها من العوامل الأخرى. باختصار، إنَّ كل البيئة الحاضنة للتفاعل الكيميائي تلعب دورا حاسما في كفاءة النظام الكيميائي من حيث السرعة والدقة.

وقد يتساءل البعض: وما علاقة الإناء الحاوي للمحاليل الكيميائية بالتفاعل الكيميائي؟ وكيف يؤثر صغر حجم الإناء على كفاءة العمليات الكيميائية؟

الواقع أنَّ لهذه الهندسة دورا كبيرا وأساسيا في فاعلية هذا المختبر الطبيعي؛ فعملية خلط المواد الكيميائية المختلفة تزداد سرعتها بشكل كبير جدا مع تصغير قطر الأنبوب؛ فلو أخذنا مثلا مادتين كالماء والحبر، وحاولنا أن نقوم بخلطهما في دورق قطره 10 سنتيمترات دون مؤثر خارجي (كالمعلقة)، فإنَّ زمن الخلط سوف يكون طويلا جدا، مقارنة بخلطهما في أنبوب لا يتجاوز قطره 0.001 مللم، والذي سيتم فيه الخلط بسرعة تصل 1010 ضعفا مقارنة بالخلط في الدورق المذكور.

… إنَّ عملية خلط المواد بسرعة عالية هي أحد الأمور الأساسية التي تساعد على سرعة حدوث التفاعل الكيميائي؛ حيث إنَّ عملية الخلط هذه تسبق عملية التفاعل الكيميائي. وعليه، فكلما كانت هذه العملية أسرع، كان الزمن الكلي لعملية التفاعل أقل، أضف إلى ذلك أن عملية الخلط في هذه الأنابيب المجوفة تحدث بصورة طبيعية نتيجة لعملية انتشار الجزيئات الكيميائية ودون تدخل خارجي؛ لهذا فهذه العملية تتم بصورة منتظمة وبدقة متناهية، كما أنَّ جميع المتغيرات في العملية الكيميائية معروفة بدقة كبيرة؛ نظرا لأن عملية الخلط هذه حدثت بصورة طبيعية ودون تدخل قوى خارجية.

وهناك تأثير آخر ذو أهمية كبيرة؛ وهو: دور السطح الداخلي للأنبوب المجوَّف على العملية الكيميائية؛ فمثلا نحن نعلم أن عددا من التفاعلات الكيميائية تزداد سرعتها كلما ازدادت درجة حرارة الإناء الحاوي لها، وإذا كان التفاعل الكيميائي يجري في إناء كبير جدا، فإنَّ الزمن اللازم لكي تكون درجة حرارة المحلول داخل الإناء واحدة، أكبر من الوقت اللازم للمحلول في أنبوب ذي قطر صغير، والسبب في ذلك أنَّ أثر حرارة السطح الداخلي للإناء تأخذ زمنا طويلا جدا نسبيا لكي تقوم بعملية تسخين المحلول بأسره في الإناء الكبير؛ وذلك لفارق المسافة بين وسط الإناء والسطح الداخلي له، وهذه المسافة تقل بشكل كبير جدا في الأنبوب ذي القطر الصغير؛ مما يعني أنَّ أثر حرارة السطح الداخلي تنتقل بشكل أسرع إلى المحلول بأسره.

وهكذا.. نجد أنَّ هندسة المختبر الكيميائي لها دور كبير في كفاءة العمليات الكيميائية؛ فهو يزيد من سرعتها ودقتها، ويساعد أيضا على التحكم في العملية الكيميائية عموما. لهذا؛ فإذا استطعنا أن نقوم بالعمليات الكيميائية المختلفة في أنابيب مجوفة ذات قطر صغير، فإنَّ كفاءة العمليات الكيميائية سوف تزداد وبشكل كبير جدا؛ وبهذا يُمكننا محاكاة مختبر الدماغ في سرعة وكفاءة العمليات الكيميائية. ومن هذا المنطلق، انطلقتْ فكرة “مختبر في رقاقة”، أو ما يعرف باللغة الإنجليزية بـ”Lab on a chip”؛ حيث تستخدم تقنية تصنيع الرقاقات المستخدمة في بناء معالجات الحواسيب في صنع هذه المختبرات المصغرة، والتي لا يتجاوز حجمها حجم علبة عود الثقاب، ويتم ذلك من خلال تصنيع أنابيب مجوفة لا يتجاوز قطرها الملليمتر الواحد، وتتم عمليات التفاعل الكيميائي في هذه الأنابيب، كما أنَّ التطور الحاصل في ميادين الهندسة وتقنية الاتصالات ساهم في تصغير الكشافات اللازمة للكشف عن المواد الكيميائية المختلفة ودمجها مع هذه المختبرات المصغرة، وقد كشفت جُملة من الأبحاث التي قامت في مختلف المؤسسات العلمية عن نتائج باهرة دعمت بقوة هذا التوجه.

ولا يقتصر الأمر على الفوائد المذكورة فحسب، بل إنَّ عملية تصغير هذه المختبرات سوف يُخفِّض من كميات استهلاك المواد الكيميائية بشكل كبير جدًّا، فلو فرضنا أن مختبرا ما يستهلك 100 لتر من المحاليل الكيميائية -أي ما يعادل 40 قنينة مياه معدنية سعة 2.5 لتر- فإن هذه الكمية يمكن أن تنخفض إلى أقل من نصف قنينة أو أقل من ذلك؛ وذلك لصغر كميات المواد الكيميائية المستخدمة في عمليات التحليل، وهذا سيقلل من تكلفة عملية التحليل أيضا بصورة كبيرة جدا.

إضافة إلى ذلك، فإنَّ تخفيض استهلاك هذه المواد الكيميائية سوف يقلل من النفايات الكيميائية الخطرة الناتجة عن عملية التحليل، والتي تعدُّ واحدة من التحديات الكبيرة التي تواجه المختبرات عموما.

… إنَّ صغر حجم هذه المختبرات يجعلها قادرة على أداء المئات من التفاعلات الكيميائية في آنٍ واحد؛ لذا فإنَّ “مختبر في رقاقة” مكن الباحثين من مسح أعدادٍ كبيرة من التحليلات الكيميائية بسرعةٍ كبيرة وللعديد من الأغراض المتنوعة.

فمثلا: هناك دراسات تسمح لعمل اختبار القلب والأوعية الدموية وسيولة الدم في هذه الرقاقات؛ حيث يتم أخذ أنسجة من القلب البشري، ويتم إحاطتها بجميع اللوازم التي تحتاج لها من الغذاء والغازات اللازمة لكي تقوم بالعمل تماما، كما تقوم بالعمل داخل جسم الإنسان، ومن ثمَّ يتم تعريضها لأدوية جديدة ويتم مراقبة ردة فعلها، ومن خلال هذا النوع من الدراسات فإن الباحثين يأملون الوصول إلى فهم أفضل وأدق لعمل هذه الأدوية، واختصار الوقت اللازم للتحقق من فاعلية هذه الأدوية. وبهذا، يُمكننا الحصول على دقة أكثر في الفحوصات المخبرية قبل أن نبدأ الاختبار على المرضى.

تُرى: هل سنصل يوما ونستطيع أن نكوِّن مختبرا يُحاكي الدماغ البشري في قدراته الباهرة؟

1,710 total views, 2 views today