مشتاق‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬اللواتي‭ ‬

إنَّ‭ ‬المتابعَ‭ ‬للنتاج‭ ‬الفكري‭ ‬والفقهي‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬يلحظُ‭ ‬ظهورَ‭ ‬كتابات‭ ‬تنحو‭ ‬منحًى‭ ‬غير‭ ‬تقليدي‭ ‬في‭ ‬مُقارباتها‭ ‬في‭ ‬تناول‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬فقه‭ ‬المسلمين؛‭ ‬فبينما‭ ‬كانتْ‭ ‬الكتابات‭ ‬السابقة‭ ‬تركِّز‭ ‬على‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬الإشكالات‭ ‬المطروحة‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬أو‭ ‬الخارج‭ ‬حول‭ ‬نظرة‭ ‬الإسلام‭ ‬للمرأة،‭ ‬وموقعها‭ ‬الحقوقي‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬والتشريعات،‭ ‬وحول‭ ‬واقع‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭ ‬والمسلمة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬والاجتماع‭ ‬السياسي‭. ‬وكانت‭ ‬تنطلقُ‭ ‬من‭ ‬منهجيات‭ ‬الدفاع‭ ‬والتبرير‭ ‬والترميم‭ ‬للواقع‭ ‬الموروث‭ ‬والثقافة‭ ‬السائدة‭. ‬وتَسْعَى‭ ‬جاهدةً‭ ‬لإثبات‭ ‬سمو‭ ‬النظرة‭ ‬الإسلامية‭ ‬ورُقيِّها‭ ‬وتقدُّمها،‭ ‬مقارنة‭ ‬بغيرها‭ ‬من‭ ‬الأديان‭ ‬والمذاهب‭ ‬الفكرية،‭ ‬وتبذل‭ ‬مجهودات‭ ‬بحثية‭ ‬لإبراز‭ ‬المنجزات‭ ‬التاريخية‭ ‬للمرأة‭ ‬العربية‭ ‬المسلمة‭.‬

أمَّا‭ ‬المقاربات‭ ‬الجديدة،‭ ‬فقد‭ ‬انطلقتْ‭ ‬من‭ ‬المعايشة‭ ‬عن‭ ‬كَثب‭ ‬لوضع‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والمسلمة،‭ ‬ومن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بوقوع‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الظلم‭ ‬والإجحاف‭ ‬بحقها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭. ‬وركز‭ ‬بعض‭ ‬الدراسين‭ ‬اهتمامَهم‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬الفقهي‭ ‬والموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬والروائي‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬المسلمين،‭ ‬ودور‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬المفاهيم‭ ‬الثقافية،‭ ‬وبناء‭ ‬الأنساق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭. ‬وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬قاموا‭ ‬بمراجعات‭ ‬نقدية‭ ‬لمناهج‭ ‬البحث‭ ‬الفقهي‭ ‬والنظرات‭ ‬الثقافية‭ ‬والمجتمعية‭ ‬التي‭ ‬تبادلتْ‭ ‬التأثير‭ ‬معها‭. ‬وقدَّموا‭ ‬أعمالا‭ ‬نقدية‭ ‬جريئة‭ ‬للروايات،‭ ‬وبلوروا‭ ‬اجتهادات‭ ‬فقهية‭ ‬متقدمة‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المجتمع؛‭ ‬بدءًا‭ ‬بالأسرة،‭ ‬ومرورا‭ ‬بالمناشط‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وانتهاءً‭ ‬بالحقل‭ ‬الإداري‭ ‬والقضائي‭ ‬والسياسي‭. ‬ونظرًا‭ ‬لأن‭ ‬المقاربات‭ ‬الفقهية‭ ‬الجديدة‭ ‬حول‭ ‬أدوار‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬المُلحَّة،‭ ‬التي‭ ‬تزايدت‭ ‬الضغوط‭ ‬حولها،‭ ‬ولا‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬مراجعات‭ ‬عميقة‭ ‬شاملة‭ ‬لتقديم‭ ‬تصورات‭ ‬شاملةلفقه‭ ‬المرأة‭ ‬الحقوقي؛‭ ‬فلهذا‭ ‬تعترضها‭ ‬إشكاليات‭ ‬منهجية،‭ ‬وتواجهها‭ ‬تحديات‭ ‬واقعية‭ ‬عملية،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تصطدم‭ ‬مع‭ ‬النظرات‭ ‬الفقهية‭ ‬السائدة‭.‬

و‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأوراق‭ ‬القليلة،‭ ‬نُشير‭ ‬إلى‭ ‬الدواعي‭ ‬التي‭ ‬تستوجب‭ ‬القيام‭ ‬بمراجعات‭ ‬شاملة‭ ‬لوضع‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬فقه‭ ‬المسلمين‭. ‬كما‭ ‬سنتطرق‭ ‬في‭ ‬الأثناء‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬هذه‭ ‬البحوث،‭ ‬وننوه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬المفارقات‭ ‬التي‭ ‬تكتنف‭ ‬المراجعات‭ ‬الجزئية؛‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العناوين‭ ‬الآتية‭:‬

تغيُّر‭ ‬الأدوار‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمرأة‭ ‬

كان‭ ‬الموقف‭ ‬الفقهي‭ ‬فيما‭ ‬سبق‭ ‬يتحفَّظ‭ ‬على‭ ‬انخراط‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الميادين‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والمهنية،‭ ‬ولعله‭ ‬كان‭ ‬مُنسجما‭ ‬مع‭ ‬الأدوار‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمرأة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وكذلك‭ ‬مع‭ ‬عموم‭ ‬الأوضاع‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭ ‬فيها‭. ‬ومن‭ ‬المسلَّم‭ ‬به،‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الأوضاع‭ ‬والمفاهيم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬قد‭ ‬تغيَّرت‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬المعاصرة‭ ‬عمَّا‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬السالفة‭.‬

إنَّ‭ ‬وضع‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭ ‬المسلمة‭ ‬شَهِد‭ ‬تطورا‭ ‬ملموسا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعاصرة؛‭ ‬فقد‭ ‬نالت‭ ‬المرأة‭ -‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬الرجل‭- ‬حظًّا‭ ‬وافرا‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الحقول‭ ‬والتخصصات‭ ‬العلمية‭ ‬والعملية‭. ‬وانفتحتْ‭ ‬أمامها‭ ‬الفرص‭ ‬لخوض‭ ‬غمار‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬محتلف‭ ‬المجالات،‭ ‬وأثبتت‭ ‬جدارتها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مواقع‭ ‬المسؤولية‭ ‬العامة‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬لم‭ ‬تتخلَّ‭ ‬عن‭ ‬أدوارها‭ ‬المتعارفة‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬والعلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬والرعاية‭ ‬الأسرية‭.‬‭ ‬وتضاعفت‭ ‬مسؤولياتها،‭ ‬وصارت‭ ‬تسهم‭ ‬بشكل‭ ‬فعال‭ ‬في‭ ‬الأعباء‭ ‬المالية‭ ‬للأسرة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الرجل‭. ‬ولم‭ ‬يعُد‭ ‬الرجل‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬المنفق‭ ‬عليها‭ ‬وعلى‭ ‬الأسرة‭.‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬الفقهي‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬يملك‭ ‬البحث‭ ‬الفقهي‭ ‬مرونةً‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المتغيرة؟‭ ‬وهل‭ ‬لهذه‭ ‬التطورات‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬المرأة‭ ‬التعليمي،‭ ‬وفي‭ ‬تغير‭ ‬أدوارها‭ ‬في‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬أي‭ ‬تأثير‭ ‬في‭ ‬تغيُّر‭ ‬النظرة‭ ‬الفقهية‭ ‬حول‭ ‬قضية‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة،‭ ‬أم‭ ‬أنَّ‭ ‬الرؤية‭ ‬الفقهية‭ ‬حيال‭ ‬موقع‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع‭ ‬تتسمُ‭ ‬بالثبات،‭ ‬وأنَّ‭ ‬العوامل‭ ‬المذكورة‭ ‬لا‭ ‬دخل‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬تكوينها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬تؤثر‭ ‬فيها؟‭ ‬

والموقف‭ ‬الفقهي‭ ‬السائد‭ ‬لا‭ ‬يُنكر‭ ‬الأهمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لمشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الأعباء‭ ‬المالية‭ ‬للأسرة،‭ ‬لكنه‭ ‬يرى‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬واجبة‭ ‬عليها‭ ‬فقهيًّا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬تطوعي‭ ‬منها‭ ‬تُؤجر‭ ‬عليه،‭ ‬وعلى‭ ‬الزوج‭ ‬أن‭ ‬يُقابله‭ ‬بالتقدير؛‭ ‬لذلك‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تغير‭ ‬من‭ ‬الأحكام‭ ‬الفقهية‭ ‬المقررة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬يقتنع‭ ‬الجيل‭ ‬المعاصر‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الأجوبة‭ ‬الفقهية‭ ‬النظرية؟‭ ‬وهل‭ ‬تقدم‭ ‬معالجات‭ ‬عملية‭ ‬للأوضاع‭ ‬المستجدة؟‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬هل‭ ‬بوسع‭ ‬أهل‭ ‬الفقه‭ ‬أن‭ ‬يتجاوزوا‭ ‬الأدلة‭ ‬الشرعية؟‭ 

هذه‭ ‬بعض‭ ‬التساؤلات‭ ‬الملحة‭ ‬التي‭ ‬تطرح‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الفقه‭. ‬

المواءمة‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬

إنَّنا‭ ‬إذْ‭ ‬نُشير‭ ‬إلى‭ ‬التحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الصعد،‭ ‬ندرك‭ ‬تماما‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬الفقهي‭ ‬الشرعي‭ ‬يحاول‭ -‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬جزئي‭- ‬مُوَاكبة‭ ‬تطورات‭ ‬الحياة‭ ‬برفد‭ ‬المجتمعات‭ ‬المسلمة‭ ‬بمعالجات‭ ‬فقهية‭ ‬متواصلة،‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الفقهي‭ ‬المنضبط‭.‬

كما‭ ‬نُدرك‭ ‬تمامًا‭ ‬أن‭ ‬مسايرة‭ ‬الفقه‭ ‬لمسيرة‭ ‬التطور‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بحال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬التشريع‭ ‬وأصوله‭ ‬الثابتة،‭ ‬ولا‭ ‬تستدعي‭ ‬رفع‭ ‬اليد‭ ‬عن‭ ‬الأدلة‭ ‬الشرعية‭ ‬أو‭ ‬تهميش‭ ‬قواعد‭ ‬الاجتهاد‭ ‬وضوابطه‭ ‬باتباع‭ ‬مسالك‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تطويع‭ ‬النصوص‭ ‬الشرعية،‭ ‬وليِّ‭ ‬أعناقها؛‭ ‬لتتماشى‭ ‬مع‭ ‬الأذواق‭ ‬الشخصية‭ ‬والاستحسانات‭ ‬العصرية‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬هذا‭ ‬المطلب‭ ‬توظيف‭ ‬الأدلة‭ ‬بشكل‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬اتجاهات‭ ‬التحديث‭ ‬والتغريب؛‭ ‬بحيث‭ ‬يُمكن‭ ‬معها‭ ‬تمرير‭ ‬كل‭ ‬الأفكار‭ ‬والمعاملات‭ ‬والعلاقات‭ ‬والممارسات،‭ ‬وإضفاء‭ ‬الشرعية‭ ‬الدينية‭ ‬عليها‭.‬

إنَّ‭ ‬ما‭ ‬نقصده‭ ‬من‭ ‬مُوَاكبة‭ ‬تطورات‭ ‬الحياة‭ ‬هو‭ ‬مُعَايشتها،‭ ‬وفهم‭ ‬طبيعتها،‭ ‬واستيعاب‭ ‬فلسفتها،‭ ‬وعدم‭ ‬التعالي‭ ‬عليها،‭ ‬ولا‭ ‬الانزواء‭ ‬عنها،‭ ‬أو‭ ‬اتخاذ‭ ‬مواقف‭ ‬مسبقة‭ ‬منها؛‭ ‬إذ‭ ‬كيف‭ ‬يُمكن‭ ‬معالجة‭ ‬مشكلات‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬إنزال‭ ‬النصوص‭ ‬الشرعية‭ ‬أو‭ ‬القانونية‭ ‬على‭ ‬الحوادث‭ ‬الواقعة‭ ‬والوقائع‭ ‬الحادثة‭ ‬دون‭ ‬فهم‭ ‬واستيعاب‭ ‬عميقيْن‭ ‬للنصوص‭ ‬والأدلة‭ ‬الشرعية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وفهم‭ ‬الحوادث‭ ‬الحياتية‭ ‬الواقعة‭ ‬والموضوعات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المتغيِّرة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬إنَّ‭ ‬توافر‭ ‬الفقيه‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬تطورات‭ ‬الحياة،‭ ‬يُتيح‭ ‬له‭ ‬ملاحقة‭ ‬المشكلات‭ ‬والأسئلة‭ ‬المستجدة،‭ ‬وتقديم‭ ‬معالجات‭ ‬فقهية‭ ‬واقعية‭ ‬ومتوازنة‭ ‬لها‭. ‬لهذا؛‭ ‬رأى‭ ‬الشيخ‭ ‬جواد‭ ‬مغنية‭ ‬أن‭ ‬المجتهد‭ ‬اليوم‭ -‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬شرط‭ ‬الاجتهاد‭ ‬في‭ ‬استخراج‭ ‬الأحكام‭- ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتوفر‭ ‬له‭ ‬الوعي‭ ‬الديني‭ ‬المستنير‭ ‬المنفتح،‭ ‬والوعي‭ ‬الزمني‭ ‬لمجرى‭ ‬الحوادث‭ ‬وحقائق‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬وأنْ‭ ‬يتحرَّر‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬والتقاليد‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يفرضها‭ ‬عقل‭ ‬ولا‭ ‬دين؛‭ ‬لكي‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يوائم‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬ومقتضيات‭ ‬العصر،‭ ‬وأن‭ ‬يقتبس‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬الحديثة‭ ‬ما‭ ‬يخدم‭ ‬الحياة،‭ ‬وتسمح‭ ‬الشريعة‭ ‬الاسلامية‭ ‬السهلة‭ ‬السمحة‭ ‬التي‭ ‬تروي‭ ‬بمعينها‭ ‬الفياض‭ ‬كلَّ‭ ‬أرض‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجتمع‭ ‬لولا‭ ‬الحواجز‭ ‬والعقبات‭. ‬وهكذا،‭ ‬فكما‭ ‬لا‭ ‬يَحْسُن‭ ‬بالفقه‭ ‬الشرعي‭ ‬أن‭ ‬ينساق‭ ‬مع‭ ‬ضغوط‭ ‬الواقع،‭ ‬السائر‭ ‬نحو‭ ‬التغيير‭ ‬بخُطَى‭ ‬حثيثة‭ ‬وسريعة،‭ ‬فيتخلَّى‭ ‬عن‭ ‬أصوله‭ ‬وضوابطه‭ ‬المنهجية،‭ ‬ويتكلف‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬تخريجات‭ ‬فقهية‭ ‬لكل‭ ‬فكرة‭ ‬وافدة‭ ‬أو‭ ‬ممارسة‭ ‬مستحدثة‭ ‬أو‭ ‬صرعة‭ ‬مستوردة،‭ ‬كذلك‭ ‬لا‭ ‬يُقبل‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬الفقهي‭ ‬أن‭ ‬يَجْمُد‭ ‬على‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوارثة‭ ‬من‭ ‬السلف،‭ ‬ويتهيَّب‭ ‬مراجعتها‭ ‬ونقدها،‭ ‬بل‭ ‬وتجاوزها‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬اتَّضح‭ ‬تهافُت‭ ‬حججها‭ ‬وضَعْف‭ ‬أسانيدها‭ ‬حَذَرًا‭ ‬من‭ ‬تأسيس‭ “‬فقه‭ ‬جديد‭”! ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الثواتب‭ ‬والمتغيرات،‭ ‬والمواءمة‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬والتجديد‭. ‬يُقرِّر‭ ‬السيد‭ ‬الخميني‭ ‬بوضوح‭ ‬أنَّ‭ ‬التمسك‭ ‬بالفقه‭ ‬الأصيل،‭ ‬وأساليبه‭ ‬العريقة،‭ ‬ومسلكية‭ ‬اجتهاد‭ ‬صاحب‭ ‬الجواهر‭ (‬ت1266‭ ‬هجرية‭)‬،‭ ‬لا‭ ‬يَعْنِي‭ ‬أنَّ‭ ‬الفقه‭ ‬الاسلامي‭ ‬جامد‭ ‬وغير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب،‭ ‬ويرى‭ ‬أنَّ‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬عنصران‭ ‬أساسيان‭ ‬مصيريان‭ ‬في‭ ‬الاجتهاد‭. ‬ولمَّا‭ ‬اعترض‭ ‬أحد‭ ‬العلماء‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬اجتهاداته‭ ‬مُتذرِّعا‭ ‬ببعض‭ ‬الروايات،‭ ‬أجابه‭ -‬السيد‭ ‬الخميني‭- ‬بقوله‭: ‬إنَّ‭ ‬طريقة‭ ‬فهم‭ ‬سماحتكم‭ ‬للأخبار‭ ‬والروايات،‭ ‬وطبيعة‭ ‬استنباطكم‭ ‬منها،‭ ‬تنفي‭ (‬تتجاهل‭) ‬المدنية‭ ‬الحديثة‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة،‭ ‬وتفترض‭ ‬أنَّ‭ ‬الناس‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬الأكواخ،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الصحاري‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭”.‬

إنَّ‭ ‬حركة‭ ‬الزمن‭ -‬بالمفهوم‭ ‬الحضاري‭- ‬قد‭ ‬تُحْدِث‭ ‬تحولات‭ ‬في‭ ‬الاجتماع‭ ‬الإنساني،‭ ‬وتغيُّرات‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬المفاهيم‭ ‬والعلاقات‭ ‬والموضوعات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتفضي‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬أوضاع‭ ‬جديدة،‭ ‬واستحداث‭ ‬مراكز‭ ‬اجتماعية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مَوْجُودة‭. ‬ونظرًا‭ ‬لأنَّ‭ ‬الحكم‭ ‬يتبع‭ ‬الموضوع،‭ ‬ويدور‭ ‬مداره‭ ‬وجودا‭ ‬وعدما؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬تغيُّر‭ ‬الزمن‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬موجبًا‭ ‬لتغيُّر‭ ‬الحكم‭. ‬يُشِير‭ ‬السيد‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬عضوية‭ ‬بين‭ ‬الحكم‭ ‬الشرعي‭ ‬والواقع،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنَّ‭ ‬الواقع‭ ‬يتدخل‭ ‬ليحور‭ ‬الحكم‭ ‬الشرعي‭ ‬أو‭ ‬ليزيله،‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنَّ‭ ‬الواقع‭ ‬يتحرك‭ ‬ليحدِّد‭ ‬للحكم‭ ‬الشرعي‭ ‬موضوعاته‭ ‬التي‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬مصداقيته‭ ‬فيها‭. ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬من‭ ‬المفروغ‭ ‬منه‭ ‬أنَّ‭ ‬المحققين‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الفكر‭ ‬والفقه‭ ‬في‭ ‬تنظيراتهم‭ ‬لا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬النتاجات‭ ‬الاجتهادية‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬المعارف‭ ‬الدينية‭ ‬نظرة‭ ‬التقديس،‭ ‬ولا‭ ‬ينزلونها‭ ‬منزلة‭ ‬النصوص‭ ‬الأصلية‭. ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬الحال‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية؛‭ ‬لذا‭ ‬نجد‭ ‬المحققين‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬والمتكلمين‭ ‬والمفسرين‭ ‬درجوا‭ -‬على‭ ‬تفاوت‭- ‬على‭ ‬نقد‭ ‬مختلف‭ ‬الآراء‭ ‬ومناقشتها‭ ‬ومحاكمتها‭ ‬وفق‭ ‬الأصول‭ ‬والمناهج‭ ‬البحثية‭ ‬العلمية‭. ‬وعليه،‭ ‬يُجَانِب‭ ‬الدقة‭ ‬من‭ ‬ينسب‭ ‬إليهم‭ -‬على‭ ‬نحو‭ ‬التعميم‭- ‬تقديس‭ ‬التراث‭ ‬الأصولي‭ ‬والكلامي‭ ‬والفقهي‭ ‬والتفسيري‭ ‬والدلالي‭ ‬والدرائي‭ ‬والرجالي‭ ‬والتاريخي،‭ ‬بحُسبانه‭ ‬من‭ ‬الثوابت‭ ‬المنزلة،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬من‭ ‬يَدْعو‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬العلمي‭ ‬برمَّته،‭ ‬والقطيعة‭ ‬معه‭ ‬تحت‭ ‬دعاوى‭ ‬التجديد‭ ‬والتطوير،‭ ‬يغفل‭ ‬الطبيعة‭ ‬الترابطية‭ ‬والتراكمية‭ ‬للعلوم‭ ‬ومناهج‭ ‬البحث‭ ‬فيها،‭ ‬وأنَّ‭ ‬تجاوزها‭ ‬يعني‭ ‬الرجوع‭ ‬لنقطة‭ ‬الصفر‭ -‬إذا‭ ‬جاز‭ ‬التعبير‭- ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬غير‭ ‬مُمكن‭ ‬لأنَّه‭ ‬يعني‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬إرجاع‭ ‬التاريخ‭ ‬العلمي‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭. ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬مستوى‭ ‬تطور‭ ‬وجمود‭ ‬هذه‭ ‬المناهج‭ ‬البحثية‭ ‬مرتبط‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا‭ ‬بالمناخ‭ ‬العلمي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬والفكري‭ ‬والحضاري‭ ‬العام‭ ‬لمجتمعات‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين؛‭ ‬فكما‭ ‬أنَّ‭ ‬الوضع‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬ينعكسُ‭ ‬على‭ ‬مُنجزات‭ ‬التعليم،‭ ‬والتفكير،‭ ‬والثقافة،‭ ‬والاجتماع،‭ ‬والسياسة،‭ ‬والإدارة،‭ ‬والقانون‭ ‬فيها،‭ ‬فإنه‭ ‬يؤثر‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬التفكير‭ ‬الديني،‭ ‬واتجاهات‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الفقهي‭ ‬فيه؛‭ ‬لأنَّها‭ ‬أمورٌ‭ ‬مُتداخلة‭ ‬ومُترابطة‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عضوي،‭ ‬ولأنَّ‭ ‬العقلية‭ ‬التي‭ ‬تتعاطى‭ ‬معها‭ ‬تتأثر‭ ‬بالواقع‭ ‬والمناخ‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭ ‬العام؛‭ ‬لهذا‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬مطلبين؛‭ ‬أحدهما‭ ‬يدعو‭ ‬لعدم‭ ‬الجمود‭ ‬على‭ ‬تراث‭ ‬السالفين‭ ‬الفكري،‭ ‬وعدم‭ ‬التهيُّب‭ ‬من‭ ‬مراجعته‭ ‬وإعادة‭ ‬قراءته‭ ‬ونقده،‭ ‬بل‭ ‬التحرُّر‭ ‬من‭ ‬سطوته‭ ‬وسلطته‭ ‬وتجاوز‭ ‬نتائجه‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬تطلب‭ ‬ذلك‭. ‬والآخر‭ ‬يدعو‭ ‬لإحداث‭ ‬قطيعة‭ ‬معرفية‭ ‬شاملة‭ ‬مع‭ ‬التراث‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬للمسلمين‭ ‬برمته؛‭ ‬مما‭ ‬يفضي‭ ‬لاجتثاث‭ ‬الحاضر‭ ‬من‭ ‬جذوره‭ ‬وأصوله‭ ‬التاريخية‭ ‬والثقافية‭!!‬

الاجتهاد‭ ‬وأهمية‭ ‬مراجعة‭ ‬فقه‭ ‬المرأة‭ ‬

إنَّ‭ ‬الأحكام‭ ‬الشرعية‭ ‬المنظِّمة‭ ‬للحياة‭ ‬الاجتماعية‭ -‬حسب‭ ‬جواد‭ ‬مغنية‭- ‬على‭ ‬أنواع؛‭ ‬فمنها‭ ‬ما‭ ‬يتسم‭ ‬بالثبات‭ ‬لأنه‭ ‬شرع‭ ‬وفقا‭ ‬لطبيعة‭ ‬الإنسان،‭ ‬واستدعت‭ ‬إنسانية‭ ‬الإنسان‭ ‬وجوده،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬رفع‭ ‬القلم‭ ‬عن‭ ‬الصبي‭ ‬حتى‭ ‬يحتلم،‭ ‬وكل‭ ‬إنسان‭ ‬بريء‭ ‬حتى‭ ‬تثبت‭ ‬إدانته،‭ ‬ولا‭ ‬يكلف‭ ‬الله‭ ‬نفسا‭ ‬إلا‭ ‬وسعها،‭ ‬والناس‭ ‬في‭ ‬سعة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعلمون،‭ ‬ولا‭ ‬ضرر‭ ‬ولا‭ ‬ضرار،‭ ‬وإقرار‭ ‬العقلاء‭ ‬على‭ ‬أنفسهم‭ ‬جائز،‭ ‬ومثل‭ ‬تحريم‭ ‬القتل،‭ ‬والسرقة،‭ ‬والكذب،‭ ‬والغش،‭ ‬والخيانة،‭ ‬ووجوب‭ ‬الصدق‭ ‬والأمانة؛‭ ‬فمثل‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬العامة‭ ‬ثابتة،‭ ‬وليست‭ ‬محلًّا‭ ‬للنظر‭ ‬والاجتهاد‭. ‬وهناك‭ ‬أحكامٌ‭ ‬متغيرة‭ ‬اقتضتها‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬الخاص‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان؛‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬الفعل‭ ‬وثيقَ‭ ‬الصلة‭ ‬بالصفة‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬عليها‭ ‬المجتمع‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬شكٍّ‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحُكم‭ ‬يدور‭ ‬مدار‭ ‬ما‭ ‬أنيط‭ ‬به‭ ‬وجودا‭ ‬وعدما؛‭ ‬فإذا‭ ‬تبدَّلت‭ ‬حال‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬حالٍ‭ ‬أخرى،‭ ‬ارتفعَ‭ ‬الحكم‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الأساس،‭ ‬ووجب‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حكم‭ ‬جديد‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭: ‬الأحكام‭ ‬والأحاديث‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬القتال‭ ‬بالسيف‭ ‬والرمح،‭ ‬وتخطيط‭ ‬الطرق‭ ‬ومساحاتها،‭ ‬ومسألة‭ ‬الرِّق‭ ‬وإقرار‭ ‬الإسلام‭ ‬له؛‭ ‬لاستدعاء‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يومذاك‭ ‬له،‭ ‬ومن‭ ‬قبيل‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬عن‭ ‬الإمام‭ ‬علي‭ -‬عليه‭ ‬السلام‭- ‬حيث‭ ‬سُئل‭ ‬عن‭ ‬قول‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭ ‬وسلم‭: ‬غيِّروا‭ ‬الشيب،‭ ‬ولا‭ ‬تشبهوا‭ ‬باليهود،‭ ‬فقال‭: ‬إنما‭ ‬قال‭ ‬النبي‭ ‬ذلك‭ ‬والدين‭ ‬قُل،‭ ‬فأما‭ ‬الآن‭ ‬وقد‭ ‬اتسع‭ ‬نطاقه‭ ‬وضرب‭ ‬بجرانه‭ ‬الأرض،‭ ‬فامرؤ‭ ‬وما‭ ‬اختار‭. ‬وهناك‭ ‬أحكامٌ‭ ‬شُرعت‭ ‬كوسيلة‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬غايات‭ ‬أخرى؛‭ ‬مثل‭: ‬وجوب‭ ‬الأخذ‭ ‬بقول‭ ‬العادل،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ -‬في‭ ‬نظر‭ ‬العقلاء‭- ‬أن‭ ‬يتوصل‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬الحق‭ ‬والواقع،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬للمجتهد‭ ‬أن‭ ‬يستعمل‭ ‬فيها‭ ‬النظر،‭ ‬فيأخذ‭ ‬بغير‭ ‬خبر‭ ‬العادل‭ ‬إذا‭ ‬حصل‭ ‬له‭ ‬الركون‭ ‬والاطمئنان‭ ‬بالواقع،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الاجتهاد‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬النص‭ ‬وليس‭ ‬قباله‭.‬

ونظرا‭ ‬لأن‭ ‬حركة‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الفقهي‭ ‬مُتواصلة‭ -‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المذاهب‭ ‬الفقهية‭ ‬للمسلمين‭- ‬وإن‭ ‬شهدتْ‭ ‬تباطؤًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المراحل،‭ ‬ولمَّا‭ ‬كان‭ ‬النقد‭ ‬والتحليل‭ ‬والتمحيص‭ ‬وإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الآراء‭ ‬والأدلة‭ ‬مُلازمة‭ ‬لعملية‭ ‬الاجتهاد،‭ ‬فإنه‭ ‬يَعْني‭ ‬استمرارَ‭ ‬عمليات‭ ‬المراجعة‭ ‬وإعادة‭ ‬القراءة‭ ‬في‭ ‬المنتج‭ ‬الفقهي‭ ‬السالف،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمتغيرات‭ ‬الحياة‭ ‬وتجددها،‭ ‬والتي‭ ‬تتأثر‭ ‬بالزمان‭ ‬والمكان‭ ‬من‭ ‬المنظور‭ ‬الحضاري‭.‬

ومِنَ‭ ‬المجالات‭ ‬الحيوية‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬مراجعة‭ ‬فقهية‭ ‬علمية‭ ‬مُتواصلة‭: ‬فقه‭ ‬الأسرة،‭ ‬وفقه‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة،‭ ‬ودور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المواقع‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬تعدَّد‭ ‬فيها‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الفقهي؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الأحكام‭ ‬الثابتة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬الاجتهاد‭ ‬والنظر‭. ‬ومبرر‭ ‬المراجعة‭ ‬فيها‭ -‬على‭ ‬نحو‭ ‬أخص‭- ‬يكمُن‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الحياتية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬عليها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التحولات؛‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المفاهيم،‭ ‬أو‭ ‬النظرات،‭ ‬أو‭ ‬التطبيقات‭. ‬ولأنَّه‭ ‬لا‭ ‬يبعد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬الآراء‭ ‬في‭ ‬المدونات‭ ‬الفقهية‭ ‬الموروثة،‭ ‬بالأخص‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬المناهج‭ ‬التي‭ ‬تطبَّعت‭ ‬بالنزعة‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬التوجهات‭ ‬الانكماشية‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المذاهب‭ ‬الفقهية‭ ‬والفكرية‭ ‬نتيجة‭ ‬لبعض‭ ‬العوامل‭ ‬التاريخية‭ ‬والسياسية،‭ ‬بل‭ ‬يُمكن‭ ‬القول‭ ‬بأنها‭ ‬فُرضت‭ ‬على‭ ‬عموم‭ ‬المذاهب‭ ‬الفقهية‭ ‬بعد‭ ‬التطورات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭. ‬ونتيجة‭ ‬ذلك،‭ ‬صار‭ ‬الهاجس‭ ‬الأهم‭ ‬والأبرز‭ ‬للفقيه‭ -‬كما‭ ‬أشارالسيد‭ ‬باقر‭ ‬الصدر‭- ‬هو‭ ‬تقديم‭ ‬الحلول‭ ‬والتخريجات‭ ‬الفقهية‭ ‬للفرد‭ ‬المسلم؛‭ ‬كي‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬المواءمة‭ ‬بين‭ ‬التزامه‭ ‬الديني‭ ‬العقيدي،‭ ‬وبين‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬الضاغط‭. ‬ونظرًا‭ ‬لغلبة‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬مناهج‭ ‬البحث‭ ‬المتبعة،‭ ‬توارتْ‭ ‬آليات‭ ‬الفهم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للنصوص،‭ ‬وأغفلت‭ ‬الملابسات‭ ‬الزمكانية‭ ‬المحيطة‭ ‬بها،‭ ‬وهيمنت‭ ‬القواعد‭ ‬الصناعية‭ ‬الجامدة‭ ‬والتدقيقات‭ ‬اللفظية‭ ‬والمنطقية‭. ‬إنَّ‭ ‬الفقيه‭ ‬بسبب‭ ‬ترسُّخ‭ ‬الجانب‭ ‬الفردي‭ ‬من‭ ‬تطبيق‭ ‬النظرية‭ ‬الإسلامية‭ ‬للحياة‭ ‬في‭ ‬ذهنه،‭ ‬واعتياده‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الفرد‭ ‬ومشاكله،‭ ‬عكَس‭ ‬موقفه‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬الشريعة‭ ‬فاتخذت‭ ‬طابعًا‭ ‬فرديًّا،‭ ‬وأصبح‭ ‬ينظر‭ ‬للشريعة‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬الفرد،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬الشريعة‭ ‬ذاتها‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الجانب‭ ‬الفردي‭ ‬من‭ ‬النظرية‭ ‬الإسلامية‭ ‬للحياة‭. ‬كما‭ ‬يحتمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬الآراء‭ ‬الفقهية‭ ‬الاجتهادية‭ ‬عند‭ ‬السابقين‭ ‬انطلقتْ‭ ‬من‭ ‬مُعالجة‭ ‬أوضاع‭ ‬بيئية‭ ‬تاريخية‭ ‬ومجتمعية‭ ‬معينة،‭ ‬وتأثرت‭ ‬بمفاهيم‭ ‬ونظرات‭ ‬عرفية‭ ‬ومرتكزات‭ ‬ثقافية‭ ‬واجتماعية‭ ‬سائدة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأزمنة‭. ‬وربما‭ ‬أخذ‭ ‬في‭ ‬اعتبار‭ ‬بعضها‭ “‬الإجماعات‭ ‬المدركية‭”‬،‭ ‬أو‭ “‬الإجماعات‭ ‬المنقولة‭”‬،‭ ‬ودعاوى‭ “‬السيرة‭ ‬المتشرعية‭”. ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬حكايات‭ “‬التسالم‭ ‬والشهرة‭” ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬لم‭ ‬تثبت‭ ‬حجيتها‭ ‬في‭ ‬مباحث‭ ‬الأصول‭ ‬عند‭ ‬جُملة‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬المحققين‭.‬

وهذه‭ ‬النزعة‭ ‬تعبِّر‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬عن‭ ‬الخضوع‭ ‬لسلطة‭ ‬السلف،‭ ‬ومرجعية‭ ‬السلف،‭ ‬وتعدُّ‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تقليدا‭ ‬لفقهاء‭ ‬سالفين،‭ ‬وليس‭ ‬اجتهادا‭ ‬في‭ ‬الحوادث‭ ‬الواقعة‭. ‬وقد‭ ‬يراعي‭ ‬بعض‭ ‬الفقهاء‭ ‬ظروفًا‭ ‬ضاغطة‭ ‬مُعينة،‭ ‬فلا‭ ‬يُفصحوا‭ ‬بسببها‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬آرائهم؛‭ ‬اتقاءَ‭ ‬أن‭ ‬ينسبوا‭ ‬إلى‭ ‬قلة‭ ‬الإيمان‭. ‬ذكر‭ ‬السيد‭ ‬السيستاني‭ ‬عند‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬شبهة‭ ‬الارتباط‭ ‬بالفئات‭ ‬المنحرفة،‭  ‬أنَّ‭ ‬بعض‭ ‬المجتهدين‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يصرحون‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬يفتون‭ ‬فيها‭ ‬واقعا‭ ‬بالحكم‭ ‬الترخيصي،‭ ‬بل‭ ‬يعبرون‭ ‬عنها‭ ‬بـ‭”‬احتياط‭ ‬لا‭ ‬يترك‭”‬،‭ ‬إذ‭ ‬لو‭ ‬صرَّحوا‭ ‬بالترخيص‭ ‬فيها‭ ‬لنسبوهم‭ ‬إلى‭ ‬الجماعات‭ ‬قليلة‭ ‬الإيمان‭ ‬والاعتقاد‭ ‬بالشريعة‭ ‬المقدسة‭. ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬مناشئ‭ ‬الاحتياط‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الفقهاء‭ -‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬التعميم‭- ‬فإنَّ‭ ‬مما‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬أنَّ‭ ‬بعض‭ ‬العلماء‭ ‬ينتهون‭ ‬في‭ ‬البحوث‭ ‬الاستدلالية‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬معينة،‭ ‬غير‭ ‬أنهم‭ ‬لاعتبارت‭ ‬معينة‭ ‬يحتاطون‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬الفتوى‭. ‬فالسيد‭ ‬الخوئي‭ ‬تطرق‭ ‬إلى‭ ‬الروايات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بحرمة‭ ‬خروج‭ ‬الزوجة‭ ‬بغير‭ ‬الإذن،‭ ‬وقال‭: ‬إنَّ‭ ‬المراد‭ ‬بحسب‭ ‬القرائن‭ ‬خروجًا‭ ‬لا‭ ‬رجوع‭ ‬فيه‭ ‬بنحو‭ ‬يصدق‭ ‬معه‭ ‬النشوز‭. ‬وانتهى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المراد‭ ‬من‭ ‬روايات‭ ‬منع‭ ‬الخروج‭ ‬هو‭ ‬خروج‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭ ‬نسبيًّا؛‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬السفر‭ ‬بلا‭ ‬إذن‭ ‬الزوج؛‭ ‬بحيث‭ ‬يصدق‭ ‬عليها‭ ‬عُنوان‭ ‬النشوز،‭ ‬أمَّا‭ ‬خروجها‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُنافي‭ ‬حقَّ‭ ‬الزوج‭ ‬فلا‭ ‬تشمله‭ ‬تلكم‭ ‬الروايات‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قناعته‭ ‬هذه‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬البحث‭ ‬النظري،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّه‭ ‬أفتى‭ ‬بلزوم‭ ‬الإذن‭ ‬احتياطًا‭. ‬كما‭ ‬قرَّر‭ ‬الشيخ‭ ‬الفياض‭ ‬أنَّ‭ ‬ثبوتَ‭ ‬حق‭ ‬الزوج‭ ‬على‭ ‬الزوجة‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬بالمقدار‭ ‬المتعارف‭ ‬الاعتيادي،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬ينافي‭ ‬توظيف‭ ‬المرأة‭ ‬وخروجها‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬بمقدار‭ ‬ست‭ ‬ساعات‭ ‬أو‭ ‬ثمانية؛‭ ‬باعتبار‭ ‬أنَّ‭ ‬الرجل‭ ‬نوعا‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬بهذا‭ ‬المقدار‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنه‭ ‬يفتي‭ ‬بالاحتياط‭ ‬الوجوبي‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬استئذان‭ ‬الزوجة‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬البيت‭. ‬كما‭ ‬لُوْحِظ‭ ‬أنَّ‭ ‬السيد‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬ناقش‭ ‬الأدلة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمنع‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬تولي‭ ‬القضاء‭ ‬والمرجعية،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬فتاواه‭ ‬لم‭ ‬يلتزم‭ ‬بنفس‭ ‬النتيجة،‭ ‬بل‭ ‬احتاطَ‭ ‬فيها؛‭ ‬مما‭ ‬يسبِّب‭ ‬الإرباك‭ ‬عند‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬والمهتمين‭ ‬بأحكام‭ ‬الفقه‭. ‬

غياب‭ ‬منهج‭ ‬فقه‭ ‬النظرية‭ ‬

تَغْلُب‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬الفقهي‭ ‬المنهجية‭ ‬التجزيئية؛‭ ‬حيث‭ ‬ينصبُّ‭ ‬جل‭ ‬اهتمام‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬نحو‭ ‬بحث‭ ‬الفروع‭ ‬والمسائل‭ ‬الجزئية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بكل‭ ‬باب،‭ ‬وتناول‭ ‬كل‭ ‬مسألة‭ ‬على‭ ‬حدة‭ ‬حسب‭ ‬أدلتها،‭ ‬وبشكل‭ ‬مستقل‭ ‬ومنفصل‭ ‬عن‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بها‭. ‬أما‭ ‬تقديم‭ ‬تصورات‭ ‬كلية،‭ ‬أو‭ ‬بحث‭ ‬مختلف‭ ‬المسائل‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالموضوع‭ ‬بشكل‭ ‬بنيوي‭ ‬مترابط،‭ ‬أو‭ ‬تأسيس‭ ‬نظريات‭ ‬فقهية‭ ‬عامة‭ ‬تنتظمها‭ ‬نواظم‭ ‬متسقة،‭ ‬فلم‭ ‬تحظ‭ ‬بذات‭ ‬الاهتمام‭ ‬في‭ ‬البحوث‭ ‬الفقهية؛‭ ‬لهذا‭ ‬تفتقدُ‭ ‬بعض‭ ‬المسائل‭ ‬الفرعية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأبواب‭ ‬إلى‭ ‬الاتساق‭ ‬الداخلي‭ ‬المضموني‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭.‬

ويظهر‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬الفقهي‭ ‬لا‭ ‬يكترث‭ ‬كثيرا‭ ‬بهذه‭ ‬القضية،‭ ‬مادام‭ ‬قام‭ ‬الدليل‭ -‬في‭ ‬نظر‭ ‬الفقيه‭- ‬على‭ ‬كل‭ ‬مسألة‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬حدة‭. ‬ولعل‭ ‬السبب‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬خشية‭ ‬الفقيه‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬لدخول‭ ‬التوجهات‭ ‬الشخصية‭ ‬والتأثيرات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬الشرعي‭. ‬وهذا‭ ‬الوضع‭ ‬يظهر‭ ‬المسائل‭ ‬الفقهية‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تفتقد‭ ‬إلى‭ ‬الاتساق‭ ‬المنطقي؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬يُثير‭ ‬إشكاليات‭ ‬على‭ ‬المنهج‭ ‬الذي‭ ‬أنتجها‭.‬

قد‭ ‬يقال‭ ‬إنَّ‭ ‬الفقيه‭ ‬يهمُّه‭ ‬اتباع‭ ‬الأدلة‭ ‬الشرعية،‭ ‬وأنَّ‭ ‬الشارع‭ ‬الحكيم‭ ‬في‭ ‬أحكامه‭ ‬قد‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬المتخالفات‭ ‬ويفرِّق‭ ‬بين‭ ‬المؤتلفات،‭ ‬أو‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬المتفرقات‭ ‬ويفرق‭ ‬بين‭ ‬المجتمعات‭. ‬

والواقع‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬المضمون‭ ‬يُرد‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬ردًّا‭ ‬على‭ ‬الحجج‭ ‬التي‭ ‬يسوقها‭ ‬المدافعون‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬الأقيسة‭ ‬الظنية‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬الاستدلال‭ ‬الفقهي‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المناهج‭ ‬التجزيئية‭ ‬والموضوعية؛‭ ‬لأنها‭ ‬ليست‭ ‬بصَدَد‭ ‬الدعوة‭ ‬لاتباع‭ ‬الأدلة‭ ‬غير‭ ‬المعتبرة‭. ‬وهو‭ ‬تعليلٌ‭ ‬غير‭ ‬مُقنِع،‭ ‬وغير‭ ‬منطقي؛‭ ‬لأنَّه‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬المتناثرة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأبواب‭ ‬الفقهية‭ ‬قاعدةً‭ ‬لتبرير‭ ‬الاختلالات‭ ‬في‭ ‬المنهج‭ ‬الفقهي،‭ ‬وتقديم‭ ‬المنجز‭ ‬الفقهي‭ ‬في‭ ‬صُورة‭ ‬غير‭ ‬مُترابطة‭ ‬وغير‭ ‬مُتجانسة‭ ‬وغير‭ ‬منطقية‭. ‬

وقد‭ ‬نبَّه‭ ‬الشيخ‭ ‬شمس‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الثغرة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المنهجيات‭ ‬الفقهية،‭ ‬وأشار‭ ‬إلى‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إليها؛‭ ‬حيث‭ ‬رأى‭ ‬أنَّ‭ ‬المنهجية‭ ‬التجزيئية‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تدرس‭ ‬الروايات‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ “‬الرؤية‭ ‬القرآنية‭” ‬هي‭ ‬سبب‭ ‬عدم‭ ‬الاتساق‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬الأحكام‭ ‬الفقهية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بوضع‭ ‬المرأة‭ ‬والأسرة‭. ‬ويقرِّر‭ ‬أنَّ‭ ‬على‭ ‬الفقيه‭ ‬أن‭ ‬يلاحظ‭ ‬النصوص‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬السُّنة‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬المرأة‭ ‬والأسرة،‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ “‬التوجيه‭ ‬القرآني‭” ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وباعتبارها‭ ‬متلازمة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬أما‭ ‬ملاحظة‭ ‬كل‭ ‬نصٍّ‭ ‬فيها‭ ‬باعتباره‭ ‬يعالج‭ ‬حالة‭ ‬مستقلة‭ ‬أو‭ ‬تفصيلا‭ ‬معزولا‭ ‬عن‭ ‬سائر‭ ‬التفاصيل‭ ‬المتعلقة‭ ‬بوضع‭ ‬المرأة‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالأسرة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬فإنه‭ ‬منهج‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الاستنباط‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭: ‬أنَّ‭ ‬من‭ ‬المُسلَّمات‭ ‬الفقهية‭ ‬أن‭ ‬الأم‭ ‬تتمتع‭ -‬بالنسبة‭ ‬لأولادها‭- ‬بمركز‭ ‬معنوي‭ ‬وحقوقي‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يساويه‭ ‬مركز‭. ‬ولكنها‭ ‬باعتبارها‭ ‬زوجة‭ ‬تكاد‭ ‬تفقد‭ ‬حُرمتها‭ ‬وكرامتها‭ ‬الإنسانية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للزوج‭ -‬الأب‭- ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المباني‭ ‬الفقهية؛‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬أمرها‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬موضوعا‭ ‬جنسيا‭ ‬ومُدبِّرة‭ ‬منزل‭ ‬فقط‭!!‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الموقف‭ ‬الفقهي‭ ‬الذي‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬جواز‭ ‬أن‭ ‬تتقلد‭ ‬المرأة‭ ‬بعض‭ ‬أو‭ ‬جميع‭ ‬مناصب‭ ‬السلطة،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬منسجما‭ ‬مع‭ ‬المسائل‭ ‬الفقهية‭ ‬المتسالم‭ ‬عليها،‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬الشرعي‭ ‬الخاص‭ ‬بالأسرة‭ ‬والمراة؛‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬أحكام‭ ‬الولاية‭ ‬والقوامة‭ ‬والطلاق‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬والسفر‭ ‬والعمل‭ ‬خارج‭ ‬البيت‭…‬وغيرها‭. ‬

بَيْنَما‭ ‬يظهر‭ ‬أنَّ‭ ‬موقف‭ ‬المنع‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬اتساقا‭ ‬وانسجاما‭ ‬مع‭ ‬المنظومة‭ ‬الفقهية‭ ‬السائدة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمرأة‭. ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬يكمُن‭ ‬في‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الآراء‭ ‬الاجتهادية‭ ‬لم‭ ‬تُقدم‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تصوُّر‭ ‬فقهي‭ ‬مُتكامل‭ ‬لفقه‭ ‬المرأة،‭ ‬بل‭ ‬جاءتْ‭ ‬كمعالجات‭ ‬مجتزأة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال؛‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬لظهور‭ ‬بعض‭ ‬الثغرات‭ ‬فيها؛‭ ‬فليس‭ ‬العيب‭ ‬في‭ ‬المراجعات‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬المسلك‭ ‬الترقيعي‭ ‬المتبع‭ ‬فيها‭.‬

وليس‭ ‬غَرضنا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الملاحظة‭ ‬مُعَارضة‭ ‬هذه‭ ‬الاجتهادات،‭ ‬إنَّما‭ ‬القصد‭ ‬هو‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المنهجية‭ ‬التجزيئية‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تفضي‭ ‬لنتائج‭ ‬غير‭ ‬متسقة‭ ‬مع‭ ‬المنظومة‭ ‬الكلية‭.‬

وقد‭ ‬يبرر‭ ‬هذا‭ ‬الفريق‭ -‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬شرعية‭ ‬تولي‭ ‬المرأة‭ ‬للسلطة‭- ‬طبقا‭ ‬للمنهجية‭ ‬التجزيئية‭ ‬السائدة،‭ ‬بأن‭ ‬الأحكام‭ ‬الفقهية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمرأة‭ ‬في‭ ‬الأمور‭ ‬المذكورة،‭ ‬هي‭ ‬أحكام‭ ‬مُحدَّدة‭ ‬قام‭ ‬عليها‭ ‬الدليل،‭ ‬أما‭ ‬فيما‭ ‬عداها‭ ‬من‭ ‬تكاليف‭ ‬وأحكام‭ ‬فيشترك‭ ‬فيها‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬على‭ ‬حدٍّ‭ ‬سواء؛‭ ‬كونهما‭ ‬مُكلَّفين‭ ‬ومُخَاطبين‭ ‬بالخطابات‭ ‬التشريعية؛‭ ‬فلا‭ ‬معنى‭ ‬لتعميم‭ ‬طبيعة‭ ‬تلكم‭ ‬الأحكام‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شؤون‭ ‬المرأة،‭ ‬وإضافة‭ ‬قيود‭ ‬أخرى‭ ‬عليها‭ ‬لم‭ ‬يقم‭ ‬عليها‭ ‬دليل‭.‬

وفي‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال،‭ ‬فإن‭ ‬المعنيين‭ ‬بتطوير‭ ‬البحث‭ ‬الفقهي‭ ‬مطالبون‭ -‬حسب‭ ‬رأي‭ ‬باقر‭ ‬الصدر‭- ‬لاستكمال‭ ‬مسيرة‭ ‬البحث‭ ‬الموضوعي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأفقي‭ ‬بمتابعة‭ ‬الوقائع‭ ‬المستجدة‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر،‭ ‬وعرضها‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬الشريعة‭ ‬لاستنباط‭ ‬الموقف‭ ‬الشرعي‭ ‬منها‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬فهم‭ ‬مُطَالبون‭ ‬بتركيز‭ ‬الاهتمام‭ ‬ومضاعفة‭ ‬الجهد‭ ‬نحو‭ ‬البحث‭ ‬الموضوعي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العمودي‭ ‬أيضا‭. ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يكتفوا‭ ‬بالبناءت‭ ‬العلوية،‭ ‬والمسائل‭ ‬التفصيلية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬النفاذ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬لتشكيل‭ ‬النظريات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الإسلام؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬كل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التشريعات‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجال‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة‭ ‬ترتبط‭ ‬بنظريات‭ ‬أساسية؛‭ ‬فأحكام‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬النكاح‭ ‬والطلاق‭ ‬والزواج‭ ‬وعلاقات‭ ‬المرأة‭ ‬مع‭ ‬الرجل،‭ ‬وما‭ ‬شاكل،‭ ‬ترتبط‭ ‬بنظريات‭ ‬الإسلام‭ ‬الأساسية‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬والرجل،‭ ‬وعن‭ ‬دورهما‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬وهي‭ ‬تُشكِّل‭ ‬القواعد‭ ‬النظرية‭ ‬لهذه‭ ‬الأبنية‭ ‬العلوية؛‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التوغل‭ ‬فيها،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البحوث‭ ‬بوصفها‭ ‬عملا‭ ‬منفصلا‭ ‬عن‭ ‬الفقه،‭ ‬أو‭ ‬ترفا،‭ ‬أو‭ ‬نوعَ‭ ‬تفنن‭ ‬أو‭ ‬نوع‭ ‬أدب؛‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬ليس‭ ‬كذلك،‭ ‬بل‭ ‬يُعتبر‭ ‬من‭ ‬ضرورات‭ ‬الفقه‭ ‬التي‭ ‬يلزم‭ ‬الالتفات‭ ‬إليها‭ ‬بقدر‭ ‬الإمكان‭.‬

أزمة‭ ‬البحث‭ ‬الفقهي‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬

حَاوَل‭ ‬بعض‭ ‬الفقهاء‭ ‬أن‭ ‬يدرسوا‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬المعاصرة،‭ ‬ويقدموا‭ ‬بعض‭ ‬المعالجات‭ ‬للمشكلات‭ ‬والضغوط‭ ‬التي‭ ‬أنتجتها‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة‭. ‬ونظرا‭ ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يتناولوا‭ ‬ملف‭ ‬المرأة‭ ‬بشكل‭ ‬متكامل،‭ ‬ولم‭ ‬يبلوروا‭ ‬رؤية‭ ‬حقوقية‭ ‬واضحة‭ ‬بشأنها،‭ ‬بل‭ ‬تناولوا‭ ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬المتعلقة‭ ‬بها،‭ ‬وبشكل‭ ‬منفصل‭ ‬عن‭ ‬الهيكل‭ ‬العام‭ ‬لفقه‭ ‬المرأة،‭ ‬فقد‭ ‬اصطدمت‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬توصلوا‭ ‬إليها‭ ‬ببعض‭ ‬العقبات‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬وجاءت‭ ‬النتائج‭ -‬وفق‭ ‬هذه‭ ‬المنهجية‭ ‬التجزيئية‭- ‬فاقدة‭ ‬لروح‭ ‬التجانس‭ ‬والتناسق‭ ‬مع‭ ‬المسائل‭ ‬الفقهية‭ ‬الأخرى‭ ‬المعروفة،‭ ‬ومع‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬انبنت‭ ‬عليها‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭. ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬يذهب‭ ‬فقهاء‭ ‬المسلمين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬المسلمة‭ ‬تتمتع‭ ‬بالأهلية‭ ‬القانونية‭ ‬الكاملة‭ ‬في‭ ‬التعاملات‭ ‬المدنية؛‭ ‬بحيث‭ ‬يحق‭ ‬لها‭: ‬التملك،‭ ‬والتكسب،‭ ‬والتعاقد،‭ ‬وإجراء‭ ‬مختلف‭ ‬التصرفات‭ ‬القانونية‭ ‬المدنية‭ ‬المشروعة،‭ ‬كما‭ ‬يُمكنها‭ ‬أن‭ ‬تُدير‭ ‬أعمالها‭ ‬التجارية‭ ‬والمهنية‭ ‬والفنية‭ ‬بنفسها،‭ ‬دونما‭ ‬وصاية‭ ‬من‭ ‬أحد‭ – ‬كأبيها‭ ‬أو‭ ‬زوجها‭ ‬أو‭ ‬أخيها‭. ‬ويذهب‭ ‬بعضُ‭ ‬الفقهاء‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك؛‭ ‬فيجيز‭ ‬للمرأة‭ ‬أن‭ ‬تتولى‭ ‬بعض‭ ‬مواقع‭ ‬السلطة؛‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬أن‭ ‬تُصبح‭ ‬رئيسة‭ ‬دولة،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬المجلس‭ ‬النيابي،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تتولى‭ ‬القضاء،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ترؤس‭ ‬الإدارات‭ ‬التنفيذية‭. ‬

ولكن‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬آخر،‭ ‬نجد‭ ‬أنَّ‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬يفتون‭ ‬بحُرمة‭ ‬خروج‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬بيتها‭ ‬إلا‭ ‬بموافقة‭ ‬زوجها،‭ ‬ويفتي‭ ‬بعضُهم‭ ‬بحرمة‭ ‬سفرها‭ ‬بدون‭ ‬محرم‭.. ‬وهذه‭ ‬الفتاوى‭ ‬تفسح‭ ‬المجال‭ ‬للرجل‭ ‬للتعسف‭ ‬في‭ ‬استخدامها،‭ ‬وتقييد‭ ‬حركة‭ ‬المرأة‭ ‬المسلمة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬حقوقها‭ ‬المشروعة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أموالها‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬أو‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬ممتلكاتها‭ ‬ومعاملاتها‭ ‬بنفسها،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬تتولى‭ ‬إدارة‭ ‬أعمال‭ ‬غيرها‭ ‬حسب‭ ‬عقود‭ ‬الإجارة‭ ‬والإدارة،‭ ‬وقد‭ ‬تقف‭ ‬هذه‭ ‬السلطة‭ ‬المقررة‭ ‬للزوج‭ ‬عائقا‭ ‬أمام‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬مزاولة‭ ‬أية‭ ‬مسؤولية‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

وهنا‭.. ‬تبرز‭ ‬إشكاليات‭ ‬عملية؛‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬المرأة‭ ‬المتزوجة‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬منعها‭ ‬زوجها‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬العمل؟‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬موقفها‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬منعها‭ ‬الزوج‭ ‬من‭ ‬السفر‭ ‬في‭ ‬مهمة‭ ‬أُسندت‭ ‬إليها،‭ ‬أو‭ ‬يفرضها‭ ‬عليها‭ ‬موقعها‭ ‬الرسمي؟‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬موقفها‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬منعها‭ ‬الزوج‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مؤسسة؛‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬تجارية،‭ ‬أو‭ ‬مهنية،‭ ‬أو‭ ‬أكاديمية،‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية،‭ ‬أو‭ ‬سياسية،‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬مُختلطة؟‭ ‬

وهكذا‭ ‬يبدو‭ ‬للباحث‭ ‬أنَّ‭ ‬هناك‭ ‬أزمة‭ ‬تواجه‭ ‬البحث‭ ‬الفقهي‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمرأة‭ ‬وأوضاعها،‭ ‬ومواقعها‭ ‬الحقوقية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬في‭ ‬فقه‭ ‬المسلمين؛‭ ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬تواجهه‭ ‬ضغوط‭ ‬الواقع‭ ‬وتطورات‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والتحولات‭ ‬الثقافية‭ ‬والتغيرات‭ ‬المفاهيمية‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬المجتمعات،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬هناك‭ ‬أصول‭ ‬البحث‭ ‬المتبعة،‭ ‬ومناهج‭ ‬الاجتهاد،‭ ‬وطرائق‭ ‬الاستظهار‭ ‬والقراءة‭ ‬في‭ ‬الأدلة‭ ‬الشرعية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬الموروث‭ ‬الفقهي‭ ‬المتشكَّل‭ ‬عبر‭ ‬القرون؛‭ ‬فإذا‭ ‬توصَّل‭ ‬البحث‭ ‬إلى‭ ‬مشروعية‭ ‬مزاولة‭ ‬المرأة‭ ‬للسلطة‭ -‬على‭ ‬الأقل‭- ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المواقع،‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة‭ ‬تواجه‭ ‬بإشكالية‭ ‬غياب‭ ‬الاتساق‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأحكام‭ ‬الفقهية‭ ‬الواضحة،‭ ‬والتي‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة‭ ‬إليها،‭ ‬مضافا‭ ‬إليها‭ ‬التوجيهات‭ ‬الدينية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمرأة‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالرجل‭. ‬

‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬النتيجة‭ ‬عدم‭ ‬مشروعية‭ ‬توليها‭ ‬للسلطة‭ ‬مطلقا،‭ ‬فإنَّها‭ ‬تكون‭ ‬مَدْعَاة‭ ‬لإثارة‭ ‬تساؤلات‭ ‬وإشكالات‭ ‬فكرية‭ ‬وعملية،‭ ‬يفرضها‭ ‬واقع‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة،‭ ‬والتحولات‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬تحتاج‭ ‬معالجات‭ ‬عميقة‭ ‬وإجابات‭ ‬مقنعة‭. ‬

ولعلَّ‭ ‬من‭ ‬نافلة‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬تتأثر‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والدينية‭. ‬وأنَّ‭ ‬النظرة‭ ‬الفقهية‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬إحدى‭ ‬المؤثرات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السيرورة‭ ‬التاريخية؛‭ ‬لهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬أخذ‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬والاشتراطات‭ ‬مجتمعة‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬في‭ ‬المعالجات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بهذا‭ ‬الملف‭. ‬

الاجتهاد‭ ‬الفقهي‭ ‬وتأثيرات‭ ‬البيئة‭ ‬الثقافية‭ ‬

ورُبَّ‭ ‬قائل‭ ‬بأنَّ‭ ‬المسائل‭ ‬الفقهية‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬تعتمدُ‭ ‬على‭ “‬النصوص‭”‬،‭ ‬وعلى‭ ‬الأدلة‭ ‬المعتبرة،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬الظنون‭ ‬غير‭ ‬المعتبرة،‭ ‬والأذواق‭ ‬الشخصية‭ ‬والمفاهيم‭ ‬الثقافية‭ ‬والمجتمعية‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬جدل‭ ‬أصولي‭ ‬في‭ ‬مذاهب‭ ‬الفقه‭ ‬عند‭ ‬المسلمين‭ ‬حول‭ ‬حجية‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬الرئيسية‭ -‬كالإجماع،‭ ‬والعقل،‭ ‬والقياس‭- ‬أو‭ ‬المصادر‭ ‬الثانوية‭ ‬أو‭ ‬التكميلية‭ -‬كالاستحسان،‭ ‬والرأي،‭ ‬والمصلحة‭- ‬أو‭ ‬حول‭ ‬حجية‭ ‬بعض‭ ‬أشكال‭ ‬الظهور‭ ‬وما‭ ‬شابه‭.‬

ومع‭ ‬التسليم‭ ‬بأن‭ ‬النصوص‭ ‬الشرعية‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عُمدة‭ ‬الفقه‭ ‬في‭ ‬استنباط‭ ‬الأحكام‭ ‬الشرعية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بقضايا‭ ‬المرأة‭ ‬والأسرة؛‭ ‬أسوة‭ ‬بغيرها‭ ‬من‭ ‬أحكام‭ ‬الفقه‭ ‬الشرعي،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬تفاوت‭ ‬الأفهام‭ ‬والمدارك،‭ ‬واختلاف‭ ‬المناهج،‭ ‬وتنوع‭ ‬المباني‭ ‬المتبعة‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬صدور‭ ‬المرويات،‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬صحتها‭ ‬وضعفها،‭ ‬وفي‭ ‬تفسيرها‭ ‬وتحديد‭ ‬دلالاتها،‭ ‬لدى‭ ‬الدارسين‭ ‬للفقه،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬القبليات‭ ‬الثقافية‭ ‬والقيمية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬وكذلك‭ ‬تأثير‭ ‬البيئة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭. ‬إنَّ‭ ‬المفاهيم‭ ‬الثقافية،‭ ‬والأنساق‭ ‬القيمية‭ ‬التي‭ ‬تسود‭ ‬في‭ ‬البيئة،‭ ‬تلقي‭ ‬بظلالها‭ -‬بتفاوت‭- ‬على‭ ‬تفكير‭ ‬العلماء‭ ‬والباحثين‭ ‬في‭ ‬الأمور‭ ‬الاجتماعية؛‭ ‬فنظرات‭ ‬الباحث‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تنظر‭ ‬للمرأة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬عنصر‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتشجع‭ ‬على‭ ‬تعليمها‭ ‬وتثقيفها،‭ ‬وتتيح‭ ‬لها‭ ‬فرص‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والإداري،‭ ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الدارس‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تسودها‭ ‬ثقافة‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬عورة‭ ‬وفتنة،‭ ‬وتمثل‭ ‬عنصرَ‭ ‬الضعف‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬ويجدُر‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬نستدعي‭ ‬رأي‭ ‬الشيخ‭ ‬المطهري‭ ‬حول‭ ‬قوة‭ ‬تأثير‭ ‬البيئة‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬في‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الفقهي؛‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬معرفة‭ ‬الفقيه‭ ‬وإحاطته‭ ‬وطراز‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬أمور‭ ‬تؤثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬فتاواه‭. ‬فإذا‭ ‬افترضنا‭ ‬أنَّ‭ ‬فقيها‭ ‬دائمَ‭ ‬الانزواء‭ ‬عن‭ ‬بيته،‭ ‬أو‭ ‬مدرسته،‭ ‬ثمَّ‭ ‬نُقارنه‭ ‬بفقيه‭ ‬آخر‭ ‬يعايش‭ ‬حركة‭ ‬الحياة‭ ‬حوله،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬كليهما‭ ‬يرجعان‭ ‬إلى‭ ‬الأدلة‭ ‬الشرعية‭ ‬لاستنباط‭ ‬الحكم،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬يستنبط‭ ‬حكمه‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭. ‬إنَّ‭ ‬المنظورات‭ ‬الفكرية‭ ‬لكل‭ ‬فقيه،‭ ‬ومعلوماته‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬المحيط‭ ‬به،‭ ‬تتأثر‭ ‬بها‭ ‬فتاواه؛‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬فتوى‭ ‬العربي‭ ‬تفوح‭ ‬منها‭ ‬رائحة‭ ‬العرب،‭ ‬ومن‭ ‬فتوى‭ ‬العجمي‭ ‬تفوح‭ ‬رائحة‭ ‬العجم،‭ ‬ومن‭ ‬فتوى‭ ‬القروي‭ ‬رائحة‭ ‬القرية،‭ ‬ومن‭ ‬فتوى‭ ‬المدني‭ ‬رائحة‭ ‬المدينة‭. ‬وقد‭ ‬يُقال‭ ‬إنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬اشتمل‭ ‬على‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التعميم‭ ‬والمبالغة‭ ‬في‭ ‬تصوير‭ ‬المؤثرات‭ ‬البيئية‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬الاجتهاد،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يعنينا‭ ‬منه‭ ‬هو‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التأثيرات،‭ ‬وعدم‭ ‬إغفالها‭ ‬حسب‭ ‬هذا‭ ‬المنظور‭.‬

ويرى‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬أنَّ‭ ‬ثمة‭ ‬قضية‭ ‬لم‭ ‬تأخذ‭ ‬حظَّها‭ ‬الكافي‭ ‬في‭ ‬بحوث‭ ‬الفقه‭ ‬الروائي؛‭ ‬وهي‭: ‬الدراسات‭ ‬التاريخية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬فيها‭ ‬الروايات؛‭ ‬وذلك‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬الأحكام‭ ‬واردة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬الإطلاق‭ ‬الأزماني،‭ ‬أو‭ ‬كانت‭ ‬لاعتبارات‭ ‬ظرفية‭ ‬ثقافية‭ ‬محددة،‭ ‬أو‭ ‬صدرت‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬تدابير‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬تاريخية‭ ‬معينة،‭ ‬أو‭ ‬لعلها‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ “‬قضية‭ ‬في‭ ‬واقعة‭”‬،‭ ‬أو‭ “‬حادثة‭ ‬عين‭” ‬حسب‭ ‬تعبيرات‭ ‬الفقهاء‭. ‬

وفوق‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬التفسيرات‭ ‬المثقلة‭ ‬بتأثيرات‭ ‬البيئات‭ ‬التاريخية‭ ‬المختلفة‭ ‬والتي‭ ‬أسقطت‭ ‬على‭ “‬النصوص‭” ‬الدينية‭ ‬الأصلية‭ ‬بشكل‭ ‬عفوي‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬عفوي،‭ ‬تحوَّلت‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ “‬النصوص‭ ‬الموازية‭”. ‬وربما‭ ‬أخذت‭ ‬موقع‭ ‬النصوص‭ ‬الأصلية‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الرؤى‭ ‬والتصورات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والدينية‭ ‬لدى‭ ‬الناس‭.‬

ويرى‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬شقة‭ ‬أنَّ‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية‭ ‬فقدتْ‭ ‬إشعاعها‭ ‬الذي‭ ‬أراده‭ ‬لها‭ ‬الشارع‭ ‬الحكيم؛‭ ‬فقد‭ ‬طمست‭ ‬معالمها‭ ‬تأويلات‭ ‬الرجال‭ ‬وأقوالهم،‭ ‬وساعد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬عدة‭ ‬أمور؛‭ ‬منها‭: ‬بقية‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬الجاهلية‭ ‬العربية،‭ ‬أو‭ ‬جاهلية‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬الإسلام،‭ ‬وظهور‭ ‬نزعات‭ ‬التشدُّد‭ ‬والغلو،‭ ‬وبسبب‭ ‬اجتهادات‭ ‬خاطئة‭ ‬أو‭ ‬مرجوحة‭ ‬صدرت‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬علماء‭ ‬السلف،‭ ‬وقد‭ ‬عظم‭ ‬شأنها‭ ‬لثبات‭ ‬توارثها‭ ‬قرونا‭ ‬متطاولة‭ ‬بفضل‭ ‬الجمود‭ ‬والتقليد‭.‬

الفرز‭ ‬بين‭ ‬الأدلة‭ ‬والأعراف‭ ‬والنظرات‭ ‬الشخصية‭ ‬

إنَّ‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬مُرَاجعة‭ ‬التراث‭ ‬الفقهي‭ ‬السالف‭ ‬لمختلف‭ ‬المذاهب‭ ‬الفقهية،‭ ‬الكشف‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬الآراء‭ ‬المستندة‭ ‬إلى‭ ‬الأدلة‭ ‬الشرعية‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬العامة،‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬معتمدا‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المبادئ‭ ‬غير‭ ‬المتفق‭ ‬عليها‭ ‬بين‭ ‬الفقهاء،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬ما‭ ‬يعبر‭ ‬عنه‭ ‬بعضهم‭ ‬بمبادئ‭ ‬الشريعة‭ ‬وروح‭ ‬الشريعة‭ ‬أو‭ ‬مذاق‭ ‬الشريعة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الآراء‭ ‬المضيقة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬المرأة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬قد‭ ‬تكُون‭ ‬مُعتمدة‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الاستحسانات،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬التوسُّع‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬بعض‭ ‬القواعد؛‭ ‬مثل‭: ‬سد‭ ‬الذرائع‭ ‬وفتحها،‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬التفاصيل‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمقدمات‭ ‬الواجب،‭ ‬ومقدمات‭ ‬الحرام‭… ‬وما‭ ‬شاكل‭ ‬ذلك‭.‬

وقد‭ ‬نبه‭ ‬أبو‭ ‬شقة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬قاعدة‭ ‬سد‭ ‬الذريعة،‭ ‬والتشدد‭ ‬فيها،‭ ‬أدى‭ ‬لتعطيل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬النصوص،‭ ‬وتحريم‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المباحات‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬قبيل،‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬الرجال‭ ‬ويراها‭ ‬الرجال،‭ ‬واللقاء‭ ‬بالرجال‭ ‬والاجتماع‭ ‬بهم‭ ‬والكلام‭ ‬معهم،‭ ‬وارتياد‭ ‬المساجد‭. ‬وناقش‭ ‬اعتراضات‭ ‬المغالين،‭  ‬وانتهى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬لم‭ ‬يحظر‭ ‬تلك‭ ‬المباحات،‭ ‬إنما‭ ‬وضع‭ ‬آدابا،‭ ‬واتخذ‭ ‬تدابير‭ ‬تكفل‭ ‬الأمن‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬الفتنة‭ ‬والفساد‭. ‬

وثمة‭ ‬اجتهادات‭ ‬فقهية‭ ‬استند‭ ‬أصحابها‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الأمور‭ ‬المرغوبة‭ ‬في‭ ‬الشريعة‭ ‬والمستوحاة‭ -‬حسب‭ ‬رأيهم‭- ‬من‭ ‬مُجمل‭ ‬الأحكام‭ ‬الشرعية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمرأة؛‭ ‬لقد‭ ‬انتهى‭ ‬السيد‭ ‬الخوئي‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬دليل‭ ‬خاص‭ ‬أو‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬شرط‭ ‬الرجولة‭ ‬في‭ ‬مرجع‭ ‬التقليد‭. ‬ولكن‭ ‬طبقا‭ ‬لما‭ ‬استفاده‭ ‬من‭ “‬مذاق‭ ‬الشارع‭” -‬حسب‭ ‬تعبيره‭- ‬رأى‭ ‬أنَّ‭ ‬الوظيفة‭ ‬المرغوبة‭ ‬في‭ ‬النساء‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬التحجُّب‭ ‬والتستر،‭ ‬وتصدي‭ ‬الأمور‭ ‬البيتية‭ ‬دون‭ ‬التدخل‭ ‬فيما‭ ‬ينافي‭ ‬تلك‭ ‬الأمور؛‭ ‬لهذا‭ ‬اشترط‭ ‬الرجولة‭ ‬في‭ ‬المرجع‭. ‬

وصرح‭ ‬الدكتور‭ ‬السباعي‭ ‬في‭ ‬بحثه‭ ‬الفقهي‭ ‬بأهلية‭ ‬المرأة‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬النيابية‭ ‬طبقا‭ ‬للأدلة‭ ‬الشرعية،‭ ‬لكنه‭ ‬قرر‭ ‬تحريمه‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى؛‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬أن‭ “‬مبادئ‭ ‬الإسلام‭ ‬وقواعده‭” ‬تحول‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬وبين‭ ‬استعمالها‭ ‬لحق‭ ‬النيابة‭ ‬عن‭ ‬الأمة؛‭ ‬وذلك‭ ‬بتقديم‭ ‬رعاية‭ ‬الأسرة‭ ‬والحجاب‭ ‬وعدم‭ ‬الاختلاط‭ ‬والخلوة‭ ‬والسفر‭ ‬دون‭ ‬محرم‭. ‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬والتدقيق‭ ‬والتمحيص‭ ‬في‭ ‬البحوث‭ ‬الفقهية‭ ‬المتراكمة،‭ ‬تهدف‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬النتائج‭ ‬المتأسسة‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬القراءات‭ ‬المتأثرة‭ ‬بالأعراف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمفاهيم‭ ‬الثقافية‭ ‬السائدة‭ ‬أو‭ ‬المستندة‭ ‬لتشخيصات‭ ‬لأوضاع‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قائمة،‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مبنيا‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬الأدلة‭ ‬الشرعية‭ ‬الخالدة‭ ‬المحكمة‭ ‬الرصينة‭. ‬وهكذا‭ ‬تغدو‭ ‬عملية‭ ‬المراجعة‭ ‬وإعادة‭ ‬القراءة‭ ‬للمجهود‭ ‬الفقهي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عصر‭ ‬مهمة‭ ‬ومطلوبة‭. ‬يَرَى‭ ‬شمس‭ ‬الدين‭ ‬أنَّ‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬قد‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬فقه‭ ‬المرأة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بما‭ ‬رُوي‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬دون‭ ‬احتراز‭ ‬عن‭ ‬الأحاديث‭ ‬الضعيفة،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬محاكمة‭ ‬لمتون‭ ‬الأحاديث‭ ‬المعتبرة،‭ ‬وقد‭ ‬اعتبروا‭ ‬العُرف‭ ‬مرجعًا‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬النصوص،‭ ‬وهو‭ ‬عرف‭ ‬لم‭ ‬يثبت‭ ‬أنه‭ ‬بجميع‭ ‬تفاصيله‭ ‬كان‭ ‬سائدا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬النبي‭ (‬ص‭)‬،والأئمة‭ ‬المعصومين‭ (‬ع‭)‬،‭ ‬ليصْلُح‭ ‬مرجعا‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬النصوص‭. ‬بل‭ ‬من‭ ‬المعلوم‭ ‬إجمالا‭ -‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭- ‬وتفصيلا‭ -‬في‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر‭- ‬أنَّ‭ ‬بعض‭ ‬عناصر‭ ‬هذا‭ ‬العرف‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬العادات‭ ‬والأعراف‭ ‬الدخيلة‭ ‬المستحدثة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يصنعها‭ ‬الشرع،‭ ‬وإنما‭ ‬أنتجها‭ ‬الإرث‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬تأثرت‭ ‬به‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬نتيجة‭ ‬تفاعلها‭ ‬مع‭ ‬أهل‭ ‬الأديان‭ ‬والثقافات‭ ‬الأخرى‭”.‬

ويبدي‭ ‬الشيخ‭ ‬الغزالي‭ ‬أسفه‭ ‬لأننا‭ ‬قدمنا‭ ‬للإسلام‭ ‬صورا‭ ‬تثير‭ ‬الاشمئزاز،‭ ‬وذكر‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الدعاة‭ ‬المشاهير‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬خطبة‭ ‬له‭: ‬إن‭ ‬المرأة‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬بيتها‭ ‬للزوج‭ ‬أو‭ ‬للقبر‭! ‬ثم‭ ‬ذكر‭ ‬حديثا‭: ‬إن‭ ‬امرأة‭ ‬استأذنت‭ ‬زوجها‭ ‬لتعود‭ ‬أباها‭ ‬في‭ ‬مرض‭ ‬الموت،‭ ‬فأبى‭ ‬عليها،‭ ‬فلما‭ ‬مات‭ ‬استأذنته‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬الوفاة‭ ‬مع‭ ‬الأهل‭ ‬فأبى،‭ ‬فلما‭ ‬ذكرت‭ ‬ذلك‭ ‬لرسول‭ ‬الله‭ ‬قال‭ ‬لها‭: ‬إن‭ ‬الله‭ ‬غفر‭ ‬لأبيك‭ ‬لأنك‭ ‬أطعت‭ ‬زوجك‭! ‬وتساءل‭ ‬الغزالي‭: ‬أكذلك‭ ‬يُعرض‭ ‬ديننا؟‭ ‬سجنا‭ ‬للمرأة‭ ‬تقطع‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬أمر‭ ‬الله‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬يوصل؟

إنَّ‭ ‬الشارع‭ ‬حريصٌ‭ ‬على‭ ‬حِفظ‭ ‬الأمر‭ ‬المباح‭ ‬من‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليه،‭ ‬وتغيير‭ ‬حكمه‭ ‬من‭ ‬الإباحة‭ ‬إلى‭ ‬الحرمة‭ ‬أو‭ ‬الكراهة؛‭ ‬وذلك‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬المباح‭ ‬حفاظ‭ ‬على‭ ‬الحرية‭ ‬التي‭ ‬منحها‭ ‬الله‭ ‬للإنسان‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وتنزيها‭ ‬للشريعة‭ ‬من‭ ‬العنت،‭ ‬وترغيبا‭ ‬للناس‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭. ‬

مفارقات‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬الولاية‭ ‬

إنَّ‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬فقه‭ ‬المسلمين‭ ‬يُلاحِظ‭ ‬وجودَ‭ ‬مسائل‭ ‬تطلق‭ ‬يد‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الزوجية‭. ‬وثمَّة‭ ‬مفارقات‭ ‬في‭ ‬فقه‭ ‬الأسرة‭ ‬والمرأة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعمالَ‭ ‬النظر‭ ‬والمراجعة‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المعنيين‭ ‬بتطوير‭ ‬الفقه‭.‬

فمن‭ ‬حق‭ ‬الزوج‭ ‬أن‭ ‬يمسك‭ ‬زوجته‭ ‬بمنزل‭ ‬الزوجية‭ ‬ويمنعها‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬منه،‭ ‬بل‭ ‬يستحب‭ ‬حبسها‭ ‬فيه‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تخرج‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬لضرورة‭. ‬ويحق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يمنعها‭ ‬من‭ ‬زيارة‭ ‬وعيادة‭ ‬أبويها‭ ‬وأرحامها‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬زميلاتها‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يحرم‭ ‬الفقه‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬دون‭ ‬إذن‭ ‬الزوج،‭ ‬ويؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أولوياتها‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬شؤون‭ ‬الأسرة‭ ‬والزوج‭ ‬والأولاد،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الخدمة‭ ‬المنزلية‭ ‬غير‭ ‬واجبة‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الفقهاء،‭ ‬فإننا‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬لا‭ ‬نكاد‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬أي‭ ‬إلزام‭ ‬صريح‭ ‬للزوج‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يتواجد‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬لرعاية‭ ‬شؤون‭ ‬الزوجة‭ ‬والأولاد‭ ‬وسد‭ ‬الحاجات‭ ‬النفسية‭ ‬والعاطفية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لهم،‭ ‬والقيام‭ ‬بدوره‭ ‬التربوي‭ ‬الأبوي‭ ‬تجاههم‭. ‬بل‭ ‬يبدو‭ ‬كأن‭ ‬الوضع‭ ‬متروك‭ ‬لتقدير‭ ‬الزوج‭ ‬نفسه؛‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬لتكريس‭ ‬ثقافة‭ ‬سلبية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات؛‭ ‬مفادها‭: ‬أنَّ‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الزوج‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬والإنفاق‭ ‬على‭ ‬الأسرة،‭ ‬ويحق‭ ‬له‭ -‬بعد‭ ‬ذلك‭- ‬أن‭ ‬يقضي‭ ‬أوقاته‭ ‬في‭ ‬السهرات‭ ‬والسفرات،‭ ‬مُلقيا‭ ‬جل‭ ‬العبء‭ ‬الأسري‭ ‬والتربوي‭ ‬على‭ ‬الزوجة‭!‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يُطرح‭ ‬هنا‭: ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬الآراء‭ ‬الفقهية‭ ‬معنية‭ ‬بإقامة‭ ‬أسرة‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬المودة‭ ‬والرحمة‭ ‬والمساكنة‭ ‬والمعاشرة‭ ‬بالمعروف؟‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬التطبيقات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بولاية‭ ‬التزويج‭ ‬والكفاءة‭ ‬في‭ ‬النسب‭ -‬حسب‭ ‬بعض‭ ‬الآراء‭ ‬الفقهية‭- ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬والمراجعة‭ ‬من‭ ‬المختصين‭ ‬بالفقه،‭ ‬وصولا‭ ‬لمعالجات‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬سلب‭ ‬إرادة‭ ‬المرأة‭ ‬واختيارها،‭ ‬وفرض‭ ‬أوضاع‭ ‬معينة‭ ‬عليها؛‭ ‬مراعاة‭ ‬لبعض‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬

إنَّ‭ ‬المقصد‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬الولاية‭ ‬هو‭ ‬جَبْر‭ ‬قصور‭ ‬المولى‭ ‬عليه،‭ ‬سواء‭ ‬لعدم‭ ‬الأهلية‭ ‬أو‭ ‬نقصانها،‭ ‬أو‭ ‬لاعتبار‭ ‬ترشيد‭ ‬القرار‭ ‬وحسن‭ ‬الاختيار‭. ‬ومن‭ ‬حجج‭ ‬القائلين‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭ -‬حسب‭ ‬الشيخ‭ ‬أبي‭ ‬زهرة‭- ‬إنَّ‭ ‬النساء‭ ‬لا‭ ‬يعرفن‭ ‬أسرار‭ ‬الرجال،‭ ‬والأغلبية‭ ‬منهن‭ ‬تغلب‭ ‬عليهن‭ ‬العاطفة‭ ‬الوقتية‭ ‬سريعة‭ ‬الزوال،‭ ‬فإن‭ ‬مصلحتها‭ ‬ومصلحة‭ ‬الأسرة‭ ‬تقتضي‭ ‬أن‭ ‬يشترك‭ ‬معها‭ ‬وليُّها‭ ‬في‭ ‬الاختيار‭. ‬وهذا‭ ‬التعليل‭ ‬لا‭ ‬يصدق‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحوال؛‭ ‬فالثيبات‭ ‬خبرن‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬اشترط‭ ‬وجود‭ ‬الولي‭ ‬في‭ ‬تزويج‭ ‬المرأة‭ ‬المطلقة،‭ ‬بل‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الولد‭ ‬وليًّا‭ ‬في‭ ‬تزويج‭ ‬أمه،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬صغيرا‭ ‬مميزا‭ ‬محتمل‭ ‬البلوغ‭. ‬

ويذهب‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬استقلال‭ ‬البكر‭ -‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬عمرها‭ ‬وتحصيلها‭ ‬العلمي‭ ‬والمعرفي‭ ‬وخبرتها‭ ‬الحياتية‭- ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬اختيار‭ ‬الزوج‭ ‬الكفء‭ ‬لها؛‭ ‬فيشترط‭ ‬موافقة‭ ‬وليها‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ -‬حسب‭ ‬بعض‭ ‬الأراء‭- ‬والولاية‭ ‬هي‭ ‬للأب‭ ‬أو‭ ‬الجد‭ ‬من‭ ‬الأب‭ ‬أو‭ ‬أحد‭ ‬الأخوة‭ ‬أو‭ ‬العصبات،‭ ‬على‭ ‬تفاوت‭ ‬في‭ ‬الترتيب‭. ‬

‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يقررون‭ ‬أهليتها‭ ‬لأن‭ ‬تكلف‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة،‭ ‬بجميع‭ ‬التكاليف‭ ‬الشرعية،‭ ‬بل‭ ‬تكون‭ ‬مؤهلة‭ ‬لأن‭ ‬تجرى‭ ‬عليها‭ ‬أحكام‭ ‬القصاص‭ ‬والحدود،‭ ‬إن‭ ‬صدر‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬ذلك‭. ‬

كما‭ ‬يشجع‭ ‬الفقه‭ ‬على‭ ‬تزويج‭ ‬البكر‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة؛‭ ‬بحيث‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ -‬حسب‭ ‬هذا‭ ‬المنظور‭- ‬قادرة‭ ‬ومؤهلة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬أعباء‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬الحمل‭ ‬والإنجاب،‭ ‬وتبعات‭ ‬الرضاعة‭ ‬والحضانة،‭ ‬وتربية‭ ‬الأولاد‭ ‬ورعايتهم‭! ‬ويرى‭ ‬الفقهاء‭ ‬أنَّ‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الأب‭ ‬والجد‭ -‬بمقتضى‭ ‬ولاية‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬مستقلا‭- ‬أن‭ ‬يزوج‭ ‬البنت‭ ‬الصغيرة‭ ‬إن‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مصلحة‭ ‬لها،‭ ‬وحسب‭ ‬بعض‭ ‬الآراء،‭ ‬يحقُّ‭ ‬ذلك‭ ‬أيضا‭ ‬للأخ‭ ‬أو‭ ‬لأحد‭ ‬العصبات‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬وفاة‭ ‬الأب‭ ‬والجد‭.‬ويقرر‭ ‬بعضهم‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬خيار‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الفسخ‭ ‬بعد‭ ‬البلوغ‭ ‬والرشد،‭ ‬ويتردد‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭. ‬

إنَّ‭ ‬المرأة‭ ‬لها‭ ‬شخصيتها‭ ‬الإنسانية‭ ‬وكيانها‭ ‬الحقوقي،‭ ‬ولها‭ ‬إرادتها‭ ‬واختيارها،‭ ‬وهي‭ ‬مناط‭ ‬التكليف‭ ‬والمحاسبة‭ ‬والمساءلة‭ ‬والجزاء‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬والآخرة،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ -‬بموجب‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الفقهي‭- ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬ممارسة‭ ‬حقها،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬حياتها‭! ‬

وعلى‭ ‬صعيد‭ ‬آخر،‭ ‬كيف‭ ‬يحدد‭ ‬الفقه‭ -‬حسب‭ ‬بعض‭ ‬الآراء‭- ‬سِنًّا‭ ‬محددة‭ ‬للنضج‭ ‬الجنسي‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬تتأثر‭ ‬بعوامل‭ ‬المناخ‭ ‬والوراثة‭ ‬والتغذية‭ ‬والبيئة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وبموجبها‭ ‬تتفاوت‭ ‬الاستعدادات‭ ‬النفسية‭ ‬والجسمية‭ ‬والعاطفية‭ ‬حوله‭ ‬لدى‭ ‬الفتيات؟

صحيح‭ ‬أنَّ‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المسائل‭ ‬ليست‭ ‬موضع‭ ‬اتفاق‭ ‬بين‭ ‬الفقهاء؛‭ ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬يخالفها‭ ‬ويضع‭ ‬لبعضها‭ ‬حدودا‭ ‬وضوابط،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الفقه‭ ‬السائد‭ ‬يتبناها‭ ‬كما‭ ‬يتبنى‭ ‬مسائل‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬طبيعتها‭.‬

وقد‭ ‬يُقال‭ ‬إنَّ‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬ليست‭ ‬إلزامية،‭ ‬بل‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬الجواز‭ ‬والندب؛‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬الناس‭ ‬المرونة‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬التقيد‭ ‬بها‭. ‬وهذا‭ ‬صحيح‭ ‬بالفعل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬واقع‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة‭ ‬قد‭ ‬تجاوز‭ ‬بعضها،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يبعد‭ ‬أن‭ ‬بعضها‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يُطبق‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬هنا‭ ‬منصب‭ ‬حول‭ ‬طرح‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الفتاوى‭ ‬بوصفها‭ ‬صالحة‭ ‬لمدى‭ ‬الأحوال‭ ‬والأزمان‭. ‬

إنَّ‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬توعية‭ ‬المجتمع‭ ‬وتصحيح‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬الكيان‭ ‬الإنساني‭ ‬للمرأة،‭ ‬وشخصيتها‭ ‬الحقوقية‭ ‬في‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يلزم‭ ‬وضع‭ ‬معالجات‭ ‬فقهية‭ ‬وضمانات‭ ‬قانونية‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تعسف‭ ‬الأزواج‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬بعض‭ ‬المسائل‭ ‬الفقهية‭ -‬من‭ ‬قبيل‭ ‬مسألة‭ ‬خروج‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬البيت‭- ‬كذريعة‭ ‬لحبس‭ ‬زوجاتهم،‭ ‬وتحويل‭ ‬البيت‭ ‬الزوجي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬السجن،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكن‭ ‬محلَّ‭ ‬السكن‭ ‬لهما‭ ‬معا‭. ‬

إنَّ‭ ‬حبس‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬دارها،‭ ‬وغلق‭ ‬الأبواب‭ ‬عليها،‭ ‬والحيلولة‭ ‬دون‭ ‬خروجها‭ ‬من‭ ‬الدار‭ ‬بأي‭ ‬وجه،‭ ‬يتعارض‭ -‬حسب‭ ‬المطهري‭- ‬مع‭ ‬الحرية‭ ‬الفطرية‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬والحقوق‭ ‬الإلهية‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬المرأة،‭ ‬وهي‭ ‬مقولة‭ ‬الحجاب‭ ‬الجاهلي،‭ ‬وليس‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الإسلام‭ ‬وجود‭. ‬إنَّ‭ ‬الزواج‭ -‬كما‭ ‬يقرر‭ ‬فضل‭ ‬الله‭- ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬عقدا‭ ‬يجعل‭ ‬الزوجة‭ ‬أَمَة‭ (‬عبدة‭) ‬للرجل؛‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬الزواج‭ ‬عنصرَ‭ ‬اختناق‭ ‬لحياتها،‭ ‬ومصادرة‭ ‬لعاداتها‭ ‬ومزاجها‭ ‬في‭ ‬الحياة؛‭ ‬فالمرأة‭ ‬إنسانة‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬إنسانيتها‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬إنسان‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬إنسانيته‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭. ‬وقد‭ ‬جعل‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬الحياة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المودة‭ ‬والرحمة؛‭ ‬ليعمِّق‭ ‬الشعورَ‭ ‬بالوحدة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭. ‬

استخلاص‭ ‬ورأي‭ ‬

نظرًا‭ ‬لكون‭ ‬ملف‭ ‬فقه‭ ‬المرأة‭ ‬الحقوقي‭ ‬واسعًا،‭ ‬ومتشعبَ‭ ‬الجوانب،‭ ‬ومتنوعَ‭ ‬الأبعاد،‭ ‬فإنَّنا‭ ‬نهيب‭ ‬بالمختصين‭ ‬بالفقه‭ ‬الشرعي‭ ‬والفكر‭ ‬الديني،‭ ‬وكذلك‭ ‬بالمختصين‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحقول‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ -‬كالاجتماع‭ ‬والتربية‭ ‬والنفس‭- ‬أن‭ ‬يتداولوا‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بشكل‭ ‬جماعي‭ ‬في‭ ‬منتديات‭ ‬وحلقات‭ ‬بحثية‭ ‬مشتركة؛‭ ‬بحيث‭ ‬يُدلي‭ ‬كلُّ‭ ‬فريق‭ ‬منهم‭ ‬بدلوه‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬حقله‭ ‬الاختصاصي؛‭ ‬مما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تنضيج‭ ‬الرؤى،‭ ‬وإغناء‭ ‬الأفكار‭ ‬حولها،‭ ‬وصولا‭ ‬لتكوين‭ ‬المواقف‭ ‬الفقهية‭ ‬المدروسة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجوانب‭.‬

ومن‭ ‬الأهمية‭ ‬بمكان‭ ‬أن‭ ‬تُعقد‭ ‬منتديات‭ ‬فقهية‭ ‬مختصة‭ ‬ببحث‭ ‬هذه‭ ‬القضايا،‭ ‬بدل‭ ‬الانفراد‭ ‬في‭ ‬دراستها‭ ‬وبحثها‭ ‬وتشكيل‭ ‬المواقف‭ ‬الفقهية‭ ‬الفردية‭ ‬حيالها‭. ‬ولئن‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‭”‬الاجتهاد‭ ‬الجماعي‭” ‬مَوْضِع‭ ‬جدل‭ ‬وتأمُّل‭ ‬لدى‭ ‬بعض،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬عدم‭ ‬وضوح‭ ‬الموقف‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬إنجازه‭ ‬مع‭ ‬تعدد‭ ‬المناهج‭ ‬وتنوع‭ ‬المباني،‭ ‬وكذلك‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬حجية‭ ‬نتائجه،‭ ‬فإنَّ‭ ‬بحث‭ ‬القضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بشكل‭ ‬جماعي‭ ‬بين‭ ‬الفقهاء‭ ‬لتكوين‭ ‬رؤية‭ ‬موضوعية‭ ‬قبلية‭ ‬حولها،‭ ‬لا‭ ‬تعترضه‭ ‬كل‭ ‬تلكم‭ ‬الإشكاليات‭.‬

إنَّ‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بطبيعتها‭ ‬تتسم‭ ‬بالبطء،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحافظة،‭ ‬ومن‭ ‬المُستحسن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬التغيير‭ ‬فيها‭ ‬بخُطى‭ ‬مدروسة‭ ‬وموزونة،‭ ‬ويكون‭ ‬التغيير‭ ‬مُتواكبا‭ ‬مع‭ ‬عوامل‭ ‬التطور‭ ‬التعليمي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والثقافي؛‭ ‬فتواصل‭ ‬المراجعات‭ ‬الاجتهادية‭ ‬في‭ ‬فقه‭ ‬المرأة‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تجديده‭ ‬وتطويره‭.‬

—————————————————-

أهم‭ ‬المراجع‭ : ‬

  1. أبو‭ ‬القاسم‭ ‬الخوئي،‭ “‬مستند‭ ‬العروة‭ ‬الوثقى‭”‬،‭ ‬منشورات‭ ‬دار‭ ‬العلم،‭ ‬إيران‭. ‬
  2. أحمد‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬الخليلي،‭ “‬الفتاوى‭”‬،‭ ‬النكاح‭ ‬والزواج،‭ ‬موقع‭ ‬مكتب‭ ‬الإفتاء،‭ ‬الشبكة‭ ‬العنكبوتية‭. ‬
  3. حيدر‭ ‬حب‭ ‬الله،‭ “‬دراسات‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬الاسلامي‭ ‬المعاصر‭”‬،‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى،‭ ‬سنة‭ ‬2011م‭.‬
  4. سيد‭ ‬سابق،‭ “‬فقه‭ ‬السنة‭”‬،‭ ‬دار‭ ‬الكتاب‭ ‬العربي،‭ ‬بيروت،‭ ‬سنة‭ ‬1987م‭. ‬
  5. عبد‭ ‬الحليم‭ ‬أبو‭ ‬شقة،‭ “‬تحرير‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الرسالة‭”‬،‭ ‬دار‭ ‬القلم،‭ ‬الكويت‭ ‬سنة‭ ‬1999م‭. ‬
  6. محمد‭ ‬أبو‭ ‬زهرة،‭ “‬الولاية‭ ‬على‭ ‬النفس‭”‬،‭ ‬دار‭ ‬الرائد‭ ‬العربي،‭ ‬بيروت‭ ‬سنة‭ ‬1070م‭. ‬
  7. محمد‭ ‬باقر‭ ‬الصدر،‭ “‬المدرسة‭ ‬القرآنية‭”‬،‭ ‬مؤسسة‭ ‬الهدى‭ ‬الدولية،‭ ‬سنة‭ ‬1421‭ ‬هجرية‭. ‬
  8. محمد‭ ‬جواد‭ ‬مغنية،‭ “‬فلسفات‭ ‬إسلامية‭”‬،‭ ‬دار‭ ‬ومكتبة‭ ‬الهلال،‭ ‬بيروت،‭ ‬سنة‭ ‬1993م‭. ‬
  9. محمد‭ ‬حسين‭ ‬فضل‭ ‬الله،‭ “‬تأملات‭ ‬إسلامية‭ ‬حول‭ ‬المرأة‭”‬،‭ ‬دار‭ ‬الكتاب‭ ‬الاسلامي،‭ ‬قم،‭ ‬سنة‭ ‬1413هجرية‭. ‬
  10. محمد‭ ‬الغزالي،‭ “‬السنة‭ ‬النبوية‭ ‬بين‭ ‬أهل‭ ‬الفقه‭ ‬وأهل‭ ‬الحديث‭”‬،‭ ‬دار‭ ‬الشروق،‭ ‬القاهرة،‭ ‬سنة‭ ‬1989م‭.‬
  11. محمد‭ ‬كاظم‭ ‬اليزدي،‭ “‬العروة‭ ‬الوثقى‭”‬،‭ ‬مؤسسة‭ ‬النشر‭ ‬الاسلامي،‭ ‬قم،‭ ‬سنة‭ ‬1420‭ ‬هجرية‭.‬
  12. محمد‭ ‬مهدي‭ ‬شمس‭ ‬الدين،‭ “‬مسائل‭ ‬حرجة‭ ‬في‭ ‬فقه‭ ‬المرأة‭”‬،‭ ‬الستر‭ ‬والنظر،‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدولية،‭ ‬بيروت،‭ ‬سنة‭ ‬2001م‭.‬
  13. مرتضى‭ ‬المطهري،‭ “‬مسألة‭ ‬الحجاب‭”‬،‭ ‬الدار‭ ‬الاسلامية،‭ ‬بيروت،‭ ‬سنة‭ ‬1987م‭.‬
  14. مصطفى‭ ‬السباعي،‭ “‬المرأة‭ ‬بين‭ ‬الفقه‭ ‬والقانون‭”‬،‭ ‬دار‭ ‬الوراق،‭ ‬السعودية،‭ ‬سنة‭ ‬1999م‭.‬
  15. مهدي‭ ‬مهريزي،‭ “‬مسألة‭ ‬المرأة‭”‬،‭ ‬مركز‭ ‬الحضارة‭ ‬لتنمية‭ ‬الفكر‭ ‬الاسلامي،‭ ‬بيروت،‭ ‬سنة‭ ‬2008م‭.‬

1,090 total views, 7 views today