ستكمل في هذا الجزء من البحث بضعة إشكالات وأسئلة أخرى عن النظرية ونقدم لها إجاباتنا بشكل مختصر.

هل هناك شيء اسمه صدفة؟
من يقرأ الكتب والمقالات التي تتحدث عن نظرية التطور سيمر حتما على مصطلح الصدفة أكثر من مرة، وهذا المصطلح ملغوم بعض الشيء لما يحمله من معان متعددة ولما يمكن أن يتسبب به من سوء فهم عويص بين المتحاورين وما يستتبع ذلك من ضياع في الوقت والجهد، لذلك ينبغي صرف بعض الوقت في فهم المقصود منه.

أ. (الصدفة بمعنى حدوث الشيء من دون سبب أو علة) (1)
قد يستخدم البعض مصطلح الصدفة للقول بأن شيئا ما حدث من دون سبب أو أن نتيجة ما ظهرت من دون علة، ومع ما قد يتبادر إلى الذهن أنه لا يمكن أن يكون هناك ممن يملك شيئا من العقل ويستخدم هذا المعنى إطلاقا إلا أنك ستجد فعلا بعض علماء الفيزياء يستخدمون كلمة الصدفة بهذا المعنى حين يقولون مثلا أن الكون نشأ من لا شيء أو أن الكون حدث صدفة بدون سبب أو علة منتجة، وقد يجد القارئ نفسه في حيرة من صدور مثل هذا الأمر من عالم طبيعيات ذي وزن وسمعة كبيرة في الأواسط العلمية.

ب. (الصدفة بمعنى حدوث الشيء بسبب ولكن ذلك السبب لا يهمنا معرفته في سياق حديثنا لعدم احتياجنا لذلك في غرض البحث الحالي)(2). قد تخرج من بيتك للعمل كل صباح فتجد أن صديقك يعبر الطريق، أنت تعلم بالطبع أن هناك سببا لعبور صديقك للطريق، ولكنك لا تعلم ذلك السبب ولا يهمك كثيرا أن تعرف ذلك السبب أو قد لا تتمكن من معرفة ذلك السبب حتى لو أردت ذلك، ولكن كل ذلك لا يهم لأن سبب عبوره الطريق لا يهمك فيما أنت بصدده، لذا ستجيز لنفسك القول أن خروجك من البيت “تصادف” مع عبور ذلك الصديق للطريق أو أنك عند خروجك من المنزل رأيت بالصدفة صديقك يعبر الطريق، وليس في ذلك أي خطأ لأن الصدفة هنا لا تعني عدم وجود سبب لظاهرة عبور صديقك للطريق، وإنما تعنى أن ذلك السبب ليس مهما في نظرك فيما أنت بصدد فعله، وكذلك في البحث العلمي فإنك قد تبحث عن آثار حدوث طفرة وراثية على فاكهة معينة ولا يهمك كثيرا السبب المباشر في حدوث تلك الطفرة في المادة الوراثية لتلك الفاكهة، فقد تكون تلك الطفرة الوراثية حدثت بسبب إشعاع مؤين Ionizing Radiation أو بسبب وجود شوائب حرة Free Radicals أو بسبب مواد كيميائية مؤكسِدة أو لأي سبب آخر، ولكن ذلك لا يهمك في بحثك فتركيزك هو على نتائج حدوث الطفرة وليس على أسبابها.

وكذلك الأمر في نظرية التطور، فحينما نقول أن الطفرات الوراثية حدثت كصدف متتالية أدت إلى تشكيل ذلك الكائن بتلك الصورة الهيكلية أو الوظيفية فإننا نعني أننا نهتم للنتائج الحاصلة في الكائن الحي نتيجة وجود تلك الطفرات بغض النظر عن أسباب حدوث تلك الطفرات في المادة الوراثية لأن ذلك ليس محل البحث والنقاش، وليس أننا نقول أن تلك التغيرات في المادة الوراثية تحدث بدون سبب أو علة.

هل يمكن للصدفة أن تحقق أشياء معقدة؟
لعل هذا الإشكال هو من أكثرها شيوعا حيث لا تكاد تقرأ في أي كتاب أو مقالة معارضة لنظرية التطور إلا وتجد هذا الأمر أمامك وجها لوجه، ويتلخص هذا الإشكال في القول بأن الصدفة عاجزة تماما عن إيجاد حوادث معقدة، ومن أبرز الأمثلة التي تضرب في هذا الشأن لإثبات المطلب مثال مجموعة من القرود أعطيت آلات طباعة تضغط على أزرارها بشكل عشوائي لفترة طويلة جدا تصل إلى ملايين السنين ويكون التحدي هو أن تنتج تلك القرود (بالصدفة) قصيدة من قصائد شكسبير، ومثال آخر هو أن يضرب إعصار ساحة تفترش عليها قطع الحديد المتناثرة فيتسبب الإعصار بتركيب تلك القطع ببعضها وينتج (بالصدفة) في نهاية الأمر طائرة متكاملة، كما يقوم البعض أيضا باستعمال الحسابات الرياضية في علم الاحتمالات لاحتساب احتمال نشوء جزيء بروتين واحد من عدة مئات من الأحماض الأمينية عن طريق (الصدفة).

دعنا نختصر الوقت ونقطع الجدل، إن احتمال كتابة قصيدة أو حتى عدة جمل منها بالصدفة العمياء البسيطة أو تركيب جزء بسيط من أي جهاز بالحركة العشوائية للأعاصير عن طريق الصدفة البسيطة أو تركيب جزء من البروتين فضلا عن البروتين كله بالصدفة العشوائية البسيطة أمر أقرب للمستحيل الرياضي منه لأي واقع، هذا الأمر لا شكل فيه، وهذا الأمر لا أحد –ممن نعرفه من العقلاء أو حتى أنصاف العقلاء- يؤمن به إطلاقا، لذلك لا تحتاج لبذل الكثير من الجهد والوقت لإثبات أمر نحن جميعا متفقون فيه تماما وبالكامل.
ما تم إثباته في الفقرتين السابقتين لم يكن مما ينفيه أنصار نظرية التطور، وما تم نفيه فيهما لم يكن مما يثبته أنصار النظرية أيضا، ومن المثير للشفقة حقا أن يتم صرف ساعات وجهود كبيرة لاحتساب احتمالات ذات أرقام فلكية لإثبات استحالة تركيب أشياء معقدة بواسطة الصدفة البسيطة العمياء العشوائية فقليل من التعقل والحس العام يكفي لذلك.
إذن، أين الإشكال والاختلاف؟
الإختلاف يكمن في أن نظرية التطور لا تعتمد على الصدفة كأمر محوري لمسألة نشوء الشيء المعقد من الشيء البسيط، أبدا، فهذا من المفاهيم الخاطئة عن النظرية.

إن دور الصدفة في نظرية التطور لا يتجاوز ما يلي:
1- هناك عوامل طبيعية فيزيائية قادرة على إحداث تأثيرات على المادة الوراثية من قبيل الإشعاع المؤين والشوائب الحرة والتفاعلات الكيميائية والحرارة والفيروسات وغيرها.
2- المادة الوراثية الموجودة في خلايا الكائنات الحية متعرضة لهذه العوامل الطبيعية الفيزيائية في أوقات كثيرة، إن التفاعلات الاستقلابية الأيضية التي تتحدث في الخلايا لإنتاج الطاقة من الغذاء والمواد الكيميائية التي نتعرض لها باستمرار في الهواء الذي نتنفسه والإشعاعات التي نتعرض لها من الجو والشمس والفيروسات التي نصاب بها طوال الوقت تؤدي إلى حد ما في إحداث تغيرات في المادة الوراثية بالخلايا.
هناك آليات بالخلايا المتطورة لإصلاح تلك الأخطاء ولكن تلك الآليات لا تتوفر في كل الكائنات الحية كما أنها تفشل أحيانا في إصلاح تلك الكائنات في الخلايا التي تتوفر بها تلك الآليات، ونتيجة لكل ذلك فإن العوامل الفيزيائية التي تسبب الطفرات في المادة الوراثية تنجح في إحداث تغيرات وطفرات في أجزاء متفرقة من المادة الوراثية وهنا دور الصدفة حيث أن موقع الطفرة ومقدارها ونوعها وتكرارها، ولكن هل ستنتقل تلك الطفرات إلى الجيل القادم أم ستموت مع الفرد الحامل لها؟ هذا ما لا يتم تحديده بالصدفة وإنما بالانتخاب الطبيعي، ولتقريب المطلب نضرب مثل صدفات القواقع التي تتراكم على شاطئ البحر بمختلف ألوانها وأشكالها، لنقل أن اختلاف الألوان والأشكال على تلك الصدفات نابع من صدف نسبية (ونذكرك بأننا لا ننكر وجود سبب وعلة لتنوع الأشكال والألوان وإنما نستخدم كلمة الصدفة للدلالة على أن تلك الأسباب لا تهمنا هنا)، ثم تأمل طفلا يلتقط من تلك الصدفات قطعا معينة ويختار منها ما يتلاءم مع مجموعته التي يجمعها في البيت لعمل لوحة فنية منها، لاحظ هنا أن اللوحة الفنية التي ستنشأ في منزل الطفل لن تكون كذلك بالصدفة أبدا وإنما باختيارات تراكمية للطفل أثناء التقاطه وانتقائه للصدفات، وغاية ما يبقى للصدفة من دور هو أنها وفرت على شاطئ البحر أشكالا وأنواعا وأنماطا كثيرة من الصدفات ليختار الطفل منها، وكذلك الأمر بالنسبة للطفرات في المادة الوراثية فهناك المئات بل الآلاف من تلك الطفرات الوراثية ولكن أغلبها لا تنجح في العبور من جيل إلى آخر أو تنجح في الاستمرار لبضعة أجيال فقط قبل أن تضمحل مرة أخرى، وتبقى القلة منها فقط التي تستطيع البقاء جيلا بعد جيل في سلالة ذلك الكائن الحي، وسر بقائها ليس صدفة وإنما عملية صارمة تسمى بالانتخاب الطبيعي.

هل تتعارض نظرية التطور مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية؟
مرة أخرى يقع بعض من ينتقد النظرية في خطأ شائع في فهمه لها فيلجأ إلى ما يسمى بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية أو بالتحديد إلى ما يسمى بعامل العشوائية أو القصور الحراري (Entropy)، ينص القانون الثاني للديناميكا الحرارية أن مقدار العشوائية الموجود في أي نظام طبيعي مغلق يكون دائما في حالة ازدياد مع الوقت، ومعنى ذلك أن الأنظمة الطبيعية تفقد مع الوقت ترتيبها وتنظيمها وتتجه نحو الفوضى والعشوائية، وهذا الأمر واضح جلي لنا جميعا حيث نرى أن الأمور الطبيعية حولنا تأخذ منحاها نحو الشيخوخة والاعتلال وعوامل التعرية والتلف وما إلى ذلك، وبالتالي يعترض المعارض لنظرية التطور أن هذا القانون في تعارض مع النظرية التي تفترض أن الكائنات الحية تتجه في سيرها التطوري من الكائنات الأبسط والأقل تنظيما إلى الكائنات الأكثر تنظيما وتعقيدا.

طبعا يجب الالتفات إلى خطأ شائع متكرر جدا، وقد سبقت الإشارة له في الجزء الثالث من سلسلة المقالات عن النظرية، وهو أن النظرية لا تفرض أن التطور يعني بالضرورة الاتجاه نحو الأفضل والأكثر تعقيدا وإنما الاتجاه نحو الأكثر ملائمة مع البيئة بما يخدم غرض نقل الجينات من جيل إلى جيل آخر وإنجاب الكثير من الأفراد في الجيل اللاحق وقد يكون ذلك في ظل تطور نحو كائن أكثر تعقيدا أو قد يكون ذلك في الاتجاه نحو البساطة حيث نرى كائنات بحرية بسيطة استطاعت البقاء لملايين السنين من دون تغير يذكر وذلك لأن ما تملكه من مقومات يتناسب مع بيئتها طوال تلك الفترة، ولكن فعلا في الغالب من الحالات فإن التواؤم مع البيئة المحيطة يتطلب رفع مقدار التعقيد في الكائن الحي هيكليا ووظيفيا.

وهنا نرجع لنقول أن النظام المغلق المقصود في القانون الثاني للديناميكا الحرارية هو (مغلق) كما يذكر القانون حرفيا، ولكن في نظرية التطور فالنظام ليس مغلقا لأن الكائن الحي يعيش في بيئة تفاعلية جدا في كل لحظة من حياته، فهناك متطلبات يجب عليه الحصول عليها للبقاء حيا وتلك المتطلبات من غذاء ومسكن وشريك للتزاوج تؤثر في بقائه حيا أو موته، كما أن هناك كائنات حية أخرى ترغب بافتراسه ويجب عليه البقاء بعيدا عنها ليظل حيا، وعليه فالنظام البيئي بالنسبة للكائن الحي يظل مفتوحا جدا وأبعد ما يكون عن النظام المغلق.

ومع ذلك فهناك المزيد، لو تأملنا نمو أي كائن حي حولنا من مرحلة النطفة إلى مرحلة الكائن البالغ لوجدنا أنه يرتفع في درجة تعقيده بشكل هائل إن قارنت تعقيد خلية النطفة بالكائن الكامل الذي ينشأ منها، لذا فإن محاولة تطبيق القانون الثاني للديناميكا الحرارية هو مغالطة كبيرة يجدر عدم الوقوع فيها.

—————————————————-

الهوامش:
١. في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء يطلق السيد محمد باقر الصدر على هذا النوع اسم (الصدفة المطلقة)
٢. في نفس الكتاب في الهامش (1) يطلق على هذا النوع اسم (الصدفة النسبية)

1,206 total views, 2 views today