IMG-20140525-WA0008

د. حسن أحمد جواد اللواتي

تناولنا مفاهيمَ النظريَّة وآليَّاتها وبعض أدلتها في الجزأيْن الماضييْن من المقال، ويبقى الجزءُ الأهمُّ منها؛ وهو: مناقشة بعض الاعتراضات والإشكالات التي طُرِحَت على النظريَّة، وسوف نُوْرِدُها تحت عنوان “المفاهيم الخاطئة عن النظريَّة”؛ لأنَّ ذلك يُلخِّص موقفَنا من تلك الإشكالات والاعتراضات الواردة.

المفاهيم الخاطئة عن النظريَّة:
1- إنَّها مُجرَّد نظريَّة
تعرَّضنا لهذا الخطأ الشائع في التعامل مع النظريات؛ ففي نظر الكثيرين فإنَّ مُصطلح “نظريَّة” هو مُكافئ لمصطلح “فرضية”، وهو أمرٌ صحيح بالنسبة لبعض الحالات؛ مثل: نظريَّة الأوتار في الفيزياء، والتي يجدر بها أن تُسمَّى “فرضية الأوتار”؛ لأنها غير مدعومة بأي نوع من الأدلة الحسية أو التجريبية، ولكن في أحيان أخرى -ولعلها الأغلب- فإنَّ مصطلح “نظريَّة” يُقصَد به ما يُقارِب الحقيقة العلمية المدعومة بالأدلة العلمية التجريبية؛ مثل: “نظريَّة النسبية” والتي خضعتْ لشتى أنواع الاختبارات، ونجحت منها بشكل مُدهش؛ لذا فإنَّ نظريَّة التطوُّر هي أيضا أقرب ما يكون للحقيقة العلمية المقبولة في الأوساط العلمية.

2- نظريَّة التطوُّر فشلتْ في تفسير نشوء الحياة على الأرض
نظريَّة التطوُّر ليست معنية بتفسير نشوء الحياة على الأرض؛ فذلك أمرٌ له فرضياته ومحاولاته. أما نظريَّة التطوُّر، فهي تناقش تطوُّر الكائنات الحية بعد أو وجدت على الأرض كائنا ما كانت ميكانيكية نشوئها الأساسية على الأرض.

3- نظريَّة التطوُّر تدَّعي أنَّ الكائنات تتطوَّر بشكل عشوائي وبالصدفة
لعلَّ هذا الأمر هو من أكثر الأمور التي يصعُب فهمها عن النظريَّة ويسهل الخلط فيها؛ فمع أنَّ أسبابَ حدوث الطفرات الجينية قد تكون ناتجة عن الصدف المختلفة، إلا أنَّ ذلك لا يعني أنها ليس لها أسباب مُحدَّدة، وغاية ما في الأمر أنَّ تلك الأسباب لا يهمُّنا تحديدها، ولا يُمكننا تحديدها، والطفرات ليستْ إلا جزءًا يسيرًا جدًّا من آليَّة عمل التطوُّر والجزء الأكبر والحقيقي من التطوُّر يحدث بسبب الانتخاب الطبيعي للكائنات الحية، وهو أبعد ما يكون عن الصدفة والعشوائية؛ فالانتخاب الطبيعي هو نظامٌ مُحكم ودقيق يقوم بإنتاج مُخرَجات مُحدَّدة من مُعطيات مُحدَّدة، ولكن طبيعته أقرب إلى النظم الإحصائية الكبيرة، ولكي نفهم معنى النظم الإحصائية الكبيرة التي تظهر لنا عشوائية صدفية في مستواها القريب والصغير، ولكنها تكون مُحكَمة ومنظَّمة ودقيقة في مستواها الكبير والبعيد، نضرب مثالَ جزيئات الهواء التي تتحرَّك بشكل عشوائي في الغرفة حولك، إلا أنَّك لا تقلق أن تذهب كل تلك الجزيئات فجأة إلى الزاوية المقابلة من الغرفة، تاركة إيَّاك في هذه الزاوية بلا هواء تتنفسه ومختنقا بسبب ذلك، ومع أنَّ ذلك الاحتمال واردٌ وحقيقيٌّ ومُمكن حسابه بالأرقام، إلا أنَّه يظل احتمالا ضئيلا جدًّا لدرجة تقترب من الصفر وتسمح لنا بإهماله على أنه أقرب للمستحيل عمليا، وكذلك فإنَّ آلية التطوُّر المكوَّنة من الطفرات والانتخاب الطبيعي هي نوع آخر من النظم الإحصائية التي قد تبدو لك عشوائية في الوهلة الأولى عن قرب، ولكنها نظامٌ إحصائيٌّ يمنحنا القدرة على التنبؤ بالمخرجات إنْ كُنَّا على عِلم كافٍ بالمعطيات الداخلة في النظام في وقت معين؛ وبالتالي فإنك تستطيع أن تتنبأ بدرجة كافية من الدقة بأنَّ الكائنات التي لها صفات مُحدَّدة تمكِّنها من الحصول على غذائها بشكل أسهل من غيرها، وتتجنب أعداءها بشكل أكثر فاعلية من غيرها، وتنجب مزيدًا من الصغار وتحميهم، فإنَّ تلك الكائنات تمتلكُ فرصًا أكبر من غيرها -نسبيًّا- لتزداد أعدادها وتنتشر في الطبيعة، كما أنَّك لو عثرت على كائن استطاع البقاء في بيئته لفترة طويلة، مُتجنِّبا الانقراض، فإنك ستستطيع أن تفترض أنه يمتلك من الصفات مما يجعله مُتوائما مع بيئته بما تحويه من مصادر غذاء ومصادر خطر وإمكانيات للتكاثر والإنجاب. وبالفعل هذا ما تجده عند البحث والتقصي.. والخلاصة أنَّ التطوُّر هي عملية علمية إحصائية بعيدة تماما عن العشوائية والصدفة.

4- التطوُّر ينتج كائنات أكثر تطوُّرا
لعلَّنا نعذُر من أخطأ بهذه النقطة؛ لأنَّ نفس اسم النظريَّة يُوحِي بهذا الخطأ؛ حيث يتبادر إلى الأذهان أنَّ التطوُّر كعملية حيوية هي شيء يُنتج كائنات متطوِّرة راقية من نواح معينة، ولكن الحقيقة هي أن التطوُّر كعملية حيوية تنتج كائنات أكثر مواءمة للبيئة التي تعيش فيها، بغض النظر إنْ كانت تلك المواءمة أمرًا أكثر تطورًا أو أقل تطورًا واقعًا؛ فعلى سبيل المثال: إنْ أخذتَ كائنًا حيًّا لديه قابليات مُعينة للحياة بظروف بيئية صعبة وقاسية، ووضعته في بيئة سهلة وصديقة له ولاحتياجاته، فإنه مع مرور الزمن وتعاقُب الأجيال قد يفقد الإمكانيات التركيبية والوظيفية التي كانتْ تُساعده للحياة في البيئة الأصعب والأقسى؛ لأنَّه لم يعُد بحاجة لها في بيئته الجديدة؛ لذا فإنَّ الوضعَ ليس دائمًا في ارتقاء وتطوُّر بمعنى الكلمة، وإنَّما تغيُّرات تدريجية للتواؤم مع البيئة المحيطة بالكائن الحي والضغوط التطوُّرية التي تحويها تلك البيئة. لاحظ أنَّ الكائنَ الحيَّ لا يبذل مجهودا أو يخطط للتواؤم مع البيئة، وإنما يحدث ذلك لتناسب المخرجات الجينية مع البيئة، وانقراض كل ما لا يتناسب مع البيئة. ومن ناحية أخرى، فإنَّ كلمة “الأصلح” لا تعني إطلاقا “الأقوى” و”الأذكى” و”الأسرع” بالضرورة؛ فقد يكون الأصلح هو الأقوى، ولكنه قد يكون هو الأبطأ الذي يستطيع تمويه العدو وإخفاء نفسه في البيئة.
5- بإمكان الأفراد أن يتطوَّروا خلال حياتهم
أعتقد أنَّ خطأ هذا الأمر واضحٌ بعد كل الذي تمَّ استعراضه وشرحه من الجزء الماضي والحالي من المقال. فالتطوُّر أمرٌ يحدُث على مرِّ الأجيال وتعاقُب الأزمنة الطويلة، وليس على مدى حياة أفراد من أي نوع.

6- هل شاهدت التطوُّر بعينيك؟ إذن التطوُّر ليس أمرا علميا
أحيانا يتم الاعتراض بهذه الطريقة على النظريَّة، وواضح أنَّه اعتراضٌ على المنهج العلمي ككل إذا إنَّنا بالعلوم الطبيعية نبحث في أمور كثيرة لا يٌمكننا مشاهدتها مباشرة، ولكننا نعتمدُ على أدلة علمية مختلفة، ولو شئنا لسألنا المعترض إن كان قد شاهدَ الانفجار العظيم، أو شاهد الثقب الأسود، أو رأى تقوُّس الفضاء وتمدُّده في النظريَّة النسبية، أو إن كان شاهد الجسيمات الذرية مثلا.

7- الطفرات غير مُمكنة فلسفيًّا
هذا الاعتراض ذو الطابع الفلسفي ناتجٌ من اختلاف كبير في معنى الطفرة فلسفيا وعلميا؛ ففي الفلسفة لعلَّ المقصود بالطفرة هو القفزة الانتقالية من حالة لأخرى دون المرور بالحالات الوسطى بين الحالتين البدائية والنهائية، في حين أنَّ مَعْنَى الطفرة في العلوم الطبيعية هو تغيُّر بسيط في المادة الوراثية للكائنات الحية، وقد يحدُث نتيجة حلول ذرة مكان أخرى، أو تغيُّر ضئيل في تركيبة جزيء كيميائي أو ما شابهه؛ لذا فالاعتراض في وادٍ، والمعترض عليه في واد آخر.

8- فلسفيًّا، لا يُمكن تبدل صورة جوهرية إلى صورة جوهرية أخرى؛ فالإنسان الجوهري لا يُمكن أن يتبدل إلى حجر جوهري، وهكذا الشمبانزي الجوهري لا يمكن أن يتبدل إلى إنسان جوهري. نعم، يُمكن تبدُّل الصورة الخارجية للإنسان من شكل لآخر مع بقاء حقيقته الجوهرية كإنسان.

ولعلَّنا نحتاج إلى بعض الوقت لنشرح الاعتراض نفسه قبل الشروع في الإجابة عنه، فإن كان الإشكال لا يهم القارئ أساسا، فلا بأس بالانتقال إلى ما بعده.

وقد قسَّم أرسطو في كتابه “أورغانون الماهيات” (لنقل بلغة أبسط: الأشياء التي يُمكن تعريفها)، التي يُمكن أن تكون موضوعًا أو محمولًا للقضايا المنطقية (لنقل بلغة أبسط: المبتدأ والخبر بالجملة الاسمية بالعربية)، إلى مقولات (مشتق من القول)، أو الكليات (من حيث أنها أمر كلي جامع للجزئيات تحته)؛ حيث يُمكن أن تصنِّف أي شيء (تقريبا) ترغب بالكلام عنه في واحدة من تلك المقولات.. وهذه المقولات هي:
الجوهر والعرض؛ فيدرجون تحت الجوهر خمسة أشياء؛ هي: الهيولى أو المادة الأولى والجسم والصورة النوعية والنفس والعقل. أما العرض، فيدرجون تحته تسعة مقولات فرعية؛ هي: الكم والكيف والإضافة والأين والمتى والوضع والملك وأن يفعل وأن ينفعل.

ولا تحتاج الآن أن تقلق بخصوص فهم هذه المجموعات، ولكن يكفي أن تفهم أنَّ الجواهر هي تلك الأشياء التي حينما توجد في الواقع الخارجي فإنها لا تحتاج أن تكون موجودة في شيء بخلاف الأعراض؛ مثل: اللون الذي لا بد له أن يكون وصفا لشيء آخر؛ ففي قولنا هذا الكتاب أبيض فإنَّ الأبيض لا يُمكن أن يتواجد بنفسه دون شيء يكون فيه بخلاف الكتاب الذي لا يحتاج للون المحدد، وهكذا فإن الكتاب يعتبر جوهرا (جسما)، واللون يعتبر عرضا (من مقولة الكيف).

والاعتراضُ هُنا مُنصبٌّ على أنَّ الأشياء متى ما أصبحت لها صورة نوعية معينة -مثل كونها جوهرا مثلا- فإنها لا يُمكن أن تغيِّر تلك الصورة الجوهرية لتأخذ صورة جوهرية أخرى، وقد يُستعان بأدلة فلسفية لا تعنينا هنا لإثبات هذا المدعى.

والسببُ في أنَّنا لسنا معنيين بمناقشة الاعتراض هو أنَّه لا ينطبق على نظريَّة التطوُّر أساسا؛ فواضح أنَّ الاعتراضَ إنما بُنِي على فهم خاطئ للنظرية على أنَّ الفرد من الكائنات الحية يتغيَّر بنفسه من نوع لآخر؛ باعتبار أن الشمبانزي (كما ورد في نص الاعتراض) يتغيَّر لإنسان غيره. ولكن لم يدع أحد من القائلين بالنظريَّة بهذا الادعاء حتى نتجشَّم عناءَ مُناقشة الاعتراض أساسًا؛ لأننا جميعا نلتزم بأنَّ الفرد من النوع المحدد من الكائنات الحية يبقى فردًا لذلك النوع طيلة حياته، ولا نقول بأنَّ أي فرد من أي نوع من الكائنات الحية يتغيَّر لينتسب لنوع آخر من الكائنات الحية في أي وقت من حياته.

… ما يتغيَّر ليس الفرد الذي انتسب لصورة نوعية معينة أو جوهر مُحدَّد أو نوع مُحدَّد من الكائنات الحية، وإنما ما يحدث أنَّ ذلك الفرد يُنجب كائنات حيَّة تكون مُختلفة قليلا عنه، وليس في ذلك ما يُمكن الاعتراض عليه؛ لأننا نرى ذلك بأعيننا؛ فالآباء مُختلفون عن أبنائهم الذين سيختلفون أيضًا عن أبنائهم هم بدورهم. وهذا الاختلاف قد يضمحل مع الأجيال، أو قد يكون تراكميًّا حسب الضغوط التطوُّرية والانتخاب الطبيعي في تلك البيئة. وفي حال تراكمت تلك التغيرات الطفيفة على مدى فترة طويلة، فإن الكائنات الجديدة التي تنتج قد تكون مختلفة كثيرا عن أجدادها بما يكفي لأن تُصنَّف تحت نوع مختلف، ولا يوجد في الفلسفة (أو غيرها من العلوم العقلية) ما يُوجِب ويُلزِم أن تكون مُخرجات الكائن الحي من ذريته على المدى الطويل من نفس الصورة النوعية التي كان عليها أجداده قبل ملايين السنين، وكل فرد يُولد إنما تكون له ماهيته الخاصة به، وصورته النوعية المميزة له، والتي ستظل معه بقية حياته، ولكن ليس بالضرورة أن تكون نفس الصورة النوعية التي كان عليها أجداده قبل ملايين السنين مثلا. وبذلك؛ فإنَّ هذا الإشكال والاعتراض هو من المفاهيم الخاطئة عن النظريَّة.

1,800 total views, 5 views today