د. سيف بن ناصر المعمري

لا تزال المواطنة تحتل مساحة كبيرة في النقاشات السياسية والأكاديمية والإعلامية والشعبية، على الرغم من أن ظهورها يعود إلى ما قبل 2500م في مدينة أثينا اليونانية، وأحد الأسباب التي تدفع إلى مزيد من النقاشات حول المواطنة هو أن أهميتها لا تكمن فقط- كما يتصور البعض- في منح المواطن حق الحصول على مجموعة من الحقوق المتعلقة بالتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، إنما في دورها لتحقيق الاندماج والتآزر الاجتماعي، من خلال الاعتراف بحقوق متساوية لأفراد المجموعة الوطنية بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية، وجنسهم، وعرقهم، ولونهم، ومعتقدهم، إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذه الرؤية لأن بعض الباحثين -وفي مقدمته براين تارنر- يرى في دراسته التي عنونها بـ «الخطوط العريضة لنظرية المواطنة» (Outline of a theory of citizenship) أَنَّ الإشكالية تكمن في عدم اكتمال نظرية المواطنة رغم الكتابات المتعددة التي ناقشت الفكرة، وهو يذهب في هذه الدراسة إلى مناقشة نظرية عالم الاجتماع البريطاني مارشال (Marshall) التي عرضها في محاضرة قدمها في عام 1963 بعنوان :«المواطنة والطبقة الاجتماعية» وطورها لاحقًا في عدة أعمال منها كتاب «السياسة الاجتماعية»، وكتاب «الحق في الرخاء ومقالات أخرى» نشره في عام 1981م، والذي استخدم فيه مصطلح (hypheneated society) لوصف المجتمع الرأسمالي في بريطانيا، ويقصد به المجتمع الذي توجد به فوراق متعددة يمكن أَنْ يحد منها من خلال تطبيق المواطنة، ويرى مارشال في نظريته أَنَّ المواطنة في بريطانيا تطورت خلال ثلاثة قرون، حيث تطورت الحقوق المدنية (حرية التعبير، وحرية المحاكمة العادلة، وحرية المساواة أمام القانون) في القرن الثامن عشر، في حين تطورت الحقوق السياسية في القرن التاسع عشر (تطوير النظام الانتخابي) وكان ظهور الحقوق الاجتماعية في القرن العشرين تعبيرًا عن الفجوة التي نتجت بين فئات المجتمع نتيجة الاقتصاد الرأسمالي، مما تطلب من الدولة تقليص هذه الفجوة من خلال تقديم حقوق اجتماعية كالتعليم والرعاية الصحية والتقاعد.

انتُقِدَت نظرية مارشال مِن قِبَل كثير مِن الباحثين على الرغم مِن تأثيرها الواسع في الفكر السيولوجي المتعلق بالمواطنة؛ ولذا يرى تارنر أَنَّ أية نظرية للمواطنة لا بد أنْ تنطلق من السياقات التاريخية والاجتماعية التي تظهر فيها والتي تعكس تاريخ الصراع بين فئات المجتمع من أجل السيطرة على المصادر المتوفرة، كما أنها أيضا تتطلب إعطاء أهمية للدولة التي تُمَثِّل البناء التنظيمي الذي يحاول التقليل من التضاد بين حقوق الملكية للأفراد والحقوق الأخرى، كما أَنَّ تَكَوُّن المواطنة في المجتمعات المعاصرة يتأثر بظروف الحرب والاضطرابات، حيث تقوم الجماعات المهمَّشَة بمطالبة نشطة بحقوقها من الدولة خلال هذه الفترات، كما أَنَّ تارنر يؤكد أَنَّ نظرية مارشال ركزت على الحالة البريطانية، وبالتالي فإنَّ صياغة نظرية عامة للمواطنة يتطلب تبني منظور تاريخي مقارن حول حقوق المواطنة؛ لأنَّ المواطنة تختلف من مجتمع لآخر، لأنه من الناحية الواقعية ارتبط ظهور المواطنة بسياقات تاريخية خاصة ومختلفة جدا للسياسات الديمقراطية في المجتمعات الغربية، لكن التحليل التاريخي الرصين للمواطنة لا يجب أَنْ يركز على الإرث الغربي المتمثل في التراث الفكري اليوناني والروماني فقط؛ بل يجب أنْ يشمل الإرث غير الغربي من أجل فهم الأنماط العامة لتشكل المواطنة ومدى تشابهها أو اختلافها عبر السياقات الجغرافية والفكرية.

ونتيجة للنقد الذي وُجِّهَ لنظرية مارشال حول المواطنة ظَهَرَت نظرية مانن (Mann) الذي نظر إلى المواطنة على أنها إستراتيجية لتنظيم العلاقات بين الطبقات (Strategy of calls relationship) حيث يصبح دور الدولة هنا هو الإشراف على هذا التنظيم من أجل تحقق الاستقرار الاجتماعي، من خلال منح حقوق للمواطنين من أعلى، إلا أَنَّ هذه النظرية انتُقِدَت أيضا من حيث عدم تركيزها على وضع الجماعات الأصلية والعِرْقية عند تشكيل المواطنة الحديثة، وأيضا من حيث عدم تركيزها على دور المسيحية في تشكيل المواطنة، فمِن وجهة نظر ترنر (1986) أَنَّ الإسلام والمسيحية ساهما في تطوير المواطنة من خلال تبنيهما لخطابٍ عالمي (Universalistic discourse) للفضاء السياسي، أو بمعنى آخر نظرتهم إلى الأرض من حيث أنها مدينة الله أو أرض الإسلام، مما فرض تحديات على العِرقية والقرابة كروابط ابتدائية للجماعة الاجتماعية، وأصبحت الروابط الدينية هي الأساس الذي تُمْنَحُ في ضوئِهِ الحقوق، ويقدم ترنر مثالا واضحا للعلاقة بين الدين والسياسة ودورهما في تشكيل المواطنة، وهو تأسيس دولة إسرائيل التي قامت في البداية على أساس ديني يقوم على تجميع اليهود من مختلف دول العالم، ومنحهم المواطنة على أساس انتمائهم الديني لليهودية؛ ولذا فإن رؤية ترنر ربما ترفض نظرة الذين يرون عدم تأثير الدين في المواطنة، مِن الناحية التطبيقية نجد أنَّ الانتماء المذهبي لا يزال اليوم عاملاً مهما في الحصول على المواطنة الكاملة أو الحصول على مواطنة منقوصة.

كما انتُقِدَت هذه النظرية من حيث استثنائها لكفاح الجماعات المهمشة والمستضعفة مِن أسفل مِن أجل الحصول على حقوقها التي لم تحصل عليها إلا كمنحة مِن قِبَل البرجوازية المسيطرة على إدارة الموارد والسلطة؛ ولذا يمكن النظر إلى أَنَّ هناك طريقين للحصول على حقوق المواطنة في ظل تتبع تاريخ تطور المواطنة؛ هما: فكرة مانن (Mann) التي ترى أن الحقوق عبارة عن امتيازات (Privileges) تُمْنَح من أعلى مقابل التعاون والطاعة التي تقتضي تحقيق مصالح مشتركة، أما الطريق الثاني فهو الذي عَبَّر عنه آنجلز (Engels) الذي يرى أن الحقوق هي نتيجة كفاح راديكالي مِنْ قِبَل الجماعات المهمشة والمستضعفة، وخلص ترنر مِن هذا التطور إلى تطوير تصنيف مساعد (Heuristic typology) في فهم كيفية تكون المواطنة، وهو يتكون من بُعْدَين؛ هما: تكون المواطنة مِن أعلى، وتكون المواطنة مِن أسفل، علاوة على أربعة سياقات سياسية تاريخية ظهرت فيها هذه الأبعاد، وهي:

  • السياق الثوري (Revolutionary tradition) ويمكن اعتبار الثورة الفرنسية نموذجا له، وهو يعبر عن ثورة شعبية تقوم بتغيير شامل، يضمن للمواطنين حقوقهم.
  • السياق السلبي (Passive) وهنا تُمنح حقوق المواطنة مِن أعلى؛ ولذا لا يعترف بالمواطنين كمواطنين، إنما كرعايا، ومثال على ذلك الحالة الإنجليزية في القرن السابع عشر.
  • السياق الليبرالي (liberalism) وهنا يتم التركيز على المشاركة مِن أسفل، كما يتم التركيز على الخصوصية وقدسية الرأي الفردي، وتمثل أمريكا مثالا لهذا السياق.
  • السياق الفاشي (Fascism) ويظهر عندما تنهار الديمقراطية الثورية، وتتحول إلى نظام استبدادي شمولي أو فاشي، وفي وضع الديمقراطية الشمولية (Totalitarian democracy) تغلق الدولة المجال الخاص مِن التأثير في الشأن السياسي في سبيل تحقيق المساواة بين المواطنين، ونموذج هذا السياق هو ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية.

ويبدو أنَّ تارنر يركز في نقاشه لنشأة حقوق المواطنة على السياقات الغربية، ولكن هذه السياقات ظهرت أيضا في سياقات غير غربية، ومثال ذلك الحديث عن الثورة الإيرانية في عام 1979م والتي وضعت تأسيسا جديدا للمواطنة في إيران، ومثال السياق الإنجليزي هو نشأت دول الخليج حيث نظمت الدولة عملية منح حقوق المواطنة وتقنينها. وهكذا فإن هذا التصنيف يعتبر عاملاً مساعدًا في فهم نشأة المواطنة وحقوقها في أكثر من فترة تاريخية، وأيضا عاملاً مساعدًا في التنبؤ بالتحديات التي تواجه كل سياق مستقبلاً.

إن نظرية المواطنة لا تزال مجالاً خصبًا للنقاشات لفهم حركة التطور في كيفية تأسيس العلاقة بين الفرد والسلطة، أو بين المواطنين والدولة، ولقد ظهر أَنَّ هذه النظرية تركز على اتجاهين؛ بناء المواطنة مِن أعلى أو بناؤها من أسفل، وفي كلا الحالتين يبدو أَنَّ المواطنة ليست فكرة ثابتة، إنما هي متغيرة بتطور التاريخ الإنساني، فالعولمة قادت إلى مزيد مِن هيمنة سلطة المنظمات والمؤسسات الأممية، مما قاد إلى ظهور أشكال أخرى مِن المواطنة، مثل المواطنة العالمية (Global citizenship) كما قاد التقدم والتطور التكنولوجي إلى ظهور ما يسمى بالمواطنة الرقمية (Digital citizenship) وبالتالي تبدو الحاجة ماسة إلى مزيد مِن البحث لفهم أين يمكن وضع هذه الأشكال الجديدة من المواطنة في إطار التصنيف الذي وضعه ترنر في نظريته للمواطنة.

7,215 total views, 8 views today