عاطفة المسكرية

يكثُر الجدلُ عِند الحديث عن النصفِ الآخر للجنس البشري -المرأة- في الكثيرِ من المواضيع، على المستوييْن المحلي والعالمي، وينطبقُ ذلك على الماضي والحاضر كذلك؛ ويتضح هذا الجدل والاختلاف إذا ما جِئنا نُقَارن بَيْن وضع المرأة في أبرز الحضارات التاريخية، وأيضا إذا ما نَظَرْنا للأديانِ السماويةِ؛ كونها تُشكِّل جزءًا كبيرا من النظرة الكونية للأفراد، نجد هذا الجدل حاضرا.

إنَّ الله -سبحانه وتعالى- خَلَق المرأة من ضِلع آدم، وفقًا لديننا الحنيف؛ لتشكل النصفَ الآخر من الجنس البشري، ولتتقلد أدوارا لا تقل أهمية عن تلك التي تقلدها الرجل. عدا أنَّ ذلك لم يكن معترفا به عبر التاريخ، وفي الكثير من الحضارات، في أزمنة طويلة.. بعضها بَقِي إلى الآن يستنقصُ من المرأة ككيان، والبعض الآخر لا يزال في طريق تعديل المفاهيم المتعلقة بها. وبالعودة لتاريخ الحضارات، نجد أنَّ الحضارة الفرعونية كانت أنموذجًا في تقديس المرأة؛ حيث كان لها نصيب في الحكم، وفي الورث، وكانت أعلى شأنا في الأمور المتعلقة بالزواج. بل إنَّ بعضًا من الآلهة المعبودة لديهم كُنَّ من النساء. إنَّ المصريين القدامى لهم سابقة في نساء تولَّين المُلك؛ من أمثال: أم الملك خوفو؛ وخنت، ابنة الفرعون منقرع؛ إباح حتب، ملكة طيبة؛ حتشبسوت؛ تي زوجة إخناتون وكليوباترا. كما عملت المرأة بالقضاء؛ مثل: نبت، حماة الملك تيتي الأول من الأسرة السادسة”. وتشير الكثير من الأدلة التاريخية إلى أنَّ الحضارة المصرية جُبلت على المساواة كأمر فطري يتحتَّم عليه تطبيق ذلك في التشريعات المرتبطة بالمرأة بشكل مباشر أو غير مباشر. إلا أنَّ الوضع كان مُختلفا في الحضارة الإغريقية؛ فقد كُنَّ -النساء- أقل قدرًا من الرجال في كافة مناحي الحياة؛ حيث كانت المجتمعات قائمة على مصلحة المجموعة أو الأسرة أكثر من الفرد ذاته، بجانب ذلك كانت المجتمعات أبوية بحتة. ويتَّضح ذلك من خلال آراء بعض فلاسفة الإغريق عن المرأة؛ من أمثال: أرسطو، وسقراط. عدا أننا عند النظر نحو آراء هؤلاء الفلاسفة، فلا بد من مراعاة الظروف الشخصية والبيئة المحيطة بهم؛ فيتضح أن البعض منهم عاشوا حياة سيئة برُفقة زوجاتهم؛ مما يخلق انطباعا سيئا لديهم عن المرأة بشكل عام، وبالطبع لا يُشترط ذلك، إلا أنه قد يصبح عنصرا مُتوقعا أسهم في خلق هذه النظرة لدى بعض الفلاسفة. أما بالنسبة للحضارة الرومانية، فقد كان وضع المرأة أسوأ ما يكون حيث كانت النظرة الدونية هي النظرة الغالبة في التعامل معها؛ فقد كانت دوما تابعة للرجل أيًّا كان، وليست لها حقوق مملوكة؛ حيث ينتقل ما تملكه تلقائيًّا من والدها لزوجها. وعلى الرغم من كثرة المشرِّعين الرومان في تلك الفترة، إلا أنهم تجاهلوا المرأة والحقوق التي من المفترض أن تُمنح لها. ننتقل بعد ذلك نحو النظرة التي كان يُنظر بها إلى المرأة في الأديان السماوية الثلاث؛ فتختلفُ النظرة في الإسلام عمَّا هي عليه في المسيحية وفي اليهودية كذلك. ففي الإسلام وردت آيات كثيرة فيها تقدير لدور المرأة؛ سواء كانت أمًّا، أو زوجة، أو ابنة، أو أختًا، وفي قوله تعالى: “إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا” (الأحزاب:35) فهنا دلالة واضحة على تكريم الرجل والمرأة معًا دون تفرقة في حال توافر بعض الشروط. وعلى الرغم من ذلك، تكثر التفرقة في الكثير من المجتمعات المسلمة وغير المسلمة، مع أنَّ المرأة لا تقل شأنا عن الرجل، وحتى في الأمور التي قد تبدو فيه ظاهريا لها نصيب أقل من الرجل، فخلف كل ذلك حِكمة أعمق من أن يُفسِّرها من بدأ يقرأ حديثا في أمور الدين؛ فالإنسان بطبيعته عدو ما يجهل وما لا يفهم. الإسلام دين ذو عمقٍ، ويحتاج إلى قراءات متعمِّقة مُتأنية لفهم كافة الأحكام التي جاء بها، والكيفية التي تخدم الرجل والمرأة معا، وأغلب هؤلاء الذين يهاجمون المرأة في الإسلام ما زالوا إمَّا حديثي القراءة والبحث في الأمور الدينية، وإما أنهم ما زالوا في منتصف الطريق؛ حيث يقال إن أول شربة تشربها من كأس العلوم الطبيعية ستحوِّلك لمُلحد، لكنك ستجد الإله ينتظرك في نهاية الكأس، وهذا ما يحدث بالفعل مع أولئك الذين يستمرون بالبحث؛ لأنَّ البقاء في منتصف الطريق يخلق حالة من الشك لا ترتاح نفس الإنسان بالمكوث فيها فترة طويلة. أما بالنسبة للمرأة عند المسيح، فبرز دورها في بعض العصور، وحدث العكس في عصور أخرى. فمن المتعارف عليه تكريم المرأة في أغلب كنائس العالم، وينعكسُ ذلك على تكريمهم، تحديدا لمريم العذراء ودورها العقائدي فيه. وإضافة لذلك، هناك تقاليد تعاديها المسيحية؛ مثل: تعدد الزوجات والطلاق في أحد المذاهب الأساسية عند المسيح؛ لما فيه -من وجهة نظرهم- تقليل لمكانة المرأة. أما بالنسبة لليهودية، فالنساء اللائي ذُكرن في الكتب المقدسة قُدِّست أدوارهن، بجانب ذلك وجدت بعض التشريعات التي ألزمت الرجل توفير احتياجات كلٍّ من الزوجة والأبناء والعبيد. أما في الأمور الحياتية الأخرى المتعلقة بالرجل والمرأة، فتنحازُ التشريعات لصالح الرجل غالبا؛ ومثال ذلك: لم يكن من حق المرأة أن تتملَّك وحتى بعد وفاة زوجها، إلا في الحالات والظروف الاستثنائية، ولكن تغيَّرت هذه التشريعات لاحقا في الأمور المتعلقة برابطة الزواج تحديدًا. بعد مرور آلاف السنوات وتغيُّر الظروف، تغيَّرت معها الثقافة المترسخة عن دور المرأة في كافة المجتمعات. فأصبحت المرأة تُسهم في العديد من المجتمعات في جوانب كثيرة كالجانب السياسي، والثقافي والاقتصادي. ومع ذلك، وفي بعض الأحيان، نجد أنه وفي المجتمع الواحد يختلف الأفراد في نظرتهم لدور المرأة، وكيفية مساهمتها في هذه الجوانب، ولا تزال هذه الاختلافات قائمة حتى في أكثر الدول تقدما؛ ففي الجانب السياسي مثلا، وتحديدا مشاركة المرأة السياسية، نجد أنه وحتى عقود قريبة لم يكن يُسمح للمرأة بالترشح في البرلمانات ولا الإدلاء بصوتها. ففي أغلب الدول المتقدمة، سُمح للمرأة بالتصويت في بدايات ومنتصف القرن العشرين، وفي دول أخرى من العالم أتيح للمرأة التصويت قبل فترة تقل عن 10 أعوام. وما زالت أعداد النساء اللاتي يتقلدن المناصب السياسية والإدارية حول العالم قليلة جدًّا، مقارنة بنسبة النساء من إجمالي سكان العالم، على الرغم من أنهن قُمن بأداء أدوارهن فيها على أتم وجه. إنَّ الوصول لمستويات مرتفعة من مشاركة المرأة في كافة المجالات الحياتية يتطلب ثقة ووقتا ليس بالقصير حتى تستوعب المجتمعات -التي نشأت على النظام الأبوي- هذا الأمر. عندما نأخذ دولة من الدول كسلطنة عُمان مثلا -كنموذج لدراسة هذا الأمر- نجد أنَّ التشريعات والقوانين تمنح المرأة كافة حقوقها التي تجعلها مساوية للرجل تقريبا، إلا أننا عندما نقترب من الواقع نجد أن الأمر يختلف كثيرا عمَّا منحته إياها التشريعات. وتُشير أصابع الاتهام إلى المجتمع في ذلك؛ فالمرأة العُمانية قفزت قفزة هائلة في عصر النهضة، فأصبح بإمكانها تقلُّد كل المناصب قانونيًّا متى ما سمح لها المجتمع بذلك، بأن يمنحها الثقة والدعم الكامليْن. ويعدُّ البرلمان العُماني نموذجًا لذلك؛ حيث تقل أعداد النساء فيه، مقارنة بأعداد الرجال، ولكن يُعتبر النساء أكثر عددا بالتعيين في مجلس الدولة مقارنة بمجلس الشورى. وفي هذا السياق، من الجدير بالذكر ثقة صاحب الجلالة بالمرأة العُمانية، ومنحها حق تقلد مناصب كثيرة لم تكن متاحة للمرأة في السابق، إضافة إلى تخصيص يوم يُحتفل فيه بالمرأة العُمانية. واليوم تتولى المرأة العُمانية عدة مناصب إدارية وسياسية، وتؤدي دورها بكفاءة عالية يُشهَد لها بها من قِبَل أفراد المجتمع العُماني كافة؛ مما يخلُق نظرة ثقة نحو قُدرة المرأة على المساهمة والانخراط في كافة مجالات العمل التي لا يقتصر العمل فيها على الرجال بالضرورة.

207 total views, 2 views today