RMJ

رضا‭ ‬بن‭ ‬مهدي‭ ‬بن‭ ‬جواد‭ ‬اللواتي

في‭ ‬وصيَّتهِ،‭ ‬التي‭ ‬نُشِرَت‭ ‬بعد‭ ‬وفاته،‭ ‬أَوْصَى‭ ‬ألفريد‭ ‬نوبل‭ ‬بأنْ‭ ‬تُمنح‭ ‬جوائز‭ ‬سنويَّة‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وجائزة‭ ‬أدبية‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬مثالي‭ “‬أيديا‭ ‬ليتيك‭”‬،‭ ‬ودأبتْ‭ ‬اللجنة‭ ‬مُنذئذ‭ ‬بمنحها‭ ‬في‭ ‬الآداب‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الرِّواية‭. ‬ولا‭ ‬نعلم‭ ‬تحديدًا‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرمِي‭ ‬إليه‭ ‬نوبل‭ ‬عِندما‭ ‬أطلقَ‭ ‬كلمة‭ ‬المثالية‭ ‬في‭ ‬وصيَّته‭: ‬هل‭ ‬كانتْ‭ ‬شاملة‭ ‬للفروع‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬الإنسانيات‭ -‬مثل‭ ‬الفلسفة‭- ‬أم‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يَرْمِي‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬تحديدًا‭ ‬الأدب‭ ‬بمعناها‭ ‬الضيِّق‭.‬

ولكنْ‭ ‬ظلَّ‭ ‬السؤالُ‭ ‬الجوهريُّ‭ ‬قائمًا،‭ ‬ويُلَاحق‭ ‬البشريَّة؛‭ ‬وهو‭: ‬هل‭ ‬الحروب‭ ‬والمجاعات‭ ‬والدَّمار‭ ‬سببُها‭ ‬المواد‭ ‬الكيميائيَّة‭ ‬التي‭ ‬وظَّفها‭ ‬أمثالُ‭ ‬ألفريد‭ ‬نوبل‭ ‬لصِناعة‭ ‬الأسلحة‭ ‬المدمِّرة،‭ ‬أو‭ ‬نظريات‭ ‬آينشتاين‭ ‬في‭ ‬الذَّرة‭ ‬والتي‭ ‬كانتْ‭ ‬السببَ‭ ‬المباشر‭ ‬وراء‭ ‬صُنع‭ ‬القنبلة‭ ‬الذرية،‭ ‬والتي‭ ‬أتَت‭ ‬على‭ ‬مِئات‭ ‬الألوف‭ ‬مِن‭ ‬البشر‭ ‬فِي‭ ‬لحظةٍ‭ ‬واحدةٍ؟‭ ‬أم‭ ‬أنَّ‭ ‬السُّؤال‭ ‬يَجِب‭ ‬أنْ‭ ‬يتَّجه‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬أخلاقيَّات‭ “‬العلماء‭” ‬والتعليم‭ ‬بشكل‭ ‬عام؛‭ ‬بحيث‭ ‬أَصْبَح‭ ‬التركيز‭ ‬كلَّ‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬دِرَاسة‭ ‬العُلوم‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬والعلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬تحديداً،‭ ‬وأخذت‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬مقعدَ‭ ‬الدرجة‭ ‬السياحيَّة‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الحالات؟‭ ‬هذا‭ ‬السُّؤال،‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬الأسئلة،‭ ‬هو‭ ‬مِحْوَر‭ ‬دراسة‭ ‬جُملة‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬فِي‭ ‬الحُقول‭ ‬الإنسانيَّة‭ ‬في‭ ‬الآونةِ‭ ‬الأخيرةِ،‭ ‬وتزدادُ‭ ‬تألقا‭ ‬كُلَّما‭ ‬ازدادتْ‭ ‬مُعَاناة‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والمجاعات،‭ ‬والتي‭ ‬يُسبِّبها‭ ‬الإنسان‭ ‬ضد‭ ‬أخيه‭ ‬الإنسان؛‭ ‬حيث‭ ‬نعلم‭ ‬جيداً‭ ‬أنَّ‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬مِحوَر‭ ‬دراسات‭ ‬عُلماء‭ ‬الطبيعة،‭ ‬أو‭ ‬مِحوَر‭ ‬اهتمامِ‭ ‬الحُكومات‭ ‬التي‭ ‬تَقْتَات‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬النظريات،‭ ‬أو‭ ‬الشَّرِكات‭ ‬الصناعيَّة‭ ‬التي‭ ‬تُسخِّر‭ ‬كلَّ‭ ‬إمكانياتها‭ ‬لتطبيق‭ ‬هذه‭ ‬النظريات‭ ‬لصناعة‭ ‬الأسلحة‭ ‬الفتاكة،‭ ‬وبَيْعِها‭ ‬للجُهال‭ ‬والمجانين‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الكوكب،‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬بدوره‭ ‬يئن‭ ‬ليلَ‭ ‬نهار‭ ‬بسَبَب‭ ‬استغلالِه،‭ ‬وعَدَم‭ ‬مُرَاعاة‭ ‬أبسط‭ ‬مُتطلباتِهِ‭ ‬البيئيَّة‭.‬

مُنذ‭ ‬عِدَّة‭ ‬أعوام،‭ ‬برزتْ‭ ‬مُؤسسة‭ ‬برجرين،‭ ‬والتي‭ ‬كانَ‭ ‬لها‭ ‬الدَّوْر‭ ‬الإيجابي‭ ‬في‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬حَقْل‭ ‬الإنسانيات،‭ ‬خُصُوصا‭ ‬الفلسفة‭ ‬منها؛‭ ‬وذلك‭ ‬بمَنْح‭ ‬أحد‭ ‬المتخصِّصين‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬جائزة‭ ‬سنويَّة‭ ‬تُقدَّر‭ ‬بمليون‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي،‭ ‬والتي‭ ‬يَعتَبرها‭ ‬بعضُ‭ ‬المفكرين‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬لعالمٍ‭ ‬أثْرَى‭ ‬المجال‭ ‬الإنساني‭ ‬ببحوثه‭ ‬وأفكاره،‭ ‬التي‭ ‬أسهمتْ‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬طُرق‭ ‬وأنماط‭ ‬من‭ ‬الحِكمة‭ ‬والمَعْرفة‭ ‬لتحسين‭ ‬فهم‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حولنا،‭ ‬في‭ ‬ظلِّ‭ ‬التحوُّلات‭: ‬الاجتماعيَّة،‭ ‬والتكنولوجيَّة،‭ ‬والسياسيَّة،‭ ‬والثقافيَّة،‭ ‬والسياسيَّة،‭ ‬والاقتصاديَّة‭ ‬العميقة‭ ‬والمتسارعة‭ ‬حولنا؛‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬أو‭ ‬الغرب‭. ‬وكانتْ‭ ‬الجائزة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الكندي‭ ‬تشارلز‭ ‬تايلور،‭ ‬والذي‭ ‬عُرِف‭ ‬ببحوثه‭ ‬في‭ ‬الهُويات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وفي‭ ‬الفلسفة‭ ‬التحليلية‭…‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المجالات‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬كانتْ‭ ‬الجائزة‭ ‬من‭ ‬نَصِيب‭ ‬البروفيسورة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مارثا‭ ‬نوسباوم،‭ ‬والتي‭ ‬برزتْ‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البحوث‭ ‬الإنسانية‭ ‬المختلفة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬الدَّور‭ ‬الأنثوي‭ ‬في‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وأهمية‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬للتطوُّر‭ ‬الديمُقراطي؛‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬كتابها‭ ‬الشهير‭ ‬الذي‭ ‬تُرْجِم‭ ‬مُؤخرًا‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بعنوان‭ “‬ليس‭ ‬للربح‭”‬؛‭ ‬حيث‭ ‬تُؤكِّد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ -‬مُوجِّهة‭ ‬خطابَها‭ ‬لبنِي‭ ‬جِلدتها‭- ‬أن‭ “‬مع‭ ‬الاندفاع‭ ‬للربح‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمي،‭ ‬فإنَّ‭ ‬قيمًا‭ ‬غالية‭ ‬لمستقبل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬مُعرَّضة‭ ‬للفقد،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬القلقِ‭ ‬الدينيِّ‭ ‬والاقتصاديِّ؛‭ ‬حيث‭ ‬يُوحِي‭ ‬دافع‭ ‬الربح‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬المهتمين‭ ‬بأنَّ‭ ‬العلوم‭ ‬والتقنية‭ ‬حاسما‭ ‬الأهمية‭ ‬لمستقبلٍ‭ ‬سليمٍ‭ ‬لبلدانهم‭”‬؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأنَّ‭ ‬نوسباوم‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ “‬إنتاج‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إنتاجا‭ ‬للديمقراطية‭” ‬أو‭ ‬إنتاجٌ‭ ‬للقيم‭ ‬الإنسانية‭.‬

إنَّ‭ ‬الاندفاعَ‭ ‬الشديد‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الحافز‭ ‬الأخلاقي‭ ‬وجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬محور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتقنية‭ ‬والإنتاج‭ ‬المعرفي،‭ ‬حتمًا‭ ‬ستكُون‭ ‬له‭ ‬عَوَاقب‭ ‬وخِيمة‭ ‬على‭ ‬البشرية،‭ ‬وعلى‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬وَهَبَنا‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬إيَّاهَا،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يَعْني‭ ‬عدم‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وعدم‭ ‬التعلم،‭ ‬وعدم‭ ‬البحث‭ ‬والإبداع،‭ ‬ولكنَّ‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الأهداف‭ ‬غير‭ ‬المادية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬البحوث‭ ‬العلمية،‭ ‬وإرجاع‭ ‬البوصلة‭ ‬إلى‭ ‬مسارها‭.‬

وفي‭ ‬نُوفمبر؛‭ ‬حيث‭ ‬يتَّجه‭ ‬كلُّ‭ ‬إنسان‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬البسيطة‭ ‬إلى‭ ‬الاحتفال‭ ‬باليوم‭ ‬المجيد‭ ‬لميلاد‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ ‬المعظم،‭ ‬فلا‭ ‬يسعُنا‭ ‬إلا‭ ‬أنْ‭ ‬ندعُو‭ ‬له‭ ‬بدوام‭ ‬الصحة‭ ‬والعافية،‭ ‬والعمر‭ ‬المديد‭.. ‬والحمد‭ ‬لله‭ ‬ربِّ‭ ‬العالمين‭.‬

40 total views, 2 views today