آمال المزوري
كاتبة من المغرب


رائحة زكية بأرض اللبان الفيحاء العامرة، تمتزج بأرقى البخور وأجمل العطور تمتد على طول شارع مطرح البحري، عن يميني سور يحاكي كل زائر بعظمته التاريخية الجليلة تحيط به كنوز دفينة، يجعلك تحس بالاطمئنان والحنين، ويبعد عنك مشاق الدنيا والأنين، وكأنه إسورة في معصم حَوَت كلَّ شيء جميل، وعن  يسارك شاطئ يعانقك بزرقة مياهه ورذاذ مَوجه تسمع صوته مرحبا بك لترفع عينك في ذهول نحو المراكب الرَّاسية على المرفأ، لتجد نفسك متسمِّرا ومحدِّقا في جمالية السَّفينة السُّلطانية البهيَّة، تشدُّ انتباهك في ذهول وحيرة لتغفو للحظة ولا تستفيق إلا على صراخ النَّوارس هنا وهناك مرحبة بك هي الأخرى جنبات الشارع مليئة بعاشقي البحر والمنتشرة بشكل كبير، واللافت للانتباه نظافة قل نظيرها فلا اثر للأزبال على الارض نهائيا.

 ينزوي عل الدَّكة رجل خفيف السُّمرة، باسم الوجه حليق الرأس لا تفارق أبد شفتيه الابتسامة، سمعت عنه كثيرا فيما سبق، قيل لي انه دائم التجوال بين الدروب والازقة والساحات يتخذ الشاطئ ملاذا له إنه داوود حنوط بأسماله البالية يكلم نفسه تارة ويبتسم تارة أخرى فليس من العادة أن تراه جالسا، و أول ما يصيب العين عند رؤيته الشيول الصدأ الذي يحمله في فخر كأنه صولجان، أعرف أن هؤولاء الأشخاص جد طيِّبون ومسالمون ليس بحمقى بل هم مجاذيب، اقترب منه لأحدثه يشجعني بالاقتراب أكثر مبتسما لي وكان بيننا ميعاد مسبق، نجلس سويا لنحملق في البحر أطلت معه الحديث ليحكي لي بعبارات غير مفهومة وأنا متجاوبة معه في الحديث احاول ان افك شيفة قلبه المتيم، بعد ان أدركت أنها قصة حبيبته أذرف بعض الدموع تاركتا اخاديد على بشرة خده الجافة تسللت إلى دواخلي فبكيت خلسة لحاله ومآله سبحت قليلا بتفكيري فقلت له متنهدة:

– عمو داوود، مكانك بأرض الأولياء الناصحين يكفي تعايشك مع الطاهرين الصالحين، فكلامك فيه ما يستحسن ويستطرف ويستملح ويستظرف، ولصرت بينهم تطالع الكف وتندر النجوم، ولجعلوا لك أساطيرا وحكايات ومزارا شريفا ومقاما كريما، ولأصبح لك شيعا وموردين يقبلون شيولك ويقدسونه، ولوجدت ألف امرأة وامرأة عساها تعوضك عن مريم، فبما عساي أكرمك فمن كان يدري لو كانت باقية على قيد الحياة ماذا كان أو سيكون من شأنك ربما تعلو بك المراتب وتكون أحد الكتاب أو الشعراء، الأئمة أو الخطباء، المؤذنين أو الفقهاء، الواعظين أو العلماء وما أدرنا بأن الحالة هاته أبعدتك عن المارقين و الاغبياء، الطفيليين و البخلاء، المتصنعين او اصحاب الرِّياء دقائق معدودة وكأنها ساعات طوال.

أتنهد وأودعه في صمت ففي مجالسته سكينة للروح لأجد ورائنا مسجد بطراز جميل وبناء مغاير لما عاهدته، كتب عليه مسجد الرسول الأعظم استمد لون قبته وشموخ مئذنته التي على شكل منارة من زرقة مياه البحرعلى مقربة منه باب كبير هو مدخل لعتبة سور اللواتيا منازل مصفوفة ومرصوصة بالوان بيضاء ناصعة ومثيرة بشرفاتها الخشبية الجميلة، أجول بنظري إلى غاية باب آخر عال به أدراج ذو شرفة كتب فوقها سوق مطرح، يظهر من بعيد وكأن ورائه نقطة مظلمة في سبحة بيضاء مشعة، به حركة دؤوبة يبدو أنه قلب المدينة النابض.

  شيء ما يجلبني إيه بشدة تتسابق وتتسارع الخطى نحوه، تنبعث منه أزكى روائح بخور اللبان تأسرك وتجعلك تقترب.

 عند بابه حركة غير عادية من المارة، أغلبهم يرفلون في دشداشة بيضاء بياض قلوبهم الصفية النقية، اتجه نحوهم فلا احد ينظر اليك او يحملق فيك لأجد به أسقف خشبية غاية في الرَّوعة تجعلك مشدوها غير آبه بمن حولك، النساء هنا غالبيتهم بعباءات سوداء تتخطى اقدامهن يحرصن كثيرا على التزين بمستحضرات التجميل تفوح منهم روائح طيبة حقا انهن انيقات وبين ممراته المتعرجة الطويلة التي تستدرجك رويدا رويدا حتى تجد نفسك متوغلا بداخلها لا وجود لضوء الشمس بها نهائيا، محلاته وبازاراته متراصة يمينا ويسارا كأنها جواهر عقد، يبادلونك أصحابها بتحية ملؤها الابتسامة، اقف امام محل به من الهدايا ما يحبس انفاسك اسال عن ثمن بعضها فأجده يفوق قدرة ما احمله معي منمال ذلك اليوم اعده بزيارة ثانية فيمدني بهدايا غير مكترث بالأداء ردت فعله كانت صادمة مع علمي بكرم العمانيين لأجد نفسي عند نقطة النهاية باب الخروج من السوق لمعرفة أغوار المدينة القديمة، تذكرني بمرتع الطفولة والصبا أحس بداخلها بنفحات روحانية فللمكان قدسية غير عادية، أعشق التسكع في الأزقة القديمة وبين دروبها الضيقة، جمع من الأطفال الصغار كخلية نحل يلتقونني عند نهاية زقاق منحرف تبدو عليهم الغبطة والسرور قسمات وجوههم تملؤها السعادة والشوق واللهفة المعرفة والتطلع فلا وجود للحزن والكآبة بينهم، فنادرا ما يمر غريب  بينهم يلبسون ثيابا عمانية جميلة تختلف ألوانها على رؤوسهم كمة متناسقة الألوان بها زركشات تنساب مع لباسهم وكأنهم قطع فسيفساء على لوحة قماش تذكرني بلوحات الخال وإبداعاته اللامتناهية التي فقدها مع توالي السنين والأعوام وقد يكون لي دخل في ذلك.

 فئة منهم تلعب بعض الألعاب، تجسدت أمامي أروع أيام طفولتي فحاولت أن أسألهم عنها قبل أن أشاركهم بعضها فوجدتهم متحلقين حول لعبة عبارة عن مربعات صغيرة بها أحجار صغيرة تقريبا من نفس الحجم، تلعب بشكل غريب حاولت أن أجربها فلم أفلح فقال لي أزد وهو خجلان: هذه لعبة الحواليس وفي لعب كثيرة جيدا من الأحسن أن تلعبي لعبة الحميمة أو سلوم بلوم فهما أسهل فتعالت القهقهات فيما بينهم وكأنهم يسخون مني لعدم فهمي للعبة انسجمت معهم لأن ذاكرتي مازلت تحمل بعض رواسب الطفولة التي من الصعب أن تمحى بل تظل عالقة يحركها أي نسيم عابر أتلقاه بالصدفة، التقي بين الفينة والأخرى اسالهم بدوي، قادما بعكس اتجاهي يحيني بابتسامة مشرقة تحاكي سماحة ورقة وأدب العمانيين فطبيعة السكان هنا مختلفة جدا عن الباقي الناس هنا لطفاء جدا، أغير اتجاهي صعودا في اتجاه طريق منعرج رغم حرارة الجو لتبدو لي المبخرة البيضاء في الاعلى وكأن مدينة مطرح كلها تتعطر بها وتتبخر درءا لكل عين حاسدة حقودة ليبدو لي منظر بانورامي على طول مدى البصر وكأنها وضعت بين كفتي رجل صالح يهم بالدعاء.

صور جميلة ورائعة تختلف تيماتها لتتوحد في مدينة مطرح المتشبتة بجمالها وكانها عروس ليلة الدخلة تكتسي طابعا ليس كمثيلاتها من المدن شريط ذكريات وخواطر مر من أمامي في غفوة وأنا أرتشف كأس شاي منعنع على أريكة جدتي الخشبية بعد ما كنت أتصفح عناوين كتب حملتها معي لتربطني بذلك المكان حتى اصبحت عالقة في ذاكرتي لاحن إلى زيارته ومجالسة سكانه في ظل حجر صحي أوقف عداد الزمان .