د‭ .‬إحسان‭ ‬بن‭ ‬صادق‭ ‬اللواتي
كاتب‭ ‬وباحث

‭”‬وَقُلْ‭ ‬لِعِبَادِي‭ ‬يَقُوْلُوا‭ ‬الَّتِي‭ ‬هِيَ‭ ‬أَحْسَن،‭ ‬إنَّ‭ ‬الشَّيْطَانَ‭ ‬يَنْزِغُ‭ ‬بَيْنَهُم،‭ ‬إنَّ‭ ‬الشَّيْطَانَ‭ ‬كَانَ‭ ‬للإِنْسَانِ‭ ‬عَدُوًّا‭ ‬مُبِينًا‭”.‬
‭———‬

في الآية الشَّريفة خطابٌ مُوجَّه إلى خاتم الرُّسل مُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم، يُطَالِبه بأنْ يُخاطب أناسًا وصفتهم الآية بـ”عِبَادِي”، ويُطالِبهم بأن “يقولوا التي هي أحسن”، فمَن هؤلاء العِبَاد المقصودون؟ وما مَعنى قول: “التي هي أحسن”؟

هُنَا قولان عند المفسِّرين:

فأمَّا القولُ الأوَّل، فيذهب أصحابُه إلى كَوْن المقصودين هُنا هم المشركون، فهُم وإنْ كانوا منحرفين عن الحق، لكنَّ البيان القرآني يستهدف تحريك عواطفهم الإنسانية؛ فيصفهم بهذا الوَصْف الجذاب المحبب “عِبَادِي”، ويدعُوهم إلى قَول الأحسن، والمقصود به كلمة التوحيد وترك الشرك.

أمَّا القولُ الآخر، فيختَار مناصروه أنَّ المقصودين هم المؤمنون، والإضافة إلى ياء المتكلم الرَّاجعة إلى ربِّ العزة “عِبَادِي” هي إضافة تشريفية؛ مثل التي في: بيت الله، وشهر الله. وتريدُ الآية -بناءً على هذا- أنْ تعلِّم المؤمنين طريقة النقاش مع الكافرين والمنحرفين، فلا بد أن تكون بـ”التي هي أحسن”.

هَذا القول هو الأشهر عِند المفسِّرين، وهو الأرجح؛ لأنَّه لم يُعهد في أسلوب القرآن الكريم أن يستعمل هذا الوصف الشريف “عِبَادِي” في الحديث عن المشركين؛ فهو وصفٌ أشبه بأن يكون للمؤمنين وألصق بشأنهم. ثم إنَّ هذا القول ينسجم مع الأخبار الواردة في سبب النزول، من أنَّ المشركين كانوا يضيِّقون على المسلمين الأوائل في مكة؛ فكان بعضُهم يأتي رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأذنه في قتالهم، ويجيبه صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه لم يُؤذن بقتال، وإنَّما تنبغي مُجادلتهم بالتي هي أحسن، فمهما أخطؤوا في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين قولًا وفعلًا، فإنَّ هذا كله ينبغي ألَّا يجعل المسلمين يتصرفون بمنطق ردود الأفعال فيردُّون السُّباب بسُباب والأذى بمثله، بل عليهم أن يحفظوا ما تقتضيه التقوى، فلا يقولوا إلا التي هي أحسن، ولا يتصرفوا إلا بما يرضي ربهم.

ولا تكتفِي الآية بخِطَابِها هذا حتى تعلِّله وتبيِّن ما وراءه: “إنَّ الشَّيْطَان يَنْزِغُ بَيْنَهُم”.. “النزغ” في اللغة هو “دخول في أمر لإفساده”؛ فالشيطان يتحيَّن هذه الفرص التي تتيح له المجال للتسرب في الحياة الاجتماعية ومحاولة إفساد العلاقات بين الناس. وإذا لم يتحكَّم المؤمنون في كلامهم الذي يصدر عنهم، فإنَّهم سيعطون للشيطان السَّطوة التامة والقيادة الفعلية للحركة الاجتماعية والارتباطات فيما بين أبناء المجتمع، بل قد يحاول الشيطان “النفوذ إلى قلوب المؤمنين لإفسادها”. ومن الجليِّ أنَّ هذا ليست فيه أية مصلحة لأي مجتمع، وأنَّى للشيطان أن يسعى لمصلحة الناس؟ فهو لا يحمل لهم إلا العداوة البيّنة “إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ للإِنْسَانِ عَدوًّا مُبِينًا”.

هذا.. وفي الآية الكريمة دُرُوس مُهمَّة:

* الدرس الأول:

يُريد القرآنُ الكريم أنْ نجعل مُنطلقنا في حوارنا مع الآخرين هو منطلق العبودية لربِّنا: “وَقُلْ لعِبَادِي يَقُوْلُوا…”؛ فَمِن العبودية ننطلق، وإليها نَستند في كلِّ ما نقوله لغيرنا؛ فلا مَجَال للتحدُّث اعتمادًا على المزاج الشخصي والعواطف الذاتية والميول، وليس مقبولًا أن يكون كلام المسلم مُنطلقًا من دَافِع ردِّة الفعل فقط، دونما تحكيم للعقل والمنطق، حتى عندما يكون الوضع حرجًا ومُتشنجًا، كالوضع الحسَّاس الحَرِج الذي نزلتْ فيه الآية الكريمة، حينما كانَ الكافرون يؤذون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بأفعالهم وأقوالهم، ويستثيرُون نقمتهم وغضبهم؛ فحتى في أوضاع بالغةٍ درجةً عالية من التوتر كهذه لم يأذن القرآن للمسلمين في أن يستعملوا من الكلام ما أرادوا، بل ذكَّرهم بعبوديتِهم لربهم، وأراد منهم أن يلتزموا بما تقتضيه، وهي تقتضي قطعًا أن يتدبَّروا عاقبة كلامهم. وهذا ما تحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ قال: “إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتُب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتبُ الله بها سخطه إلى يوم يلقاه”. وأشار أمير المؤمنين علي -عليه السلام- إلى القضية ذاتها؛ حين قال: “كلامك محفوظ عليك، مخلَّد في صحيفتك، فاجعله فيما يزلفك”.

* الدرس الثاني:

لا يكفي -في المنظور القرآني- أنْ نسعَى إلى جعل كلامنا مع غيرنا حَسَنًا؛ فلا بد من البحث عن “التِي هِيَ أَحْسَن”؛ أي أنْ نرفع من مستوى طموحاتنا في هذا المجال؛ فلا نقنع بالحسن وحده، بل نُحاول الوصول إلى الأحسن. وهذا البيانُ القرآنيُّ يجأر بالأهمية التي يُوليها الإسلام هذه القضية، وبمَدَى حِرْصِه الشديد على أن يسلك المسلمون سبيلَ الدقة في انتقاء كلامهم مع الآخرين. رُوي أنَّ الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- سُئل: “أي شيء مما خلق الله أحسن؟ فقال: الكلام، فقيل: أي شيء مما خَلَق الله أقبح؟ قال: الكلام، ثم قال: بالكلام ابيضَّت الوجوه، وبالكلام اسودَّت الوجوه”.

* الدرس الثالث:

“أَحْسَن”.. جاء هنا وصفًا مُطلقًا؛ فهو شامل للمضمون والصِّياغة كليهما، وهذان جانبان يستحقان منَّا مزيدًا من الاهتمام والعناية: فأما المضمون؛ فالإسلام يهتم به اهتمامًا عظيمًا؛ إذ لا يصح أن يكون كلامنا حاويًا مضامينَ مستهجنة، فعن أمير المؤمنين -عليه السلام- أنه قال: “إياك وما يُستهجن من الكلام، فإنه يحبس عليك اللئام، وينفِّر عنك الكرام”، وقال أيضًا: “من ساء كلامه كثر ملامه”.

وليس من المقبول أيضًا من المسلم أن يشغل نفسه وغيره بفضول الكلام الذي لا يعنيه؛ فقد مرَّ أميرُ المؤمنين علي -عليه السلام- برجل يتكلَّم بفضول الكلام؛ فوقف عليه، ثم قال: “يا هذا، إنك تملي على حافظيك كتابًا إلى ربك، فتكلم بما يعنيك، ودع ما لا يعنيك”، وقال الإمام الحسين بن علي -عليهما السلام- يومًا لابن عباس: “لا تتكلمنّ بما لا يعنيك، فإني أخاف عليك الوزر، ولا تتكلمنَّ فيما يعنيك حتى ترى للكلام موضعًا”. والحقُّ أنَّ عليًّا والحسين -عليهما السلام- إنَّمَا يُطبِّقان في هذا الموضع -مثلما في كلِّ موضع- المنهج الذي اختطَّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ قال: “من حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.

أمَّا الصياغة -أو الأسلوب- فهي لا تقلُّ أهمية عن المضمون، بل هي قرينته الدائمة وشريكته الأبدية في الأثر الذي يتركه كلامُنا في الآخرين؛ فقد يكون مضمون كلامنا حسنًا جميلًا، لكن الأسلوب الرديء في بيانه، قد يؤدِّي بالآخرين إلى رفضه، أو إلى عدم استحسانه كما ينبغي، في أقل تقدير. وفي المقابل، قد يكُون المضمون سيئًا رديئًا، إلا أنَّه إذا صُبَّ في قالبٍ جميلٍ من أسلوبٍ شائقٍ بديعٍ؛ فقد يخفُّ عنه قدر كبير من سوئه، ويراه الآخرون جميلًا، ويقع منهم موقع القبول والرضا.

… إنَّ الطريقةَ التي نُخَاطِب بها الآخرين لها أكبر الأثر في موقفهم منَّا، وطريقة تعاملهم معنا؛ لذا نجدُ القرآن الكريم نبَّه على هذا الجانب غيرما مرَّة؛ منها مثلًا حين نقل الخطاب الإلهي المتوجه إلى موسى وهارون -عليهما السلام- وهو الخطابُ المُطَالب لهما بتليين القول لفرعون، رغم كل طغيانه: “اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إنَّه طَغَى فَقُوْلَا لَهُ قَوْلًا ليِّنًا لَعلَّهُ يَتَذكَّر أَوْ يَخْشَى”، ومن هذه المرات أيضًا ما خَاطَب بهِ القرآنُ نبيِّنا الخاتم محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، مبيّنًا الرحمة الإلهية التي كانتْ وراء لينه في الحديث مع قومه، وعدم الغِلْظَة والفظاظة معهم: “فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُم، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيْظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك”.

ووَرَدتْ فِي الأحاديثِ الشريفة أيضًا تَوْجِيهاتٌ وتنبيهاتٌ تتعلق بالجانب الأسلوبي، وطرائق إيصال المعاني إلى المخاطبين؛ لأجل تحقيق الأغراضِ المطلوبة من الكلام؛ فمن ذلك مثلًا ما وَرَد من النهي عَن كثرة الكلام والثرثرة، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه ذكر من وصايا الخضر لموسى -عليهما السلام: “لا تكوننّ مكثارًا بالنطق مهذارًا، فإنّ كثرة النطق تشين العلماء، وتبدي مساوئ السخفاء”، وورد عن الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- أنه قال: “إياك وكثرة الكلام؛ فإنه يكثر الزلل ويورث الملل”.

ومن ذلك أيضًا ما يرتبط بتنظيم الكلام وتوضيحه بنحوٍ يجعله غير مملول ولا صعب الفهم؛ كقول الإمام أمير المؤمنين علي -عليه السلام: “أحسن الكلام ما لا تمجُّه الآذان ولا يُتعب فهمه الأفهام”، وقوله -عليه السلام: “أحسن الكلام ما زانه حسن النظام، وفهمه الخاص والعام”، وقوله أيضًا: “خير الكلام ما لا يمل ولا يقل”.

* الدرس الأخير:

تُنبِّهنا الآية الشريفة إلى واحدٍ من التجلِّيات الكُبرى لعداوة الشيطان للإنسان، وهو التجلِّي المُتمثل في إفسادِه العلاقاتِ والروابطِ الاجتماعيَّة بين الناس بواسطة كلامهم؛ فهو يتحيَّن الفرص، ويبحث عن الثغرات المناسبة التي يتمكَّن منها من الدخول والتسرُّب إلى قلوب الناس وعقولهم، مستغلًا كلمةً صدرت من هذا ليُغضب بها ذاك، ومستفيدًا من هَفوة لسان غير مقصودة من طرفٍ، ليزرَع بها حِقدًا في طرف آخر، وهكذا تُصبح ألسنتنا أسلحة ومعاول يستغلها الشيطان -من حيث لا نَعِي ولا ننتبه- لخراب المجتمعات، وتفكُّك عُرى العلاقات الاجتماعية. وقد وردتْ في الروايات الشريفة إشارات إلى هذا الجانب، كما في قول الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام: “ربّ قولٍ أنفذ من صول”، وقوله: “ربّ كلام كالحسام”، وأيضًا: “رب كلام أنفذ من سهام”.

ولرُبَّما تكُون للكلام أحيانًا آثار أخطر من هذا بكثير؛ فيؤدي إلى إراقة الدماء، وسلب الأموال، وانتهاك الحرمات. وفي هذا، ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال: “يعذّب الله اللسان بعذاب لا يعذّب به شيئًا من الجوارح، فيقول: أي ربّ، عذّبتني بعذاب لم تعذّب به شيئًا، فيقال له: خرجتْ منك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها، فسُفك بها الدم الحرام، وانتهب بها المال الحرام، وانتهك بها الفرج الحرام، وعزتي وجلالي لأعذبنك بعذاب لا أعذّب به شيئًا من جوارحك”، وقال أيضًا: “إن كان في شيء شؤم ففي اللسان”.

ولمَّا كَان هذا هكذا، تتابعت النصوص الشرعية الداعية إلى خزن اللسان وحفظه، فعن سيد البرية صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال: “أمسك لسانك، فإنها صدقة تصدّق بها عن نفسك، ثم قال: ولا يعرف عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه”، وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا: “نجاة المؤمن في حفظ لسانه”. وروي عن الإمام أمير المؤمنين علي -عليه السلام- قوله: “الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلمت به صرتَ في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورِقك، فرُبَّ كلمة سلبت نعمة”.

وإذَا كان المرءُ لا مَحَالة مُتكلمًا، فإنَّ عليه قبل التكلم أن يتفكر فيما يريد قوله ويزنه بوعي وحكمة، فلا يقوله إلا إذا كان فيه خير وصلاح، هكذا هو المؤمن مثلما وصفه نبيِّنا الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّ لسان المؤمن وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبَّره بقلبه، ثم أمضاه بلسانه، وإنَّ لسان المنافق أمام قلبه، فإذا همَّ بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبَّره بقلبه”، ومثله ما في نهج البلاغة: “لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه”.

نعم.. ولو أنَّ الآثارَ الوخيمة للِّسان اقتصرتْ على هذه الحياة الدنيا، إذن لهان الأمر، لكنها آثارٌ تسري إلى الآخرة أيضًا؛ فعن مُعَاذ بن جبل قال: “كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر؛ فأصبحتُ يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: كُف عليك هذا -وأشار بلسانه- قلت: يا نبي الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟”.