د‭. ‬علي‭ ‬مُحمَّد‭ ‬سلطان‭ ‬الزعابي
كاتب‭ ‬وباحث

عِنْد‭ ‬اختيارِي‭ ‬للكتابةِ‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬القهوة‭ ‬كانتْ‭ ‬تجُول‭ ‬في‭ ‬خاطِري‭ ‬عناوين‭ ‬عِدَّة‭.. ‬مِنْ‭ ‬بَيْنِها‭: ‬قهوة‭ “‬چوك‭”‬؛‭ ‬لاعتقادي‭ ‬بأن‭ ‬المطرحيَّ‭ -‬وبالذات‭ ‬أهلي‭ ‬من‭ ‬اللواتية‭- ‬قد‭ ‬اعتدنَا‭ ‬أن‭ ‬نعرفهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ألقابهم‭ ‬التي‭ ‬تكاد‭ ‬تطغى‭ ‬على‭ ‬الحالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬الشخوص‭ ‬والبيوت،‭ ‬وحتى‭ ‬النساء‭ ‬فإن‭ ‬الكثيرات‭ ‬مِنهن‭ ‬يُعرَفن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الألقاب،‭ ‬وثمَّة‭ ‬تجاوز‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬لدى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الألقابَ‭ ‬أمست‭ ‬ممسوحةً‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬أوساطهم‭.‬

ثمَّ‭ ‬اخترتُ‭ ‬للمقالِ‭ ‬عنواناً‭ ‬تحت‭ “‬وكالة‭ ‬أنباء‭ ‬مطرح‭”‬؛‭ ‬لاعتقادي‭ ‬بأن‭ ‬القهوة‭ ‬كانت‭ ‬قلب‭ ‬المكان‭ ‬الأبرز‭ ‬من‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مطرح؛‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬حيث‭: ‬مصادر‭ ‬الأخبار،‭ ‬وسرعة‭ ‬انتشارها؛‭ ‬لاعتبار‭ ‬أنَّ‭ ‬مكان‭ ‬القهوة‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬بوابة‭ ‬سوق‭ ‬تتفرَّع‭ ‬منه‭ ‬الأسواق‭ ‬الصغيرة‭ ‬من‭ “‬خور‭ ‬بمبه‭”‬،‭ ‬وفي‭ ‬علوٍّ‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬وَسْط‭ ‬شريطٍ‭ ‬ساحليٍّ‭ ‬مُمتد‭ ‬من‭ ‬حارة‭ ‬الشمال‭ ‬إلى‭ ‬المثاعيب،‭ ‬مُرُورا‭ ‬على‭ ‬سُور‭ ‬اللواتية،‭ ‬وسوق‭ ‬الكمباريين،‭ ‬ومطيرح،‭ ‬ودوحة،‭ ‬وكلبوه،‭ ‬فيما‭ ‬تتفرَّع‭ ‬عنها‭ ‬أسواق‭ ‬ثلاثة‭: ‬السوق‭ ‬الصغير‭)‬الظلام)‬،‭ ‬والسوق‭ ‬الكبير،‭ ‬وفرع‭ ‬آخر‭ ‬يُؤدِّي‭ ‬إلى‭ ‬الدكاكين،‭ ‬والمطاعم،‭ ‬والمحال،‭ ‬والباعة‭ ‬المتجولين،‭ ‬والعرصة،‭ ‬ومعقل‭ ‬الحطب،‭ ‬والشجيعية،‭ ‬والجيدان،‭ ‬وفيهما‭ ‬المحال‭ ‬الكثيرة،‭ ‬وأكبر‭ ‬مبنى‭ ‬عرفته‭ ‬مطرح،‭ ‬وهو‭ ‬لطالب‭ ‬مُحمَّد‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ ‬الزكواني،‭ ‬والذي‭ ‬شُيِّد‭ ‬على‭ ‬فسحةٍ‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬واكتمل‭ ‬بناؤه‭ ‬عام‭ ‬1963م‭.‬

ولعلَّ‭ ‬أوَّل‭ ‬مِعمار‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬عُمان‭ ‬تمَّ‭ ‬على‭ ‬أيدٍ‭ ‬عُمانية‭ ‬وهندية؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تُوجد‭ ‬هنالك‭ ‬أيَّة‭ ‬معلومة‭ ‬تُفِيد‭ ‬بدخول‭ ‬العمالة‭ ‬الهندية‭ ‬في‭ ‬تشييد‭ ‬المباني‭ ‬تُستخدم‭ ‬للأغراض‭ ‬السكنية‭ ‬والتجارية،‭ ‬وذَكر‭ ‬لي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مَصدر‭ ‬بأنَّ‭ ‬خرائط‭ ‬المبنى‭ ‬المكوَّن‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أدوار،‭ ‬وبأسلوبٍ‭ ‬هندسيٍّ‭ ‬دقيقٍ‭ ‬قد‭ ‬جاءتْ‭ ‬من‭ ‬الهند‭ ‬لصلةِ‭ ‬صاحب‭ ‬المبنى‭ ‬بالهند؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجارتِه‭ ‬بالبسور‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬نطاق؛‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬كِبار‭ ‬التجار‭ ‬الذين‭ ‬تعاملوا‭ ‬مع‭ ‬الهند‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البسور‭ ‬العُمانية‭ ‬التي‭ ‬ذاع‭ ‬صِيتها‭ ‬في‭ ‬عُموم‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬الأربعينيات‭ ‬والخمسينيات‭ ‬والستينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

وجَمِيع‭ ‬هذهِ‭ ‬الأسواق‭ ‬تُعتبر‭ ‬امتدادات‭ ‬لخور‭ ‬بمبه،‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬بها؛‭ ‬باعتبار‭ ‬أنَّ‭ ‬خور‭ ‬بمبه‭ ‬بوابة‭ ‬أسواق‭ ‬مطرح‭ ‬من‭ ‬جِهة‭ ‬البحر،‭ ‬وما‭ ‬يُميِّزها‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬التفرُّعات‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬وقوع‭ ‬بوابتها‭ ‬على‭ ‬الشريط‭ ‬الساحلي،‭ ‬فيما‭ ‬الشارع‭ ‬الأسفلتي‭ ‬كان‭ ‬يتوسَّطها‭ ‬إلى‭ ‬عهدٍ‭ ‬قريب،‭ ‬وكان‭ ‬مَعْبَرا‭ ‬للسيارات‭ ‬إلى‭ ‬الجهتين‭ ‬الجنوبية‭ ‬حتى‭ ‬مسقط‭ ‬أو‭ ‬الشمالية‭ ‬حتى‭ ‬أبعد‭ ‬نقطة‭ ‬من‭ ‬امتدادات‭ ‬مطرح‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬دارسيت‭.‬

كَمَا‭ ‬أنَّها‭ ‬على‭ ‬الواجهةِ‭ ‬البحريةِ‭ ‬لمطرح؛‭ ‬حيث‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬التجارية،‭ ‬ودخول‭ ‬البضائع‭ ‬إلى‭ ‬كلِّ‭ ‬عُمان‭ ‬عبر‭ ‬ميناء‭ ‬مسقط،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬ميناء‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ -‬حفظه‭ ‬الله‭- ‬في‭ ‬العهد‭ ‬الميمون‭) ‬تحوَّل‭ ‬ميناء‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬سياحي)‭.‬

وبهَذِهِ‭ ‬الجغرافيَّة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬القهوةَ‭ ‬شكَّلت‭ ‬قاعدة‭ ‬مهمَّة‭ ‬لتناقل‭ ‬الأخبار،‭ ‬خُصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬عرفنا‭ ‬أنَّ‭ ‬توقيت‭ ‬تأسيسها‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬عصيبة؛‭ ‬إذ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬كانت‭ ‬مُستعرة،‭ ‬والبحر‭ ‬كان‭ ‬يُشكِّل‭ ‬الواجهة‭ ‬لتلقي‭ ‬الأخبار،‭ ‬وأنَّ‭ ‬ميزة‭ ‬مكان‭ ‬القهوة‭ ‬هي‭ ‬قُربه‭ ‬من‭ ‬مكتب‭ ‬الوالي؛‭ ‬حيث‭ ‬مركز‭ ‬القرار‭ ‬والدعاوى‭. ‬وبجانب‭ ‬وجود‭ ‬الفرضة‭ ‬وميدان‭ ‬الميازيين‭ ‬والجمادارات‭ ‬والمكاتب‭ ‬التجارية،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬مكتب‭ ‬تاول،‭ ‬ومُحمَّد‭ ‬حسن‭ ‬الصراف،‭ ‬وخميس‭ ‬فيض‭ ‬الله،‭ ‬وجعفر‭ ‬لالاني،‭ ‬وعلى‭ ‬بُعد‭ ‬منها‭ ‬مكتب‭ ‬الحاج‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف،‭ ‬مرورا‭ ‬بمكتب‭ ‬برشوتم‭ ‬كانجي‭ ‬وتوبراني،‭ ‬فيما‭ ‬مكتب‭ ‬كيمجي‭ ‬رامداس‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬السوق‭ ‬الصغير،‭ ‬مع‭ ‬مكاتب‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭: ‬الحاج‭ ‬مال‭ ‬الله‭ ‬حبيب‭ ‬مراد،‭ ‬وملا‭ ‬باقر،‭ ‬وباقر‭ ‬عبدالرب،‭ ‬وأولاد‭ ‬متواني،‭ ‬والحاج‭ ‬سلمان‭ ‬ناجواني،‭ ‬وسليمان‭ ‬الهنائي،‭ ‬والتجار‭ ‬المشهورين؛‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬مُوسى‭ ‬محسن‭ ‬علي‭) ‬راعي‭ ‬سبلة‭ ‬الطعام)‬،‭ ‬وعلى‭ ‬الخط‭ ‬الأقرب‭ ‬منها‭ ‬عشرات‭ ‬التجار‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬محل‭ ‬مُحمَّد‭ ‬جواد‭ ‬تقي،‭ ‬وعبدالرضا‭ ‬ولد‭ ‬ماس،‭ ‬وعلي‭ ‬صُومار،‭ ‬وإبراهيم‭ ‬صُومار،‭ ‬والحاج‭ ‬محسن‭ ‬حسن‭ ‬الجمالاني،‭ ‬وشمبيه‭ ‬البلوشي،‭ ‬وسعيد‭ ‬عبدالله‭ ‬الساجواني،‭ ‬وعشرات‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬المهن؛‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬رُستم‭ ‬العجمي‭ ‬صاحب‭ ‬المخبز‭ ‬(التنور)‭ ‬وآبكوشت،‭ ‬والحلاو‭ ‬زهران‭ ‬علي‭ ‬الهنائي،‭ ‬وسنجور،‭ ‬وسيف‭ ‬الأخزمي‭.‬

وعَلى‭ ‬الطَّرف‭ ‬الآخر،‭ ‬وبجانبٍ‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬البحر،‭ ‬مكاتب‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭: ‬الخنحي،‭ ‬وموسى‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬حسن،‭ ‬وشعبان‭ ‬زعاب،‭ ‬وعشرات‭ ‬من‭ ‬تجار‭ ‬الفخار‭ ‬وتعليب‭ ‬الفواكه،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬كلهم‭ ‬تعاملوا‭ ‬مع‭ ‬البحر،‭ ‬ومع‭ ‬حركات‭ ‬السفن،‭ ‬وأغلبهم‭ ‬كانوا‭ ‬يرتادون‭ ‬القهوة‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬الصباح‭ ‬والشمس‭ ‬وقتما‭ ‬تُشرق،‭ ‬والتي‭ ‬كانتْ‭ ‬تُسلِّط‭ ‬أولى‭ ‬أشعتها‭ ‬صَوب‭ ‬القهوة،‭ ‬وعلى‭ ‬واجهة‭ ‬خور‭ ‬بمبه‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تستقبل‭ ‬تباشير‭ ‬الصباح‭ ‬بوجهٍ‭ ‬ضاحكٍ‭ ‬مُستبشر؛‭ ‬حيث‭ ‬الحياة‭ ‬والحركة‭ ‬والعمل‭ ‬والهِمَّة‭.‬

مُعظَم‭ ‬النواخذة‭ ‬كانُوا‭ ‬حلاس‭ ‬البحر،‭ ‬وكانوا‭ ‬يقضون‭ ‬ساعات‭ ‬المساء‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬السفن،‭ ‬ومع‭ ‬تباشير‭ ‬الصباح‭ ‬كانوا‭ ‬يزحفون‭ ‬إلى‭ ‬القهوة،‭ ‬وجلهم‭ ‬كانوا‭ ‬ربَابِنة‭ ‬السفن‭ ‬الشراعية‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬تغُط‭ ‬في‭ ‬نوم‭ ‬عميق‭ ‬حينما‭ ‬كان‭ ‬الظلام‭ ‬يُخيِّم‭ ‬الرحب‭ ‬الفسيح‭ ‬من‭ ‬مساءات‭ ‬مطرح،‭ ‬وريثما‭ ‬ينبلج‭ ‬عمود‭ ‬الصبح‭ ‬مُعلناً‭ ‬عن‭ ‬يوم‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬مطرح‭ ‬العتيدة‭.‬

وعُنْوَان‭ ‬آخر‭ ‬كان‭ ‬يَدُور‭ ‬فِي‭ ‬المخيال‭ ‬بأنْ‭ ‬يكون‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭: “‬إستراحة‭ ‬المحاربين‭”‬؛‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬معظم‭ ‬من‭ ‬تعامَل‭ ‬مع‭ ‬سوق‭ ‬مطرح،‭ ‬وبعد‭ ‬ساعات‭ ‬العمل،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الاتكاء‭ ‬على‭ ‬أرائِك‭ ‬القهوة‭ (‬الكنادل‭) ‬كان‭ ‬أملاً‭ ‬يحدُو‭ ‬العامِل‭ ‬للاسترخاء‭ ‬في‭ ‬سَاعَات‭ ‬الضُّحَى،‭ ‬وبالأخص‭ ‬عِندما‭ ‬كانت‭ ‬الرِّيح‭ ‬تسف‭ ‬بالغربي‭ ‬أو‭ ‬الصوري،‭ ‬فيُتخذ‭ ‬من‭ ‬القهوة‭ ‬ملاذًا‭ ‬للراحة،‭ ‬هربًا‭ ‬من‭ ‬لفحات‭ ‬الحر‭ ‬اللاهب‭.‬

ومَع‭ ‬أيام‭ ‬(الأكيذب)‬؛‭ ‬حيث‭ ‬الرِّيح‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬تأتِي‭ ‬بالأمواج‭ ‬فتصطك‭ ‬بالجدار‭ ‬السميك‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬البحر،‭ ‬ومعها‭ ‬فإنَّ‭ ‬القهوة‭ ‬وهي‭ ‬تغُوص‭ ‬بالجالسين‭ ‬حلقاً،‭ ‬وعلى‭ ‬وقع‭ ‬الأمواج‭ ‬فإنَّ‭ ‬ماء‭ ‬البحر‭ ‬كان‭ ‬يتسلَّل‭ ‬عبر‭ ‬الجُدر‭ ‬على‭ ‬ارتفاعها‭ ‬عن‭ ‬سطح‭ ‬البحر،‭ ‬فتبل‭ ‬معه‭ ‬السرابيل،‭ ‬ومتى‭ ‬ما‭ ‬جاءتْ‭ ‬ضربات‭ “‬حيمر‭” ‬و‭”‬الشلي‭”‬،‭ ‬فإنَّ‭ ‬القهوة‭ ‬كانت‭ ‬تغرق‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬البحر،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ليشفعها‭ ‬ارتفاع‭ ‬الجُدر‭ ‬وسماكة‭ ‬الآجر‭ ‬والجص،‭ ‬وعندها‭ ‬فإنَّ‭ ‬المرتادين‭ ‬لساحاتها‭ ‬كانوا‭ ‬يختَبِؤون‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الخلفي‭ ‬منها‭ ‬لعلوِّها‭ ‬عن‭ ‬سطح‭ ‬القهوة‭ ‬بأشبار‭ ‬ووارات‭ ‬(الوار‭: ‬وحدة‭ ‬المقاس‭ ‬قبل‭ ‬دخول‭ ‬المتر)‭.‬

وَمَع‭ ‬استعْرَاض‭ ‬العناوين‭ ‬كُلِّها،‭ ‬فقد‭ ‬وجدتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬أبدأ‭ ‬به‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬خطَّه‭ ‬القلم‭ ‬بأنْ‭ ‬لا‭ ‬يتخطَّى‭ ‬العُنوان‭ ‬صاحب‭ ‬القهوة‭ ‬الذي‭ ‬أفنى‭ ‬شبابه،‭ ‬وأجمل‭ ‬أيام‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭.‬

جاءتْ‭ ‬فِكْرَة‭ ‬إقامة‭ ‬القهوةِ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الحاج‭ ‬مُحسن‭ ‬جواد‭ ‬غلوم‭ ‬الصحمي،‭ ‬وهو‭ ‬صاحبُ‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬تستخدم‭ ‬لإنزال‭ ‬الحمولات‭ ‬عن‭ ‬ظُهُور‭ ‬الدَّواب،‭ ‬وهي‭ ‬تحملُ‭ ‬المؤن‭ ‬الآتية‭ ‬عبر‭ ‬بلدات‭ ‬عُمان‭ ‬المختلفة‭.‬

استَحْسَن‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬(چوك) ‬الفكرةَ،‭ ‬ووجدَها‭ ‬مُفِيدة،‭ ‬خصوصًّا‭ ‬وأن‭ ‬المكان‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬السوق،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬كان‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬يُمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬تأسِيس‭ ‬القهوة‭. ‬فأمُّ‭ ‬العيال‭ (‬فاطمة‭ ‬بنت‭ ‬إبراهيم‭ ‬علي‭ ‬العجمية‭) ‬كانتْ‭ ‬اليد‭ ‬المُعِينة‭ ‬والمشارِكَة‭ ‬في‭ ‬تحمُّل‭ ‬المسؤولية‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬الدَّوْر‭ ‬في‭ ‬تربيةِ‭ ‬الأبقار‭ ‬وحَلْبِها‭ ‬وبَيْع‭ ‬الحليب‭ ‬على‭ ‬البيوت‭ ‬المجاورة‭ ‬والبعيدة،‭ ‬وتُعِين‭ ‬زوجها‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬احتياجات‭ ‬العائلة‭. ‬وما‭ ‬إنْ‭ ‬بَدَأ‭ ‬خميس‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬القهوة‭ ‬الذي‭ ‬تَوسَّع‭ ‬مع‭ ‬الزمن،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحليب‭ ‬كان‭ ‬يَذهب‭ ‬إلى‭ ‬قهوته‭. ‬ويومها‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬دهاليز‭ ‬مطرح‭ “‬ستار‭ ‬بكس‭” ‬بقهوتها‭ ‬الكابتشينو‭ ‬ورغوتها‭ ‬التي‭ ‬تُصِيب‭ ‬ذُبَابة‭ ‬الأنف‭ ‬عند‭ ‬مَذَاقِها‭ ‬وقبل‭ ‬احتسائِها،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ “‬سكند‭ ‬كاب‭” ‬لم‭ ‬يكُن‭ ‬يعرفه‭ ‬كل‭ ‬رجالات‭ “‬البزنس‭” ‬عندما‭ ‬ينتظر‭ ‬الزَّبائن‭ ‬منتُوجاتهم‭ ‬ساعة‭ ‬عرضها‭ ‬وهم‭ ‬يفترشون‭ “‬الآيباد‭”‬،‭ ‬فاتحين‭ ‬معروضاتهم‭ ‬على‭ ‬خرائط‭ “‬جوجل‭” ‬في‭ ‬عملياتٍ‭ ‬تسويقية‭ ‬مشوقة‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ “‬كوستا‭ ‬كوفي‭” ‬لم‭ ‬يَكُن‭ ‬قد‭ ‬قدَّم‭ ‬لزبائنه‭ ‬أنواعاً‭ ‬من‭ “‬التشيز‭ ‬كيك‭” ‬على‭ ‬مقاسات‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬وممثلي‭ ‬الشركات‭ ‬الذين‭ ‬يجُوبُون‭ ‬المقاهي‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬الحب‭ ‬وشاطئ‭ ‬القرم‭ ‬وسي‭.‬سي‭.‬سي‭.‬

وَمَع‭ ‬توسُّع‭ ‬نَشاط‭ ‬القهوة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬قد‭ ‬استعَان‭ ‬بطاقم‭ ‬من‭ ‬الطهاة‭ ‬والخدم،‭ ‬كما‭ ‬ازدادتْ‭ ‬كميَّة‭ ‬الحليب‭ ‬المستخدَمَة‭ ‬في‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬الطهي؛‭ ‬إذ‭ ‬اعتمدَ‭ ‬على‭ ‬ناصر‭ ‬شنون‭ ‬الذي‭ ‬اشتهرَ‭ ‬ببيع‭ ‬الحليب‭ ‬الآتي‭ ‬من‭ ‬مزارع‭ ‬الرعي‭ ‬في‭ ‬روي،‭ ‬وجعلَ‭ ‬من‭ ‬الطُّهَاة‭ ‬البارعين‭ -‬أمثال‭: ‬أحمد‭ ‬البركاي،‭ ‬ومُحمَّد‭ ‬البركاوي‭ ‬(حيث‭ ‬جاء‭ ‬بهما‭ ‬من‭ ‬بركاء)‬،‭ ‬ومُحمَّد‭ ‬جان‭ ‬البلوشي،‭ ‬ومراد‭ ‬بخش‭ ‬البلوشي‭) ‬من‭ ‬جبروه)‭ ‬،‭ ‬وشعبان‭ ‬البلوشي‭) ‬من‭ ‬حلة‭ ‬الدكة‭- ‬عماد‭ ‬القهوة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬جهدهم‭ ‬وأدائهم)،‭ ‬وكانوا‭ ‬يدَ‭ ‬العون‭ ‬والسند‭ ‬للحاج‭ ‬خميس‭ ‬عند‭ ‬بَدء‭ ‬العمل‭ ‬بهذه‭ ‬القهوة‭ ‬التي‭ ‬ذاع‭ ‬صيتها‭ ‬حتى‭ ‬عند‭ ‬الخليجيين،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يملؤون‭ ‬ساحتها‭ ‬وهم‭ ‬يأتون‭ ‬إلى‭ ‬مطرح‭ ‬للتجارة‭.‬

كَمَا‭ ‬لَحِق‭ ‬بهم‭ -‬وعلى‭ ‬فترات‭ ‬مختلفة‭- ‬حيدر‭ ‬قمبر‭ ‬موسى‭ ‬العجمي،‭ ‬الذي‭ ‬عمل‭ ‬واجتهدَ‭ ‬وبَرَع،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬استقلَّ‭ ‬بالمهنة،‭ ‬وفتح‭ ‬له‭ ‬مقهًى‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬البحري،‭ ‬ونافس‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭.. ‬وَمَع‭ ‬التوسُّع‭ ‬في‭ ‬المهنة،‭ ‬فتح‭ ‬له‭ ‬فرعاً‭ ‬مُستقلًا‭ ‬في‭ ‬الشجيعية‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬شارع‭ ‬عند‭ ‬محطة‭ ‬التكاسي،‭ ‬وأصبح‭ ‬مع‭ ‬الزَّمن‭ ‬صاحب‭ ‬أكبر‭ ‬مقهى‭ ‬عرفته‭ ‬مطرح‭ ‬بعد‭ ‬1975م،‭ ‬حين‭ ‬أغلق‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬قهوته‭.‬

وَلَنْ‭ ‬تَنْسَى‭ ‬الذَّاكرة‭ ‬كلًّا‭ ‬من‭: ‬جُمعة‭ ‬سلطان‭ ‬قاسم،‭ ‬وعبدالرضا‭ ‬مختار،‭ ‬ومُحمَّد‭ ‬عبد‭ ‬الحسين‭ ‬يحيى،‭ ‬والأخير‭ ‬غَادَر‭ ‬في‭ ‬الستينيات‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬إلى‭ ‬أبوظبي،‭ ‬وتعلَّم‭ ‬وثابر‭ ‬ورجع‭ ‬إلى‭ ‬عُمان‭ ‬وعمل‭ ‬في‭ ‬وظائف‭ ‬مختلفة،‭ ‬واليوم‭ -‬وبحمد‭ ‬الله‭- ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الميسورين،‭ ‬وصاحب‭ ‬تجارات‭ ‬ومال‭ ‬وخيرٍ‭ ‬عَمِيم،‭ ‬ولن‭ ‬تُنْسَى‭ ‬أيامه‭ ‬ومحيطه؛‭ ‬حيث‭ ‬إنَّ‭ ‬نواله‭ ‬يعم‭ ‬المحتاج‭ ‬والمعوز،‭ ‬لا‭ ‬سيَّما‭ ‬من‭ ‬الأهل‭ ‬والأقربين‭.‬

هَؤُلاء‭ ‬لم‭ ‬يتدرَّبُوا‭ ‬في‭ ‬المعاهد‭ ‬المُخصَّصة‭ ‬للطُّهَاة‭ ‬والنَّوَادل‭. ‬كما‭ ‬أنَّهم‭ ‬لم‭ ‬يتعلموا‭ “‬خدمات‭ ‬الزبائن‭” ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وبلاد‭ ‬الشرق،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الكليات‭ ‬السياحية‭ ‬التي‭ ‬تتَخصَّص‭ ‬في‭ ‬تدريب‭ ‬وتأهيل‭ ‬الكوَادر‭ ‬لخدمة‭ ‬الزبائن‭ ‬مع‭ (‬الإيتيكيت‭). ‬هَؤُلاء‭ ‬تعلَّموا‭ ‬في‭ ‬مَيادين‭ ‬العمل‭ (‬on the job training‭)‬؛‭ ‬فعلى‭ ‬رَأس‭ ‬العمل‭ ‬تعلَّموا‭ ‬وتدرَّبوا،‭ ‬وحاجتهم‭ ‬للعمل‭ ‬كانتْ‭ ‬هي‭ ‬الأساس‭ ‬لدَفْعِهم‭ ‬للعمل؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬الشهادات‭ ‬كانتْ‭ ‬تشفع،‭ ‬ولا‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬كانت‭ ‬تُسجِّل‭ ‬البيانات،‭ ‬وتبحث‭ ‬عن‭ ‬مواقع،‭ ‬وتحدِّد‭ ‬سُقُوف‭ ‬الرَّوَاتِب‭ ‬والمزايا‭.‬

كَانَتْ‭ ‬قهوة‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬مَصْنعًا‭ ‬للرِّجال‭ ‬الذين‭ ‬عَمِلوا‭ ‬معه،‭ ‬وممَّن‭ ‬تركه‭ ‬فإنه‭ ‬إمَّا‭ ‬أسَّس‭ ‬له‭ ‬قهوة،‭ ‬أو‭ ‬تبوَّأ‭ ‬مكانةً‭ ‬ومواقعَ‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬دُنيا‭ ‬المال‭ ‬والأعمال،‭ ‬فيما‭ ‬ذَهَب‭ ‬الباقون‭ ‬إلى‭ ‬ربِّهم،‭ ‬بعدما‭ ‬عاشُوا‭ ‬وكبرُوا،‭ ‬وأخذ‭ ‬منهم‭ ‬العُمر‭ ‬مأخذاً‭.‬

كَان‭ ‬الحَاج‭ ‬خميس،‭ ‬وَمَع‭ ‬سَاعَات‭ ‬السَّحَر،‭ ‬وقبل‭ ‬أنْ‭ ‬يبدأ‭ ‬الصُّبح‭ ‬في‭ ‬الانبلاج،‭ ‬يُصلِّي‭ ‬صلاة‭ ‬الليل‭ ‬(النَّوَافِل)‬،‭ ‬وما‭ ‬إنْ‭ ‬يتنفَّل‭ ‬منها،‭ ‬فإنَّه‭ ‬كان‭ ‬يستيقظُ‭ ‬ابنه‭ ‬أحمد،‭ ‬ويذهب‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬حَيْث‭ ‬القهوة،‭ ‬فيما‭ ‬تخرج‭ ‬العربة‭ ‬المُحمَّلة‭ ‬بالحليب‭ ‬من‭ ‬وَرَائِهم،‭ ‬يجرُّها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عَامِل‭ ‬عِنده‭ ‬حتى‭ ‬تصلَ‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬رز‭ ‬القهوة‭.‬

يَخْرُج‭ ‬الوالد‭ ‬مع‭ ‬ابنه‭ ‬في‭ ‬غلس‭ ‬الليل،‭ ‬والنَّاس‭ ‬نِيَام،‭ ‬وعبر‭ ‬الدروب‭ ‬القديمة،‭ ‬ومع‭ ‬الأتربة‭ ‬من‭ ‬زقاقات‭ ‬جبروه،‭ ‬فالزافية،‭ ‬فالكمبار،‭ ‬فحلة‭ ‬الهُنود،‭ ‬حتى‭ ‬قلب‭ ‬نازي‭ ‬مويا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأب‭ ‬والابن‭ ‬كانا‭ ‬يتخطَّيان‭ ‬مَحَاليق‭ ‬أبواب‭ ‬البيوت‭ ‬جُلَّها‭ ‬من‭ ‬السعف،‭ ‬فيقفان‭ ‬على‭ ‬عتبات‭ ‬المسجد‭ ‬الصغير‭ ‬(الإمام‭ ‬الحسن‭ ‬عليه‭ ‬السلام)‬،‬ ويَسْمَعان‭ ‬تَراتيل‭ ‬مُقدِّمات‭ ‬أذان‭ ‬الفجر‭ ‬على‭ ‬جلجلةِ‭ ‬صَوْت‭ ‬شعبان‭ ‬زعاب‭ ‬الذي‭ ‬تعهَّد‭ ‬شأن‭ ‬المسجد‭ ‬وخدمته‭ ‬لسنوات‭ ‬طوال،‭ ‬فيسبغان‭ ‬الوضوء‭ ‬ثمَّ‭ ‬يَجدان‭ ‬السير‭ ‬عبر‭ ‬سوق‭ ‬الصاغة‭ ‬فسوق‭ ‬الصغير‭) ‬الظلام) ‬عبر‭ ‬بوَّابة‭ ‬جلاب‭ ‬سمپت،‭ ‬مُرُورا‭ ‬على‭ ‬دَكَاكين‭ ‬مُحسن‭ ‬علي‭ ‬ومگن‭ ‬لگوه‭ ‬وجواد‭ ‬سلمان‭ ‬ناجواني،‭ ‬مُعبرين‭ ‬دكاكين‭ ‬معلم‭ ‬مزار،‭ ‬وإسماعيل‭ ‬تمباكي،‭ ‬وجواد‭ ‬سلمان‭ ‬ناصر،‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬دُكان‭ ‬من‭ ‬دَكَاكين‭ ‬السُّوق،‭ ‬وإلى‭ ‬عَتَبات‭ ‬القهوة،‭ ‬فيُصلِّيان‭ ‬في‭ ‬فناء‭ ‬القهوة،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬يتوزَّعان‭ ‬الأدوار‭ ‬من‭ ‬العمل؛‭ ‬حيث‭ ‬الابن‭ ‬كان‭ ‬يَذْهَب‭ ‬إلى‭ ‬مَعقل‭ ‬الحطب‭ ‬ليأتي‭ ‬بجزلٍ‭ ‬من‭ ‬الحطب‭ ‬يحملها‭ ‬درباد‭ ‬خميس،‭ ‬فيما‭ ‬الأب‭ ‬يدعو‭ ‬العاملين‭ ‬لاستخراج‭ ‬مِرْجَل‭ ‬السخانة ‭)‬كيرجيه) ‬من‭ ‬السَّحارة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬إعدادها‭ ‬كان‭ ‬يتمُّ‭ ‬قبل‭ ‬مُغَادرة‭ ‬القهوة‭ ‬مساءً،‭ ‬وتودع‭ ‬مخزنةً‭ ‬في‭ ‬حِرز‭ ‬مُغْلَق‭ ‬حتى‭ ‬الصباح‭.‬

وَيْبَدأ‭ ‬إعدادُ‭ ‬الشَّاي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكُن‭ ‬لتطفِئ‭ ‬مَوَاقِده‭ ‬مُنذ‭ ‬أولى‭ ‬سَاعَات‭ ‬النهار‭ ‬والشمس‭ ‬وقتما‭ ‬تُشرق‭ ‬حتى‭ ‬مَغِيْب‭ ‬الشمس؛‭ ‬فالعدَّاد‭ ‬يبدأ‭ ‬مع‭ ‬أول‭ ‬النهار،‭ ‬ويتسابق‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬بخُطًى‭ ‬مُتَلَاحقة،‭ ‬ولا‭ ‬يخمد‭ ‬لهيب‭ ‬المرجل‭ ‬المحمول‭ ‬على‭ ‬جَمْر‭ ‬السمر،‭ ‬وعلى‭ ‬الأثافن‭ ‬من‭ ‬حصباء‭ ‬الأربق‭ ‬حتى‭ ‬يُؤذِّن‭ ‬الحاج‭ ‬الماس‭ ‬مسعود‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الكبير،‭ ‬وكان‭ ‬بصَوْتِه‭ ‬الجهوري‭ ‬يخترق‭ ‬حُجُب‭ ‬أولى‭ ‬سَاعَات‭ ‬غَسَق‭ ‬مطرح،‭ ‬فيصل‭ ‬إلى‭ ‬مَسَامِع‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬ذاك‭ ‬الصَّوت‭ ‬المجلجل،‭ ‬ومع‭ ‬ترانيم‭ ‬صَوْتِه‭ ‬يرخِّص‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬عماله‭ ‬وطبَّاخيه‭ ‬بالرحيل‭ ‬إلى‭ ‬بيوتهم‭ ‬لينالوا‭ ‬قِسْطاً‭ ‬من‭ ‬الرَّاحة‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬والجهد‭ ‬والكد‭.‬

لَقَد‭ ‬اشتهرتْ‭ ‬قهوة‭ ‬خميس‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بأربعةِ‭ ‬أو‭ ‬خمسةِ‭ ‬أصنافٍ‭ ‬من‭ ‬الأطعمة‭.. ‬فبدايةً‭: ‬كان‭ ‬الشاي،‭ ‬والسخانة (‬الكيرجيه)‬،‭ ‬وشوربة‭ ‬الحلبة،‭ ‬ومرق‭ ‬اللحم،‭ ‬وآبكوشت‭ ‬(ماء‭ ‬اللحم‭ ‬يستخدم‭ ‬مع‭ ‬الخبز‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬الإيرانية‭ ‬وبأسلوب‭ ‬الثريد)‬؛‭ ‬فهذه‭ ‬الأطعمة‭ ‬كانت‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬مشوار‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬في‭ ‬مهنته‭ ‬التي‭ ‬بدأها‭ ‬مع‭ ‬أيام‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

وفِيْمَا‭ ‬بَعْد،‭ ‬وَمَع‭ ‬المُنَافسين‭ ‬الذين‭ ‬كثُر‭ ‬عددُهم،‭ ‬وفي‭ ‬ذات‭ ‬السوق،‭ ‬وعلى‭ ‬بُعد‭ ‬خطواتٍ‭ ‬من‭ ‬قهوته،‭ ‬كان‭ ‬هُنَاك‭ ‬مطعم‭ ‬رستم‭ ‬العجمي‭ ‬مَعْلمًا‭ ‬بارزًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأطعمة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬ارتأى‭ ‬أنْ‭ ‬يختصر‭ ‬مهنتِه‭ ‬بإبعاد‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭ ‬المرق‭ ‬والآبكوشت،‭ ‬وجعل‭ ‬من‭ ‬الشاي‭ ‬والحلبة‭ ‬والسخانة‭ ‬إداماتٍ‭ ‬لمرتاديه،‭ ‬وكانت‭ ‬المراجل‭ ‬فيها‭ ‬تجلس‭ ‬وتُرفع،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬النوادل‭ ‬وحدهم‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الزبائن؛‭ ‬حيث‭ ‬إنَّ‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬بذاته‭ ‬كان‭ ‬يقوم‭ ‬بخدمة‭ ‬مرتادي‭ ‬القهوة،‭ ‬ولم‭ ‬يستنكف‭ ‬عن‭ ‬غسل‭ ‬الأكواب‭ ‬والملالي‭ ‬والكوز،‭ ‬مُتَعاونًا‭ ‬مع‭ ‬طاقم‭ ‬من‭ ‬العاملين؛‭ ‬فالجميع‭ ‬كانوا‭ ‬سواءً‭ ‬في‭ ‬العمل‭.‬

بِيَديْه‭ ‬كَان‭ ‬يصبُّ‭ ‬الماءَ‭ ‬في‭ ‬الجحال‭ ‬والحبب،‭ ‬ويستخرج‭ ‬من‭ ‬الخراس‭ ‬الكبيرة‭ ‬بالدلاء‭ ‬ساعةً‭ ‬بساعةٍ‭ ‬ليروي‭ ‬عَطَش‭ ‬المرتادين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يقصُدون‭ ‬القهوة‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬مَسَافاتٍ،‭ ‬بجانب‭ ‬إشرافِه‭ ‬على‭ ‬كلِّ‭ ‬المَرَاجل‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬تغدُو‭ ‬قاعاً‭ ‬صَفْصَفاً،‭ ‬فيُعَاوِد‭ ‬الكَرَّة‭ ‬في‭ ‬الطبخ‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬َمَع‭ ‬سَاعَات‭ ‬الظُّهر،‭ ‬كَان‭ ‬الحَاج‭ ‬يَخرُج‭ ‬من‭ ‬قَهْوَاه،‭ ‬ويذهب‭ ‬إلى‭ ‬المَسْجِد‭ ‬الكبير‭) ‬الرسول‭ ‬الأعظم‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله) ‬ليُصلِّي‭ ‬جماعةً،‭ ‬ويتواصل‭ ‬مع‭ ‬أهله‭ ‬في‭ ‬سور‭ ‬اللواتية؛‭ ‬إذ‭ ‬وحتى‭ ‬مع‭ ‬عيشه‭ ‬في‭ ‬جبروه‭ ‬كان‭ ‬يصل‭ ‬رحمه‭ ‬وأقاربه‭ ‬هُنَاك،‭ ‬خُصُوصاً‭ ‬بأهلِه‭ ‬من‭ ‬بَيْت‭ ‬المتواني‭ ‬الذي‭ ‬ينتمِي‭ ‬إليه‭ ‬أباً‭ ‬دُوْن‭ ‬أمه‭ ‬التي‭ ‬عاشتْ‭ ‬مع‭ ‬أهلِهَا‭ ‬من‭ ‬العجم،‭ ‬وعاش‭ ‬هو‭ ‬مُلَازِماً‭ ‬لها،‭ ‬فصَار‭ ‬حلقةَ‭ ‬وصلٍ‭ ‬بَيْن‭ ‬الأهليْن،‭ ‬مُرَاعياً‭ ‬البِر‭ ‬بَيْن‭ ‬الوالدين‭.‬

وكالة‭ ‬أنباء‭ ‬مطرح‭ ‬
اشتهرتْ‭ ‬سَاحَة‭ ‬خُور‭ ‬بمبه‭ ‬بساحةٍ‭ ‬للأخبار؛‭ ‬فعلى‭ ‬بُعد‭ ‬أمتارٍ‭ ‬من‭ ‬قهوةِ‭ ‬الحاج‭ ‬خميس،‭ ‬وعلى‭ ‬عرض‭ ‬حائط‭ ‬من‭ ‬محلَّات‭ ‬جعفر‭ ‬باقر‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ (‬محلات‭ ‬فيلبس‭)‬،‭ ‬كانت‭ ‬الأخبار‭ ‬تُعْرَض‭ ‬مع‭ ‬أول‭ ‬النهار،‭ ‬لتتَّخذ‭ ‬من‭ ‬الحائط‭ ‬بروازًا‭ ‬للعرض‭.‬

لَم‭ ‬تَكُن‭ “‬رويترز‭” ‬قد‭ ‬عَرِفَت‭ ‬سَوَاحل‭ ‬عُمان‭ ‬بَعْد،‭ ‬كَمَا‭ ‬لم‭ ‬تَكُن‭ ‬بلومبيرج‭ ‬تجس‭ ‬خلال‭ ‬الديار‭ ‬لتَبْحَث‭ ‬عن‭ ‬السَّبق‭ ‬الخبري‭ ‬فتنشُره‭ ‬والناس‭ ‬بعد‭ ‬نِيَام‭. ‬ كما‭ ‬لم‭ ‬نَكُن‭ ‬نعرف‭ ‬الفضائيَّات‭ ‬والمحطات‭ ‬و‭‬البروباجندا‭ ‬عبر‭ ‬الصحافة‭ ‬المقروءة‭ ‬والمرئية،‭ ‬والمنحنيات‭ ‬من‭ ‬الإحصاءات‭ ‬و‭‬الچارتات‭ .‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬النقلَ‭ ‬المباشرَ‭ ‬الذي‭ ‬نُشَاهِده‭ ‬عبر‭ ‬الشاشات‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة،‭ ‬كان‭ ‬المطرحيُّ‭ ‬قد‭ ‬امتازَ‭ ‬بمُشَاهدات‭ ‬عيانٍ‭ ‬وجهاً‭ ‬لوجه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المكاييج‭ ‬والمساحيق‭. ‬كلُّ‭ ‬شيء‭ ‬كان‭ ‬يُنقل‭ ‬حيًّا‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬خور‭ ‬بمبه،‭ ‬وعلى‭ ‬عرفات‭ ‬قهوة‭ ‬خميس‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬چوك،‭ ‬دون‭ ‬مُوَارَبات،‭ ‬أو‭ ‬تدليس،‭ ‬أو‭ ‬تزوير‭ ‬في‭ ‬الصور‭ ‬والدبلجات‭.‬

كَان‭ ‬مَكْتَب‭ ‬الوَالِي‭ ‬إسماعيل‭ ‬خليل‭ ‬الرَّصَاصي‭ ‬يُنزل‭ ‬الأخبار‭ ‬ساعةً‭ ‬بعد‭ ‬أخرى،‭ ‬وعبر‭ ‬سائقه‭ ‬موسى‭ ‬العجمي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يأتِي‭ ‬بالمُلْصَقات‭ ‬ويُثبِّتها‭ ‬على‭ ‬الحائط،‭ ‬وفيها‭ ‬الأحكام‭ ‬والفتاوى،‭ ‬وأخبار‭ ‬المواريث،‭ ‬وحتى‭ ‬أخبار‭ ‬البلد،‭ ‬وما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬أقاصيه‭ ‬وزواياه‭.‬

وَمَع‭ ‬هَذِه‭ ‬الأخبار،‭ ‬فإنَّ‭ ‬شركة‭ (‬Gray Mackenzie‭)‬،‭ ‬وباقر‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬فاضل،‭ ‬ومن‭ ‬لديهم‭ ‬وكالات‭ ‬السفن،‭ ‬فإنهم‭ ‬جميعاً‭ ‬كانوا‭ ‬يجدون‭ ‬الحائط‭ ‬بروازا‭ ‬لحركات‭ ‬السفن‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬عابري‭ ‬السبيل‭ ‬كانوا‭ ‬يجدون‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأخبار‭ ‬مادةً‭ ‬لفهم‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬العريقة،‭ ‬فيما‭ ‬التجار‭ ‬كانوا‭ ‬يُتَابِعون‭ ‬أخبارَ‭ ‬السفن‭ ‬وما‭ ‬يهمُّهم‭ ‬من‭ ‬الحمولات‭ ‬والبضائع‭ ‬أكثرَ‭ ‬من‭ ‬أيِّ‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬ومع‭ ‬ساعة‭ ‬الضُّحَى،‭ ‬كانُوا‭ ‬يَجْلِسون‭ ‬في‭ ‬قهوة‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬ويحتسون‭ ‬الشاي‭ ‬مع‭ ‬رغا‭ (‬القشدة‭) ‬الحليب‭ ‬غير‭ ‬منزوع‭ ‬الدسم،‭ ‬وتحت‭ ‬ظلال‭ ‬الطرابيل،‭ ‬وعلى‭ ‬دِكَك‭ ‬القهوة،‭ ‬وفوق‭ ‬حصرانها‭ ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬الخوص،‭ ‬وعلى‭ ‬لَسَعَات‭ ‬أيَّام‭ ‬الحِمل‭ (‬الريح‭)‬،‭ ‬ولذة‭ ‬الهيل‭ ‬والزعفران‭ ‬الممزوجيْن‭ ‬بالسخانة،‭ ‬وعلى‭ ‬صَخَب‭ ‬الجالسين‭ ‬على‭ ‬آرائك‭ ‬الكنادل‭ ‬المهترئة،‭ ‬ومشاهد‭ ‬النَّوَارِس‭ ‬والبَجعَات،‭ ‬وحركات‭ ‬السُّفن‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬أقاصي‭ ‬الدنيا؛‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تحت‭ (‬British-India Steam Navigation Co‭) ‬من‭ ‬دارا‭ ‬ودواركا‭ ‬ودامرا‭ ‬وكوكل‭ ‬وجايا‭ ‬لكشمي‭ ‬ومغل‭ ‬ودريسا‭ ‬وسردانا‭ (‬السفينة‭ ‬العملاقة‭)‬،‭ ‬وسانتيا‭ (‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬زنجبار‭)‬،‭ ‬وكوكل‭ (‬تعمل‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬باكستان‭)‬،‭ ‬وجميعها‭ ‬كانتْ‭ ‬قد‭ ‬صُنعت‭ ‬أيَّام‭ ‬الاستعمار‭ ‬البريطانيِّ،‭ ‬ومنشأ‭ ‬مُعْظَمها‭ ‬الهند،‭ ‬وبشراكة‭ ‬هندية‭-‬بريطانية‭.‬

كانتْ‭ ‬الأخبارُ‭ ‬هي‭ ‬المَوْضُوع‭ ‬الشَّاغِل‭ ‬للجميع،‭ ‬وهم‭ ‬جميعًا‭ ‬أبصارُهم‭ ‬شاخصة‭ ‬على‭ ‬مَشَاهد‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يفتح‭ ‬باعيه،‭ ‬ومع‭ ‬السُّفن‭ ‬المتحركة‭ ‬أمام‭ ‬الأعين،‭ ‬وعلى‭ ‬جوانب‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬المفتوح‭ ‬للعيان،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬مَسْرَحاً‭ ‬لقضاء‭ ‬الحاجة؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬حمامات‭ ‬عمومية‭ ‬يَوْم‭ ‬ذاك،‭ ‬وبالأخص‭ ‬في‭ ‬بُيُوت‭ ‬البانيان‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬تخلُو‭ ‬نهائيًّا‭ ‬من‭ ‬الحمامات،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأخبار‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬تطغى‭ ‬على‭ ‬كلِّ‭ ‬المشاهد‭ ‬ما‭ ‬تملأ‭ ‬الأسماع‭ ‬ومعها‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأعين‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬كانت‭ ‬مشدُوهة‭ ‬لرؤية‭ ‬كلِّ‭ ‬جديد،‭ ‬وعادة‭ ‬فإنَّ‭ ‬التجار‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬يأتون‭ ‬بالجديد‭ ‬من‭ ‬الأخبار‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكُن‭ ‬قد‭ ‬أُدْرِجت‭ ‬في‭ ‬الأوساط،‭ ‬وبَقِيَت‭ ‬حبيسةً‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬ضيِّقة،‭ ‬ومع‭ ‬أصحاب‭ ‬النفوذ‭.‬

هَذِه‭ ‬من‭ ‬مِيْزَات‭ ‬هذهِ‭ ‬القهوة،‭ ‬ولعلَّ‭ ‬السَّبق‭ ‬في‭ ‬نَشْر‭ ‬الخَبَر‭ ‬كان‭ ‬يأتِي‭ ‬بَغْتةً،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬المُتعلَّق‭ ‬به‭ ‬الخبر‭ ‬نتيجةَ‭ ‬تَسْرِيبات‭ ‬مِن‭ ‬مَصَادر‭ ‬مُقرَّبة؛‭ ‬فعلى‭ ‬سَبِيل‭ ‬المِثَال،‭ ‬وعندما‭ ‬تَقرَّر‭ ‬أن‭ ‬يذهب‭ ‬الوالد‭ ‬ويُرافقه‭ ‬الحاج‭ ‬حبيب‭ ‬جواد‭ ‬عبدالحسين‭ ‬اللواتي،‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬الطبَّاخين‭ ‬إلى‭ ‬ظفار،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1968م،‭ ‬وبأمرٍ‭ ‬سلطانيٍّ‭ ‬سامٍ،‭ ‬لاستضافة‭ ‬سموِّ‭ ‬الشيخ‭ ‬زايد‭ ‬بن‭ ‬سلطان‭ ‬آل‭ ‬نهيان،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يخرُج‭ ‬الوالِد‭ ‬من‭ ‬مكتب‭ ‬الوالي‭ ‬لإبلاغه‭ ‬بالخبر،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأخبار‭ ‬كانتْ‭ ‬قد‭ ‬انتشرتْ‭ ‬في‭ ‬قهوة‭ ‬الحاج،‭ ‬وإنَّ‭ ‬السَّبْق‭ ‬الصحفي‭ ‬بدأ‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬دِكَك‭ ‬قهوة‭ ‬الحاج‭ ‬خميس،‭ ‬وأُذِيع‭ ‬النبأ‭ ‬على‭ ‬الجالسين،‭ ‬والخبر‭ ‬لم‭ ‬يَكُن‭ ‬قد‭ ‬نُشِر‭ ‬على‭ ‬الحَائِط‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬مُتأخِّر‭ ‬من‭ ‬النهار‭.‬

وَهَكذَا‭ ‬الحالة،‭ ‬وبَعْد‭ ‬أنْ‭ ‬أقلَّت‭ ‬الطيارة‭ ‬السلطانية‭ ‬الخاصة‭ ‬الوالد‭ ‬والحاج‭ ‬حبيب‭ ‬جواد‭ ‬عبد‭ ‬الحسين‭ ‬إلى‭ ‬صلالة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأخبارَ‭ ‬عنهما‭ ‬قد‭ ‬انقطعتْ‭ ‬على‭ ‬مَدَى‭ ‬ثمانية‭ ‬أيام،‭ ‬وهذهِ‭ ‬هي‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬مَكَثَا‭ ‬فِيْهَا‭ ‬في‭ ‬ظفار،‭ ‬والحالة‭ ‬هذه‭ ‬فإنَّ‭ ‬أوَّل‭ ‬معرِفتنَا‭ ‬عن‭ ‬يَوْم‭ ‬وُصُولِهما‭ ‬قد‭ ‬عَلِمْنَاها‭ ‬عبر‭ ‬قهوة‭ ‬الحاج‭ ‬خميس؛‭ ‬حيث‭ ‬المُسَرَّب‭ ‬من‭ ‬الخبر‭ ‬قد‭ ‬تمَّ‭ ‬تداوله،‭ ‬وبأدق‭ ‬تفاصيل‭ ‬الرِّحلة‭ ‬مُذ‭ ‬أن‭ ‬وَطِأت‭ ‬أقدام‭ ‬الضَّيف‭ ‬سُمو‭ ‬الشيخ‭ ‬زايد‭ ‬بن‭ ‬سلطان‭ ‬آل‭ ‬نهيان‭ ‬أرض‭ ‬صلالة،‭ ‬وحتى‭ ‬ساعة‭ ‬مُغادرته‭.‬

وَمِنَ‭ ‬الجديرِ‭ ‬ذِكْرُه‭ ‬أنَّ‭ ‬الأغنية‭ ‬المشهورة‭ ‬للمغني‭ ‬مُحمَّد‭ ‬سلطان‭ ‬المقيمي‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬الزيارة،‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬انتشرتْ‭ ‬في‭ ‬أزقَّات‭ ‬مطرح،‭ ‬وعبر‭ ‬إذاعة‭ ‬أبو‭ ‬ظبي،‭ ‬وكانت‭ ‬فاكهةً‭ ‬لمرتادِي‭ ‬قهوة‭ ‬الحاج،‭ ‬وكَثُر‭ ‬فيها‭ ‬وعنها‭ ‬الحديثُ‭ ‬الذي‭ ‬غَدَا‭ ‬حديثَ‭ ‬الساعة‭ ‬للمجالس‭ ‬والقهاوي‭ ‬يومذاك‭.‬

ويَذْكُر‭ ‬الأستاذ‭ ‬حَسن‭ ‬سعيد‭ ‬مُحمَّد‭ ‬كَيْف‭ ‬أنَّ‭ ‬خبرَ‭ ‬وُصول‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ -‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭- ‬في‭ ‬سُدَّة‭ ‬الحُكم‭ ‬قد‭ ‬انتشرَ‭ ‬في‭ ‬ساحةِ‭ ‬خور‭ ‬بمبه،‭ ‬وعبر‭ ‬مَسؤُول‭ ‬من‭ ‬بَيْت‭ ‬الفلج،‭ ‬تبعتهُ‭ ‬المقابلات‭ ‬من‭ ‬مُرَاسِل‭ ‬بي‭.‬بي‭.‬سي‭ ‬لبعض‭ ‬الوُجُوه‭ ‬المتحدثة،‭ ‬وكان‭ ‬هو‭ ‬أَحَدَهم،‭ ‬ولم‭ ‬يَكُن‭ ‬الخبر‭ ‬قد‭ ‬أَخَذ‭ ‬حَيِّزا‭ ‬من‭ ‬النشر‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬بوَّابة‭ ‬خُور‭ ‬بمبه،‭ ‬ومنها‭ ‬فقد‭ ‬أَصْبَح‭ ‬الأمرُ‭ ‬معروفاً‭ ‬بتفاصِيل‭ ‬تحدَّث‭ ‬عنها‭ ‬الشُّهود‭ ‬بشَيء‭ ‬من‭ ‬الإسهاب‭.‬

وَكَان‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬تُجَّار‭ ‬مطرح،‭ ‬وعندما‭ ‬كَانُوا‭ ‬يَودُّون‭ ‬معرفة‭ ‬حالة‭ ‬السوق‭ ‬والبضائع‭ ‬الآتية‭ ‬عبر‭ ‬البلدان‭ ‬والسِّلع‭ ‬المتوفِّرة‭ ‬في‭ ‬البخاخير،‭ ‬ومستوى‭ ‬السيولة‭ ‬المتوفِّرة‭ ‬في‭ ‬خزائن‭ ‬كِبَار‭ ‬التُّجار،‭ ‬لا‭ ‬سيَّما‭ ‬من‭ ‬ريالات‭ ‬ماريا‭ ‬تريزا‭ ‬النمساوية‬،‭ ‬فإنَّهم‭ ‬كانُوا‭ ‬يعمدُون‭ ‬إلى‭ ‬وُسَطَائهم‭ ‬لجس‭ ‬حالة‭ ‬السُّوق‭ ‬بطُرق‭ ‬مدروسة‭ ‬ومنطوية‭ ‬على‭ ‬الدَّهاء،‭ ‬فيلقطون‭ ‬نتفاً‭ ‬ولَمْلَمات‭ ‬من‭ ‬الأخبار،‭ ‬وبجَمْعِها‭ ‬يفهَمُون‭ ‬حالة‭ ‬السوق‭ ‬من‭ ‬خِلَال‭ ‬بعضِ‭ ‬المؤشرات‭ ‬مع‭ ‬رَمْيِهم‭ ‬طُعماً‭ ‬لوسطاء‭ ‬السوق،‭ ‬وعبر‭ ‬الجمادارات،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬الدَّلَّالين،‭ ‬فتُتَاح‭ ‬لهُم‭ ‬فرصَ‭ ‬معرفةِ‭ ‬أحوالِ‭ ‬الناس‭ ‬والسُّوق‭ ‬والمعروض‭ ‬من‭ ‬البضائع‭ ‬الآتية‭ ‬منها‭ ‬عبر‭ ‬البَاخِرَات،‭ ‬وحجمها،‭ ‬وحجم‭ ‬السُّيولة‭ ‬لدى‭ ‬التجار،‭ ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الفن‭ ‬كان‭ ‬يُجِيده‭ ‬رِجالاته،‭ ‬والقهوة‭ ‬كانتْ‭ ‬المَكَان‭ ‬الأنسب‭ ‬لجَمْع‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬البارعين‭ ‬لفنون‭ ‬جَمْع‭ ‬المعلومات‭ ‬بأساليب‭ ‬مُحنَّكة‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬الدهاء‭ ‬والتحري،‭ ‬ووفق‭ ‬المعلومات‭ ‬المُتَاحة‭ ‬التي‭ ‬كَان‭ ‬يقبض‭ ‬أصحابُها‭ ‬أثمانَها‭ ‬عند‭ ‬جمعها،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الوسطاء‭ ‬والدَّلَّالين‭ ‬من‭ ‬هَذَا‭ ‬المستوى،‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬المُقرَّبين‭ ‬للتجار،‭ ‬وكانوا‭ ‬المُنتَفعين‭ ‬من‭ ‬وَرَائهم،‭ ‬ولم‭ ‬يَكُن‭ ‬لِيُهمّ‭ ‬التاجر‭ ‬بأنْ‭ ‬يدفع‭ ‬الأكلاف،‭ ‬مادامتْ‭ ‬المعلومة‭ ‬المُحصَّلة‭ ‬كانت‭ ‬مُفيدةً‭ ‬لتجارتِه‭.‬

والتُّجَار‭ ‬قَد‭ ‬اعتَمَدُوا‭ ‬على‭ ‬الوُسَطَاء،‭ ‬وهَؤلاء‭ ‬قد‭ ‬أَخْلَصُوا‭ ‬لَهم،‭ ‬ومن‭ ‬التُّجَار‭ ‬من‭ ‬استَعَان‭ ‬بِهِم‭ ‬في‭ ‬تِجَاراتِهم‭ ‬في‭ ‬بَلْدَات‭ ‬عُمان‭ ‬على‭ ‬تنوُّع‭ ‬جُغرافيَّتها‭ ‬وتَضَاريسها،‭ ‬فركِبوا‭ ‬الدَّواب،‭ ‬وجابُوا‭ ‬المدن،‭ ‬وتركُوا‭ ‬من‭ ‬خَلْفهم‭ ‬عَوَائلهم‭. ‬ومِنْهُم‭ ‬من‭ ‬عَمِل‭ ‬لهؤلاء‭ ‬التُّجَار‭ ‬خَارج‭ ‬حُدود‭ ‬عُمان،‭ ‬وفي‭ ‬ظُرُوف‭ ‬صَعبة‭ ‬للغاية،‭ ‬والتحقوا‭ ‬بمَكَاتِب‭ ‬لهم،‭ ‬وجَابُوا‭ ‬البِحَار،‭ ‬ورَكِبُوا‭ ‬الصِّعاب،‭ ‬وتَقَاسمُوا‭ ‬الرزق،‭ ‬ومع‭ ‬الغربة‭ ‬والقسوة‭ ‬والمغامرة‭ ‬كان‭ ‬لكلِّ‭ ‬مُجتهدٍ‭ ‬مِنْهُم‭ ‬نَصِيب‭ ‬والحَياة،‭ ‬كد‭ ‬وتعب‭ ‬وبذل‭ ‬وعطاء،‭ ‬ومن‭ ‬بَذَل‭ ‬وسَعَى‭ ‬حقَّق‭ ‬ما‭ ‬أراد‭.‬

استراحة‭ ‬المُحَاربين‭ ‬
يتذكَّر‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬خميس‭ -‬والذي‭ ‬كَان‭ ‬عَضُداً‭ ‬لوالدِه‭- ‬أنَّ‭ ‬النواخذة‭ ‬هم‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يَرْتَاد‭ ‬القهوة‭ ‬في‭ ‬سَاعَات‭ ‬الفجر،‭ ‬وجُلُّهم‭ ‬من‭ ‬الباطنة‭ ‬والشرقية‭. ‬ويَتْبَعهم‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يتَعَامل‭ ‬مع‭ ‬أدَوَات‭ ‬الصَّيْد‭ ‬فيذكُر‭ ‬أنَّ‭ ‬مُحمَّد‭ ‬وأحمد‭ ‬وعبد‭ ‬الله‭ ‬الخنجي‭ ‬كانوا‭ ‬يَرْتَادون‭ ‬القهوة‭ ‬مع‭ ‬الفَجر؛‭ ‬حيثُ‭ ‬مُقْتَضى‭ ‬عملهم‭ ‬كان‭ ‬يتطلَّب‭ ‬تواجُدهم‭ ‬في‭ ‬مَحلِّهم‭ ‬ومكتبِهم‭ ‬على‭ ‬الشَّريط‭ ‬السَّاحلي‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬القهوة،‭ ‬بجَانِب‭ ‬تعامُلهم‭ ‬مع‭ ‬تِجَارات‭ ‬الأخشاب‭ ‬التي‭ ‬فِي‭ ‬العَادَة‭ ‬تُنزل‭ ‬حُمُولاتها‭ ‬في‭ ‬بَنْدَر‭ ‬مطرح،‭ ‬مع‭ ‬السَاعَات‭ ‬الأولى‭ ‬مِنَ‭ ‬النَّهار‭. ‬ويأتِي‭ ‬بَعْدهم‭ ‬الجمادارات‭ ‬(سپي،‭ ‬وجموك،‭ ‬وميروك‭… ‬وآخرون)‭‬‭ ‬لأنَّهم‭ ‬أيضًا‭ ‬كَان‭ ‬يتطلَّب‭ ‬عملهم‭ ‬على‭ ‬الميازيين‭ ‬من‭ ‬البَدْء‭ ‬مُبكِّرا،‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬تبدأ‭ ‬جَمارك‭ ‬مسقط،‭ ‬فيأخذون‭ ‬بالحُمُولات‭ ‬من‭ ‬البَضَائع‭ ‬من‭ ‬البخاخير،‭ ‬وبَعْضُها‭ ‬من‭ ‬فَرضة‭ ‬مطرح،‭ ‬وعلى‭ ‬ظُهُور‭ ‬السُّفن‭ ‬الخشبية‭ ‬الشراعيَّة،‭ ‬حتى‭ ‬مغب؛‭ ‬حيث‭ ‬جَمارك‭ ‬مسقط‭.‬

بَعْد‭ ‬ذَلِك،‭ ‬تَبْدَأ‭ ‬دُفعة‭ ‬الحمَّالين‭ ‬والسَّقائين‭ ‬والكسبة‭ ‬على‭ ‬مُخْتَلف‭ ‬المُستَويات،‭ ‬ومع‭ ‬بِدَاية‭ ‬النَّهار‭ ‬وحتى‭ ‬يَرْتَفع‭ ‬عَمُود‭ ‬الشمس،‭ ‬فيتَنَاولون‭ ‬السَّخانة،‭ ‬ويحتسُون‭ ‬الشَّاي،‭ ‬والبعضُ‭ ‬مِنْهُم‭ ‬كانَ‭ ‬يكتفِي‭ ‬بملة‭ ‬الحلبة‭ ‬في‭ ‬الإناء‭ ‬البلُّوري،‭ ‬ثُمَّ‭ ‬يَهِيم‭ ‬في‭ ‬مُعترك‭ ‬الحَيَاة‭ ‬فيَرْمِي‭ ‬بنفسِه‭ ‬في‭ ‬لهوات‭ ‬الكِفَاح،‭ ‬حتى‭ ‬يَأخُذ‭ ‬مِنْه‭ ‬الجَهْد‭ ‬مَأْخَذه،‭ ‬فيجلِس‭ ‬في‭ ‬زَاوية‭ ‬مِن‭ ‬زَوَايا‭ ‬القَهْوة،‭ ‬وتحت‭ ‬ظِلِّ‭ ‬جِدَارها‭ ‬المُرْتفِع،‭ ‬وعلى‭ ‬مقرُبة‭ ‬مِن‭ ‬دكيتها‭ ‬يلعبُ‭ ‬مع‭ ‬النُّدماء‭ ‬والجُلَّاس‭ ‬لعبة‭ ‬الحواليس،‭ ‬فإنَّ‭ ‬اللعبة‭ ‬كانت‭ ‬تنتشرُ‭ ‬في‭ ‬سَاحَة‭ ‬خور‭ ‬بمبه،‭ ‬ويُمَارسُها‭ ‬التاجر‭ ‬والكاسِب‭ ‬والحمال‭ ‬والهنقري‭ ‬والبشكار‭ ‬والبزاز‭ ‬والسقاء‭ ‬والشمار،‭ ‬وأينما‭ ‬تَحَيَّن‭ ‬المرءُ‭ ‬الفرصةَ‭ ‬تربَّع‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وجَالَس‭ ‬اللاعبِين‭ ‬من‭ ‬غَيْر‭ ‬تَمْيِيز‭.. ‬فهُنا‭ ‬الأرض‭ ‬المُشَاع‭.‬

هِي‭ ‬نَكْهَة‭ ‬خُور‭ ‬بمبه،‭ ‬وعُنْفوان‭ ‬زَمَانها‭ ‬الذي‭ ‬غَادَر‭ ‬دون‭ ‬استئذانٍ،‭ ‬وبَقِي‭ ‬الوجدان‭ ‬يَسْتَعيد‭ ‬ذِكْرَاها‭ ‬في‭ ‬لَحَظات‭ ‬عَقَارِبها‭ ‬لن‭ ‬تَعُود‭ ‬إلى‭ ‬الوَرَاء،‭ ‬بَيْنَما‭ ‬بَقِي‭ ‬المَكَان‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬بَانُوراماته،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬الصُّوَر‭ ‬الحيَّة‭ ‬الباقية‭ ‬في‭ ‬المخيال‭. ‬وَيَأتِي‭ ‬الزكواني،‭ ‬والمتواني،‭ ‬والنوراني،‭ ‬والساجواني،‭ ‬والجوسباني،‭ ‬والهنائي،‭ ‬والرَّحبي،‭ ‬والأخزمي،‭ ‬والموساني،‭ ‬والعيساني،‭ ‬والجمالاني،‭ ‬والداتاني،‭ ‬والببواني،‭ ‬والسالياني،‭ ‬والزدجالي،‭ ‬والفاضلاني،‭ ‬والمراداني،‭ ‬والمكراني،‭ ‬والشهباري،‭ ‬والميمني،‭ ‬واللالاني،‭ ‬وحتى‭ ‬توبراني،‭ ‬وأسواني،‭ ‬وآخرون‭ ‬من‭ ‬بَنِي‭ ‬بانيان،‭ ‬كانوا‭ ‬يَأتُون‭ ‬إلى‭ ‬قَهْوة‭ ‬الحاج‭ ‬خميس،‭ ‬وإنْ‭ ‬كَان‭ ‬الأمرُ‭ ‬يختصرُ‭ ‬على‭ ‬شرائح‭ ‬مُعيَّنة‭. ‬وفي‭ ‬أوقاتِ‭ ‬الذروة،‭ ‬فيُفسح‭ ‬لهم‭ ‬المجال‭ ‬على‭ ‬دِكَّة‭ ‬مُقَابل‭ ‬البحر،‭ ‬ومع‭ ‬التَّزَاحم‭ ‬على‭ ‬كلِّ‭ ‬دكك‭ ‬القهوة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الطاولة‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬تتوسَّط‭ ‬القهوة،‭ ‬ويُوْضَع‭ ‬عليها‭ ‬النثريات‭ ‬من‭ ‬المؤن،‭ ‬كانت‭ ‬تُفرغ‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬لتتسع‭ ‬المرتادين‭ ‬على‭ ‬قَدْر‭ ‬سِعَة‭ ‬المكان‭.‬

وَمَع‭ ‬دُخُول‭ ‬الشَّهْر‭ ‬الفَضِيل،‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الحَاج‭ ‬خميس‭ ‬كان‭ ‬يُغلق‭ ‬القهوة‭ ‬أمام‭ ‬مُرْتَادِيها،‭ ‬ويتحوَّل‭ ‬في‭ ‬واحدةٍ‭ ‬من‭ ‬سَاحَات‭ ‬مطرح،‭ ‬ويُهيِّئ‭ ‬للقهوة‭ ‬مكانًا‭ ‬مناسبًا،‭ ‬وقد‭ ‬بدأ‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬معقل‭ ‬الحطب‭ ‬عند‭ ‬دروازة‭ ‬مطرح،‭ ‬وبعد‭ ‬سنوات‭ ‬وجد‭ ‬له‭ ‬مَوْقعاً‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬مقرُبة‭ ‬من‭ ‬تنُّور‭ ‬حاجي‭ ‬داود‭ ‬العجمي،‭ ‬وعند‭ ‬مقصورة‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬فاضل‭ ‬أقام‭ ‬قهوته‭ ‬هناك،‭ ‬ولسنوات‭ ‬طُوَال‭.‬

وَمَع‭ ‬هَذا‭ ‬الشَّهر‭ ‬الذي‭ ‬كانَ‭ ‬المطرحيُّ‭ ‬يتَّخذ‭ ‬فيه‭ ‬نَفَسه‭ ‬في‭ ‬أماسيه؛‭ ‬حَيْث‭ ‬الألعابِ‭ ‬على‭ ‬الشُّطآن‭ ‬الرَّملية‭ ‬وتجمُّعات‭ ‬السَّمر‭ ‬على‭ ‬امتدادِه،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الواجهة‭ ‬البحرية‭ ‬كانت‭ ‬تعجُّ‭ ‬بالناس،‭ ‬وكانتْ‭ ‬قهوة‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬ساحات‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك،‭ ‬وتظل‭ ‬تَعْمَل‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬المساء‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬مُنتصف‭ ‬الليل،‭ ‬وتقدِّم‭ ‬الشاي‭ ‬والزنجبيل‭ ‬والفرني‭ ‬(حلاوة‭ ‬الرز)‬،‭ ‬والفالوذة‭) ‬حلوة‭ ‬گانس). ‬بِجَانِبه،‭ ‬كَان‭ ‬السيِّد‭ ‬مَاجد‭ ‬هاشم‭ ‬الموسوي،‭ ‬وعلى‭ ‬بعْدٍ‭ ‬مِنْه‭ ‬أخوه‭ ‬السيد‭ ‬يوسف،‭ ‬هما‭ ‬الآخران‭ ‬كانَا‭ ‬يُقدِّمان‭ ‬بعضًا‭ ‬من‭ ‬الأطعمة‭ ‬الرَّمَضانية،‭ ‬ولكلّ‭ ‬مُرَتادِيه‭ ‬ومُستَذوِقيه‭.‬

المنافسون
بَقِي‭ ‬الحَاج‭ ‬خميس‭ ‬على‭ ‬حَالِه‭ ‬في‭ ‬خُور‭ ‬بمبه،‭ ‬ولسنواتٍ‭ ‬امتدَّت‭ ‬حتى‭ ‬مُنتَصَف‭ ‬الستينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬إلى‭ ‬أنْ‭ ‬دَخَلت‭ ‬كهرباء‭ ‬مطرح‭ ‬في‭ ‬وَاقِع‭ ‬المطرحيِّين،‭ ‬ومعها‭ ‬فَقَد‭ ‬دخلتْ‭ ‬المُبرِّدات‭ ‬في‭ ‬سَاحَات‭ ‬مطرح،‭ ‬وتحيَّن‭ ‬الشباب‭ ‬فرصة‭ ‬دخول‭ ‬السوق‭.‬

جَاءَ‭ ‬أحمد‭ ‬عبد‭ ‬الباقي‭ ‬مُحمَّد‭ ‬وفَتَح‭ ‬فِي‭ ‬سوقِ‭ ‬خور‭ ‬بمبه‭ ‬على‭ ‬مقرُبَة‭ ‬من‭ ‬مَحَل‭ ‬إسماعيل‭ ‬كاظم‭ ‬العجمي‭ ‬مقهًى‭ ‬للمبردات،‭ ‬وَجَذَب‭ ‬أعدادًا‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬المُبرَّدات‭ ‬واللبن‭ ‬وشراب‭ ‬الليمون‭ . ‬وَجَاء‭ ‬حَسَن‭ ‬مُحْسِن‭ ‬علي‭ ‬(چكاب)‭‬ ،‭‬وفتح‭ ‬مقهًى‭ ‬في‭ ‬سُوق‭ ‬الصاغة،‭ ‬وعلى‭ ‬مَقْرُبة‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬عبدالصمد‭ ‬حبيب‭ ‬فاضل،‭ ‬وعلى‭ ‬نفس‭ ‬منوال‭ ‬أحمد‭ ‬عبد‭ ‬الباقي‭ ‬عبدالرب‭. ‬وَسَبَق‭ ‬الجميعَ‭ ‬المرحومُ‭ ‬صَادق‭ ‬جعفر‭ ‬حسن؛‭ ‬إذ‭ ‬بَدَأ‭ ‬مُبكِّرا‭ ‬في‭ ‬بيع‭ ‬المبردات‭ ‬والآيسكريمات،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬سوق‭ ‬الصاغة،‭ ‬مقابل‭ ‬مجلس‭ ‬عبدالصمد‭ ‬حبيب‭ ‬فاضل،‭ ‬ومقابل‭ ‬الصايغ‭ ‬إسماعيل‭ ‬الميمني‭. ‬كَمَا‭ ‬أنَّ‭ ‬ماجد‭ ‬هاشم‭ ‬الموسوي،‭ ‬وأخاه‭ ‬السيد‭ ‬يوسف،‭ ‬بدآ‭ ‬ببيع‭ ‬الآيسكريمات‭ ‬مُبكِّرا،‭ ‬ومع‭ ‬استخدام‭ ‬ثلاجات‭ ‬الكيروسين،‭ ‬وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬المتقدِّمة‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬الكهرباء‭ ‬إلى‭ ‬مُعْظَم‭ ‬مطرح‭ ‬مع‭ ‬العام‭ ‬1964م‭. ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬قهوةَ‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬بَقِيَت‭ ‬في‭ ‬رِيَادتها،‭ ‬وحافظتْ‭ ‬على‭ ‬زَبَائِنها،‭ ‬ولم‭ ‬تأتِ‭ ‬عليها‭ ‬لَحْظَة‭ ‬انكسارٍ‭ ‬أو‭ ‬تَرَاجُع‭ ‬حتَّى‭ ‬وبعد‭ ‬أنْ‭ ‬التحقَ‭ ‬ابنُه‭ ‬أحمد‭ ‬بالعمل‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬تاول‭ ‬عام‭ ‬1963،‭ ‬ثُمَّ‭ ‬إلى‭ ‬الجيش‭ ‬السُّلطاني‭ ‬الذي‭ ‬سبقه‭ ‬إليه‭ ‬أخوه‭ ‬الأكبر‭ ‬عبد‭ ‬الحسين،‭ ‬لكنَّه‭ ‬بَقِي‭ ‬مُلَازماً‭ ‬لوالده‭ ‬بعد‭ ‬سَاعَات‭ ‬الدوام‭ ‬وأثناء‭ ‬العُطَل‭ ‬كَمَن‭ ‬يلازمه‭ ‬ظِلَّه‭.‬

بَقِي‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬مُكَافِحاً،‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬قُرابة‭ ‬40‭ ‬عاماً‭ ‬عَمِل‭ ‬في‭ ‬القهوة‭ ‬حتَّى‭ ‬أنهكَه‭ ‬الضَّعف،‭ ‬وبَدَأ‭ ‬الهُزَال‭ ‬والشَّيب‭ ‬والهَشَاشة‭ ‬تأخذ‭ ‬من‭ ‬قُوَاه،‭ ‬فَتَرَك‭ ‬القهوةَ‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1975م،‭ ‬وأَغْلَق‭ ‬بابَها‭ ‬إلى‭ ‬الأَبَد،‭ ‬فيما‭ ‬بَقِي‭ ‬مُلَازماً‭ ‬لأدوارِه‭ ‬الاجتماعيَّة‭ ‬المَعْهُودة؛‭ ‬خدمةً‭ ‬لإخوانهِ‭ ‬من‭ ‬العَجم؛‭ ‬فجمع‭ ‬التبرُّعَات‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬الأعمالِ‭ ‬الخيرية،‭ ‬وشيء‭ ‬منها‭ ‬للمآتم،‭ ‬ومسجد‭ ‬حمزة‭ ‬في‭ ‬جبروه‭.‬

هَذِه‭ ‬الأعمالُ‭ ‬الخيريَّة‭ ‬كانتْ‭ ‬جُزءًا‭ ‬من‭ ‬أعمالِه‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬ذُرْوَة‭ ‬عطائه‭ ‬وعمله‭ ‬في‭ ‬قَهْوَته،‭ ‬ولم‭ ‬تُفَارقه‭ ‬للحظة،‭ ‬ولعلَّ‭ ‬التبرُّعات‭ ‬السَّخِية‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬في‭ ‬العَادَة‭ ‬تُجمع‭ ‬في‭ ‬قَهْوَته‭ ‬ولأعمالِ‭ ‬البِر‭ ‬والخير‭ ‬كان‭ ‬المُبَادِر‭ ‬لَها‭ ‬بشخصِه،‭ ‬ومن‭ ‬أناسٍ‭ ‬كانُوا‭ ‬يتردَّدُون‭ ‬على‭ ‬قهوته‭.‬

وَلَا‭ ‬أَنْسَى‭ ‬إذْ‭ ‬أنسى‭ ‬قِيَامه‭ ‬بطَبخ‭ “‬الكيرجي‭” ‬لَيْلَة‭ ‬عاشوراء‭ ‬داخل‭ ‬سور‭ ‬اللواتية،‭ ‬وعند‭ ‬بوَّابَتهم‭ ‬المطلَّة‭ ‬على‭ ‬البحر،‭ ‬مع‭ ‬نفرٍ‭ ‬من‭ ‬إخوانِه‭ ‬حسن‭ ‬بن‭ ‬يعقوب‭ ‬الزعابي،‭ ‬وأخيه‭ ‬سعيد،‭ ‬وسعيد‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الساجواني،‭ ‬وعبد‭ ‬الحسين‭ ‬الندواني،‭ ‬وأحمد‭ ‬جعفر‭ ‬ناصر‭. ‬خمسة‭ ‬قُدُور‭ ‬من‭ ‬السخانة‭) ‬الكيرجي) ‬بقيتْ‭ ‬على‭ ‬حَالتِها‭ ‬حتَّى‭ ‬الساعة،‭ ‬ويُعْتَبر‭ ‬الحاج‭ ‬خميس‭ ‬أحد‭ ‬أَعْمَدة‭ ‬طَبْخِها‭ ‬لدى‭ ‬اللواتية،‭ ‬وكَذَلك‭ ‬في‭ ‬مُنَاسَبات‭ ‬أخرى‭ ‬لدى‭ ‬إخوانه‭ ‬العجم‭ ‬الذين‭ ‬لازمَهُم‭ ‬وعَايَشهم‭ ‬مُنذ‭ ‬صِبَاه،‭ ‬وخدم‭ ‬مأتم‭ ‬القاسِم‭ ‬المُلَاصِق‭ ‬لبيته‭ ‬في‭ ‬جبروه،‭ ‬والذي‭ ‬كَان‭ ‬قد‭ ‬بَنَاه‭ ‬أولادُ‭ ‬الزعاب،‭ ‬وبَقِي‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬يُوسف‭ ‬الزعابي‭ ‬مُلَازِماً‭ ‬له‭ ‬طُوَال‭ ‬سنيِّ‭ ‬عُمْرِه،‭ ‬مُتردِّدا‭ ‬عليه،‭ ‬وعلى‭ ‬مأتميْ‭ ‬سُور‭ ‬اللواتية،‭ ‬وكان‭ ‬يقرأ‭ ‬فيه‭ ‬المقتل‭ ‬صباح‭ ‬عاشوراء،‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬يَبْدأ‭ ‬في‭ ‬قراءته‭ ‬في‭ ‬المأتم‭ ‬الكبير‭ ‬عند‭ ‬اللواتية،‭ ‬وكان‭ ‬ذَلِك‭ ‬مُنذ‭ ‬أواسِط‭ ‬الستينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

وَلَم‭ ‬يُفَارِق‭ ‬الحَاج‭ ‬خميس‭ ‬جبروه‭ ‬إلا‭ ‬بَعْد‭ ‬حَرَائق‭ ‬مطرح،‭ ‬والتي‭ ‬التهمتْ‭ ‬مُعْظَم‭ ‬جبرو،‭ ‬وحوَّلتها‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬يباب،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬من‭ ‬العام ‭ ‬1964م،‭ ‬فرحل‭ ‬إلى‭ ‬نَازي‭ ‬مويا،‭ ‬وفي‭ ‬بَيْت‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬سليمان‭ ‬شالواني،‭ ‬ولمُدَّة‭ ‬قصيرة؛‭ ‬حيث‭ ‬رَجِع‭ ‬إلى‭ ‬جبروه،‭ ‬مَرْتَع‭ ‬صِبَاه‭ ‬ومَرَابِع‭ ‬أهل‭ ‬والدته‭ ‬وأم‭ ‬أولاده،‭ ‬وبَقِي‭ ‬هُنَاك‭ ‬حتَّى‭ ‬يوم‭ ‬وفاته‭.‬

وَفِي‭ ‬العام‭ ‬1982،‭ ‬أَذِنَت‭ ‬ساعةُ‭ ‬رحيلِهِ‭ ‬إلى‭ ‬ربِّه؛‭ ‬فغَادَر‭ ‬الدُّنيا،‭ ‬وبَقِي‭ ‬اسمُه‭ ‬ورسمُه‭ ‬في‭ ‬القلوب،‭ ‬وشيَّعه‭ ‬أقرباؤه‭ ‬وجمعٌ‭ ‬من‭ ‬المؤمنين‭ ‬إلى‭ ‬مَقْبرة‭ ‬اللواتية‭ ‬في‭ ‬جبروه‭ ‬حيث‭ ‬مَثْوَاه‭ ‬الأخير؛‭ ‬فبقيتْ‭ ‬جبروه‭ ‬مكانًا‭ ‬له‭ ‬وهو‭ ‬حيٌّ،‭ ‬ولَازَم‭ ‬جثمانه‭ ‬لها‭ ‬وهو‭ ‬ميِّت‭.‬

وبَعْد‭ ‬مَوْتِه،‭ ‬كانتْ‭ ‬شريكة‭ ‬حياته‭ ‬زوجته‭ ‬فاطمة‭ ‬العجمية‭ ‬قد‭ ‬غَادَرت‭ ‬الحياة‭ ‬بَعْدَه‭ ‬بـ‭ ‬100‭ ‬يَوْم،‭ ‬فكأنَّما‭ ‬كانا‭ ‬على‭ ‬مَوْعِد‭ ‬باللقاءِ‭ ‬سريعاً‭ ‬في‭ ‬جنَّاتٍ‭ ‬ونهر،‭ ‬عند‭ ‬مليكٍ‭ ‬مُقْتَدر‭. ‬وَتَمَّ‭ ‬دفنُها‭ ‬في‭ ‬مَقْبَرة‭ ‬اللواتية؛‭ ‬لتكُوْنَ‭ ‬على‭ ‬قُربٍ‭ ‬من‭ ‬زوجِها‭ ‬وشَرِيك‭ ‬حياتِها‭. ‬وللحديث‭ ‬بقية‭…‬،

553 total views, 5 views today