د. ياسمين مغيب


نَصْرٌ لَنْ يَدُومَ

توضح قصة ” سر ملوحة ماء البحر ” من التراث القصصي النرويجي الصراع الأبدي بين قوتي الخير والشر، بين الغنى والفقر، والأنانية والإيثار، أو بالأحرى بين العطاء والأخذ، فهناك من يجعل كل السُبل مُباحة من أجل تحقيق الهدف المنشود مهما كان هدفه، وأي كانت وسيلته، فغايته الوصول حتى ولو أراق سُبل الحق، أو أعلى شأن الباطل.

تتحدثُ القصة عن أخوين هما: “لارس” و”هانز” كانا يعيشان في إحدى وديان النرويج، فقد كان “لارس” يعمل بتجارة الملح الذي كان شحيحًا وثمينًا في ذلك الوقت، فقد كان أغلى من الذهب، وكان يستورده من بلاد الجنوب، بينما كان “هانز” الأخ الأصغر فقيرًا جدًا ويعيش عند الشاطئ، ولديه عائلته الكبيرة، وذات عام لم يكن الصيد وفيرًا، فذهب “هانز” لأخيه “لارس” وطلب منه المساعدة في إطعام أولاده، {أرجوكَ يا أخي ساعدني، فالأولاد جياع ولا يوجد في بيتي طعامًا يأكلونه، أرجوك}  فكان “لارس” غلظ القلب، حاد المشاعر، فاقد للرحمة، فقال له: {عليكَ بفضلات الطعام… فمن الأجدر بكَ يا من لا تصلح لشيء أن تذهب للهاوية.. هيا اغرب عن وجهي}

كان “هانز” شخصية ساذجة مُطيعة صدقَ نصيحة “لارس”، وبدأ يفكرُ كيف يُمكنه أن يذهب للهاوية، فقابل رجلًا عجوزَا وسأله: {هل لكَ أن تساعدني يا سيدي؟ … كيف يمكنني الذهاب إلى الهاوية؟} سخر العجوز منه وقال له: {الهاوية في نهاية هذا الطريق يا سيدي} وأشار له باتجاه الغابة.

استمر “هانز ” في طريقه حتى وصل لوسط الغابة، وقرر أن يجلس ليستريح قليلًا، فسقط في حفرةٍ عميقةٍ، ليجد نفسه وسط مجموعة من الكائنات الغريبة، فقال لهم بلهفةٍ: {سامحوني أني قاطعتكم… ولكن هل هذه هي الهاوية؟} فغضب كبيرهم من دخول “هانز” دون استئذان للمكان. {يا لكَ من غبي.. ماذا تظن نفسكَ؟ لا يُسمح لأي شخص بالدخول إلى هنا دون حجز مُسبق هل فهمت؟}

وقبل أن يُسرع “هانز” لمغادرة المكان، سأله كبيرهم، ما الذي تحمله على ظهرك، فقال له “هانز” إنها بقايا لحوم كان قد أعطاها له “لارس”، وكان هؤلاء الأشرار يحبون اللحوم كثيرًا، وهنا قرر كبيرهم أن يعقد معه صفقة، أو مقايضة بحيث يمنح “هانز” طاحونة مسحورة مقابل أن يأخذ منه كل اللحوم التي معه. {ليست طاحونة عادية… إنها ستعطيك كل ما تصبو إليه نفسكَ.. عليكَ أن تأمرها فقط.. ستعطيك كل ما تريد، وعندما تكتفي ولا ترغب بالمزيد ستتوقف الطاحونة عند سماعها ثلاث كلمات….}

أخذ “هانز” الطاحونة وحفظ الكلمات ومنحهم اللحم، وعندما استعاد وعيه وجدَ نفسه أمام بيته، ومعه الطاحونة، فصبتْ عليه زوجته كامل غضبها، وألبسته ثوب الحماقة، فماذا يفعلون بطاحونة وهم لا يمتلكون القمح، والأولاد أوشك الجوع أن يهلكهم؟ ولكن “هانز” بدأ يجرب الطاحونة العجيبة التي جعلت زوجته تنبهر ببراعتها، وطلب “هانز ” من الطاحونة الطعام والأثاث والقصر الفاخر، وبذلك أصبح “هانز” أغنى رجال بلدته بفضل تلك الطاحونة.

إلا أن “لارس” وطبيعته الحافلة بالمساوئ عندما سمع بأمر الطاحونة قرر أن يستولي عليها بأي طريقة، وفكر بخياله المريض أنها ستغنيه عن السفر للجنوب من أجل شراء الملح، وأنه سيصبح مَلِك الملح دون مُنازع، وبعد أن تمكن بخبث ودهاء فطرته من أن يسرقها، أخذها وأبحر بها للبلاد البعيدة كي يبيع الملح الذي ستهديه له الطاحونة المسحورة، وفي عَرَضِ البحر قرر أن يطلب من الطاحونة أن تُلبي كل أوامره: {أيتها الطاحونة أريدُ ملحًا أبيضًا بسرعة } تدفق نهرًا من الملح ولم يستطع “لارس” أن يوقفه، فلا أحد يعرف سَر الكلمات الثلاثة سوى “هانز” {إنها لا تتوقف أبدًا، أوقفها أوقفها .. نحن في خطر} ولما عجز ” لارس” عن إيقافها تحولت سعادته لألم، وطمأنينته لفزع، وفرحته لهلاك، وانهزم حُلمه الذي كان قد أوشك أن يتحقق، وغرق “لارس” وكل من معه، عندما احتل الملح سفينته.

 هكذا رأينا في هذه القصة كيف كان الصراع الممتد بين الطيبة والنقاء والخبث والدهاء، وكيف أثمرت الأنانية وحب الذات خيبة وخزي بل وخسارة لكل شيء، من أجل محاولات كلها باءت بالفشل، ولكن المشكلة لم تكن في شخصية “لارس” فقط بل كانت في شخصية “هانز” أيضًا الذي كان يتوجب عليه أن يكف عن الاتكال على أخيه، وأن يطرق باب العزيمة بإرادة فكره، بدلًا من انتظار القدر أن يلقي إليه كنزًا من وهم خياله. ولكن بالأخير يمكننا أن نقول إنه يمكن للشر أن يظفر في بعض الوقت، ولكنه حتمًا لن يكون له السيادة في كل الوقت.

 71 total views,  2 views today