أمامة مصطفى اللواتي

دَهْشَة الاكتشاف
بَعْد سنوات طويلة من زيارتي لمدينة إسطنبول التركية، صَمَّمتُ على إعادة اكتشاف هذه المدينة المذهلة التي تَحْوِي أكثرَ من 25 ألف مَعْلَم ومنطقة أثرية تستحقُّ الزيارة؛ حيث يتمازج فيها الشرق بالغرب، والماضي بالحاضر، بصُوْرة آسرة. ولكن منذ وصُوْلي إلى مدينة إسطنبول وأنا لا أجد الاستقرارَ في رُوحي؛ فقبلها بشهور طويلة بدأت رحلة عِشْق أخرى في داخلي، وقد وَصَلت هذه الرحلة إلى نقطة الوصال التي لابد منها. ومُنذ أنْ تعمَّقتْ جُذور اهتمامي بشاعر المحبَّة والسلام جلال الدين مُحمَّد بن بهاء الدين البلخي، المعروف بجلال الدين الرومي، أو بمولوي أو مولانا (مفلانا كما تُنطق بالتركية)، ومنذ أن أدركت أن قبره وآثاره ما زالت باقية بعد مُضِي أكثر من 700 عام على وفاته في مدينة قونيا التركية، وفكرة العودة إلى الوطن من غير زيارته تبدو لي خيانة لا تُغتفر، ومهما حاولتُ تبريرها ببُعد المسافة وجَهْلي بالمكان، إلا أنَّه لا يُمكن للمرء أن يستمر في خداع نفسه طويلا!

وبعد إنهاء طقوس الزيارة المعتادة في إسطنبول، والتي لا بد لكل سائح أن يمرَّ بها كزيارة مسجد وكنيسة آيا صوفيا، والصلاة في جامع السلطان أحمد والمعروف بالمسجد الأزرق الذي يُعدُّ من أهم وأضخم المساجد في العالم الإسلامي، وزيارة متحف الآثار التركية والإسلامية الزاخر بالتحف المميزة في المنطقة نفسها، وزيارة قصر طوب قابي الذي يطل على بحر مرمرة ومضيق البوسفور، كان وقت الغداء قد أزف. ولأنَّ المائدة التركية غنيَّة عن الوصف، ولا يُمكن تفويت كل تلك الأطباق المحلية الشهية المنتشرة في مطاعمها العديدة، فقد صَمَّمتُ على البحث عن مطعم بسيط وهادئ يترك لي فرصة استنشاق هواء الحاضر، وتخيُّل فخامة الماضي. في رحلة البحث عن المطعم المناسب، وقبل أن أستقرَّ في شرفة المقهى الواقع في الطابق الرابع والمطل على المآذن الست للمسجد الأزرق، دخلتُ إلى أول مكتب سفريات صادفني.

كانت قونيا -أو كونيا كما يلفظها الأتراك- كالسر الذي كُنت أخشى الكشف عنه قبل الموعد المناسب، كما كُنت أجنِّب نفسي خيبة أمل توقعتها دونما دليل، وهكذا اختبأت بأسئلتي وراء مدينة أخرى أودُّ زيارتها لتجربة ركوب المنطاد. قلت للموظف: أودُّ زيارة مدينة كابدوكيا لركوب المنطاد، هل يُمكن أن أفعل ذلك وأعود في نفس اليوم؟ قال لي: نعم، ولكن عليكِ أن تُغادري في المساء لتكوني في مدينة كابدوكيا فجر اليوم التالي؛ حيث يبدأ التحليق في تمام الساعة الرابعة والنصف فجرًا، ويُمكنك المغادرة في المساء، والعودة إلى إسطنبول بعد جولة سياحية قصيرة بالمدينة إنْ أحببت. وبعد دقائق من التردُّد والتفكير، قُلت له: ولكن ماذا عن قونيا؟
قال بكل بساطة: ما رأيك أن تُغادري كبادوكيا بعد انتهاء جولتك، وتتوجَّهي إلى قونيا بالباص؟
أعقبتُ بسرعة: أتعلمُ أنِّي استبدلتُ غرفتي بالفندق الحالي بغرفة أخرى مقابل مبلغ إضافي؛ لأنَّ المنظر لم يستهويني؟ قال لي الموظف مُبتسما وكأنه أدرك تماما غرض زيارتي لقونيا: ما رأيك بغرفة مطلة على متحف ومقام الرومي؟ وما رأيك بليلة درويشية في مركز الرومي الثقافي؟ كانتْ إجابتي معي حين خرجتُ من المكتب وهي تذاكري وخطة الرحلة لليومين التاليين. في مدينة كابدوكيا -التي وصلتُ إليها بعد مُنتصف الليل برحلة طيران داخلية- كان عليَّ أن أستلقي على آرائك مكتب السفريات ليلاً قبل أن أستمتع بمنظر الغروب من المنطاد، الذي كان يُحلِّق على مجموعة من المداخن الجبلية الطبيعية والمواقع الصخرية التي تميِّز تضاريس هذه المدينة، وذلك قبل أنْ أقومَ بجولة سياحية قصيرة في المدينة، ثم أنطلق في رحلة برية مُدَّتها ثلاث ساعات بالباص إلى قونيا، على أنْ أعودَ بالقطار إلى إسطنبول في مساء اليوم التالي.

في مدينة مولوي
رغم أنَّ مدينة قونيا -التي تقع جنوب غرب تركيا- تُعدُّ من أقدم المدن التاريخية، ومن أوائل المدن المأهولة في تاريخ البشرية، إلا أنَّ السببَ الرئيسَ الذي يدفع السياح إليها، ويجعلها مُكتظة في بعض شهور السنة، هو التجمُّع في الاحتفالات السنوية بمناسبة ذكرى وفاة جلال الدين الرومي التي يُطلق عليها أتباعه بليلة العرس. وبهذه المناسبة، يتوافد العاشقون من دول شتى؛ حيث تركت أشعار هذا الفقيه أولا، والمتصوُّف لاحقا، آثارها على الثقافة الفارسية والعربية والأردية والبنجالية والتركية، بل أصْبَح قبل عدة سنوات من أكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة. وقد بلغت مدينة قونيا ذروة مجدها حين اتخذها السلاجقة الروم -الذين قدموا من تركستان وآسيا الوسطى، عُبورا ببلاد فارس والعراق- عاصمةً لهم قبل أن تقع المدينة فريسة للغزو المغولي.

حِيْن وصلتُ إلى قونيا توجَّهتُ إلى غرفتي رقم 304 في فندق “المثنوي”، وأحسب أنَّها الغرفة الوحيدة التي كانتْ تطل على أجمل مشهد في المدينة رغم صغر الغرفة وبساطة تأثيثها. فمن وراء النوافذ الزجاجية التي تحتل نصف جدران الغرفة يُمكن مشاهدة متحف ومقام الرومي بتلك المساحة الممتدة أمامه والأسواق والمطاعم المنتشرة على جوانبه. كان الشوقُ يقضي بأنْ أخرجَ مُباشرة إلى حيث تحُوْم أرواح جلال الدين الرومي ومُعلِّمه شمس التبريزي، لكنِّي بقيتُ هُناك فقط أراقِب من وراء النافذة هذا المنظر الذي ذكَّرني بكل تلك الأجواء الصافية التي تُهَيْمن على الأماكن المقدسة، ومقامات الأولياء التي زُرتها سابقاً. اكتفيتُ بعدها في جولتي الأولى بتناول الغداء في مطعم محلي قريب؛ حيث تشتهر قونيا بأنواع شهية من فطائر اللحم التي تُشبه الفطائر المنزلية بأصالة وطيبة مذاقها. ولأن قونيا مشهورة بصناعة السجاد المنسوج في المنازل، فلم أتمكن من مقاومة شراء سجادة قونيا تفترش منزلي، وتذكِّرني دومًا بأنها من روائح مدينة جلال الدين الرومي.

الأمسية الدرويشية
في ذلك المساء الملهِم، اصطحبني الدليل التركي -برفقة أسرته- إلى مركز ثقافي عصري؛ هو: “مركز مولانا الثقافي”، والذي أُقيم تخليداً لذكرى جلال الدين الرومي. تتسع قاعة رقص الدراويش أو عرض (سيما)، لعشرة آلاف من الزائرين، ويقيم المركز حلقات الدراويش هذه مرتين في الأسبوع؛ إحداهما في هذا المركز، والأخرى في ساحة متحف ومقام جلال الدين الرومي في الهواء الطلق.
وللرقصُ على الطريقة المولوية طقوسٌ خاصة، وكل حركة فيها تدلُّ على معنى ديني أو روحي؛ حيث تبدأ كل الطقوس باسم الله وبآيات من القرآن الكريم، ثمَّ يدخل الدراويش في سكون وخضوع وأيديهم مضمومة، عباءاتهم البنية بلون تراب الأرض منشأ الإنسان. يخلع الدراويش عباءاتهم ويمرُّون على شيخهم الذي يرتدي العباءة السوداء؛ فيقبِّلون يده ويقبل رؤوسهم، ثم يتجرَّدون من الحياة بخلعهم للعباءات البنية، وفي طريقهم للتماهي مع خالقهم يتجرَّدون من العالم حولهم، ومن تحت عباءاتهم تظهر الألبسة البيضاء التي ترمز للكفن. أمَّا الطرابيش الطويلة المصنوعة من اللباد الخشن، فترمز لشواهد القبر، وهكذا يبدأون بالدوران عكس عقارب الساعة وكأنهم يدورون حول مركز الكون، اليد المرفوعة للسماء تطلب المدد الدائم من السماء، واليد اليُسرى المتوجِّهة إلى أسفل إدراكٌ بخطايا البشر، هو طلب النور من السماء لتشرق على الظلام المنبعث من الأسفل، ويرافق الرقصة إنشادٌ على الناي، وتتردد كلمات “الله…الله”، لتغرق مع داخلك في نور مُشرق.

متحف ومقام الرومي
وفي الخطوات الأولى نحو مقام الرومي المزدحم، يسبقك ذلك السكون الداخلي الذي ينبعث حول مقامات الأولياء، فيتمازج مع أحاسيسك وصلواتك، وتشعر بالصمت في حضرة عارف أجَّج الحب الإلهي في المريدين حوله، وحملهم إلى أعماق إنسانيتهم وإلى فطرتهم في الارتكاز على المحبة والوصال والتفكر في الكون. مقام الرومي محطة مهمة لكل من استنشق بساتين شعره، وكل من كتب عن حياة جلال الدين الرومي وعن شعره؛ سواء من الشرق أو الغرب، لابد أن يمر من هنا، ويقف ساكنا بحبٍ يناجي روحه الصافية، وربما يلتمس منه شيئا من الإلهام والمحبة الخاصة. ومن الصعب أن تتغلَّب على مشاعر الغيرة هنا تجاه كلِّ هؤلاء المريدين الذين يشعرون بعلاقة خاصة تربطهم عبر تجاربهم الشخصية بحياة الرومي، وقد كُنت أرغب في أنْ أحظى بخلوة هنا بعد أنْ قطعت تلك المسافات في حين كان الزحام يشتد، في تلك اللحظة تمامًا شعرتُ بابتسامة كبيرة تتصاعد من قلبي وكأنما روح الرومي تقول: إنَّ قلبي يتَّسع لكل هذا العالم، أفلا تتسع له قلوبكم؟

وتعودُ قصة هذا المقام حين عَرَض السلطان علاء الدين كايكوباد -سلطان السلاجقة- على بهاء الدين ولد -والد جلال الدين- الإقامة في قونيا، وحين تُوفِّي بهاء الدين عام 1231 خصَّص السلطان حديقته المليئة بالورود مكاناً لدفن بهاء الدين ولد، وعندما تُوفِّي الرومي عام 1273 دُفن أيضاً بالحديقة قرب أبيه، وقرَّر خليفته حسام الدين جلبي بناء ضريح فوق قبره. وقد تم بناؤه بتصميم سلجوقي تحت إشراف المهندس المعماري بحرالدين تبريزلي. ولاحقاً، قامَ سلطان ولد ابن جلال الدين الرومي ومؤسِّس الطريقة المولوية، بتأسيس حلقات الرقص الدرويشية التي كانتْ تُقام إلى جوار ضريح الرومي؛ لذلك يُعرف المكان أيضا بدوامة الدراويش. وفي العام 1926، تمَّ تحويل الضريح ودوامة الدراويش إلى متحف، وتمَّ افتتاحه تحت مُسمَّى “متحف مولانا”، وبجوار الأضرحة، يضمُّ المكان معروضات من التحف التاريخية المولوية والتي تعود لأكثر من سبعة قرون، كآثار الرومي الشخصية، والقبعات المخروطية وسجادة صلاته، وآلات موسيقية قديمة كالناي المصنوع من الخيزران، كما يضمُّ بعض الملابس التي تعود لشمس التبريزي أيضا.

بلبل قونيا
تمتلِئ قونيا ببحيرات رائعة؛ ومنها: بحيرة مكا، وبحيرة أوبروك، وبحيرة طوز، وبحيرة ميرام. إلا أنَّ البحيرة الأخيرة التي تقع في مدينة صغيرة تحمل اسمها تكتسب أهمية خاصة؛ فعلى ضفة نهر ميرام (Meram)، بدأ جلال الدين الرومي بنظم أشعاره بالفارسية في ديوان يتألَّف من ستة أجزاء، والمعروف بـ”المثنوي”. ويروي أهالي قونيا قصة رمزية تُشير إلى جَمَال ما في ديوان المثنوي من شعر ونظم. فلا يُمكن للبلابل المغرِّدة أنْ تعيش في مدينة قونيا لأكثر من يومين أو ثلاث أيام! فحين بدأ الرومي بنظم شعره، صدح بلبل قونيا بصوته غيرةً من شعر المثنوي، فرفع الرومي صوته، فقلَّده البلبل وصار يُغرِّد بصَوْت أعلى؛ فغنَّى الرومي بشعره العذب أعلى وأعلى، فصدح البلبل وارتفع صوته أكثر فأكثر.. وهنا قال الرومي: إمَّا الرومي هنا أو البلبل! وأصبحت قونيا كلها منذ ذلك اليوم ترقص على شعر الرومي الذي صار بحق بلبل قونيا الفريد!!

مقام آتشباز ولي
للعارفين حكاياتهم وأحوالهم الخاصة، ونور أحوالهم شعاعٌ يصل إلى المريدين لا محالة. ويروي أهالي قونيا حكاية عن ذلك اليوم الذي استقبل فيه جلال الدين الرومي ضيوفا على مائدة الطعام، فجاء إليه طباخ المنزل “شمس الدين يوسف” مُرتعبا، فقد انتهى الحطب اللازم لإشعال النار في ذلك البرد القارس، والطعام لم يجهز بعد. قال له الرومي: “ضع قدمك تحت الموقد، وستشتعل النار”، وهكذا اشتعلت النار في قدمه وصارت حطبا لطبخ الطعام، وصار شمس الدين يُعرف منذ ذلك الوقت بلقب “آتشباز ولي” أي “الرجل الذي يلعب بالنار”.هل كان الطعام هنا للروح أم للبدن؟ هل كانت تلك النار التي اشتعلت في قدم المريد حطباً لطعام البدن من نفس البدن؟ ربما نجد الإجابة في شعر الرومي؛ حيث يقول: “القلبُ يعدُّ الطعام لك، كُن صبورا حتى ينضج الطعام”.

لا تتوقَّف الحكاية هنا، بل إنَّ تلك النار التي اشتعلتْ في قدم “آتشباز ولي” امتدت إلى امرأة من قونيا. ولمدة خمسين سنة، ظلَّت هذه السيدة ترعى قبره، وحين غابتْ عنه يوماً لزيارة شقيقتها في منطقة مجاورة، تقول الحكايات أن “آتشباز ولي” جاء إليها طارِقًا الباب، وطالباً منها العودة؛ لأنه لم يألف الوحدة. هكذا يروي أهالي قونيا تلك العلاقة التي ربطتْ بين بَدَن امرأة حية تقوم برعاية روح حية. واليوم تشرف على رعاية القبر ابنة هذه السيدة المتوفية.

المدارس الدينية
إضافة إلى تاريخها العريق وثقافتها المتنوعة، فقد كانت قونيا مركزا رئيسا لعدد كبير من المدارس الدينية، وهناك ما يُقارب الـ24 مدرسة شُيِّدت في قونيا حين كانت عاصمة للسلاجقة الروم في القرن الثالث عشر، وقد تأثَّرت بعض هذه المدارس بروح وفلسفة جلال الدين الرومي؛ حيث قام بالتدريس في أربع من مدارسها، ومن بين هذه المدارس قُمت بزيارة مدرسة كراتاي أو قراطاي (Karatay) ومدرسة شيب ولي.

أُنشئت مدرسة كاراتاي ما بين عامي 1251-1252، وقد كان الرومي صاحب الخطاب الافتتاحي لهذه المدرسة التي خُصِّصت لدراسة الفلك في حينها. ويغلب على التصميم المعماري استخدام الحجر المنحوت والرخام والفسيفساء. أما المدرسة الثانية، فهي مدرسة الوزير شيب ولي التي بُنيت عام 1258 من قبل الوزير السلجوقي الصاحب علي عطا فرح الدين، وتضمُّ المدرسة مرافقَ مُتكاملة كالمسجد والخانة والمدرسة والحمامات، وتُعتبر من روائع الفن السلجوقي حيث تتميَّز زخارفها باللون الفيروزي الآسر، وتجمع بوابتها بين الحجر والرخام والبلاط والطوب بطريقة متناغمة جدًّا.

مرج البحرين يلتقيان
بظهور شمس التبريزي في حياة جلال الدين الرومي، بزغتْ شمسٌ جديدة، وتغيَّرت حياة هذا المعلِّم والشيخ والواعظ إلى حياة عاشق وشاعر صُوفي، يقضي برفقة صديق الروح ساعات طويلة من التأمُّل والدوران وسماع الموسيقى والرقص. وفي نقطة التقاء البحرين، بحر القلب الصافي الذي كتب أجمل أشعار الحياة والإنسانية في المثنوي وديوان “شمس تبريز”، وقلبُ شمس التبريزي الشيخ أو الدرويش المتجوِّل، الذي كان يُخالف جميع أساليب التفكير والحياة والحب، اشتعلتْ النار، ولم تخبُ إلا بعد أن طارت شهرة جلال الدين الرومي في الآفاق شرقا وغربا. في هذه البقعة من مدينة قونيا، يوجد نصب تذكاري صغير يُشير إلى قصة لقاء هاتين الروحين اللتين لم تفترقا إلا بالغياب الغامض لشمس التبريزي. وليس من الواضح حتى الآن أين اختفى شمس التبريزي أو كيف كانت وفاته وأين رفاته. عِدَّة أماكن في قونيا وباكستان وإيران تملك مقامات باسم شمس. وأشهرها في قونيا “قبة شمس”؛ حيث عَثَر ابن جلال الدين الرومي “سلطان ولد” على جثة مجهولة في بئر مجاورة يُعتقد أنَّ قتلة التبريزي -على الأرجح مات مقتولا- قد ألقوا بجثته في هذه البئر.

مسجد علاء الدين السلجوقي
اشتهرَ السلاجقة ببناء المساجد والمدارس والخانات، واقتبسوا هندستها المعمارية من إيران والعراق، وقد سادَتْ التصاميم الزخرفية في فنونهم؛ حيث جمعوا بين الحشوات الخزفية والتكوينات الفسيفسائية. والملاحَظ غَلَبة الألوان الهادئة كالأزرق والفيروزي والأخضر، وبدرجات متفاوتة من الأبيض والأصفر على تصاميمهم وزخارفهم على السيراميك والخزف. أَتْقَن السلاجقة خلق هذه الفضاءات الرحبة في تصاميمهم المعمارية؛ فأكسبتها جمالاً مُفرطا في بساطته وجاذبيته، ويُمكن الشعور بهذه القوة والتجاذب الروحي في أماكن العبادة كالمساجد، خاصة إذا ما تمَّت مُقارنتها بالتصاميم المعمارية الباذخة والمترفة للعثمانيين، والتي يُمكن مُلاحظتها في عدد من المعالم التاريخية في إسطنبول. يُعدُّ مسجد علاء الدين من أقدم وأكبر وأعرق المساجد السلجوقية في قونيا، ويقع في الجزء العلوي من تلة تيبيسي. وقد استُعملتْ في بنائه الأعمدة الرخامية المتنوعة التي تمَّ نقلها من مبانٍ رومانية وبيزنطية قديمة، كما تحتوي جدرانه على منقوشات خشبية قيمة.

الفجوة
لن تكون العودة من قونيا كما كان الذهاب إليها، ستُعود حتماً بفجوة في قلبك، ليست ككل تلك الفجوات الأخرى التي تَتْرُك في صفحات قلوبنا مساحات محروقة وكأنها بقية رماد نار طويلة اشتعلتْ في القلب. لكن تلك الفجوة ستكون أشبه بمن يترك جزءاً منه طواعية في أرض كانت شبه غريبة حتى إذا التقتْ بأنفاس المحبوب سقطت الحواجز وانمحت كل الحدود. وهكذا نبقى في النهاية نتذكَّر كلمات جلال الدين الرومي؛ حيث يقول:
فقط حين تنكر نفسك…
ستموت شوقا
لمعرفة سر الاتحاد…
ليس لأنك ممتلئ بالله
بل لأنك فرغت من نفسك…
كلُّ ما عداه
جهل وزيف.

1,517 total views, 8 views today