عادلة عدي

فِي الوقت المتأخِّر من الوعي، اختلطت الأشياء علينا، وظلت التساؤلات تؤرقنا، ينمو ويتسلق كشجرة مليئة بالغصون غير المألوفة، الإجابة عنها كثمرة بدون طعم، أو غامضة عن التعريف بنكهتها في أحيانا، وكل تذوق منا لها محرض للبحث أكثر عن أنواع مختلفة من تجربة التأملات لمعرفة أساس كل نكهة وعمقها المختلف، التي تقع خارج الحيز الصندوقي للنشاط البشري المألوف.

ابتدأت بـ”لماذا”؟ واستمرت حتى الوصول إلى “كيف”؟ وتتردد بين الذات والآخر بدون إطار محدد، عبثي السياق، ودون تركيب منهجي منظم، يسقطنا في مغبة التصنيف بـ”الأخلاقي” و”اللا أخلاقي”، التي أخضعت كل أفكارنا وأفعالنا وأحلامنا من قبل الآخر للأحكام المسبقة والناقدة بصورة سلبية ومتكررة عن المختلِف المخيف، ونظرا لتعدد العلاقات الاجتماعية من حولنا، نختار التواصل كأقرب مدخل نستطيع من خلاله فهم الذات، وفهم التكوين النفسي والاجتماعي للإنسان.

وما زلنا إلى يومنا هذا نفتقد إلى الارتقاء الفكري في التسلل العميق لهذه العلاقة، وقدرتنا على التواصل، يعكسه واقع يتسم بالحاجة الباعثة للمصلحة الذاتية، وهي سمة متأصلة في الطبيعة البشرية، كالصفات التي تحاول الأخلاقيات الإنسانية تجاهلها، أو توجيهها كفعل جماعي مرحَّب به في مصطلح المصلحة الجمعية.

في أعماق كل إنسان هدفٌ معينٌ للوصول للفائدة من كل عمل يقوم به؛ سواء أكان ذاك العمل يؤدي إلى نتائج نفسيه أو مادية، وهو أمر يستمد طاقاته من قبل رعاية واهتمام الآخر به، تصل إلى درجة إقحام الرغبات والمشاعر لأجل تلك المصلحة المتقدة في داخل كل إنسان، قد تتسم بالغموض للبعض كمصلحة الأم في دفق كمية من الحنان بدون حساب إلى أبنائها.

قد يقول الآخر إن تلك فطرة وطبيعة بشرية، ولكني أجد منطلقها الأصيل ينبع من المصلحة التي تكون الحاجة لها أقرب للرغبة الذاتية، فكل أم لا تستطيع العيش بدون أبنائها، وإلا فلماذا أنجبتهم، واهتمامها بأطفالها يجنِّبها الشعور بالذنب، وينجِّيها من الوحدة.

إذن، المصلحة هنا نفسية تعتمد على تحويل المسار الأساسي والمادي للمصلحة إلى حنان وأمومة، وتجاوز الشعور الأول للسبب، إلى الشعور الجماعي أو المصلحة الجماعية. ونتيجة هذا المثال، نستطيع وضعه في كل فعل ذي نتيجة ترضِي جميع الأطراف وجماعة معينة، حين تم تجاوز الفعل الأصلي فيه في الذات وتحويره إلى مصلحة جماعية، خوفا من تمدد تلك المصلحة الذاتية على التكون المحدد للجماعة.
حتى التضحية، وهي ما يكون معاكسا للمصلحة، هي في الأساس فعل مصلحي؛ فتلك المشاعر الممزوجة بالتعاطف والأمل هي حاجة ماسة للاختلاط، واستفادة من التغيرات التي ستسببها تلك التضحية.
فوجود كائن ذي الكيان المستقل هو أساس المجتمعات؛ لأن مصالحه الذاتية الخاصة به يُعتمد عليها في التأثير على باقي الأفراد.

كذبة الضمير الحي
كتابة اليوميات والأسرار تجعل الضمير في مهمة صعبة، قد تؤدي إلى حتفه؛ لذلك نحتاج إلى الكتابة عن هذا الشيء الهلامي المؤثر في الكثير من القرارات الحازمة في المسيرة الإنسانية، وقد قلت عنه كذبة هنا؛ لأن الضمير استنبط وجوده من الحديث الذاتي والنفسي، وأصبح يتعلق عند كل حاجة للتغيير.
تأخذ الملامح الإنسانية المبادئ الأخلاقية، فتختلط فيها الدوافع التي تقيم الشخصية البشرية؛ لذلك احتاجت إلى رادع للانتقال من المرحلة الهمجية في التعامل إلى مرحلة محاسبة الذات في الوعي؛ فظهر مصطلح الضمير المعني بمعرفة الإنسان لماهية ذاته: هل ذاته ينبع منها الخير فيكون ضميره حيًّا، أو ينبع منها الشر فيصبح ضميره معلقًا في يد الموت بالعقاب؟! يترافق مع هذا المصطلح وجود الوعي أو اللاوعي، كي يتم تصنيفه على أكمل وجه من قبل جماعات تدَّعي قدرتها على إصدار أحكام وقرارات قانونية فيها.

يتميَّز مصطلح الضمير بأنه قادر على أن يقوم بدور القاضي والمحكمة لذات الفرد، ولكن ذاك القاضي قد يتكاسل أحيانا عن القيام بدوره في التأثير على قرار بعض التصرفات البشرية، ما أسباب ذلك؟ ولماذا يغيب أحيانا ويحضر أحيانا أخرى؟ وما مقياس دقته في التأثير على القيام بأمر ما، أو عند القيام به؟

لقد تجذَّرت هذه القوة المسيطرة في التاريخ البشري، وخرجت إلى العامة، واستطاع بعد أن كان تساؤل يدفع الإنسان إلى التشكيك والتردد أو الاندفاع والإقدام للخطوة القادمة بينه وبين نفسه، في الخروج إلى المحيط الجمعي من قبل الآخرين، أصبح عند كل فعل غير مألوف يوضع في خانة التصنيف الأخلاقي، فيكرر على مسمعه “أليس لديك ضمير؟”، أو “ألا يعذبك ضميرك؟” كنوع من التذكير للوصاية الجمعية للفرد عن كل أفعاله وأفكاره.

إذن، هنا وجود الفرد لدى الجماعات هو المحرك الأساسي، وهو الباعث للمحاسبة والتأنيب، وعند انعزاله فلا حاجة حينها للضمير.

الواجب والنزاهة الأخلاقية من الشروط الواجب توافرها لدى كل شخص يحمل الضمير كي ترضى عنه الجماعة ويُصبح عضوًا مقبولًا فيها، وكي يتواجد في بيئتها، وسمات تلك الأخلاقيات قد تتشابه لدى أغلب المجتمعات، ولكن تختلف في مقدار التعاطي معها أو القيام بها؛ فعلى سبيل المثال: لو قام فرد محتاج وفقير بالسرقة في بيئة فقيرة قد يعاقب عقوبة شديدة إن كانت القوانين هي المسيطرة أكثر من أي شيء آخر في ذلك المجتمع، وفي حالته هذه فإن جوعه هنا المسيطر وليس أخلاقيات المجتمع التي تجرِّمه، ولن يُساءل عن ضميره حينها؛ لأن ضميره كان جائعا.

وعند حديث الجماعة عن تأنيب الضمير، فهو رادع للتذكير بالعقوبة الجماعية، ومحاولة للسيطرة على الإرادة الواعية للفرد، والتحجج بغياب الضمير “توهيم” عند قيامه بفعل لم ترضَ عنه؛ فالذات هنا متأثرة بأيديولوجيا معينة ومحددة، أوجدت الضمير الذي قد يتحرَّك بحسب الشعائر المتفق عليها من قبل تلك الجماعة، فيتم تغييب الإدراك والبيئة المسبِّبة للفعل، وكل ذلك سببه يرجع في الحاجة إلى الاختلاط بالجماعة. وما يحدث أن التغيير المستمر للأحداث اليومية لدى المجتمعات، تستنبط كل يوم ضميرا جديدا يتأقلم مع مستجدات الأوضاع، وما عاد للضمير وجود عندما أصبح العالم متأثرا بإبراز الحريات الفردية والقوانين المتجددة.

فلا وجود للضمير، وكل ما كان هو التردد قبل القيام بالعمل، أو تأنيب وعتاب من حولك عند إتمام الفعل، كخطيئة لا تغتفر؛ فالغفران والمسامحة يهدِّئان من أثر ذلك الفعل المكروه بالنسبة لهم.

المصلحة والضمير وجهان لعملة واحدة (الحاجة للوجود)
يأتي هذه التشبيه بسبب التأثيرات التي قد تطرأ على الفكرة قبل القيام بالفعل “المصلحة”، وبعد وقوع الحدث “الضمير”، وما ينتج عند غياب الحكم هو حضور المصلحة الجماعية، وعند حضور الحكم يظهر الضمير في الواجهة كأداة يتم زرعها؛ فالضمير يستمد قوته من الأخلاقيات والشرائع المتفق عليها، والمصلحة تستمد قوتها من القوانين التي تدافع عن حرية الرأي، ويحدث كثيرا أن تغيب المصلحة الفردية ليتسيَّد الضمير الجمعي المكان.

كِلا المصطلحين له حاجة ظرفيه -زمانية ومكانية- عندما تطرأ الحاجة للإحساس بالجماعة، يبرز الضمير كي يحاكمه صوت الذات، وعند حضور الذات والرغبة بظهورها تبرز المصلحة الذاتية، التي غالبا ما تبحث عن صوت الضمير الجمعي كي يعلو صوتها هي كذلك، بمعنى الأحقية الفردية التي تعطيها لها الجماعة، والتي غالبا تلك الجماعة مرت بمراحل مختلفة من النزاعات عبر السنين، وتكونت حضارات واندثرت حضارات أخرى، حتى أدى في الوقت الراهن إلى الرغبة بالاستماع إلى ذلك الصوت الفردي، كي تستمر في جعل مجتمعاتها ذات قوة في المنطقة والعالم، وذلك ما قد يؤدي إلى تصنيف المجتمعات إلى: مجتمعات مدنية، ومجتمعات قمعية.

531 total views, 5 views today