رناد صالح عبدالله

لَاحَظَتْ “أسماء” أنَّ صديقتها “وفاء” لم تَحْضر طابور الصباح هذا اليوم، وتساءَلَت في نفسها: “يا إلهي، هذه أوَّل مرَّة تتأخر عن طابور الصباح، فماذا حدث لها يا تُرى؟”.

وَبَيْنَما كانتْ “أسماء” تُفكِّر في سببِ تأخُّر صديقتها “وفاء”، كانت ذاكرتها ترجع إلى الوَرَاء عِنْدما كانتْ هي وصديقتها -التي تَعْتَبرها مِثْل أختها- تتنافسان على التقديم في الإذاعة المدرسية منذ أنْ تَعَارَفا معًا قَبْل ثلاث سنوات، عندما شاءَتْ الأقدارُ الإلهيَّة أنْ تَسْكن عائلتيْهما معًا في المنطقة السادسة بولاية العامرات. كانتْ “أسماء” حزينةً حينئذ بَعْد انتقال عائلتها من منطقة الخوض بولاية السِّيب؛ فقد تركتْ أعزَّ صديقاتها هناك، ولكنَّ التعرُّف إلى صديقتها الجديدة “وفاء” أنساها كلَّ ذلك، حتى إنَّها تمنَّت لو أنَّها تعرَّفت إلى صديقتها مُنذ سنوات الطفولة الأولى؛ فقد عانتْ “أسماء” كثيراً في طُفولتها بسبب افتقادها صديقةً تعتزُّ بصداقتها، وتعتبرها مِثْل أختها؛ بسبب أنَّ الله -سبحانه وتعالى- وَهَبها أخوانا ذُكور فقط؛ لذلك فقد كانتْ تعتبرُ “وفاء” هديَّة من الله سبحانه إليها وتعوِّضها عن فَقْد الأخوات، وكانتْ تَدْعُو الله ليلَ نهارَ أنْ يُدِيْم هذه الصَّداقة والمحبَّة، وألا يُفرِّق بينهما إلا الموت فقط.

لَمْ تَفِق “أسماء” من تفكيرها إلا وَقَد وَجَدَت نفسها في الصف، ومُدرِّسة اللغة العربية تَشْرَح الدرس للطالبات، استفاقتْ “أسماء” ولم تَجِد “وفاء” حاضرةً بجنبها، فقد كان المِقْعَد خاليًا لأوَّل مرَّة منذ تعارفهما، إلا في حالات استثنائيةٍ نادرة، حالة مرض إحداهما فقط.

“وَلَكن “وفاء” ليست مريضة؛ فقد كانت تُذَاكر معي حتى الساعة التاسعة مساء أمس”.. هَكَذا أجابتْ “أسماء” على نفسها.
وَمَضَت الثواني والدقائق وقلبُها يدقُّ بقوَّة، وتمنَّت في تلك اللحظات أن تخرج من الصف، بل المدرسة بأكملها؛ لتبحث عن “وفاء” التي تأخَّرت كثيراً.
وَسَأَلت “أسماء” مُعلِّمتها: “يا تُرى، أين صديقتي “وفاء” الآن؟ وماذا حدث لها؟”.
فَأَجَابتْ المعلِّمة بكلِّ بُرود: “لا داعي لكلِّ هذا القلق يا “أسماء”؛ فقد تكُوْن غَلَبها النوم هذا الصباح، أو رافقتْ والدتها إلى مَكَان ما”.
فَأَجَابتْ “أسماء” بكلِّ حزنٍ وألم: “مُستحيل”.. قالتْ ذلك لأنَّها تَعْلم أنَّ صديقتها ليست كمثل من يَغْلبهم النوم أيَّام المدرسة؛ فقد عرفتها المدرسة -منذ أن تعرفت إليها- بأنَّها تأتِي دائمًا في وَقْت مُبكر، ولم يحْدُث أنْ تأخَّرت إلا نادرًا. أمَّا الغياب، فلا يوجد في ملفِّها المدرسي، إلا عِنْدَما تَمْرَض؛ بحيث لا تستطيع الذهاب إلى المدرسة.

وَأَثْنَاء الفُسْحة، سَمِعَت “أسماء” بعضَ المعلِّمات يتحدَّثن عن حادثٍ فظيعٍ وَقَع صباح اليوم الساعة السابعة إلا الرُّبع في طريق المدرسة، وهُنَاك حالة وفاة حَدَثَت، فدقَّ قبلُها بقوَّة، وكادت أنْ يُغْمَى عليها، ولكنها تغلَّبت على نَفْسِها لتذهب إلى هذه المعلِّمة وتلك؛ لتَعْرِف تفاصيل الحادث؛ وَمَن تُوفِّي فيه؟ حتَّى جَاءَها الخبرُ الذي نَزَل عليها كالصَّاعقة؛ فقد كان المتوفَّى في الحادث صديقتها “وفاء”، نعم لقد توفِّيت “وفاء”؛ بعد أنْ كانت بصُحْبَة أبيها الذي كان في طريقِهِ كعادتِه كلَّ يَوْم لتوصيلها إلى المدرسة؛ ولكن سيارة مُسرعة دخلتْ إلى الشارع بتهوُّر ودون انتباه؛ مما أدى لاصطدامها بقوَّة بسيارة والد “وفاء”، الذي أُصِيْب إصابات بالغة، بَيْنَما تُوفِّيت “وفاء” بعد وُصُوْلِها المستشفى مُباشرة؛ حيث جَاءَتْ الضَّربة باتجاهها مُباشرة على اليمين؛ حيث كانت تجلس.

بَعْد ثَلَاث سَنَوات من حادث وفاة “وفاء”، كانتْ هُنَاك سيَّارة تَسِيْر باتجاه المدرسة بسرعة 130كم في السَّاعة؛ فقد كان السائق مُتَأخِّرا عن الدَّوام، وعليه أن يُوْصِل ابنته إلى المدرسة أولاً، ليذهب إلى العَمَل، وَفَجْأة تساقطتْ دُمُوْع غزيرة من ابنته التي كانتْ تَجْلِس في المقعدِ الأماميِّ على يَمِيْن السائق، سألها والدها: “ما يُبكيكِ يا ابنتي؛ لا داعي للبكاء؛ دقائق ونصل إلى المدرسة، ولا يوجد هناك أي تأخير، وسوف أُخْبِر المعلِّمات بنفسي بأنَّني سبب هذا التأخير”. فأجابت الابنة التي لم تكن سِوَى “أسماء”: لا أبكي على التأخير يا أبي، ولكنِّي لا أُرِيْد أنْ أفقدك كما فَقَدتُ قبلَ ثلاث سنوات صديقتي “وفاء”.

377 total views, 2 views today