شهادة في القراءة للأطفال**

أحمد الراشدي

أهديها إلى صانع اللهفة القرائية في الطفولة العربية الأستاذ / أحمد عمر مؤسس مجلة ماجد وإلى حبيبتي فدوى التي عرفتني بأدب الطفل.

احتجت مسافة طويلة ووقتًا أطول؛ لألتقي بالطفل في داخلي وأعْرفه.. فعندما هجرت قريتي الجبلية المعلّقة على سفوح جبال سمائل إلى عزلة مدينة خصب المسندمية المحروسة بجيرة بحر عُمان؛ لطلب العلم في المرحلة الثانوية رحل معي في حقيبة قلبي وأرشيف ذاكرتي رغمًا عني كرنفالٌ من المشاعر والأفكار، كانت تتراوح بين قلق يلازمه خوف من مجهول يتقنان زيارتي وجنبي يصافح وسادة النوم ليلا، وثقة عرجاء تمشي على عكازة تتقصد (كعبلتي) بها عندما أتحمس لمنافسة أو أتهيأ لدخول قاعة الامتحان، واستغراب يلبس نظارة خجل شخصي من مواجهة الذين لا أعرفهم، تندس بين كل هذا شقاوة ممزوجة برغبة عارمة للفرح لكنها ملجومة، أما الأخريات من مشاعري لم أتمكن من تبينها في دواخلي؛ حيث كانت تلبس غموضًا يحاكي غموض شبح يسير في أول غبشة الفجر لا أتبين منه سوى حدود شكله الآدمي.

سعيت لبعثرة كل هذه المشاعر، والتخفف من صخبها الذي أنقض ظهري بالاعتكاف سنوات في عزلة مع الكتب، وكلما تسلقت أكثر شجرةَ القراءة بدأت أفهم قليلا حقيقة تلك المشاعر، ماهيتها، ومصادرها، وأتتبع سواقي بواعثها، وحاولت أن أتثبت من مقولة أن حياة الطفل في سنواته العشر الأولى بكل ما ستحمله من عُقد وأفراح ستظل تلازمه طوال عمره في لا وعيه، وبين كتاب وكتاب كانت تدق عليّ باب مختبر عزلتي حيرة تتشكل في أسئلة، أيعقل أن أمي شكّلت في لوحة قلبي كل تلك المشاعر وهي التي كحّلت عيني – من دون أخوتي- بنور حروف الأبجدية الأولى رغم أميتها القرائية والكتابية؟ أم هو أبي الذي لا يفتُر عن ركوب حصان الغضب فيما يستحق من أمور وما لا يستحق؟ أم ناس قريتي الطيبين الذين يختلفون بشطط أحيانا حول حصة ماء نخلة، ويتكاتفون غالبا في رفع كربة غريب نزل بهم؟ وهل تلك الجبال التي كانت تركل الرغبة فينا دائمًا لنصعدها ونكتشف غدرَانها وصيدليةَ نباتاتها نقشت بعض الطموح والجموح في صخر أمانينا وأحلامنا؟

 ———————

 احتجت مسافة طويلة ووقتا أطول؛ لألتقي بالطفل في داخلي وأعرفه، حدث ذلك في السنة الأولى من أبوتي، ولأكن دقيقا، حدث ذلك في أول زيارة للطبيب عندما سمعتُ الممرضة تنادي باسم ابنتي رديفا لاسمي؛ وأنا الذي اعتادت أذني منذ وعيت أن أسمع اسمي منسوبا لأبي؛ حينها سعيت بشغف؛ لأكتشف هذا الكائن الجميل الذي اقتطع لي شهادة ميلاد جديدة في حياتي؛ بالقراءة عن عوالمه السيكولوجية والبيولوجية، وإذا بي أمام طفولتي التي كنت أتشرنق في وردتها ولا أعي تشكلها، ثم بتكرار التسوق لابنتي من (سنتر بوينت) أو (البي بي شوب) أو (رد تاغ) شعرت رغم جودة ماركات الملابس العالمية التي تتزيا أمام عيني ونقودي، هنالك شيء لا يوجد بينها، هو تلك الخبرات والمشاعر التي سأشكّلها في لوحتيّ قلب وعقل ابنتي في السنوات العشر من عمرها.

 كل ذلك دفعني لأكتشف في معرض مسقط الدولي للكتاب عام 2007 أدبًا ملوّنًا بأقلام تلوين تحترف مشاغبة وجدان الطفل، مكتوبا بنقاء حتى لا يجرح عيني ابنتي وأطفال العروبة، بل الأجمل أنه يراعي سلّم أعمارهم؛ حينها بدأتُ رحلة اكتشاف ماتعة وقراءة أدب الأطفال لابنتي، ومعرفة ما يسرّها فيه وما يختبئ عنها بين حروفه وكلماته، حيث خصصت وقتا للقراءة لها، ومن دون أن نستأذن أي وقت كنا نغني معا أشعارا لسليمان العيسى وغيرها من أشعار شعراء الأطفال العرب، مستأذنيْن أحيانا العربية الفصحى أن نغني بعض الأهازيج الشعبية العمانية ومنها أهازيج المطر، ثم لما كبُرَتْ نافستْها في جلسة القراءة وفي مكتبتها أختاها.

خبرتي التي قضيتها في القراءة لابنتي وما لمسته في عينيها من فرح ومتعة ألهمتني أن أؤسس لأطفال قريتي مشروعا قرائيًّا أسميته القرية القارئة؛ حيث أنشأت لهم في بيتي ركنا أسميته “مكتبة القرية القارئة” ملأتُها بكتب أدب الأطفال، وكنت ولا أزال أزودها موسميًّا من معارض الكتاب بكل جديد في أدب الأطفال، وحتى أوقد الشغف في قلوبهم؛ لقراءتها بدأت معهم برنامج جلسات قراءة وخاصة في أصياف العطلة، كما أني لم أهمل أن أميِّز فيهم القارئ الجيد من القارئ البطيء بمسابقات أسميتها “مارثون القراءة”، وكنت أفاجئهم عن تخطيط مسبق بضيوف بارعين ليقرؤا لهم قصصا وحكايات، ثم دفعت بأمهرهم في مسابقات محلية ودولية مثل مسابقة قطار المعرفة الدولية؛ للتنافس في عشق القراءة؛ حتى أن بعضم صار يافعًا وبدأ يتأخر عن زيارة المكتبة، فانتبهت أن أضيف لها ركنا خاصا بأدب الناشئة.

بعدما نال هذا المشروع الصغير سمعة إعلامية وثناء من بعض الكتَّاب والمثقفين والناشطين في أدب الأطفال؛ لجلال هدفه وهو صنع قارئ تكون القراءة عنده ضرورة؛ ليفهم سبب وجوده في هذه الحياة وليتصالح مع خروجه الحتمي منها، تشاورت مع بعض الأصدقاء الشباب الكتّاب أن نؤسس برنامجًا قرائيًّا تطوعيًّا يقدِّم ورش قراءة لأطفال عُمان كافة أطلقنا عليه «قافلة كتابي صديقي» ([1]) قسمنا ورشها لثلاثة أعمار، الأولى من سن الخامسة حتى السابعة والثانية من الثامنة حتى التاسعة والثالثة من العاشرة حتى الثانية عشرة وهذا السن الأخير كنا نقدِّم لهم ورشًا خاصة لكتابة القصص([2]) والمذكرات والرسائل، وانتبهنا بعناية فائقة أن ننظم ورشة خاصة بالأهل والمربين تهتم بصناعة وعيهم في خصائص مراحل الطفولة وكيفية اختيار الكتب للأطفال والقراءة لهم مستعينين بخبرات مشرفات التعليم ما قبل المدرسي في وزارة التربية والتعليم في عمان.

انطلقت رحلتي في «قافلة كتابي صديقي» من العاصمة مسقط في شهر إبريل 2012 طفت مع صحبي سبع مدن عمانية أيام الإجازة الأسبوعية وهي سمائل، وصحار، وصور، والبريمي، والعامرات، وشناص، والسويق، وبدية. توقفت القافلة في أغسطس 2013 التقت عيناي فيها بعيني ما يقارب 700 طفل عماني، وفي نهاية كل زيارة لم نهمل أن نهدي كل طفل كتابًا؛ دعما لفكرة المكتبات المنزلية للأطفال، وبذرًا في أرواحهم للذكرى الأولى مع أول كتاب هدية، ولم نتساهل في جودة الكتب المهداة للأطفال من حيث انتقائها من دور نشر متخصصة في طباعة ونشر كتب الأطفال مثل دار السلوى ودار الحدائق ودار كلمات ودار المنى ومشروع كلمة للترجمة وغيرها من الدور التي وقفت معنا بسخاء ثقافي، مراعين مناسبة الكتب لأعمار كل فئة، والأهم أن القصص التي تتضمنها من إبداع كتّاب مشهود لهم عالميًّا.

رجوت في رحلتي مع قافلة كتابي صديقي وفي كل ورشة قراءة أقدمها أن تزهر في قلوب أطفال عمان خبرات، ومشاعر سلام وفرح وعزم وأمل وبساتين أمانٍ لا تشبه تلك المشاعر التي زاحمت أيامي، والتي لم تجد من يقرأ لها كتب أدب الأطفال السعيد عندما كانت تنمو في طفولتي.

 ———————

** ألقيت هذه الشهادة في ملتقى الإبداع الخليجي الخامس (ملتقى أدب الطفل) بالشارقة، الذي نظمه اتحاد كتاب الإمارات من 25- 27 نوفمبر 2014.

([1]) كانت القافلة تحت إشراف مبادرة القراءة نور وبصيرة التطوعية وهي مبادرة شبابية ثقافية عمانية، تسعى «إلى تأصيل ثقافة الحوار المتمدن في المجتمع ليكون سلوكاً إنسانيًّا راسخًا، كما [تطمح] من خلال هذا الجهد إلى تعزيز البعد المعرفي وثقافة النقد البنَّاء، وتأصيل الإبداع ذو القيمة المضافة العالية لصياغة رؤية واعية ومستنيرة». ومن البرامج التي أطلقتها صالون القراءة واقرأ إبداعك الوطني. للاطلاع على أنشطة وفعاليات المبادرة يمكن زيارة الموقع: http://light-foresight.blogspot.com

([2]) أصدرنا قصص الأطفال لاحقًا في كتاب: «الفيل السمين» تحرير: أزهار أحمد، ط1، دار الغشام للنشر والترجمة، عُمان، 2014م.

2,757 total views, 5 views today