خديجة بنت عبد الرحمـّٰن القاسمية
تــربـويـة


شهـرٌ ليس كسائر الشهور على مختلف الأصعدة ابتداءً من الصعيد الديني وانتهاءً بالذات، لا نغفلُ جميعاً عن كونه يحوي ركناً من أركان الإسلام وبأنهُ شهرٌ يحتضنُ ليلةً خيرٌ من ألف شهر أو كونه شهرٌ سُبغ بالطاعات ومختلف العبادات وبأن النفس فيه تطهرُ من دناءة الشهوات وسيطرة الملذات ما صَغُرَ مِنها أو كبُر وما ظهرَ مِنها أو بطن.

رمضانُ شهرُ الروح والرحمات هو أيامٌ معدودات نتزلفُ فيها إلى الله تعالى بنفسٍ مطمئنة وروحٌ تلتمسُ من اللّهِ عفواً وغُفرانا، فيميلُ الفردُ منا إذعاناً إلى دينِ الفطرة، دين الإسلام خلال هذه الأيامِ المعدودة المُباركة، مستشعراً ما للإيمان من حلاوةٍ وما للنعم من فضاءٍ رحُب قل من يدركه.

ولكن للروح حلاوةٌ كما للإيمان، ففي شهر رمضان فرصةٌ للتغيرِ ليس لليوم او لهذا الشهر فقط وانما يشملُ هذا التغير واقع حياة الإنسان حتى بعد انقضاء شهر رمضان، لننسى الصبغة التي صُبغ بها هذا الشهر الفضيل مؤخراً، ولنستدرك ما به من فرصٍ للإرتقاء بالروح وضمان الاستقرار للنفس، فنحنُ الأن أرواحٌ تكادُ تخلو من الرغباتِ الدنيويةِ وأنفسُ جُل اهتمامها رحمةً من اللّٰه ومغفرة، أي أننا مهيئونَ لتقبُلِ التغير اكثر خلال شهر رمضان عن سائر الشهور المُحتَضَنَةُ برغباتٍ ذاتيةٍ دنيوية، إن رمضانَ هذا العام ومُسايرتُهُ لِلوضعِ الراهن الذي يأسِرُ الكرةَ الأرضيةَ جمعاء والمتمثلِ في فايروس كورونا (كوفيد١٩) يخلقُ لنا دونَ إدراكٍ بيئة روحية تُعينُنا على خلقُ سلامٍ داخلي بين العقل والروح، وتكوين علاقة بين من نحن وما نريد، فيوَّلد ذلك بداخلنا ثقةً مُطلقة -مع التشديد على أنها مُطْلَقة – بأن اللّٰه تعالى يهيئُ لنا الأسبابَ حقاً وما علينا سوى استثمارها وفقَ النهجِ الصحيح حتى نكون ما نريد وحتى تكون الحياة كما نريد فعلاً.

إن كان الشهرُ الكريم انتصفَ دون إدراكٍ منا فلا زال النصفُ الأخرُ منهُ يبحثُ عنا، ينادينا حتى تناجي الروحُ خالقها بتدبرٍ وتأمُلٍ لأياتهِ العظيمةِ اللامتناهية التي تجعلنا نستشعرُ المقصدَ من وجودنا في هذا الكون الفسيحِ الخصبِ بالأيام والآلاء، فلننهض ونجتثَ التكاسُلَ من ارواحنا  ونُجلي همومَ الذاتِ ونُحَّفِزُ ثقتنا المُطْلقةَ بِاللّٰه سبحانهُ وتعالى فنفوزَ برضاهُ ونحققَ ذواتنا ونبني اتزاناً عظيماً في هذا العالم.