shutterstock_259039580

أحمد الراشدي

لا يُذكر شَهْر رمضان إلا رديفاً لحنين إلى “رمضان الطفولة”، وروحانية القلب السابح في ملكوت الكلمات القدسية التي تؤتي أُكلها كل يوم، والمحبة اللطيفة الزائدة في أعين الناس وفي اليدين وفي الخطى نحو الرَّحم والأحبَّة.

ولكلٍّ منا أسرارُه الروحية والقلبية مع رمضان، وكذا الكتَّاب والأدباء والمثقفون الذين ألفت عيونُنا طَوَال العام سطورهم ورائحة كتبهم، وألفت أيديهم -أكثر- لوحة المفاتيح والقلم يُسطِّرون مشاريعهم الكتابية؛ لهم عاداتهم وطقوسهم وأسرارهم مع يوميات رمضان؛ فهذا الروائي نجيب محفوظ يحكي لقطات من سيرته مع شهر رمضان في كتاب “أنا نجيب محفوظ”، أنَّه اعتاد في هذا الشهر ألا يكتب إلا الشيء الضروري؛ رغبة في الاستمتاع بروحانيات شهر الكرم. أما قراءاته، فإلى جانب القرآن الكريم كان يقرأ كُتب السير والتراجم والتصوف والفلسفة. أمَّا في الشعر، فكان يقرأ الشعر الصوفي عربيًّا أو مترجمًا مُستثمرا الوقت بين العصر والمغرب لشفافيته في القلب. وقد عبَّر أنَّ هذه التجربة “تركت في نفسه أثرًا عميقًا انعكس على الكثير من كتاباته”.

مجلة “شرق غرب” استطلعتْ تجارب وآراء الكتَّاب والأدباء والمثقفين العمانيين وغير العمانيين، حول طقوسهم الكتابية والقرائية وعاداتهم الخاصة مع أنفسهم وأسرهم شهر رمضان؛ حيث عبَّروا عن حنين يسري في شرايين أيامهم لرمضان الطفولة، وأنه ورشة للتأمُّل في جمالياته وسخائه اليومي في تغيير العادات واليوميات.. الروائي والإعلامي سُليمان المعمري يحكي أنَّ “أجمل ما في رمضان أنه حياة أخرى مستلَّة من الحياة الأم. لا يُشبه الشهور الأحد عشر الأخرى في شيء، ليس فقط في الجانب الروحاني المهم، ولكن حتى في الزمن والإحساس به. يحدث في رمضان أنْ تمضي الليلة سريعا ويبزغ نور الصباح دون أن تشعر.. يحدث أن يمضي وقت الدوام سريعا وكأنه نزهة.. يحدث أن تتغيَّر الكثير من عاداتنا فيه، ولا أعني فقط التوقف عن الأكل والشرب. بل غيرها من العادات.. يحدث أن نقترب أكثر من أهلنا، أن ننام في غير وقت النوم المعتاد، وأن نكتب ونقرأ ونمشي ونمارس حياتنا اليومية في أوقات مختلفة عمّا ألفناه”.

أمَّا الشاعر مَحْمود حَمَد، فيرى أنَّ رمضان هو الحنين: “لست قاسيا حين أقول إنَّ رمضان رَحَل بعيدا بالنسبة لي؛ فهو لم يعد كرمضان طفولتنا، كان باهيا في أرواحنا وأفراحنا الدافئة، كان رمضان شهر الماء والنماء، ما زالت أصوات مضخَّات الماء في أذني حتى اليوم، يخرج الماء من الآبار في جداوله مخترقا البساتين التي تفوح بروائح الأرض والغلال، وكان العصر زاهيا بالناس الممتزجين بطرق القرية، والشمس تنساب نحو قمم الجبال الشامخة لتستعد لغروب بهيج؛ حيث يستعد الناس لأبسط ما يفطرون به.. ما أجمل تلك الأيام، وما أطيب الألفة بينهم عندما يتحلَّقون في جلساتهم بعد صلاة التراويح! وما أجمل دقائق المسير إلى المسجد الذي كان قابعا خلف الوادي مع أبي! كله ذهب مع طفولات الماء”.

الشاعرة شميسة النعمانيَّة تُناجي رمضان بقولها: “ما أطيب رمضان! حقًّا ما أطيبه! ليس لأنه أفضل الشهور فحسب، بل لكونه أخفها على نفسي. يأتي رمضان كالنسيم العليل الذي يُداعب الروح بخفة الريشة، مُفسحا أمامنا المساحات الزمنية الثرية للعطاء؛ فهو الشهر الوحيد الذي نقضي فيه ساعات طويلة دون أن تشغلنا أو تستنزف وقتنا مواعيد الموائد الاعتيادية، لا سيما الإفطار والغداء، وهذا الأمر النادر يمنحني فرصة ثمينة للاختلاء والكتابة والقراءة لساعات متواصلة دون انقطاع”.

أما الشاعر والكاتب إبراهيم سعيد، فرمضان مُرتبط في روحه بالضوء والتفرد: “الضوء والنور هما بطلا رمضان، رمضان نفسه هو المسلسل الزمني الحقيقي، فيه يشعر المرء بالوقت أكثر: تمارين انتظار الإفطار، دقة المواعيد عند الإفطار، العمل الجماعي.. رمضان زمن مخصوص في الزمن الذي هو المسلسل الحقيقي، يبدأ بالهلال وظهوره وتحريه والأخبار المتناقلة عن الدول التي ستصوم الغد والتي لن تصوم، حتى الحلقة الأخيرة التي تنتهي كما بدأ المسلسل بالتحرِّي والظهور لهلال الشهر الجديد، في الدائرة بين الهلالين، أضواء وأقمار وحكايات وسهرات ولقاءات حيوية في كلِّ شيء أكبر من المتوقع؛ حيث يصبح الزمن مسرحاً للحياة”.

القراءة بعيون صوفية

وللقراءة في شهر رمضان سحرٌ عذب مغلَّف بالسكون والأريحية والاستئثار ببعض الكتب عند الكتّاب والأدباء؛ فهذه الروائية الدكتورة زوينة الكلبانيَّة تنتظر شهر رمضان كي تنغمس في قراءة الشعر الصوفي، وتتأمل جماليات لغة القرآن عبر تلاوته مرارا؛ فتقول: “أما عن القراءة، فيزداد شغفي بها في هذا الشهر؛ فأجدني مُنغمسة في القراءة أكثر من الكتابة.. ولقراءة القرآن أوقات محددة في جدولي اليومي لحرصي على ختم القرآن الكريم أكثر من مرة. كما أدخر لرمضان دواوين الشعر الصوفي والكتب الفكرية والفلسفية التي تحتاج في قراءتها إلى صفاء الذهن والتأمل والفهم المعمق والأخرى ذات الاستشعار الروحي.ونظرًا لامتداد أوقات اليقظة حتى الفجر، فإنني أقتنص الفرصة خاصة وقت السحر؛ حيث السكون يلف الكون ويخلق في داخلنا حالة من التوازن والهدوء النفسي والفكري لبلورة العديد من الأفكار لمشاريع كتابية قادمة أو لاستكمال عمل قائم ومراجعته، ولكنها تظل كتابة غير منتظمة، مقارنة ببقية الأيام في الأشهر الأخرى”.

الدكتور الناقد الجزائري أحْمَد يُوسف من قسم اللغة العربية بجامعة السلطان قابوس يُصر على استنشاق أكسجين القراءة عادة وطقسا يوميًّا، كما يُخصِّص قراءات مقصودة في شهر رمضان؛ طلبا للتأمل وتقوية الحس الناقد لديه: “تكاد تكون القراءة والكتابة الناظمة للرشد -الموافقة للجبلة البشرية، والمستجيبة للدعوة الإلهية- طقسًا يوميًّا بالنسبة إليَّ، تُعتصر فيه الأفكار اعتصارًا، وتزدحم فيه الأسئلة ازدحاما؛ لأنَّ حاجة من عاش لا تنقضي البتة؛ ولأنه -أيضًا- يُعد بمثابة إكسير الحياة، أو هو -حسب استعارة ميرلو بونتي- كالماء بالنسبة للسمك. فلا وقت للفراغ؛ لأنَّ الفراغ مجلبة للصبوة، بل إنَّه قد يقدح زَنَد الشهوة إلى ما لا يستحسن من الأفعال؛ كأن يكثر اللَّجاج الذي هو آفة الرأي.. هذا في سائر الأيّام، أمَّا ما يمتاز به شهر رمضان الفضيل فهو أنَّ طقس القراءة والكتابة قد يتغيَّر إيقاعه مدًّا وجزرًا، كمًّا وكيفًا، سرعة وبطأ؛ ففي رمضان المبارك تزداد همَّة الإقبال على القرآن تصفُّحا وتدبرا، ويزداد الشكر لكونه عِصْمة من النقم، ومطية لطلب المحبة، وكذلك يقع فيه الهجوم بالفهم على بعض الآثار الدينية والتراثية قصد الظفر ببعض الحكمة، وأنصرف أحيانا كثيرة إلى مراجعة بعض البحوث الخاصة، وبحوث طلابي في الدراسات العليا، وانتخاب بعض المقالات الفكرية والنقدية الرصينة، وأشباه هذا؛ لأخصها بالتأمل الثاقب حتى تقوِّي الحسَّ الناقد”.

وكذا الشاعرة شميسة النعمانيَّة تحرصُ على أن تزهر روحها بإنتاج كتابي يسجل علامة رمضانية في حروفه؛ فتؤكد: “في كلِّ رمضان يكون لديَّ إنتاج؛ سواء بحثيا أو أدبيا…أو ما شابه، فضلا عن الدورة المجانية التي تلتحق بها الروح، لا سيما في صلاة التراويح الجماعية التي يؤمُّها إمام عذب الصوت خاشع القلب، وما يتبعها من دعاء يناجي الغيب؛ فتنسكب السكينة في نفسي، وأشعر بنقاء أكثر إشعاعا نحو العالم والحياة. في رمضان، أستلذُّ الكتابة فترة الصباح لصفائي الذهني. أما جدولي الليلي، فلا يختلف في رمضان عن غيره من الشهور؛ فأنا كائنة نهارية، والليل في قاموسي للنوم وليس للسهر حتى الفجر”!

لكنَّ الشاعر مَحْمُود حُمود يختصر ويحزم أمره مع القراءة بقوله: “أقضي بعض النهار مع كتبي وأحرفي، وأعطي أصدقائي جزءا من هذا الوقت؛ فأنا حريص على ألا أفوِّت الفرحَ؛ لأني أجتهد في قراءة الحياة أكثر من قراءة الكتب..”.

أما القاص خليفة العَبْري، فله طقسه المتفرد مع رمضان؛ حيث يعبر عن ذلك بقوله: “شهر رمضان هو الشهر الذي تتبدَّل فيه سيرورة أشهر العام كلها، وتكون الكتابة فيه شبه معطلة؛ فبدون أكواب الشاي وفناجين القهوة أفتقد الطاقة؛ لذا يُصبح الجسد أكثر ميلا للبيات النهاري، بينما لا أجد مجالا في الليل سوى للزيارات وتذوق الأطعمة والرياضة وقراءة الصحف فقط دون غيرها”.

وللكتابة في شهر رمضان طقسٌ أثير عند الدكتور الناقد مُحمَّد المهري؛ حيث يقول: “أما الكتابة، فقد خصَّصت لها الفترة الواقعة بين الحادية عشرة إلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ثم أعود أدراجي بعد رحلة ممتعة في عالم الكتابة، ولكن ما إن أضع حرفي على ورقة بيضاء، حتى تنهال تلك المفردات، التي طالما كانت في عالم الهروب، فتصبح رهينة الحبر وبياض الورق”.

الروائي سُليمان المعمري يرى أنَّ التخطيطَ يُوازن له رغبة القراءة والكتابة والاستمتاع بروحانيات الشهر.. فيقول: “بالنسبة لي، أحاول كأي رمضان أن أوازن بين متطلباته ومتطلبات الحياة اليومية فيه.. اعتدت أن أخصِّص قدرَ الإمكان مساحة يومية فيه لأقرأ شيئا من القرآن بحيث أختمه مع نهاية الشهر، وأن أخُصص ساعة للمشي قبل الإفطار، كما اعتدتُ على تخصيص وقت للقراءة (والكتابة أحيانا)، وهو وقت يعتمد على حالتي الذهنية والجسمانية؛ إذ يكون هذا الوقت نهاراً في بعض الأحيان، وليلا بعد صلاة التراويح في أحيان أخرى”.

لكنَّ الشاعر والإعلامي أحمد الكلباني يَرَى أن رمضان موسم مناسب لتأجيل الكتابة والتفرُّغ لأشكال أخرى من التلقي، يستهلُّ منها مَدَد الإبداع والإلهام؛ ويقول: “بشكل عام، في مجال الكتابة أحبُّ أن أتفرغ للتلقي أكثر الكتابة في هذا الشهر، إلا النصوص غير المقصودة، والتي أقصد بها هنا النصوص التي لا تتوقف عن طرق الجمجمة!، ولسان حالها يقول إمَّا أنْ أدخل الآن أو لا أفعل أبدا!!.. وهذا لسبب مهم جدًّا وهو رُوحانية الشهر الفضيل التي تتمثَّل في التحرُّر من الارتباطات النهارية وهواجس الجوع والعطش، إضافة إلى شعور خفي يمنح الإحساس بالاتساع والهدوء التام، وكأنما صحراء شاسعة خالية من كل شيء إلاك، دون خوف أو هاجس بقاء.. هنا تتوحَّد مع ذاتك، فتكون أصدق حينما تكتب وحينما تقرأ وحينما تشاهد. لذلك لا أكتب إلا ما يُحب أن يُكتب وأقرأ وأشاهد. وفي معرض الحديث عن الصدق، فإنني في بعض الأحيان أمرُّ مرورَ الكرام على أوراق ما كتبت سابقا؛ فأرى بصفاءٍ أكبر ما هو حقيقي وما هو مهزوز. الصيام لا يروِّض الجسد وحسب، بل يروِّض الأفكار.. وكما أسلفت، فإنه يُغيِّر من كائنك البشري في كل طقوسك بما فيها الكتابة أو الاطلاع”.

الشاعر والكاتب إبراهيم سعيد له طقوسه المتصالحة مع القراءة والكتابة: “في رمضان أقرأ وأكتب أكثر، بما أنَّ الوقت مُتوفر، خاصة في النهار. أما في الليل، فتلتهمه الوجبات والأحداث والأعمال.. وبالنسبة لي، القراءة والكتابة أصبحا الطريقة الطبيعية للاستفادة القصوى من الوقت؛ ففي رمضان أستغلُّ حساسية الشعور المتولدة من الصوم، هناك كُتَّاب أعيد قراءتهم في رمضان؛ أمثال: المعري، التوحيدي، ورومي، وتولستوي، وهرمان هيسه.. وقد وجدت في نفسي انجذاباً لذلك، كأنما رمضان لحظة تحوُّل، وأنا على الجسر الزمني أقرأ وأكتب”.

ويضيف: “أكتب، أضع ملاحظات جديدة، أعود لمسودات قديمة، أنهمك في عمل شاسع وأحاول أن أستخرج زبدته.. في رمضان، هدوء النهار، وقلة المقاطعات تجعل من النهار مسرحاً للعمل، الذهن الحاضر، والتخلص من الرغبات الجسدية بسبب الصيام، كل ذلك يجعل العمل ينساب صافياً واضحاً بلا تشويش… للتخلص من العادات الملازمة للعمل كالقهوة والشاي والتدخين، يُربك، لكنه بالتدريج يجعل السلاسة نحو الحرية رحبة وممكنة، التخلص من الروتين يعطي شعوراً بالتحرر، بالخفة”.

للتأمل مساحات

التأمل يأخذ قسطا وافرا من يوميات الأدباء والكُتَّاب؛ رغبة في السلام وتأمُّل الكائنات التي تسكن في جيرتنا على كوكب الروح والأرض؛ حيث يتحدث الشاعر عبدالله البلوشي عن علاقته بالأشجار في رمضان: “يُوفر هذا الشهر الفضيل مساحة واسعة للولوج نحو عالم تأملي ثري؛ فعلى الرغم من نهاراته الطويلة إلى حدٍّ ما، إلا أنَّ الليل يوفر لي غايتي من ذلك؛ إذ تدفعني الخطى في لياليه الحالمة نحو الاقتراب من أشجار البيت والجلوس إلى جوارها، وإطالة التأمل في فضاءات قد تبدو خافية للبعض، تأخذ بالتدافع أمامي وتدهشني في ذات الوقت؛ وذلك كأنْ أُرهف السمع لاصطفاق جناح طائر صغير في العلو على شجرة من الأشجار تلك”.

أمَّا الشاعرة ريم اللواتية، فتحكي رحلتها -في هذا الشهر- مع ذاتها المتفائلة التي خرجتْ من عُزلة طويلة نحو تنمية العطاء والمحبة في نفوس الآخرين حولها؛ فهي تؤكد: “لم أتفاجأ بالكم الكبير من السلام والرضا اللذين يجتاحاني فيه رغما عن أنف ما يحدث على أرض واقع حيواتنا. رمضان، شهر الإنجاز والعطاء دون أن نخطط لذلك.. شهر الطمأنينة والسكون والليالي التي تمنحك بهجة التقرب من الله ومحاولة منفعة عباده.. طقوسي الرمضانية تختلف من عام لآخر، ولكنني أكون دوما على معرفة مسبقة بأنَّ هنالك الكثيرَ من العطايا التي ستهل. وهذا العام لم يختلف عن ذلك؛ حيث بدأت بتفعيل رحلتي التي كنتُ قد بدأتها منذ أعوام مع التنمية الذاتية؛ لأبدأ في محاولة أن أفيد بها الآخرين. كلُّ الطقوس تمثَّلت في المحبة والفرح، في القراءة ومعرفة الذات ومشاركة الآخرين هذه المعرفة. في العودة للناس بعد عزلة طويلة. لقد حجزتُ هذا العام تذكرة نحو الإيجابية والسعادة، وأزعم أنَّ شهر رمضان مطار الأفراح لمن يريد، وكم أتمنى أن يدركه الجميع”.

الشاعر والإعلامي أحمد الكلباني يجدُ في رمضان موسمًا ثريًّا لتثقيف نفسه إعلاميًّا بمتابعة الدراما والمواد الإعلامية التي لا تظهر إلا في رمضان.. ويقول: في رمضان يختلف نمط الحياة عما هو معتاد.. شخصيًّا، أستغلُّ رمضان كموسم للمادة الثقافية والفنية بشكل كبير، خصوصا وأنك تحصل على وقت إضافي في النهار ومتسع دون أدنى إزعاج، كما أنَّك لا تفكر في هاجس بعينه، فقط تشعر وكأنَّ الحالة الذاتية متحررة من كثير من القيود، أجد في رمضان المادة الإعلامية المفيدة وبسبب متسع الوقت أتمكن من المطالعة الفيلمية؛ سواء على القنوات الرسمية أو القنوات الشخصية عبر يُوتيوب مثلا. هذه المطالعة الفيلمية تمنح طاقة من التدفق الإبداعي الذي يُعطي مساحة جميلة من التفكير، خصوصا وأنَّ المشتغلين في هذا المجال يعتبرون شهر رمضان موسمًا زخمًا لضخِّ النصوص الإبداعية والاشتغال عليها؛ سواء المواد العلمية من خلال البرامج أو النصوص الأدبية من خلال الدراما. هذه تمثل مشربا موسميًّا من الأفكار التي يتغذَّى عليها الفرد خارج نطاق القراءة الصماء التي يمكن أن تحصل عليها متى أحببت”.

الأسرة في قلوبهم

للأحباب والأصدقاء والأسرة في قلوب والأدباء والكتاب وقتٌ أثيرٌ في ليالي رمضان ونهاراته؛ تتوزَّع في أمكنة بين البيت والمقهى والشاطئ.. الشاعر إبراهيم سعيد له حكاية مع فواكه رمضان، وكيف يستثمر مذاقاتها؛ ليكون قريبا من أحبابه وأسرته؛ فيقول: “بعد الإفطار، ينتظم جدول جديد: مواقيته غذائية، إفطاري فاكهة.. في الصيف تخرج الأرض خيراتها وتضعها على مائدة إفطاري، الرطب يتنوع ويتدرج: الأمبا، الفيفاي، الجح، الشمام، والبطيخ النادر، والمشمش، والسفرجل، وتضاف إليها فواكه مستوردة، ربما خوخ ربما مشمش مستورد…وغيرها.

وأغلب رمضان أفطر في بيت أهلي، أو في وسط اجتماعي عائلي، هكذا تبدو الحياة ليست أكثر من فرصة للحب، ولأن نجتمع بمن نحب ما دمنا قادرين، فلماذا أضيِّعها بعيداً عمَّن أحب؟!”.

أما الدكتورة الروائية زوينة الكلبانيَّة، فتقتسم مع عائلتها فيوض الألفة والحديث النقي؛ فتحكي أنَّ “شهر رمضان الفضيل فضاء مُمتد لروحانيات لا تنتهي بصنوف العبادة المختلفة والعادات الأصيلة التي نحرصُ قَدْر الإمكان على التمسك بأهدابها وتنميتها في نفوس أبنائنا.. رمضان شهر عائلي بالنسبة لي؛ حيث إنَّني أحرصُ على أخذ إجازة طوال هذا الشهر.. أتقاسم مع عائلتي يوميات رمضان بتفاصيلها الصغيرة ونكهتها ومذاقها الخاص، كما أنَّه مساحة للتجمعات العائلية الكبيرة وزيادة التواصل والتراحم بين الأهل والأصدقاء، والالتقاء بكبار السن والاستمتاع بأحاديثهم التي لا تخلو من الحكمة والقصص الطريفة”.

ويَرَى الشاعر عبدالله البلوشي أنَّ شهر رمضان هذا العام وفَّر له قربا وسلاما من أولاده، الذين أزهروا له أحفادًا يُسامرون روحه ساعة الوحدة؛ فيروي حكايته مع العمر والأحفاد بروح متأملة: “يُشكل شهر رمضان الفضيل فرصة للتأمل طويلا في مراحل حياتي الآفلة وما هو باق منها؛ إذ إنَّني أشعر بأنَّ لياليه هي أكثر الأوقات التي تُقرِّبني بشكل حميمي وعضوي من الكائنات التي تحيط بي أكثر من نهاراته في الغالب؛ لذلك أسعى لترسيخ قيمة هذا الدنو عبر بعض الممارسات التي لا تنفصلُ عن الدأب التأملي الذي يُشيع بدوره محبَّة مُشرقة على الأفراد القريبين من حولي كالوالدين والأبناء والأحفاد، إلى جانب استثمار بعض أوقاته -أي الليل- في الكتابة متى ما كانت المَلَكة مُهيَّأة لممارسة مثل هكذا فعل، إضافة إلى القراءة وإن بمعدَّل أقل، بينما تكون أوقات نهاراته موزَّعة بين السعي لتوفير المطالب الحياتية الضرورية للعائلة وما شابه، وقيامي بالعمل في الحقل خلال الفترة الواقعة بعد العصر وحتى موعد الإفطار، لاسيما في إجازات نهاية الأسبوع”.

كما يحرص الدكتور الناقد أحْمَد يوسف على إحاطة قلبه بعطر ألفة الأسرة ومتابعة سيرورة العالم؛ فيحكي أنَّه يُخصِّص جزءا من وقته “لمتابعة الأخبار التي لم تعد تسرُّ في هذا العالم، الذي وصفه صلاح عبد الصبور بـ”الموبوء”، وأشاهد بعض البرامج الثقافية والترفيهية مع الأسرة أثناء الإفطار أو بعده؛ ففي هذا الشهر تزداد الجرعة الروحية، ويزداد الدفء العائلي بالجلوس المنتظم مع أفرادها يوميا ولزمن أطول من بقية الأيام على مدار السنة”.

أما الدكتور الناقد مُحمَّد المهري، فيحرص كلَّ الحرص أنْ يَجْعل رمضان مختلفا في علاقاته بأسرته ووالدته؛ فيحكي: “لم يكن رمضان بالنسبة لي زمنا يُعيد نفسه إلا في ظهور الهلال. أما بقية الأمر، فهو مُختلف فيما يتعلق بالقراءة والكتابة، حيث يضاف إلى ذلك اللقاء بالأهل والأصدقاء، وأجمل ما يُعطِّر رمضان في البيت هو اللقاء بالوالدة -حفظها الله- والجلوس إليها لفترات أطول منذ قبل، هنا تكون الجلسة عامرة بالحكايات والقصص النادرة المطعَّمة بالشعر والأمثال؛ باللغتين: الشحرية، والمهرية. وأنا بَيْن هذه الجلسة وجلسة القراءة أقسِّم نفسي، والميل كثيرا يكون من نصيب الوالدة”.

ولا تُهمل الشاعرة شميسة النعمانيَّة جلسة وفاء تعبَّق بشذى رمضان وألوان البحر مع صديقاتها؛ فتقول: “من الطقوس التي تجتذبني في رمضان: تناول الفطور بمعيَّة صديقة على شاطئ البحر؛ في ظلِّ توافر هدوء جميل يبعث على الحرية الشعورية من جانب، والتوحد مع الامتداد المذهل للأزرقين “البحر والسماء” من جانب آخر. وأودُّ أنْ أشكر رمضان لأنه يُشيع حالة من السلام والحب والرحمة التي تعم الوجوه والنفوس على اختلافها؛ فيصبح العالم برقة وردة وعبيرها، رغم كل الألم الذي يجتاحني؛ للبشاعة التي لم تحترم رمضان، فأسالت ولا تزال تُسيل الدماء هنا وهناك”.

أمَّا الشاعر مَحْمود حَمَد، فله طقوس سفر روحية نحو أحبابه من البشر والمدن، يحرص على أن يواظب عليها في رمضان.. يرويها بفرح شاعري: “اليوم، وكما هي عادتي دائما، أصنع بعض طفولاتي وفرحي في عالم مُختلف ومجتمع مادي صرف. ومع إيماني بسُنن التغيير، فأنا أحرصُ على أن أكون مُنصفا لمن هُم حولي من أسرتي؛ إذا أقسِّم ليالي رمضان بيني وبينهم.. ولي طقس حُب للمدينة الفاتنة صُوْر؛ حيث أشاركها شغفها بالحياة في رمضان مرَّتين على الأقل، ولا أنسى أن أتنسم هواء ماء واديها “أم اللخم” أو “الرفصة”، حينما يكون الوادي مليئا بالماء كما هو الشهر الماضي؛ فأنا أصل إليها قبل وقت العصر، وبعد أن أغطس في الماء حتى ترتوي روحي، أجلس على شاطئها، ثم أتناول وجبة العشاء، وأختم عناقها بفيلم في السينما وأغادرها. وكثيرا ما يُشاركني عزيز لي من أسرتي أو أصدقائي؛ لأستعيد رمضان الطفولات والذكريات.. رمضان السلام”.

4,654 total views, 5 views today