ياسمين‭ ‬حسن‭ ‬أحمد‭ ‬اللواتية‭ ‬

كيف‭ ‬أبدأ‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة؟‭ ‬قيل‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬فيك‭ ‬ما‭ ‬يخطر‭ ‬ببالي‭ ‬تجاهك،‭ ‬فقررت‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬لك‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬عساها‭ ‬توصِل‭ ‬إليك‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬بخاطري‭ ‬عنك‭ ‬وما‭ ‬أود‭ ‬أن‭ ‬أقوله‭ ‬لك‭. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬عساي‭ ‬أكتب؟‭ ‬وأي‭ ‬الأمور‭ ‬أقول؟‭ ‬وهل‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أرد‭ ‬جميلك‭ ‬بهذه‭ ‬الكلمات؟‭ ‬أفي‭ ‬الحبر‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬وفاءٌ‭ ‬لما‭ ‬أعطَيتَنِيه‭ ‬من‭ ‬إحسان‭ ‬وعطاء؟‭ ‬

إني‭ ‬أدعو‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يمدني‭ ‬بكلمات‭ ‬أخُطّ‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬لأعبر‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬تصبها‭ ‬روحي‭ ‬لتترجمها‭ ‬كلماتي،‭ ‬وعن‭ ‬أحاسيس‭ ‬هي‭ ‬ملأَى‭ ‬بالصدق‭ ‬والصراحة‭.‬

وطني،‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬تخطها‭ ‬فتاة‭ ‬لم‭ ‬تدرك‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الكثير،‭ ‬وما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬إلا‭ ‬القليل،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬تطبع‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬محملةً‭ ‬إياها‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬وسِع‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬صادقة‭ ‬اختلجت‭ ‬الفؤاد‭ ‬والروح‭.‬

‭ ‬فيا‭ ‬وطن،‭ ‬هذه‭ ‬ابنتك‭ ‬تعجز‭ ‬أن‭ ‬تعيَ‭ ‬وتفهم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أنعمت‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬فضلٍ‭ ‬ومعروف،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬كلما‭ ‬تأملَت‭ ‬فيك‭ ‬عظُمت‭ ‬فيها‭ ‬مشاعر‭ ‬الشكر‭ ‬والامتنان‭ ‬للخالق‭ ‬البارئ‭ ‬عزوجل،‭ ‬ها‭ ‬هي‭ ‬ذي‭ ‬لا‭ ‬تدري‭ ‬ماذا‭ ‬تقول‭ ‬وكيف‭ ‬تقوله،‭ ‬فهل‭ ‬من‭ ‬سبيل‭ ‬للشكر‭ ‬على‭ ‬نعمة‭ ‬عظيمة‭ ‬جليلة‭ ‬مثلك‭ ‬يا‭ ‬وطن؟

أي‭ ‬وطني،

لقد‭ ‬صرت‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬من‭ ‬أمري‭ ‬عن‭ ‬نوع‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة،‭ ‬أهي‭ ‬رسالة‭ ‬شكرٍ‭ ‬أم‭ ‬اعتذار؟‭ ‬أما‭ ‬الشكر‭ ‬فتُعبر‭ ‬عنه‭ ‬هذه‭ ‬الحروف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬حبَوتنِي‭ ‬إياه‭ ‬من‭ ‬عطائك‭ ‬اللامتناهي،‭ ‬فأنت‭ ‬بحر‭ ‬من‭ ‬الكرم‭ ‬والجود‭. ‬كيف‭ ‬لا،‭ ‬وأنت‭ ‬الذي‭ ‬احتضنتني‭ ‬ورعيتني‭ ‬طيلة‭ ‬عمري‭ ‬وأسكنتني‭ ‬في‭ ‬أرضك‭ ‬آمنة‭ ‬مرتاحة‭ ‬مطمئنة،‭ ‬لا‭ ‬خوف‭ ‬عندي‭ ‬أن‭ ‬يصيبني‭ ‬شر‭ ‬أو‭ ‬مكروه؟‭ ‬بل‭ ‬وأنت‭ ‬الذي‭ ‬حميتني‭ ‬وخدمتني‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬ذي‭ ‬في‭ ‬خدمتك،‭ ‬ففدائك‭ ‬روحي‭ ‬وإن‭ ‬صغٌرت‭ ‬حيلتي‭ ‬وقلّت‭ ‬طاقتي‭.‬

وأما‭ ‬الاعتذار‭ ‬فهو‭ ‬لغفلتي‭ ‬وجهلي‭ ‬بفضلك‭ ‬السخي‭ ‬عليّ،‭ ‬فاعذرني‭ ‬واعفِني،‭ ‬وتقبل‭ ‬مني‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬طَبعت‭ ‬كلماتها‭ ‬آمِلَةً‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬قد‭ ‬رددت‭ ‬بها‭ ‬ولو‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬جميلك‭ ‬عليّ‭.‬

وطني،

عجبت‭ ‬من‭ ‬أمرك‭. ‬أرضك‭ ‬احتوت‭ ‬أناسا‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬أنواع‭ ‬الأديان‭ ‬والأعراق،‭ ‬وشعبك‭ ‬عرفه‭ ‬العالم‭ ‬بكونه‭ ‬نموذجاً‭ ‬للأخلاق‭ ‬والقيم‭ ‬والمُثُل،‭ ‬فأي‭ ‬البلاد‭ ‬أنت؟‭ ‬أفي‭ ‬الدنيا‭ ‬مثلك؟‭ ‬عجباً‭ ‬منك‭ ‬يا‭ ‬وطن،‭ ‬فكأنك‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬الجنة‭ ‬جعلها‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬مثلاً‭ ‬تقتدي‭ ‬به‭ ‬بقية‭ ‬البلدان،‭ ‬وإنه‭ ‬من‭ ‬عظيم‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬جعلني‭ ‬أنتمي‭ ‬إليك‭ ‬وأنسب‭ ‬نفسي‭ ‬وأصلي‭ ‬منك‭.  

يا‭ ‬وطن،‭ ‬كم‭ ‬مرة‭ ‬خاطبتك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة؟‭ ‬لعلني‭ ‬قد‭ ‬راق‭ ‬لي‭ ‬خطابك‭ ‬فصررت‭ ‬أكرره‭ ‬بين‭ ‬فينة‭ ‬وأخرى‭. ‬هل‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬تتخيل‭ ‬يا‭ ‬عزيزي‭ ‬الوطن‭ ‬كم‭ ‬هو‭ ‬قدر‭ ‬امتناني‭ ‬لله‭ ‬على‭ ‬وفير‭ ‬نعمته؟‭ ‬إني‭ ‬أدعو‭ ‬الله‭ ‬الغفور‭ ‬الرحيم‭ ‬أن‭ ‬يحفظك‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شر‭ ‬وسوء،‭ ‬لينتفع‭ ‬بك‭ ‬ويعيش‭ ‬خيراتك‭ ‬كل‭ ‬الناس‭. ‬

وبهذا‭ ‬الدعاء‭ ‬أختم‭ ‬رسالتي،‭ ‬لتقرأها‭ ‬أنت‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬وصلته‭ ‬كلماتي،‭ ‬راجية‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ -‬بهذه‭ ‬السطور‭- ‬ قد‭ ‬أثرتُ‭ ‬عاطفةً‭ ‬أو‭ ‬ألهمتُ‭ ‬نفساً‭ ‬لكي‭ ‬تهواك‭.‬

836 total views, 8 views today