مُحمَّد العجمي

 

مجلة “الفلسفة الآن” مجلة تصدُر باللغة الإنجليزية من بريطانيا كل شهرين منذ 1991. وفي هذا العَرْض أعرضُ سياحة في أهم المقالات الواردة في العدد (105) من المجلة، وموضوع الملف الرئيسي هو “الحرب والسلام”؛ حيث خُصِّصت له خمسة مقالات، إضافة إلى مقالين حول داروين، وحوالي خمسة مقالات أخرى عامة لن أستعرضها.

هل الإنسان عنيف بالفطرة؟ (ديفيد باراش)

Are Human Beings Naturally Violent And Warlike? – David Barash

ديفيد باراش أستاذ علم النفس بجامعة واشنطن وباحث مُتخصص في دراسات السلام والعدوان البشري ومؤلف لأكثر من ثلاثين كتابا؛ وفي هذا المقال يُحارب من أجل أن يُؤكد أنَّ الإنسان ليس عنيفا بالفطرة. ينطلق باراش من التفسيرات المشكوك فيها للسلوك الإنساني؛ حيث يؤكد أنَّ النظريات تمضي والواقع يستمر؛ فالنظرية تفسر ولكنها لا تغير. بل ما يحصل أحيانا هو العكس؛ حيث تزيد النظرية من بؤس الواقع. ففكرة أن الحرب جزءٌ أصيل ضمن جينات الإنسان؛ فيها تشجيع مُبطَّن وتقديم أعذار لشن الحروب؛ وبالتالي فمشكلتها ليست من ناحية علمية فحسب، بل من ناحية أخلاقية كذلك. هنا يدفع باراش بنضاله من أجل رفض فكرة أصالة العنف في البشر إلى الأمام؛ ليقف مُتقدما على هذه النظريات مُتسائلا: ماذا تفعلون؟ إنكم لا تفسرون السلوك البشري بل تدمرون الإنسان.

يُناقش باراش الدراسات الأنثربولوجية التي تنتهي بإثبات العنف وحب الحروب لدى الإنسان الأول وقرود البابون والشمبانزي، ويضع أمامها علامات استفهام كثيرة؛ مثل: لماذا التركيز على الشعوب البدائية التي يتم إثبات العنف فيها، ولا يتم التركيز على شعوب بدائية أخرى في مناطق أخرى بالعالم لم يتم اكتشاف عنف زائد لديها؟ ولماذا يتم الربط بين العنف لدى قردة الشمبانزي والبابون، والحال أنَّ الإنسان لم يتطوَّر عن هذه القردة؟ بل هو وهذه القردة ينحدرون من رئيسيات سابقة قبل سبعة ملايين سنة، ولم يتم إثبات أنَّ الغوريلات عنيفة ومُحبة للحرب والعدوان عندما تكون في مجموعات. وهكذا يحاول برانش جاهدا قلب الطاولة على الأنثروبولوجيين، ويحذر من تأدلجهم لصالح نظريات سياسية معينة.

ينتقلُ باراش بعد ذلك لاستعراض جملة من المؤشرات حول غموض مسألة العنف الفطري في الإنسان؛ فالقضية ليست محسومة كما تصوِّرها بعض الأبحاث؛ فالإنسان لا يُمارس العنف إلا تحت ظروف معينة كالتنافس على الموارد الرئيسية -مثل: الطعام والأرض- في فترة الضغط والتهديدات ترتفع قابلية الإنسان لممارسة العنف، وإلا في الأحوال العادية هو هادئ ومُسالم بالطبع. ويقرِّر باراش هنا أنه لا توجد أدلة بيولوجية على وجود مورثات للقتل لدينا. بل على العكس؛ هناك الكثير من الأدلة التي تقود إلى الاستنتاج بأنَّ الحرب مكوِّن ثقافي زائد وطارئ على الإنسان قبل حوالي عشرة آلاف سنة، خصوصا مع اكتشاف الزراعة والرعي والاستيطان؛ حيث بدأ التنافس على الموارد يأخذ مساحة أكبر من اهتمام البشر عندما يكونون في مجموعات، وبدأ البشر في ابتكار أدوات وتقنيات للدفاع عن النفس وللقتل والاستيلاء على أملاك الآخرين. وهنا يختم باراش مقالته بالتذكير بضرورة الالتفات إلى أنَّ ذكاء الإنسان الذي تطور مع بَدْء استخدامه للأدوات؛ لم يُسفر فقط عن الحروب والعدوان والعنف؛ بل وأيضا إلى مزيد من التعاون والمشاركة والحل الجماعي للمشكلات والحماية. فليس من الصواب التركيز على وجه واحد من التطور البشري، الذي بقدر ما رافقه من تطور وسائل الحروب؛ رافقه أيضا -وبشكل أجلى وأكثر تكرارا- تطور في وسائل السلام.

السلامية ليست استلابا (دوان كادي)

 Pacifism is not Passivism – Duane Cady

يطل الباحث والأستاذ بجامعة هاملاين الأمريكية دوان كادي في هذا المقال على مفهوم السلامية (Pacifism)، والذي يُترجم أحيانا إلى حب السلام واللاعنف، كما تترجم (Pacifists) إلى ناشطي السلام ومناهضي الحرب. ويُحاول من خلال مقاله هذا أن يُميِّز هذا المفهوم عن مفهوم مُقارب له في النطق والكتابة، ولكن يختلف في المعنى اختلافا كليا، وهو مفهوم الاستلاب (Passivism)؛ ففي الوقت الذي يعني الأول ناشطي السلام؛ يعني الثاني الناس المنسحبين والخاملين والمستسلمين تماما للواقع. يُميِّز كادي بين شكلين للسلامية: مناهضة الحروب والعنف وصناعة السلام، ويحاول أن يقدم تحليلاته لهذين الشكلين باعتباره باحثا متخصصا في شؤون السلام وأخلاقيات اللاعنف.

في الشكل الأول للسلامية -وهو مناهضة الحروب- يناقش كادي سؤالين مهمين: متى تكون الحرب مبررة أخلاقيا؟ وما الأخلاقيات التي يجب الالتزام بها وتطبيقها في فترات الحرب؟ ومن هذين السؤالين يضع الكاتب شرطيين أساسيين في توجيه وإدارة الحروب؛ وهما: التمييز والتناسب. يدخل الكاتب في فكرة مناهضة الحروب؛ ليس لرفضها كليا؛ وذلك حتى لا يكون الناشط مثاليا أكثر من اللازم؛ بل لتشديد الخناق على ظروف الحرب؛ بحيث لا تندلع إلا في أشد الحالات اضطرابا وإلحاحا للوصول إلى السلام، وما إنْ تندلع فيتم مُراقبة ومتابعة مجريات الحرب للتأكد من تقيد والتزام المتحاربين بأخلاقيات الحرب كعدم الاعتداء على الأطفال والمسنين والنساء، وبالالتزام خلال الحرب بما يؤدي إلى إنهائها واستعادة السلام. وإذا كانت الحرب علاجا؛ فإن صناعة ظروف السلام وقاية؛ لهذا يركز البروفيسور كادي على أنواع السلامية ويتناولها بالعرض والتحليل.

يستعرض كادي سبعة أنواع للسلامية؛ وهي كالتالي:

– السلامية التداولية (Pragmatic pacifism): وهي أضعف الأنواع؛ إذ لا تعبر عن رفض الحرب من حيث المبدأ؛ بل عن رفضها لأنها لا تناسب الوضع الراهن، ولا تحقق المصلحة والهدف المطلوب. ومتى ما أصبحت الحرب تحقق المنفعة فسيتحول هؤلاء الناشطون إلى مؤيدين للحرب.

– السلامية النووية (Nuclear Pacifism): وهي تلك المعنية بمناهضة الأسلحة النووية، ويتم الالتفات هنا إلى خطورة وبشاعة الحرب النووية في أنها لا تحقق شرطي التمييز والتناسب في إدارة الحرب.

– السلامية التقنية (Technological Pacifism): وتشير أساسا إلى توسع وتطور تقنيات الحرب؛ بحيث أصبحت من الخطورة بمكان أنها يُمكن أن تصنع تدميرا هائلا يفوق الحاجة الفعلية لإحداث الحرب؛ وبالتالي يجب مناهضة أشكال التدمير التقنية التي تضر الفئات والمكونات المحايدة داخل ساحات الحرب.

– السلامية البيئية (Ecological Pacifism): وتُعنى بتأثير الحروب على الأنظمة البيئية والطبيعة والكوكب بشكل عام؛ حيث تأتي مناهضة الحرب على اعتبار ما تخلفه من دمار في البيئة والمياه والهواء والتربة.

– السلامية غير المضبوطة (Fallibility Pacifism): وتشير إلى مناهضة الحروب والعنف؛ على اعتبار أنه من غير الممكن ضبطها وضمان عدم انحرافها وتوسعها؛ وبالتالي عدم القدرة على التحكم فيها. فلا أحد يستطيع أن يتنبأ بما تسفر عنه الحرب بمجرد اشتعالها؛ فمزاجات الناس ووسائل الإعلام والإعلام الجديد وتاريخ الاضطرابات والاختلافات السياسية والاقتصادية والجغرافية بين الأمم؛ كلُّ هذه العناصر تقلل من القدرة على التحكم بمسار الحرب.

– السلامية الجمعية (Collectivist Pacifism): ويُقصد بها تلك الحالة التي تبرر العنف في أوضاع خاصة جدًّا؛ كالعنف الموجَّه ضد مجرم يهدِّد سلامة وأمن المجتمع، وهي بذلك تهدفُ لحماية المجتمع من العنف البيني ومن إضرار الجماعة بنفسها.

– السلامية المطلقة (Absolute Pacifism): وهي التجريم النهائي لكافة أنواع العنف ضد الإنسان، بل وحتى ضد الكائنات الحية الأخرى. مع الالتفات إلى أنَّ كل إنسان يتدرَّج في رفضه للعنف والحروب وفي حب السلام من الحالة التداولية الذرائعية إلى الحالة المطلقة.

وأخيرا.. يُركز الباحث في مقالته على السلام الإيجابي، وهنا ينتقل إلى الفعاليات والمبادرات التي تتجاوز أشكال رفض العنف ومنابذة الحروب؛ فيصل إلى تحقيق التناغم والتعاون والمشاركة في المجتمع؛ حيث تظهر أشكال الانسجام بشكل ذاتي داخل الجماعة لتمتصَّ أوضاع التوتر والشد وعدم الاستقرار داخل الجماعة. ناشطو السلام هنا يعملون على خلق حالة عامة داخل المجتمع من الانسجام والقبول والاحترام المتبادل، وهم يستعينون بالمحتوى الثقافي من موروث وتراث ودين والقيم المشتركة للجماعة لصناعة ممارسات السلام الإيجابي. ويتم التعامل مع الأوضاع التي تسيء إلى هذا السلم الأهلي بشيء من الحزم عبر إنشاء قوانين وأنظمة تجرم السلوكيات التي تهدِّد السلم الداخلي، وفي الوقت ذاته حث وتحفيز الأدوات السلمية لامتصاص أي احتقان داخلي؛ كالحوار والمسيرات الوحدوية. وهنا، يختتمُ الكاتب مقالته بالتأكيد على أنَّ الحالة المثالية للسلام تتحوَّل إلى واقع كلما اتَّضحت معالم حالة الحرب وتعمَّمت؛ فزيادة حوادث العنف مؤشر لضرورة الانتقال بالسلامية من وضعها المثالي لتتحول إلى أفكار ومشاريع يجب أن تنشط في الواقع لتفادي الانقسام والعنف والحرب المدمِّرة.

السلام بين الأفراد ورفض الإساءة (جيسيكا بارك)

Interpersonal Peace & Refusing Abuse – Jessica Park

تسجِّل جيسيكا بارك في مقالتها بعض تجاربها وحياتها الشخصية في الوصول إلى السلام. تتحدَّث جيسيكا عن تجربتها مع العنف في زواجها الأول، الذي كان تجربة قاسية مرَّت بها وخرجت منها أكثر قوة وقناعة بالدور الذي يلعبه تصور الإنسان عن نفسه في صناعة السلام؛ فقد كانت تحمل عن نفسها تصوُّرا أنها تتحمل مسؤولية تصرفات زوجها تجاهها، وما إنْ تقرِّر أنَّ معالجة العنف لا يأتي بمداهنته؛ بل بمواجهته، حتى تكتشف أنَّ طريق السلام بين الأشخاص يبدأ من إعادة توجيه العلاقات معهم باتجاه يمزج الداخل بالخارج؛ فتقرِّر أهم مبدأين جعلاها تتجاوز العنف المفروض عليها من زوجها؛ وهما: عدم السماح للآخر بتعريف ما يجري، وعدم تحميل الذات مسؤولية العنف الذي يمارسه الآخر. وهذا قادها إلى أنَّ الوصول إلى السلام يبدأ أولا من تسمية الظلم وعزله عن السلام، وثانيا من اختبار وفحص الطرق التي من خلالها نسمح لهذا الظلم أن يقع. وهذا لا يعني أنه يجب توبيخ المتسبب؛ بل وضعه أمام مسؤولياته في صنع هذا الظلم.

وهنا، لا تغفل جيسيكا مكونا مهمًّا جدًّا في صناعة السلام بين الأشخاص؛ وهو: التواضع. التواضع يبدأ من معرفة الحدود والإمكانات، ومن ثم إعطاء مساحة للآخرين، وكلُّ ذلك بما يسمح لتأسيس علاقات إيجابية وداعمة للسلام. وهذا هو ما تنتهي إليه الدكتورة والأستاذة الجامعية جيسيكا بارك، من أنَّ العلاقات مع الآخرين تمثل محورا أساسيًّا لصناعة السلام؛ فبالآخر يكتشف الإنسان نفسه، وبالآخر يؤسِّس الإنسان محيطَ السلام من حوله عبر تحقيق التوازن بين الاعتناء بالذات والاعتناء بالآخرين.

السلام الحب والسعادة (أندرو فيالا)

Peace, Love, & Happiness – Andrew Fiala

يتساءل أستاذ الفلسفة بجامعة كاليفورنيا ستيت أندرو فيالا في هذا المقال: هل يُمكن أن يجتمع السلام والحب والسعادة في كيان واحد؟ وبالرغم من أنه ينتهي إلى استحالة ذلك؛ إلا أنه يمر عبر هذا المقال على سلسلة من المشاهدات والاستشهادات على عدم إمكانية اجتماع هذا الثالوث في كيان واحد؛ شخصا كان أو مؤسسة؛ فهو ينطلق من الازدواجية التي تحملها هذه المصطلحات؛ فالحب لا بد أن ينطوي على ألم ما. أحيانا يجب أن نحارب ﻷجل هذا الحب، ونتألم كثيرا عندما نخسر هذا الحب، وتصاحبه مشاعر الغيرة والانتقام. بالمثل مع السلام؛ فلا بد أنه يتطلَّب تقديم تنازلات معينة عن قيم وقوة وممتلكات ليتحقق؛ فهناك ألم مصاحب للسلام. كذلك فإن السعادة تحمل وجهين: الوجه السعيد بتحقيق إنجاز ما، والوجه المقابل الذي خسر وفشل في تحقيق الإنجاز. أكثر من ذلك؛ فإن فيالا يأخذنا في مواقف كثيرة في البوذية والمسيحية نضطر فيها إلى القبول بالألم؛ فنحن من حجم المعاناة التي نشاهدها نضطر إلى التأقلم معها وقبولها، ومن ثم نحاول أن نلجأ إلى الإله، ونتَّحد معه لكي نقلل من هذا الألم. ومن هذا اللجوء والاتحاد، ندخل إلى عالم السلام الذي سيتجسَّد في علاقاتنا مع الآخرين عباد الله. أي نقبل ببعض الألم لنظفر ببعض السعادة. ويجب أن نتخلى عن بعض الطموح ونخضع للسلطة، ونكون على أتم استعداد لخوض حرب ما من أجل أن يستمر السلام.

ثورة داروين (توني فوجال كاري، وأنيكا بينكوف)

Darwin Revolution – Toni Vogel Carey Anika Benkov

خصَّصت المجلة في هذا العدد مقاليْن حول داروين، وتحديدا حول الجدل المستمر الذي أحدثه كتابه “أصل الأنواع” منذ قرن ونصف القرن؛ فالمقال الأول (That Mystery of Mysteries) لتوني فوجال يتساءل حول مصادر داروين في أصل الأنواع، ويستعرض جانبا تاريخيا من الجدل حول أصل فكرة التطور في الكائنات الحية، ومن أين استقاها داروين وصاغها بالشكل الذي سجله في كتابه أصل الأنواع. المقال جزء من حلقة طويلة في الصراع بين الخلقيين والتطوريين؛ حيث كل طرف إما أن يشكك في معايير ومصادر داروين العلمية أو أن يدافع عنها. وهنا يحاول فوجال أن يستعرض طرفا من هذا الصراع، وينطلق بداية من الفلكي الإنجليزي المعاصر لداروين جون هيرتشل، الذي ألهمت أفكاره -حول ظهور واختفاء أنواع الكائنات الحية- داروين في نتائجه عن تطور الأنواع. يُركز فوجال على تباين المواقف تجاه كتاب داروين من قبل معاصريه، ويربط هذا التباين بالجدل الثيولوجي حول الله ودوره في الخلق. ورغم أن داروين أحدث ثورة بنظريته عزَّزت -بشكل واضح- موقف الملحدين والربوبيين بالقرن التاسع عشر الذي أصبح قرن الإيمان بالعلم وقدرته على الإجابة عن كل الأسئلة؛ غير أنَّ القرن العشرين جاء على خلاف ما يشتهي الطبيعيون التطوريون؛ إذ تعزَّزت نزعة الخلقيين ومؤيدي التصميم الذكي في هذا القرن على خلاف توقعات المؤمنين بالتطور. وهنا، لا يُخفي الكاتب أسفه على ذلك حتى لو حاول أن يكون محايدا؛ لينتهي إلى أنه حتى مع كل التقدُّم الذي أحرزته نظرية التطور؛ يجب عدم إغفال أنه لا يمكنها أن تتفوَّق على نظرية التصميم الذكي ذات السطوة والصيت العالمي.

أنيكا بينكوف في المقال الثاني (How Darwin Ruined My Sex Life?) تنقلنا إلى شكل آخر من الثورة التي أحدثها داروين؛ ألا وهي تحديدا في السؤال: “لماذا نمارس الجنس؟”. النقلة التي أحدثها داروين هي في الانتقال من فكرة الجنس كممارسة فيزيائية اجتماعية إلى فكرة الجنس كممارسة شخصية مجرَّدة. هنا ينتقل الحديث -خصوصا منذ ستينيات القرن العشرين، وصولا إلى التسعينيات مع تطور وسائل الاتصالات- من المبرِّرات الخارجية للجنس كحفظ النوع وتكوين الأسرة والصياغة الدينية للجنس، إلى المبرِّرات الداخلية كإثبات الذات وممارسة الغريزة والفطرة والصياغة العلمية البيولوجية للجنس. الجنس يتحوَّل من موضوع لا يُتحدث عنه لأنه حساس ومُخيف إلى موضوع لا يُتحدث عنه لأنه شخصي وخاص. ومن اللغة المباشرة المقننة والمهذبة إلى اللغة المختصرة والرمزية المصورة. وحتى بالرغم أن السؤال “لماذا نمارس الجنس؟” يظل بدون جواب؛ غير أنَّ الكاتبة تركز على أن تغيُّرا ما مُهما وملحوظا حصل في نظرتنا إلى الجنس. والخوف من الحديث عنه انتقل من القلق على المجتمع إلى القلق على الخصوصية والفردانية. الدور الذي لعبه داروين هنا هو أن كتابه “أصل الأنواع” قدَّم اقتراحا بطريقة مختلفة كليًّا في النظر إلى ظهور الأنواع عن طريق الاختيار الطبيعي؛  فلا أهمية للاعتقاد بوجود إله مُهتم للغاية بالإنسان وسعادته؛ فالقوانين هي التي تدير وتنظم كل شيء؛ بما فيها العشوائية نفسها.

3,797 total views, 2 views today