اعداد:
د‭.‬‭ ‬وفاء‭ ‬الشامسي
————————————-
بَدَأ‭ ‬أدبُ‭ ‬الطفلِ‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربيِّ‭ ‬يتَّخذ‭ ‬مكانةً‭ ‬مهمَّة‭ ‬وبارزة‭ ‬ضِمن‭ ‬صُنُوف‭ ‬الأدب‭ ‬المختلفة،‭ ‬وأمسَى‭ ‬الاختصاصُ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬ضرورةً‭ ‬ملحَّةً‭ ‬للكاتب،‭ ‬والفنان،‭ ‬والتربوي‭ ‬ممن‭ ‬يُمَارِس‭ ‬المهام‭ ‬ذات‭ ‬الصِّلات‭ ‬الوثيقة‭ ‬به‭. ‬ومن‭ ‬هُنا،‭ ‬انطلقتْ‭ ‬أعمال‭ ‬ندوة‭ “‬إستراتيجيات‭ ‬تربويَّة‭ ‬لأدب‭ ‬الطفل‭”‬،‭ ‬في‭ ‬صلالة‭ -‬21‭ ‬سبتمبر‭ ‬2018م‭- ‬تحت‭ ‬رعاية‭ ‬المكرَّمة‭ ‬الدكتورة‭ ‬سعاد‭ ‬بنت‭ ‬مُحمَّد‭ ‬اللواتية‭ ‬نائبة‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الدولة،‭ ‬وبتنظيمٍ‭ ‬مُشترك‭ ‬بين‭ ‬مجالس‭ ‬الأثير‭ ‬للمؤتمرات‭ ‬والندوات،‭ ‬والنادي‭ ‬الثقافي‭.‬

وشهدتْ‭ ‬الندوة‭ ‬تقديمَ‭ ‬عديد‭ ‬أوراق‭ ‬العمل،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جلستيْ‭ ‬عمل،‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬الأولى‭ ‬كلٌّ‭ ‬من‭: ‬الفنان‭ ‬العراقي‭ ‬عزيز‭ ‬خيون‭ ‬مُتحدِّثاً‭ ‬عن‭ “‬أهمية‭ ‬مهرجانات‭ ‬مسرح‭ ‬الطفل‭”‬،‭ ‬والأديب‭ ‬عبدالرزاق‭ ‬الربيعي‭ ‬في‭ ‬مداخلة‭ ‬بعنوان‭ “‬توظيف‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬الطفل‭”‬،‭ ‬والفنَّان‭ ‬المسرحي‭ ‬مُحمَّد‭ ‬بن‭ ‬المهندس‭ ‬اليافعي‭ ‬بورقة‭ ‬معنونة‭ ‬بـ‭”‬التجديد‭ ‬الدرامي‭ ‬والمرئي‭ ‬لأدب‭ ‬الطفل‭”‬،‭ ‬والدُّكتورة‭ ‬عزة‭ ‬القصابية‭ ‬بورقة‭ ‬عنوانها‭ “‬القصَّة‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬الطفل‭”.‬

بينما‭ ‬اشتملتْ‭ ‬الجلسة‭ ‬الثّانية‭ ‬على‭ ‬أربع‭ ‬مداخلات؛‭ ‬بدأها‭ ‬الدكتور‭ ‬سعيد‭ ‬السيابي‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬النادي‭ ‬الثقافي‭ ‬مُتحدِّثاً‭ ‬عن‭ “‬أهمية‭ ‬الدراما‭ ‬كوسيلة‭ ‬تربوية‭ ‬وعلاجية‭ ‬للأطفال‭”‬،‭ ‬والورقة‭ ‬الثانية‭ ‬قدمتها‭ ‬الدكتورة‭ ‬وفاء‭ ‬الشامسية‭ ‬بعنوان‭ “‬القيم‭ ‬المضمَّنة‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬لمناهج‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬للصفوف‭ ‬من‭ ‬1‭-‬4‭”. ‬أما‭ ‬الورقة‭ ‬الثالثة،‭ ‬فكانت‭ ‬بعنوان‭ “‬خواطر‭ ‬حول‭ ‬أدب‭ ‬الطفل‭ ‬ونقده‭” ‬قدَّمها‭ ‬الدكتور‭ ‬مُحمَّد‭ ‬الغزي‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬أدب‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬للثقافة‭ ‬والعلوم،‭ ‬واختُتمت‭ ‬الندوة‭ ‬بقراءة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ “‬حكايات‭ ‬جدتي‭” ‬للكاتبة‭ ‬العُمانية‭ ‬خديجة‭ ‬الذهب‭.‬

ولأهميةِ‭ ‬ما‭ ‬قُدِّم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الندوة،‭ ‬سنسلِّط‭ ‬الضوءَ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تقديمه‭ ‬فيها؛‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬يخصُّ‭ ‬الجوانب‭ ‬المسرحية،‭ ‬أو‭ ‬القصصية،‭ ‬أو‭ ‬الدرامية،‭ ‬أو‭ ‬المجال‭ ‬التربوي‭ ‬التعليمي،‭ ‬ومجال‭ ‬التراث‭ ‬المحكي.
‭————————————


توظيف‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬الطفل
عبد الرزاق الربيعي

يُشكِّل‭ ‬التراثُ‭ ‬الشعبيُّ‭ ‬مادةً‭ ‬خَصبة‭ ‬تمدُّ‭ ‬صُنَّاع‭ ‬المسرح‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬والرُّؤى،‭ ‬ويحظى‭ ‬المسرحي‭ ‬الذي‭ ‬يشتغل‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬بتقدير‭ ‬عالٍ؛‭ ‬كونه‭ ‬يُعرِّف‭ ‬بالتراث‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬للخلف‭ ‬من‭ ‬السلف،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يتركه‭ ‬الأجداد‭ ‬للأحفاد‭ ‬من‭ ‬موروثات؛‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مادية‭ ‬كالقطع‭ ‬الأثرية‭ ‬والأزياء‭ ‬والصناعات‭ ‬اليدوية،‭ ‬أو‭ ‬شفهية‭ ‬كالحكايات‭ ‬والأساطير،‭ ‬وثقافية‭ ‬كالقيم‭ ‬والعادات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتقاليد‭ ‬والطقوس‭ ‬والمأكولات‭ ‬الشعبية‭ ‬والرقصات‭ ‬والأمثال‭ ‬السائرة‭ ‬والألعاب‭ ‬والاحتفالات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يُطلق‭ ‬عليه‭ “‬التراث‭ ‬الشعبي‭”. ‬وبذلك؛‭ ‬يُقدِّم‭ ‬المشتغل‭ ‬على‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭ ‬خدمات‭ ‬جليلة‭ ‬للمجتمع،‭ ‬والأجيال‭ ‬الجديدة؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬قيم،‭ ‬وخبرات‭ ‬متراكمة،‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬حيَّة؛‭ ‬كونها‭ ‬تُمثِّل‭ ‬هُوية‭ ‬وطنية،‭ ‬ومصدرَ‭ ‬اعتزاز،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬النشء‭ ‬الجديد،‭ ‬خصوصًا‭ ‬وأنَّ‭ ‬الكثيرَ‭ ‬من‭ ‬الموروثات‭ ‬باتت‭ ‬اليوم‭ ‬مُهدَّدة‭ ‬بالاندثار،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الانفتاح‭ ‬العشوائي‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي،‭ ‬وهبوب‭ ‬رياح‭ ‬العولمة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الاتجاهات؛‭ ‬لذا‭ ‬ينبغِي‭ ‬أخذ‭ ‬الحيطة‭ ‬والحذر،‭ ‬وتكريس‭ ‬الجهود،‭ ‬واتخاذ‭ ‬التدابير‭ ‬اللازمة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الموروثات،‭ ‬والمسرح‭ ‬خيرُ‭ ‬من‭ ‬يَقُوم‭ ‬بهذا‭ ‬الدور‭ ‬الحضاري‭ ‬والواجب‭ ‬الثقافي؛‭ ‬كونه‭ ‬واجهة‭ ‬حضارية‭ ‬تثقيفية،‭ ‬تحملُ‭ ‬خطابًا‭ ‬مُبَاشِرا‭ ‬للجمهور‭. ‬
وقد‭ ‬احتلَّ‭ ‬المسرحُ‭ ‬مكانةً‭ ‬في‭ ‬حياةِ‭ ‬الشُّعوب‭ ‬منذ‭ ‬نَشْأَته‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬في‭ ‬اليونان،‭ ‬أيام‭ ‬ازدهار‭ ‬الحضارة‭ ‬الإغريقية‭ ‬والرومانية،‭ ‬وظلَّ‭ ‬يمتلك‭ ‬تأثيرا‭ ‬على‭ ‬الجمهور‭ ‬الواسع،‭ ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬رسائله‭ ‬الجمالية‭ ‬له‭ ‬أهداف‭ ‬تربوية؛‭ ‬فالمسرح‭ -‬كما‭ ‬يقول‭ ‬مارك‭ ‬توين‭- “‬أقوى‭ ‬معلم‭ ‬للأخلاق،‭ ‬وخير‭ ‬دافع‭ ‬للسلوك‭ ‬الطيب؛‭ ‬فدروسه‭ ‬لا‭ ‬تلقن‭ ‬بالكتب،‭ ‬بل‭ ‬بالحركة‭ ‬المنظورة‭”. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬لمسرح‭ ‬الطفل‭ ‬أهدافٌ‭ ‬توجيهية‭ ‬وترفيهية؛‭ ‬فهو‭ ‬يوسع‭ ‬مدارك‭ ‬الطفل،‭ ‬ويحبِّب‭ ‬إليه‭ ‬سلوكيات‭ ‬معينة،‭ ‬ويُثرِي‭ ‬مداركه،‭ ‬ويعرِّفه‭ ‬بالأزياء،‭ ‬والديكورات،‭ ‬فيوسِّع‭ ‬أفقه،‭ ‬ويجعله‭ ‬يعيش‭ ‬أجواءً‭ ‬ساحرة،‭ ‬ويقدم‭ ‬مسرح‭ ‬الطفل‭ ‬مادةً‭ ‬مُحبَّبة‭ ‬لجمهور‭ ‬الأطفال؛‭ ‬كونه‭ ‬يعزف‭ ‬على‭ ‬قواسم‭ ‬مُشتَرَكة‭ ‬بين‭ ‬المحيط‭ ‬والجمهور‭ ‬المستهدف،‭ ‬وتتمثَّل‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭ ‬في‭: ‬الأغاني،‭ ‬والحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬والألعاب،‭ ‬والفنون‭ ‬الشعبية،‭ ‬والأحاجي‭.‬
وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬ثلاثة‭ ‬اتجاهَات‭:‬
‭- ‬الأول‭: ‬يُقدِّم‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭ ‬كما‭ ‬هي؛‭ ‬ناظرا‭ ‬إليها‭ ‬بعَيْن‭ ‬التقديس‭.‬
‭- ‬الثاني‭:‬‭ ‬يُضِيف‭ ‬إليها،‭ ‬أو‭ ‬يحذف‭ ‬منها،‭ ‬وهذا‭ ‬مرفوضٌ‭ ‬من‭ ‬البعض‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬تلاعبًا،‭ ‬وتشويشًا‭ ‬على‭ ‬ذائقة‭ ‬المتلقي،‭ ‬الذي‭ ‬يُريد‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭ ‬كما‭ ‬هي‭.‬
‭- ‬الثالث‭:‬‭ ‬يُركِّز‭ ‬على‭ ‬قِيمة‭ ‬مُعيَّنة،‭ ‬ويقوم‭ ‬بإبرازها،‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاجها‭ ‬وفق‭ ‬رُؤية‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الحاضر،‭ ‬وإخراجها‭ ‬من‭ ‬حالتها‭ ‬الجامدة‭ ‬التي‭ ‬تكلست‭ ‬عليها‭ ‬طبقات‭ ‬بفعل‭ ‬التقادُم‭ ‬وحركة‭ ‬الزمن،‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬تتفاعُل‭ ‬مع‭ ‬مُتغيِّرات‭ ‬العصر‭.‬
ومعروفٌ‭ ‬عن‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬العُماني‭ ‬ثراؤه،‭ ‬هذا‭ ‬الثراء‭ ‬حفَّز‭ ‬الكثيرَ‭ ‬من‭ ‬المُشتغلين‭ -‬في‭ ‬المجالات‭ ‬عامة؛‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬المسرح‭- ‬على‭ ‬استثماره،‭ ‬وتوظيفه‭ ‬في‭ ‬أعمالهم؛‭ ‬بهدف‭ ‬إحياء‭ ‬هذا‭ ‬الموروث،‭ ‬وتحفيز‭ ‬المشتغلين‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬العُماني‭ ‬إلى‭ ‬غِناه‭.‬
مِنَ‭ ‬الضَّروري‭ ‬الالتفات‭ ‬للموروث،‭ ‬وتجسيدُه‭ ‬على‭ ‬خَشبة‭ ‬المسرح،‭ ‬بمنطقِ‭ ‬الطفلِ‭ ‬وليس‭ ‬بمنطقِ‭ ‬الكِبَار،‭ ‬كما‭ ‬يُؤكِّد‭ ‬المشتغلون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬قراءته،‭ ‬مع‭ ‬إدراك‭ ‬كيفية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬عناصره،‭ ‬وعلى‭ ‬المشتغل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬بالمسرح‭ ‬اختيار‭ ‬المادة‭ ‬التراثية،‭ ‬وفحص‭ ‬أبعادها،‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬جوانبها‭ ‬الإيجابية‭ ‬والسلبية،‭ ‬ثم‭ ‬القيام‭ ‬بتصفيتها،‭ ‬وتقديمها‭ ‬بقالب‭ ‬يعتمدُ‭ ‬على‭ ‬التشويق‭ ‬لجذب‭ ‬انتباه‭ ‬الطفل،‭ ‬والشد‭ ‬البصري‭ ‬والسمعي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الموسيقى‭ ‬والرقصات‭ ‬والأغاني،‭ ‬والأزياء،‭ ‬والديكورات‭ ‬اللافتة‭ ‬للأنظار،‭ ‬بلغةٍ‭ ‬سهلةٍ‭ ‬قريبةٍ‭ ‬من‭ ‬مَدَاركه‭ ‬وجُمل‭ ‬قصيرة‭.‬
————————————-


القصة‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬الطفل
د‭. ‬عزة‭ ‬القصابية
تُعدُّ‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬صُنع‭ ‬الإبداع‭ ‬في‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬والفنية‭. ‬وبدونها،‭ ‬يتحوَّل‭ ‬العمل‭ ‬الإبداعي‭ ‬إلى‭ ‬قالب‭ ‬أجوف،‭ ‬لا‭ ‬معنى‭ ‬له،‭ ‬ويفتقد‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الإحساس‭ ‬الإنساني‭. ‬ومسرح‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أنواع‭ ‬المسارح‭ ‬التي‭ ‬تحتفِي‭ ‬بالقصة‭ -‬بأنواعها‭: ‬المروية‭ ‬والمصورة‭- ‬كونه‭ ‬يُخَاطِب‭ ‬عقلية‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬تُطْرِبه‭ ‬القصة‭ ‬وأحداثها‭ ‬المثيرة‭ ‬ضمن‭ ‬خياله‭ ‬الخصب‭.‬

ورَغْم‭ ‬أهمية‭ ‬فن‭ ‬مسرح‭ ‬الطفل‭ ‬ودوره‭ ‬الفاعل،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الإنتاج‭ ‬المسرحي‭ ‬يقف‭ ‬متواضعا‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬النتاجات‭ ‬الفنية‭ ‬والأدبية‭ ‬التي‭ ‬تُقدَّم‭ ‬للبالغين‭.‬

أمَّا‭ ‬عن‭ ‬مسرح‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان،‭ ‬فهو‭ ‬شحيحُ‭ ‬الظهور،‭ ‬ويقتصر‭ ‬وجودُه‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬المسرح‭ ‬المدرسي،‭ ‬لنُدْرَة‭ ‬الجهات‭ ‬الراعية‭ ‬لهذا‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬يخص‭ ‬الصغار‭. ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬اهتمام‭ ‬لقدر‭ ‬لهذا‭ ‬المسرح‭ ‬أن‭ ‬يسير‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬مسرح‭ ‬الكبار‭ ‬في‭ ‬النهوض‭ ‬بالثقافة‭ ‬المسرحية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

ويُعدُّ‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مسرح‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬المعقدة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬جهودًا‭ ‬حثيثة‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قطاع؛‭ ‬مثل‭: ‬علم‭ ‬النفس،‭ ‬والتربية،‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع،‭ ‬وعلم‭ ‬اللغة،‭ ‬إضافة‭ ‬لمُتخصِّصين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬اللعب‭ ‬الحركي؛‭ ‬لذلك‭ ‬نأمل‭ ‬أنْ‭ ‬نرى‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬تعمل‭ ‬سويا‭ ‬نحو‭ ‬تأسيس‭ ‬وتكوين‭ ‬مسرح‭ ‬للطفل‭ ‬مُتعدد‭ ‬الطاقات،‭ ‬يمكن‭ ‬استثمارها‭ ‬وتشكيلها‭ ‬بأسلوب‭ ‬جمالي‭ ‬وفني‭ ‬راق‭.‬
‭————————————


أهمية‭ ‬الدراما‭ ‬كوسيلة‭ ‬تربوية‭ ‬وعلاجية‭ ‬للأطفال
الدكتور‭ ‬سعيد‭ ‬السيابي
هُنَاك‭ ‬أنواعٌ‭ ‬دراميَّة‭ ‬معروفة؛‭ ‬مثل‭: ‬الدراما‭ ‬التليفزيونية‭ ‬والاذاعية‭ ‬والسينمائية‭ ‬والإعلانية‭ ‬والمسرح،‭ ‬وما‭ ‬يَهمُّنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬أهمية‭ ‬المسرح‭ ‬كوسيلة‭ ‬تربوية‭ ‬وعلاجية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأطفال‭. ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬معلوم،‭ ‬تنبُع‭ ‬ميزته‭ ‬من‭ ‬كَوْنِه‭ ‬فنًّا‭ ‬مباشرًا‭ ‬وتفاعلًا‭ ‬مُباشرًا‭ ‬بين‭ ‬الجمهور‭ ‬والممثل؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عروض‭ ‬مسرحية‭ ‬حية‭ ‬ومباشرة،‭ ‬والإنسان‭ ‬الممثل‭ ‬كعنصر‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬العرض،‭ ‬فيكون‭ ‬التأثير‭ ‬مباشرًا‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬فاصل‭ ‬بين‭ ‬الطفل‭ ‬المشاهد‭ ‬والممثل؛‭ ‬لذا‭ ‬يكون‭ ‬أقوى‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬من‭ ‬الفنون‭ ‬الأخرى‭.‬

إنَّ‭ ‬المسرح‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الفنون؛‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنَّه‭ ‬يجمع‭ ‬فنونًا‭ ‬عديدة‭: ‬الكتابة،‭ ‬والتمثيل،‭ ‬والإخراج،‭ ‬والتصميم،‭ ‬والموسيقى،‭ ‬والعمارة،‭ ‬والبناء،‭ ‬والإضاءة،‭ ‬وفن‭ ‬المكياج‭ ‬والأزياء‭. ‬لذا‭ ‬العمل‭ ‬المسرحي‭ ‬يتطلب‭ ‬فريقَ‭ ‬عمل،‭ ‬وهذا‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭ ‬هو‭ ‬ميزة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬ذاته‭. ‬لتقديم‭ ‬عرض‭ ‬مسرحي‭ ‬يشترك‭ ‬المؤلف،‭ ‬والمخرج،‭ ‬والممثل،‭ ‬ومصمم‭ ‬الديكور،‭ ‬ومصمم‭ ‬الأزياء،‭ ‬والموسيقي‭.. ‬وغيرهم‭. ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭ ‬يجعل‭ ‬الطفل‭ ‬والفنان‭ ‬المسرحي‭ ‬ينسجمان‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬ويتحلى‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬بأخلاق‭ ‬التعاون‭ ‬والإيثار‭ ‬ونبذ‭ ‬الأنانية‭ ‬والفردية‭. ‬إن‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الجوانب‭ ‬التربوية‭ ‬لدراما‭ ‬الطفل‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أنْ‭ ‬تمدَّ‭ ‬الأطفال‭ ‬بطرق‭ ‬مميزة‭ ‬ومتعددة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬مواهبهم‭ ‬التشاركية‭ ‬والتفاعلية‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يُقدَّم‭ ‬لهم‭ ‬وبهم؛‭ ‬فعندما‭ ‬يشترك‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭ ‬والإعداد‭ ‬للعمل‭ ‬الدرامي،‭ ‬فهم‭ ‬يكونون‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التعليم‭ ‬والتعلم،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكُونوا‭ ‬مُستقبلين‭ ‬فقط‭ ‬فيها‭. ‬كذلك‭ ‬الدراما‭ ‬توظف‭ ‬عقول‭ ‬الأطفال‭ ‬وإمكانياتهم،‭ ‬وتدفعهم‭ ‬للخروج‭ ‬بردة‭ ‬فعل‭ ‬خاصة‭ ‬تتم‭ ‬بلورتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وسائل‭ ‬قريبة‭ ‬منهم،‭ ‬وبدورها‭ ‬تُسْهِم‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تعكس‭ ‬شخصيتهم‭ ‬ومواهبهم‭ ‬الفنية‭ ‬المختلفة‭. ‬وتشجع‭ ‬الدراما‭ ‬الأطفال‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬مشاركين‭ ‬نشيطين‭ ‬في‭ ‬عالمهم،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬مجرَّد‭ ‬مُرَاقبين‭ ‬لما‭ ‬يدور‭ ‬فيه‭. ‬لذا؛‭ ‬يرى‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬النفس‭ ‬أنَّ‭ ‬الدراما‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬لتحقيق‭ ‬الشفاء‭ ‬النفسي‭ ‬من‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭: ‬كالخجل،‭ ‬والانطواء،‭ ‬وعيوب‭ ‬النطق،‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬مُوَاجهة‭ ‬الناس؛‭ ‬فقيام‭ ‬الأطفال‭ ‬بتمثيل‭ ‬دور‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المسرحيات،‭ ‬أو‭ ‬قيامهم‭ ‬بمشاهدتها،‭ ‬يُؤدِّي‭ ‬ذلك‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬التوتر‭ ‬النفسي،‭ ‬وتخفيف‭ ‬هذه‭ ‬الانفعالات‭ ‬المكبوتة‭. ‬فالتنفيذ‭ ‬الدرامي‭ ‬يعتمد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬الجسم‭ ‬والإشارات‭ ‬وتعبيرات‭ ‬الوجه‭ ‬وطريقة‭ ‬الكلام‭ ‬واللغة،‭ ‬وجميع‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬دراما‭ ‬الطفل‭ ‬وسيلة‭ ‬ذات‭ ‬قوة‭ ‬تربوية‭ ‬وعلاجية‭ ‬مهمة‭ ‬للتثقيف‭ ‬والتأثير‭ ‬والتوجيه،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الترويح‭ ‬والتسلية‭ ‬الهادفة‭. ‬لهذا؛‭ ‬ندعو‭ ‬لضرورة‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬الدراما‭ ‬بكل‭ ‬أنواعها،‭ ‬واعتمادها‭ ‬في‭ ‬مناهجنا‭ ‬التربوية،‭ ‬وتوظيفها‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التربوية؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الإمكانيات‭ ‬الدرامية‭ ‬التي‭ ‬تُقدَّم‭. ‬وبدورها،‭ ‬تقوم‭ ‬الدراما‭ ‬بغرس‭ ‬القيم‭ ‬الاسلامية‭ ‬الأصيلة،‭ ‬والسلوكيات‭ ‬القويمة،‭ ‬واستشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬بتقنياته‭ ‬الجديدة‭.‬
‭————————————


القيم‭ ‬المضمَّنة‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬لمناهج‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬للصفوف
د‭. ‬وفاء‭ ‬الشامسي
القِيَم‭ ‬دَوَافِع‭ ‬مُحرِّكة‭ ‬لسُلوك‭ ‬الفرد،‭ ‬ومُحدِّدة‭ ‬له،‭ ‬ولها‭ ‬أثرٌ‭ ‬فعَّال‭ ‬في‭ ‬تكامُل‭ ‬شخصيته‭. ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬اتساقَ‭ ‬نظام‭ ‬القيم‭ ‬لدى‭ ‬الفرد‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬ذو‭ ‬شخصية‭ ‬سليمة،‭ ‬بينما‭ ‬تؤدي‭ ‬الصراعات‭ ‬في‭ ‬نظامه‭ ‬القِيمي‭ ‬إلى‭ ‬اضطرابات‭ ‬عصابية‭. ‬والفردُ‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬عضوٌ‭ ‬في‭ ‬مجتمع،‭ ‬ولكي‭ ‬يتمكَّن‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع،‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتبنى‭ ‬نظامَ‭ ‬القِيَمِ‭ ‬السائدَ‭ ‬فيه‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬للفرد‭ ‬أن‭ ‬يتحدى‭ ‬ذلك‭ ‬النظام؛‭ ‬إذ‭ ‬المُصْلِح‭ ‬الناجح‭ ‬عادة‭ ‬هو‭ ‬فرد‭ ‬يُشَارِك‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬قِيَم‭ ‬جماعته،‭ ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬هذه‭ ‬المشاركة‭ ‬يمكنه‭ ‬الاتصال‭ ‬بهم‭ ‬لكي‭ ‬يُبشر‭ ‬بقيم‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬لها‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬التغيير‭ ‬الاجتماعي‭. ‬وتُعَد‭ ‬هذه‭ ‬التغييرات‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬محاولة‭ ‬ناجحة‭ ‬للتطور‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬تصوغ‭ ‬الفلسفة‭ ‬التربوية‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أهداف،‭ ‬وتطرحها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬المدرسة‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والثقافة،‭ ‬تبعاً‭ ‬لإيمانها‭ ‬المطلق‭ ‬بأنَّ‭ ‬القيم‭ ‬ليست‭ ‬فطرية،‭ ‬بل‭ ‬مُكتسبة‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬التعلُّم‭.‬
ويعتمدُ‭ ‬شكلُ‭ ‬مستقبل‭ ‬أيِّ‭ ‬مُجتمع‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬يختارها،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬تقدم‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬القيم‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬أدق‭ ‬وظائف‭ ‬الثقافة؛‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬تقدُّم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬حتى‭ ‬مُتطلَّبات‭ ‬الأداء‭ ‬الوظيفي‭ ‬والمشاركة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتزدادُ‭ ‬أهمية‭ ‬القيم‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬تشكيلها،‭ ‬بسبب‭ ‬حاجة‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر‭ ‬إلى‭ ‬الإحساس‭ ‬العميق‭ ‬بهُويته‭ ‬وانتمائه‭ ‬لبلده؛‭ ‬وذلك‭ ‬لما‭ ‬نراه‭ ‬من‭ ‬الانفتاح‭ ‬والثورة‭ ‬المدنية،‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬لانهيار‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬تحكُم‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات،‭ ‬والسبب‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭ ‬اختلاط‭ ‬القيم‭ ‬العالمية‭ ‬الأصيلة‭ ‬إيجاباً‭ ‬وسلباً‭. ‬وهنا،‭ ‬يأتي‭ ‬دَوْر‭ ‬الجهود‭ ‬الجماعية‭ ‬للإبقاء‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬الإيجابية‭ ‬وجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬ومحو‭ ‬القيم‭ ‬السلبية‭ ‬وآثارها؛‭ ‬إبقاءً‭ ‬للنوع‭ ‬البشري‭ ‬ورقيه ‭ )‬الخوالدة‭ ‬والشوحة،‭ ‬2005م‭(.
وتتحمَّل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية‭ ‬مسؤولية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬النظام‭ ‬القيمي‭ ‬لدى‭ ‬طلابها؛‭ ‬لذا‭ ‬ينبغِي‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬وضوح‭ ‬الأحكام‭ ‬القيمية‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬أي‭ ‬مؤسسة‭ ‬تعليمية‭ ‬لإكسابها‭ ‬لطلابها،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬المؤسسة‭ ‬ورسالتها‭ ‬المُعلنة‭ )‬دوفر‭ ‬وإيكر،‭ ‬2001م)‭.‬
والعلاقة‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬والتربية‭ ‬وثيقة‭ ‬الصلة؛‭ ‬فالقيم‭ ‬أهدافٌ‭ ‬نسعى‭ ‬لتحقيقها،‭ ‬والتربية‭ ‬منفذة‭ ‬لهذه‭ ‬الأهداف‭ (‬نشواتي،‭ ‬2003م‭)‬،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬المناهج‭ ‬التربوية‭ ‬تتضمَّن‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ -‬بما‭ ‬تحويه‭ ‬من‭ ‬قِيَم‭ ‬واتجاهات‭ ‬وعمليات‭ ‬ومهارات‭ ‬ومعارف‭- ‬ كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬الأحكام‭ ‬القيمية‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬إكسابها‭ ‬للناشئة‭ )‬عكور،‭ (‬2002‭. ‬Beauchamp,1996‭.‬
وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬الكتاب‭ ‬المدرسي‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التعليم‭ ‬والتعلم،‭ ‬ودَوْره‭ ‬البارز‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬المنهاج،‭ ‬فقد‭ ‬ازداد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بتحليله‭ ‬وتقويمه،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تخضع‭ ‬كتب‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وكتب‭ ‬الصفوف‭ ‬الأولى‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬للتحليل‭ ‬وللتقويم؛‭ ‬من‭ ‬حيث‭: ‬ملاءمة‭ ‬محتواها‭ ‬لمستوى‭ ‬الطلاب‭ ‬العمري‭ ‬والعقلي،‭ ‬وطبيعة‭ ‬المعارف‭ ‬التي‭ ‬تتضمنها،‭ ‬والقيم‭ ‬والاتجاهات‭ ‬التي‭ ‬توجههم‭. ‬ونظرًا‭ ‬لما‭ ‬لكتب‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬بارزة‭ ‬بين‭ ‬الكتب‭ ‬المدرسية‭ ‬المختلفة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬أم‭ ‬العلوم‭ ‬والوعاء‭ ‬الذي‭ ‬نقدم‭ ‬به‭ ‬المعارف‭ ‬للطلاب؛‭ ‬فمن‭ ‬المُتوقَّع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬بارز‭ ‬وإسهام‭ ‬متميز‭ ‬في‭ ‬تزويدهم‭ ‬بالقيم‭ ‬المتنوعة؛‭ ‬فهي‭ ‬مجال‭ ‬واسع‭ ‬للتنوع‭ ‬في‭ ‬الموضوعات،‭ ‬ومن‭ ‬أكثرها‭ ‬تنوعاً‭ ‬واستجابة‭ ‬لتضمين‭ ‬موضوعات‭ ‬تشتمل‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬المختلفة،‭ ‬وتزداد‭ ‬الإمكانات‭ ‬التي‭ ‬تُؤدِّيها‭ ‬كُتب‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬غرس‭ ‬القيم؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬تتضمَّنه‭ ‬من‭ ‬حقائق‭ ‬وقيم‭ ‬وسلوكيات،‭ ‬والحكم‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ما‭ ‬تسهم‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬تزويد‭ ‬الطلاب‭ ‬من‭ ‬معلومات‭ ‬ومهارات‭ ‬وقيم‭ ‬تتطلب‭ ‬تحليل‭ ‬ما‭ ‬تحتويه‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬من‭ ‬قيم‭ (‬مقابلة،‭ ‬والبشايرة،‭ ‬2007‭).‬
إنَّ‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬اقترحها‭ ‬تصنيف‭ “‬وايت‭” ‬المطوَّر‭ ‬تقع‭ ‬ضمن‭ ‬ثماني‭ ‬مجموعات؛‭ ‬هي‭:‬
‭- ‬ مجموعة‭ ‬القيم‭ ‬الاجتماعية‭:‬‭ ‬ وحدة‭ ‬الجماعة،‭ ‬الظرْفُ‭ ‬واللطافة،‭ ‬قواعد‭ ‬السلوك،‭ ‬التواضع،‭ ‬المماثلة ‭ )‬التشبه)‭‬،‭ ‬الكرم‭ ‬والعطاء،‭ ‬التسامح‭ ‬وحب‭ ‬الناس‭ )‬الجنس‭ ‬الآخر،‭ ‬الصداقة)‭.
‭- ‬مجموعة‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭:‬‭ ‬الأخلاق،‭ ‬الصدق،‭ ‬العدالة،‭ ‬الطاعة‭ ‬والدين‭.‬
‭- ‬مجموعة‭ ‬القيم‭ ‬القومية‭/‬الوطنية‭: ‬الوطنية،‭ ‬حرية‭ ‬الوطن‭ ‬ووحدة‭ ‬الأقطار‭ ‬المجزأة‭ ‬(عربية،‭ ‬غير‭ ‬عربية)‭. ‬
‭- ‬مجموعة‭ ‬القيم‭ ‬الجسمانية‭: ‬الطعام،‭ ‬الراحة،‭ ‬النشاط،‭ ‬الصحة‭ ‬وسلامة‭ ‬الجسم‭ ‬والرفَاهِيَة‭. ‬
‭- ‬مجموعة‭ ‬القيم‭ ‬الترويحية‭ ‬(التسلية،‭ ‬اللعِب): ‬الخبرة‭ ‬الجديدة،‭ ‬الإثارة،‭ ‬الجمال،‭ ‬المرح‭ ‬والتعبير‭ ‬الذاتي‭ ‬المبدع‭.‬
‭- ‬مجموعة‭ ‬قيم‭ ‬تكامُل‭ ‬الشخصية‭: ‬التكيف‭ ‬والأمن‭ ‬الانفعالي،‭ ‬السعادة،‭ ‬التحصيل‭ ‬والنجاح،‭ ‬التقدير،‭ ‬اعتبار‭ ‬الذات‭ ‬(احترام‭ ‬الذات)‭‬،‭ ‬السيطرة‭ ‬(التسلط)،‭ ‬العدوان،‭ ‬القوة،‭ ‬التصميم،‭ ‬الحرص‭ ‬والانتباه،‭ ‬استقلال‭ ‬الفرد‭ ‬وأخيراً‭ ‬المظهر‭.‬
‭- ‬مجموعة‭ ‬القيم‭ ‬المعرفية‭/‬الثقافية‭: ‬المعرفة،‭ ‬الذكاء‭ ‬والثقافة‭.‬
‭- ‬مجموعة‭ ‬القيم‭ ‬العملية‭ ‬الاقتصادية‭: ‬العملية‭) ‬الواقعية‭ ‬،‭( ‬الضمان‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬الملكية‭ ‬العامة‭ ‬والمعاملات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف،‭ ‬استندتْ‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬القيم،‭ ‬والتعرُّف‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رصدها،‭ ‬وتحديد‭ ‬مجالها،‭ ‬ومعدل‭ ‬تكرارها‭. ‬حيث‭ ‬اعتمدت‭ ‬مصطلح‭ ‬القيم‭ ‬التربوية‭ -‬والذي‭ ‬يُقصد‭ ‬به‭: ‬مجموعة‭ ‬المعايير‭ ‬والمبادئ‭ ‬التي‭ ‬يكتسبها‭ ‬التلاميذ،‭ ‬لتوجيه‭ ‬سلوكهم‭ ‬وممارساتهم‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭- ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬توظيفها‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬أحكامهم‭ ‬القيمية‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬والأقوال‭ ‬والأفعال‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية؛‭ ‬وهي‭:‬
القيم‭ ‬العقائدية‭:‬ تتضمن ‬موضوعات‭ ‬العقيدة‭ ‬الإسلامية‭ ‬(الشهادتان،‭ ‬أسماء‭ ‬الله‭ ‬الحسنى،‭ ‬صفات‭ ‬الله‭ ‬وقدرة‭ ‬الله‭ ‬وعظمته)‭‬،‭ ‬وموضوعات‭ ‬عن‭ ‬الرسول‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام ‭ )‬نشأته،‭ ‬حياته‭ ‬وصفاته)‭.‬
القيم‭ ‬التعبُّدية‭:‬‭ ‬الدعاء،‭ ‬الصلاة،‭ ‬الصيام،‭ ‬الزكاة،‭ ‬حج‭ ‬البيت،‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وتلاوته‭ ‬والإنصات‭ ‬له،‭ ‬البسملة‭ ‬والحمد‭ ‬والشكر‭.‬
القيم‭ ‬الشخصية‭:‬‭ ‬تتمحور‭ ‬حول‭ ‬أخلاق‭ ‬الطفل‭ ‬الشخصية‭ ‬من‭ ‬نظافة،‭ ‬واهتمام‭ ‬بالصحة،‭ ‬وحب‭ ‬العلم،‭ ‬والوطن،‭ ‬وحب‭ ‬المدرسة،‭ ‬والصدق،‭ ‬والأمانة،‭ ‬والنظام،‭ ‬والبيئة،‭ ‬والرياضة،‭ ‬والتأدب‭.. ‬إلخ‭.‬
القيم‭ ‬الاجتماعية‭: ‬تتمثَّل‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الطفل‭ ‬بوالديه،‭ ‬والإحسان‭ ‬للجار،‭ ‬واحترام‭ ‬الناس‭ ‬ومساعدتهم،‭ ‬وصلة‭ ‬الرحم‭ ‬والعطف‭ ‬والرحمة،‭ ‬والتعاون،‭ ‬والمشاركة،‭ ‬وآداب‭ ‬الزيارة،‭ ‬والكرم،‭ ‬والصفح،‭ ‬والاعتذار‭..‬إلخ‭.‬
القيم‭ ‬الوطنية‭:‬‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بحب‭ ‬الوطن‭ ‬والاعتزاز‭ ‬به،‭ ‬والمحافظة‭ ‬عليه،‭ ‬وذكر‭ ‬رموزه،‭ ‬وأبطاله،‭ ‬ومعالمه،‭ ‬وإنجازاته،‭ ‬والدفاع‭ ‬عنه،‭ ‬والتضحية‭ ‬والفداء‭ ‬في‭ ‬سبيله‭.‬
وقد‭ ‬جَاء‭ ‬توزيع‭ ‬النُّصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬موضوع‭ ‬البحث‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭:‬
×‭ ‬في‭ ‬مِنْهَاج‭ ‬الصف‭ ‬الأول‭: ‬خمسة‭ ‬نصوص‭ ‬شعرية‭.‬
×‭ ‬في‭ ‬مِنْهَاج‭ ‬الصف‭ ‬الثاني‭: ‬خمسة‭ ‬نصوص‭ ‬شعرية
×‭ ‬في‭ ‬مِنْهَاج‭ ‬الصف‭ ‬الثالث‭: ‬تسعة‭ ‬نصوص‭ ‬شعرية،‭ ‬وأخرى‭ ‬نثرية‭.‬
×‭ ‬في‭ ‬مِنْهَاج‭ ‬الصف‭ ‬الرابع‭: ‬تسعة‭ ‬نصوص‭ ‬شعرية،‭ ‬مقابل‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬نصًّا‭ ‬نثريًّا‭.‬
وبعد‭ ‬رَصْد‭ ‬توزيع‭ ‬القيم‭ ‬وتكرارها‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬المشار‭ ‬إليها‭ ‬سابقاً،‭ ‬فقد‭ ‬جاءتْ‭ ‬القِيَم‭ ‬الشخصية‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى،‭ ‬تلتها‭ ‬القيم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وجاءت‭ ‬القيم‭ ‬الوطنية‭ ‬ثالثاً،‭ ‬بينما‭ ‬جاءت‭ ‬القيم‭ ‬العقائدية‭ ‬رابعاً،‭ ‬واحتلت‭ ‬القيم‭ ‬التعبُّدية‭ ‬المستوى‭ ‬الخامس‭. ‬وقد‭ ‬أكَّدت‭ ‬الباحثة‭ ‬أهمية‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬طفل‭ ‬اليوم؛‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الكتاب‭ ‬منافساً‭ ‬جاذباً‭ ‬للطفل‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬سيطرة‭ ‬الوسيط‭ ‬الذكي‭ ‬على‭ ‬اهتمام‭ ‬الأطفال‭.‬
‭————————————


خواطر‭ ‬حول‭ ‬أدب‭ ‬الأطفال
د‭. ‬مُحمَّد‭ ‬الغزي

ما‭ ‬فَتِئت‭ ‬أقبل‭ ‬على‭ ‬أدب‭ ‬الطفولة‭ ‬أقرؤه‭ ‬بشغف‭ ‬وحب‭ ‬كبيرين،‭ ‬فأنا‭ ‬أزعم‭ ‬أن‭ ‬أدب‭ ‬الطفولة‭ ‬هو‭ ‬النوع‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬رديف‭ ‬الحلم‭ ‬والدهشة‭ ‬والغرابة‭ ‬فيما‭ ‬أصبحت‭ ‬كل‭ ‬الأنواع‭ ‬الأدبية‭ ‬الأخرى‭ -‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الشعر‭- ‬قرينة‭ ‬التأمُّل‭ ‬والتفكُّير‭ ‬وكد‭ ‬الذهن‭.‬
هل‭ ‬أقول‭ ‬إنَّ‭ ‬كُتَّاب‭ ‬القصص‭ ‬هم‭ ‬صُنَّاعُ‭ ‬أساطيرنا‭ ‬الجديدة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقدت‭ ‬الأساطير‭ ‬القديمة‭ ‬دورها‭ ‬وانطفأ‭ ‬بريقها‭ ‬الأول؟
هل‭ ‬أقول‭ ‬إنَّهم‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يُصر‭ ‬على‭ ‬إخراج‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬زمنِ‭ ‬اللوغوس‭ ‬وإعادته‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬الميثوس؟
مَهْمَا‭ ‬تكُن‭ ‬إجابتنا‭ ‬فإنَّ‭ ‬أدبَ‭ ‬الطفل‭ ‬ما‭ ‬فَتِئ‭ ‬يغنم‭ ‬مساحات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية،‭ ‬ويغنم‭ ‬متقبلين‭ ‬جُدد‭ ‬يحتفون‭ ‬به‭ ‬ويقبلون‭ ‬عليه‭. ‬لكن‭ ‬رغم‭ ‬ذلك‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬الأدبي‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الأدب،‭ ‬يصبُو‭ ‬إلى‭ ‬شرعية‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬بعد‭.. ‬فلم‭ ‬تنفتح‭ ‬له‭ ‬حلقات‭ ‬البحث،‭ ‬ولم‭ ‬تحتفِ‭ ‬به‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية،‭ ‬ولم‭ ‬تحتضنه‭ ‬الجامعات‭!!!!‬
والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬نُرِيد‭ ‬أن‭ ‬نُثِيره‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭: ‬لماذا‭ ‬ظلت‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬تُهوِّن‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬هذا‭ ‬الأدب؟
لا‭ ‬نَستَطيع‭ ‬بأية‭ ‬حال‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة،‭ ‬أن‭ ‬نُلم‭ ‬بكلِّ‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬جَعَلت‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬لا‭ ‬يَحْظَى‭ ‬بما‭ ‬يحظى‭ ‬به‭ ‬قرينه‭ ‬الفرنسي‭ ‬أو‭ ‬الإنجليزي‭ ‬من‭ ‬احتفاء‭ ‬وتكريم؛‭ ‬بحيث‭ ‬فُتِحت‭ ‬له‭ ‬أبوابُ‭ ‬الجامعات،‭ ‬وباتتْ‭ ‬نماذجُه‭ ‬العُليا‭ ‬محاورَ‭ ‬المحاضرات‭ ‬والرسائل‭ ‬الجامعية‭.‬
وهُنا‭.. ‬سنكتفي‭ ‬بظواهر‭ ‬ثلاث‭ ‬قد‭ ‬تُفسِّر‭ ‬إعراضَ‭ ‬الساحة‭ ‬الأدبية‭ ‬عن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بهذا‭ ‬الأدب‭. ‬
الظاهرة‭ ‬الأولى‭:‬‭ ‬انصراف‭ ‬نُقَّادنا‭ ‬عن‭ ‬قراءة‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬وتقييمه‭.‬
جليٌّ‭ ‬أنَّ‭ ‬نُقَّادَنا‭ ‬تنكبوا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬فلم‭ ‬يُولوه‭ ‬عنايتهم‭. ‬كأنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬لم‭ ‬يتمكَّن‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬اختراق‭ ‬قلعة‭ ‬الأدب‭ ‬الحصينة‭ ‬التي‭ ‬تحرسها‭ ‬التقاليد‭ ‬والنقاد‭ ‬والأكاديميون،‭ ‬كأنَّه‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬اكتساب‭ ‬شرعيته؛‭ ‬فظل‭ ‬بسبب‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬مجرد‭ ‬هامش‭ ‬يتوقاه‭ ‬النقاد‭: ‬ترفُّعاً،‭ ‬أو‭ ‬تعفُّفاً،‭ ‬أو‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬سلامةٍ‭ ‬موهُومة‭.‬
‭… ‬هَكَذا‭ ‬يتصدَّى‭ ‬الدَّارس‭ ‬لهذا‭ ‬الأدب،‭ ‬وليس‭ ‬أمامه‭ ‬مثلٌ‭ ‬يحتذيه،‭ ‬أو‭ ‬دراسة‭ ‬يستدل‭ ‬بها،‭ ‬باستثناء‭ ‬بعض‭ ‬الإشارات‭ ‬السريعة‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬تضاعيف‭ ‬بعض‭ ‬الكتب،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تشَكِّلَ‭ ‬موقفا‭ ‬نقديًّا‭ ‬مُتَكامِلا‭.‬
الظاهرة‭ ‬الثانية‭: ‬انصراف‭ ‬كُتَّابنا‭ ‬الكِبار‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬للأطفال
‭- ‬ نحن‭ ‬نعتقدُ‭ ‬أنَّ‭ ‬أدبَ‭ ‬الأطفال‭ ‬يحتاج‭ ‬ككل‭ ‬أدب‭ ‬إلى‭ “‬لوثة‭ ‬الإبداع‭”: ‬حتى‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬مثال،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬أشق‭ ‬على‭ ‬الكاتب‭ ‬من‭ ‬‭”‬الأدب‭ ‬الرصين‭”‬؛‭ ‬لأنه‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يخاطب‭ ‬أفق‭ ‬انتظار‭ ‬جاهز،‭ ‬سابق‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الوجود،‭ ‬وإنما‭ ‬الكاتب‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يصُوغ‭ ‬هذا‭ ‬الأفق،‭ ‬يصنعه‭ ‬بصبر‭ ‬وأناة‭.‬
هذا‭ ‬الأدبُ‭ ‬بحاجة‭ ‬لمبدعين‭ ‬كبار‭ ‬يُدركون‭ ‬أسرارَ‭ ‬كتابته،‭ ‬ويعرفون‭ ‬مآزقها‭ ‬ومضايقها‭ ‬على‭ ‬حدِّ‭ ‬عبارة‭ ‬البحتري‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الذي‭ ‬نلحظه‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬ممن‭ ‬يكتبون‭ ‬للأطفال‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬موهبة‭ ‬الكتابة،‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬ينتسبون‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬أخرى؛‭ ‬منها‭: ‬التعليم‭ ‬أو‭ ‬التربية‭.‬
إنَّ‭ ‬انسحاب‭ ‬المُبدعين‭ ‬الكبار‭ ‬أفسَح‭ ‬المجال‭ ‬لرجال‭ ‬دُوْن‭ ‬المَوْهِبة‭ ‬ليكتبوا‭ ‬للأطفال‭ ‬أعمالا‭ ‬مُتهَافِتة‭ ‬تنطوي‭ -‬في‭ ‬الأغلب‭ ‬الأعم‭- ‬على‭ ‬مَوَاعظ‭ ‬أخلاقية،‭ ‬علاقتها‭ ‬بطبيعة‭ ‬الأدب‭ ‬واهية‭.. ‬أو‭ ‬تكاد‭.‬
الظاهرة‭ ‬الثالثة‭:‬‭ ‬اقتصار‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الطفلية‭ ‬على‭ ‬الاستنساخ‭ ‬والاقتباس
هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الظواهر‭ ‬شيوعًا‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬الأطفال؛‭ ‬فقد‭ ‬اكتفى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬كُتَّابِنا‭ ‬باستعادةِ‭ ‬نُصُوص‭ ‬التراث‭ ‬دُوْن‭ ‬تغييرٍ‭ ‬أو‭ ‬تحوير‭ ‬أو‭ ‬تطوير،‭ ‬وربما‭ ‬مَهَرُوها‭ ‬بأسمائهم،‭ ‬ونسبوها‭ ‬إلى‭ ‬أنفسهم،‭ ‬والحال‭ ‬أنهم‭ ‬اقتصروا‭ ‬على‭ ‬نقلها‭ ‬فلم‭ ‬يُحدثوا‭ ‬فيها‭ ‬صفة‭ ‬أو‭ ‬يكسبوها‭ ‬فضيلة‭.‬
إنَّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الكتابَ‭ -‬وهم‭ ‬يستنسخون‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭- ‬إنما‭ ‬يحولون‭ ‬فعل‭ ‬الكتابة‭ ‬إلى‭ ‬فعلٍ‭ ‬أجوفَ،‭ ‬خالٍ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬معنى‭. ‬لكنَّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬كُتَّابِنا‭ ‬استسْهَلوا‭ ‬فعل‭ ‬الكتابة،‭ ‬فعمدوا‭ ‬إلى‭ ‬التراث،‭ ‬يختارون‭ ‬بعضَ‭ ‬نماذجه،‭ ‬وينقلونها‭ ‬إلى‭ ‬الأطفال‭ ‬دون‭ ‬إضافة‭ ‬تُذْكَر‭.‬
‭… ‬هذه‭ ‬الظواهر‭ ‬الثلاثة‭ ‬قد‭ ‬تُفسِّر‭ ‬إعراضَ‭ ‬السَّاحة‭ ‬الأدبية‭ ‬عن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بهذا‭ ‬الأدب،‭ ‬وتسوِّغ‭ ‬تهوين‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬قيمته‭: ‬الأدبية،‭ ‬والجمالية،‭ ‬والفكرية‭.‬

 

795 total views, 6 views today