سماء عيسى

في الفترة ما بين 62-1963م، يدرسُ الإخراجَ السينمائي في مُوسكو؛ ليعودَ ويبدأ حياته السينمائية -التي امتدَّت أربعين عاماً- حتى وفاته في 9 يونيو 2007م؛ مُقدِّما عبرها أهم تجربة سينمائية في إفريقيا.

عكستْ أعماله الأدبية والسينمائية عمليات التغيير والتحويل المتنوعتين، مع دخول وخروج جيوش الاحتلال الغربي إلى إفريقيا، ليس ببلده السنغال وحدها، بل ببلدان إفريقية عدَّة.

وعلى مدى تجربته السينمائية الطويلة، كانت المرأة بالنسبة إليه هي: الحل، والنور، ورمز التضحية والوفاء في إفريقيا. هي امرأة الحوذي الشابة في فيلم “باروم شاريت”، هي العاملة القصيرة المنتحرة في فرنسا (ديوانا) في فيلم “سوداء من…”، وهي الأميرة ديرايسن في فيلم “سيدو” المدافعة عن التراث الروحي الإفريقي، وهي في فيلم “مولادي” امرأة المقاومة والتضحية ضد ختان البنات؛ مُتحمِّلة الجلد بالسياط حتى الموت في سبيل مبادئها.

وُلد عُثمان سمبين في العام 1923م، بقرية زينشوار الواقعة على ضفاف نهر كازامانس، لأسرة صائد أسماك. تُوفِّي والده في صِباه؛ فرعاه خاله أبدول، الذي كان مدرِّساً للتربية الإسلامية ومسلما مُتشددا، مارس تأثيره الإيجابي الكبير على عُثمان في جَعْله مُحافظا على التقاليد الإفريقية، وعلى الرُّوحانيات الإسلامية في آن، جاء مَوْته المبكر مُوجعًا لعُثمان سمبين؛ مما جعله يترك الدراسة -وهو ابن الخامسة عشر عاما- ويتَّجه إلى دكار ليبدأ عمله كمساعد ميكانيكي، وهناك تفتَّح وعيه السينمائي؛ فأصبح مُشاهدا مُنتظما للأفلام في دُور السينما؛ حتى تم استدعاؤه -وهو في العشرين من عمره- جنديًّا في الجيش الفرنسي؛ حيث أدَّى دَوْره لأربع سنوات في الحرب العالمية الثانية مع الجيش الفرنسي.. غادر بعدها إلى مَرسيليا في العام 1948م، وعمل حمَّالا، وهناك أصبح رئيساً لاتحاد نفايات العمال الأفارقة، وعضواً بالمؤتمر العالمي العام المتصل بالحزب الشيوعي الفرنسي. وفي الفترة ما بين 62-1963م، درس الإخراج السينمائي في مُوسكو؛ ليعود ويبدأ حياته السينمائية -التي امتدَّت أربعين عامًا- حتى وفاته في 9 يونيو 2007م؛ مُقدِّما عبرها أهم تجربة سينمائية في إفريقيا.

أهم أفلامه الروائية الطويلة والقصيرة

“باروم شاريت” 1963، “نياى” 1964، “سوداء من…” 1966، “الحوالة البريدية” 1968، “تاو” 1970، “إمتيباي” 1971، “خالا” 1974، “سيدو” 1977، “مستعمرة تايروي” 1978، و”مولادي” 2004.

عكستْ أعماله الأدبية والسينمائية عمليات التغيير والتحويل المتنوعتين؛ مع دخول وخروج جيوش الاحتلال الغربي إلى إفريقيا، ليس ببلده السنغال وحدها، بل ببلدان إفريقية عدَّة.. ليس عُثمان سمبين هو مَنْ شغلته تلك الثيمة الأساسية في تحوُّلات إفريقيا من نَمَط عيش إفريقي قروي بدائي، إلى عالم المدينة الإفريقي التابع للاستعمار الأوروبي، بل إنَّ جيلا كاملا من المبدعين الأفارقة عالج تلك الثيمة -كلٌّ على طريقته- مثل: تشنوا أشيبي في روايته المهمة “الأشياء تتداعى”، بل وتمثَّلت ردة فعل عدد كبير من مُبدعي إفريقيا بمحاولة احتوائها الغربي وطمس معالم ثقافتها الخاصة في ظهور تجربة الزنوجة، التي كان رائداً لها ليوبود سنجور -من السنغال أيضا- وإيمي سيزر -من المارتينيك- خاصة في إصداره الشهير “دفتر عودة إلى مسقط الرأس”. إلا أنَّ عُثمان سمبين، ومعه عدد من مُبدعي إفريقيا؛ مثل: بول سونيكا، وقفوا ضد هذه الظاهرة؛ على أساس أنَّ ما تطلبه إفريقيا -وهي تنفض عن جلدها الاستعمار الغربي- ليس العودة إلى منابع إفريقيا، والانغلاق عليها وبها كردة فعل تجاه عنصرية أوروبا -مثلما عبَّر عن ذلك مناضل إفريقيا الشهير فرانزفانون؛ عندما نادى الأفارقة بعدم النظر إلى الماضي، والتشبث به، والانغلاق عليه- بل بمعرفته والانطلاق منه إلى المستقبل والوعي به على نحو صحيح.

وفي إطار ما دَعَوْته بعمليات التعبير عن تحولات المجتمع الريفي الإفريقي، إلى مُجتمع جديد يفقد فيه الإفريقي قيمه وأخلاقه، يقدِّم عُثمان سمبين في فيلم “نياي” إدانة شاملة عندما فجأة يكتشف حَمْل صبية في الثالثة عشرة من عمرها بقرية هادئة في الريف، تدور آنذاك أحداث الفيلم بحثاً عن الفاعل والمتهم الذي ترفض الصبية الاعتراف والإجابة عن سؤال أهل القرية عنه؛ مما جعلهم يوجِّهون التهمة إلى أحد القادمين إليها؛ فيتم قتله من قبل سكان القرية، إلا أن الأحداث لاحقا تفضي إلى أن الفاعل الحقيقي هو والد الصبية!! لاحقا بعد ذلك يقتل أخو الصبية أباه، وتنتحرُ الأم، وتُطرد الصبية وطفلها من القرية.

عُثمان سمبين الذي عالج في فيلم “نياي” تفسُّخ المجتمع الإفريقي إثر فقده جذوره الإنسانية الرفيعة، تحت ظل الهيمنة الاستعمارية وما بعدها، يذهب في فيلمه التالي “سوادء من…” إلى إدانة الطبقة الحاكمة في السنغال بعد الاستقلال عن فرنسا. يتحدَّث سمبين عن فكرة الفيلم، وكيف واتته قائلا: “فيلم “سوداء من…” يعكس واقعة حقيقية، وقعتْ أحداثها بمدينة مَرسيليا في العام 1958؛ حينها كنت رئيسا لاتحاد العمال الأفارقة، في إحدى المرات اتصل بي أحد الأصدقاء هاتفيا، وأخبرني عن موت فتاة سنغالية تعمل خادمة لإحدى الأسر الفرنسية. وبعدها، عرفت أن الأمر غير ذلك، وأن الفتاة قد أقدمت على الانتحار بسبب الحذين؛ كتبتُ عن ذلك قصة قصيرة، وحينما بدأت في العمل بالإخراج جالت براسي فكرة إخراج تلك القصة القصيرة؛ بحيث عمدتُ إلى أن تكون الحادثة قد وقعتْ بعد حصول السنغال على الاستقلال، وحيث كنتُ على قناعة كبيرة بأنَّ التركيب الخارجي للدولة قد تغيَّر، ولكن -وللحقيقة- فإنَّ كل شيء أمسى على ما كان عليه من حيث الاستغلال”.

ذلك ما يحاول سمبين تقديمه واضحًا في الفيلم؛ حيث تظهر العاملة المنتحرة “ديوانا” وهي تبحث عن عمل بالمدينة، وتذهب إلى مقرِّ الحكومة السنغالية، وهناك يظهر لنا الوزراء ونواب البرلمان مرتدين ملابس أوروبية أنيقة، ويتحدَّثون بالفرنسية أحاديث تدل على حماية مصالحهم الطبقية، ومناصبهم، وأموالهم؛ متجاهلين العاملة “ديوانا”، وهم يرمقونها بترفُّع كاذب.

يعمِّق سمبين انتقاده الحاد للسلطة السياسية الجديدة في السنغال في فيلمه “الحوالة البريدية”؛ حيث يقدم هذا الفيلم قصة كفاح مريرة لرجل إفريقي بسيط؛ هو: “إبراهيم دينق”، هدفه الحصول على حوالة مالية بسيطة، جاءته من ابن أخته العامل في فرنسا.. كفاح مرير يدور في أروقة الحكومة ومصالحها، وعبر تلك المحاولات البائسة والمتكررة، يُبرز لنا سمبين الواقع السيئ للبيروقراطية الحكومية في بلاده، وتفشِّي ظاهرة الارتشاء، وانهيار القيم الأخلاقية الروحية للمجتمع الجديد في السنغال. وُجِّهت انتقادات حادة لفيلم “الحوالة البريدية”؛ أهمها التي جاءت من النخب السياسية والثقافية في إفريقيا؛ مُتهمة إيَّاه بالتشاؤم حِيَال مدى إمكانية تقدُّم إفريقيا بعد المرحلة الاستعمارية السابقة. ويرد عليهم سمبين في حوار أُجري معه بمجلة “السينما الفنية والمسرح”؛ قائلا: “إنَّ ما يهمُّني هو طرح المشكلات التي تواجه شعبي. إنَّ السينما باعتقادي أداة للحدث السياسي، ولكنني لا أريد عمل أفلام شعاراتية. إنَّ الفيلم مجال آخر، وأنا لست على تلك الدرجة من السذاجة؛ بحيث أفكر أنَّ باستطاعة فيلم واحد تغيير الواقع السنغالي، ولكن باعتقادي أننا إذا ما كنا مجموعة من المخرجين الذين يعملون على تحقيق أفلام تنطلق من ذلك المفهوم؛ فإننا سنتمكن من تغيير الواقع القائم”.

ومن هذا المقتطف الجوهري من حواره، ندلف إلى تتبُّع أنضج وأعمق في نقده للسلطة الحاكمة بإفريقيا عامة، وبلده السنغال خاصة، عبر فيلمه الشهير “خالا”، والذي هو إدانة صريحة لعجزها، وترقب لانهيارها وسقوطها. كتبه أولاً كـ”رواية” في العام 1973، وقرَّر تحويلها إلى فيلم روائي طويل في العام اللاحق. وفي ذلك، يكتب عُثمان سمبين مجيبًا عن سؤال وجَّهه له الناقد “ش.شيرتوك”؛ عن سبب تحويل أعماله الأدبية إلى أعمال سينمائية؛ قائلا: “إنَّ المسألة تكمُن في أن 80% من سكان إفريقيا في عداد الأميين؛ لذا فإن كُتبي تقرؤها الصفوة والنخبة الذين لا تتجاوز نسبتهم في أحسن الأحوال 5% من النسبة الكلية للسكان”.

فيلم “خالا” يكشف لنا أنَّ القيادة المحلية الحاكمة في السنغال، إنما هي قناعٌ تختفي وراءه القيادة الاستعمارية البيضاء، يُعبِّر عُثمان سمبين عن عجز القيادة الجديدة من منظار جنسي؛ حيث يتزوَّج للمرة الثالثة الحاج عبد القادر -أحد رموز النظام الجديد اقتصاديًّا- وَسْط فرحة غامرة، يحضرها عدد كبير من قيادات الدولة برئاسة رئيسهم. وبعد انقضاء الحفل، نكتشف أنَّ الحاج عاجز جنسيًّا، لا يُصدق الحاج عبد القادر ذلك؛ فيعزو الأمر إلى أن ساحرًا أسود هو من ضربه، وأن الأشرار والأعداء والحاقدين هم من تسبَّبوا في ذلك؛ حقداً عليه، وغَيْرة، وحسدًا. ويشاطره هذا الرأي رئيس الجمهورية؛ الذي ينصحه بمراجعة “الماراغوب”، وهم الرجال المخوَّلون لإبطال مثل هذه الأعمال من جَسْد المسحورين. تتغيَّر بذلك حياة الحاج عبد القادر فتغدو بحثا مُتواصلا في القرى والأرياف البعيدة عمَّن يُعالج عجزه الجنسي. وفي هذه الأثناء، يلحق به الخراب؛ فتموت تجارته التي انصرف عنها، ويعلن إفلاسه، ويقوم زملاؤه بعقد اجتماع بمُوْجبه ينحَّى من الوزارة. كلُّ تلك الأحداث إنما ترمز إلى العجز الجنسي للوزير، الذي بدَوْره يعني عجز الطبقة الحاكمة الجديدة عن إدارة مسائل التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وسقوط وإفلاس الحاج عبد القادر إنما هو سقوط وإفلاس الفئات الحاكمة في تلبية حاجات ومطالب الجماهير الشعبية، التي وعدتْ الطبقة الحاكمة بها عشيَّة الاستقلال.

ويُعلق سمبين على نجاح فيلم “خالا” قائلا: “أنا في كتابة الحكاية، كما في إخراج الفيلم، أُظهر أن البرجوازية في بلدان العالم الثالث هي برجوازية تابعة للتنظيم الرأسمالي، الذي يقوم بدور الخادم للإمبريالية”.

وبعد استكمال سمبين تجربة نقد الأوضاع السياسية المعاصرة في بلاده، ونقده الشديد للطبقة الحاكمة بها -التي تعمل كغطاء للاستعمار القديم، إثر تحالفاتها معه في استغلال الشعب، ونهب مصادر ثرواته- يلتفت سمبين بعد ذلك للماضي؛ علَّه يجد فيه بصيصَ نور وأمل: يشقُّ الحاضر، ويُعطي الدافع لاستعادة رُوح إفريقيا المفقودة والمغيبة؛ وذلك النقد الحاد يُطارد الاستعمار الفرنسي في فيلم “معسكر ثياروي المنجز” عام 1987، والذي يتهم فيه عُثمان سمبين فرنسا بإبادة جنود المعسكر الأفارقة، ممن تمرَّدوا على قيادة الجيش الفرنسي الذين حَاربوا معه، وقدَّموا آلاف الشهداء في سبيل تحرير فرنسا، ثم كان مصيرهم قَطْع رواتبهم، وطردهم، والاستغناء عن خدماتهم.

كتب الناقد السينمائي العُماني عبد الله حبيب: “لقد كان سمبين يبحث بكد ودأب وعناء جليل عن إفريقيا الأولى، التي هي من وجهة نظر الكثيرين -بمن فيهم شخصي المتواضع- ضَرْبٌ من الحنين النبيل المُوجع للمستحيل، وصورة مرآوية مثالية (وإن كانت المثالية ليست كلمة سيئة بالضرورة)”.

وفي فيلم “إيمتاي”، يعودُ سمبين إلى مُحاولات الاستعمار الفرنسي تجنيدَ الشباب الأفارقة جنودًا أثناء الحرب العالمية الثانية؛ يفهم سكان القرية أهداف الفرنسيين التي جاءتْ تحت شعار “إنقاذ إفريقيا من الفقر”؛ لذلك يُشكلون فرقَ مُقاومة -خاصة أمهات وأفراد المقاتلين- ليعود سمبين مجددا لنقد الآلهة الوثنية الإفريقية التي يتعلق بها الفلاحون كمصدر للخلاص؛ مما حدا بأهم دارسيه العرب الدكتور وجدي كامل صالح إلى القول بأن سمبين في فيلم “إيمتاي” إنما يُكرِّر عبارة ماركس الشهيرة “الدين أفيون الشعوب”.. مضيفا: “إنه ينظر هنا لمعتقدات الأفارقة كعامل سلبي التأثير على المقاومة الشعبية، التي تنتظر من السَّماء مَوْقفا خارقاً يُخلصها من الاحتلال، دون إخفاء سخريته من الطقوس الأخلاقية، والآلهة المحلية، كأمور ليست ذات جدوى”.

“سيدو” يُعتبر الفيلم الأكثر اقترابا وحميمية من التراث الشعبي والحكائي الإفريقي، وهو أيضا الأكثر مُعالجة لروح إفريقيا التي غابتْ مع قدوم تيارات جديدة وافدة إليها من الشرق والغرب.. الديانات التوحيدية -أي: الإسلام، والمسيحية- طمستْ ديانات إفريقيا البدائية وآلهتها؛ وذلك ما يُطالب بالعودة إليه عُثمان سمبين كحل للصراع الإسلامي-المسيحي في إفريقيا؛ إذ نشاهد الأميرة المعتقلة “رمز الآلهة الإفريقية” في نهاية الفيلم تطلق النار على الإمام المسلم “سيدو”، وما يحدث من ردَّات فعل صامتة من الأفارقة حولها، إنما هو تلبية للاشعور الجَمْعي الإفريقي الذي يجد رُوحه البعيدة في آلهته المدفونة في تراب إفريقيا.

لقد كثرتْ الاحتجاجات حول فيلم “سيدو”، خاصة من المسلمين، لكنَّ عُثمان سمبين انتقد صراع الديانتين في إفريقيا، ولم ينتقدهما -أي: الاسلام، والمسيحية- كديانتين، ورأى -كإفريقي- ضرورة العودة إلى الجذور الروحية الإفريقية إثراءً لإفريقيا، وعاملا لوحدتها.

نصل إلى فيلمه الأخير “مولادي”؛ والذي فيه يضع خلاصة نقده لإفريقيا الماضي والحاضر؛ فالجميع في “مولادي” مُدان بما يُرتكب في حقِّ صباياها. يختار سمبين ختان البنات لكي يصبُّ عبر هذه الكارثة النقدَ الجارح على المعتقدات الشعبية الإفريقية، وعلى المجتمع الذكوري القاسي ضد المرأة في إفريقيا، على مثقفي إفريقيا الفرانكفونيين وهم يقفون مواقف سلبية جبانة ضد سلطات بلادهم. وليقدِّم في الوقت ذاته وجهَ المرأة الإفريقية الناصع بالمقاومة والنضال.

3,533 total views, 14 views today