سَيْف بن عُدي المسكري

مَدْفوعًا باهتمام طُلَّابه في جامعة تونس بموضوع السِّيرة، شَرَع المؤرِّخ التونسي المعاصِر هشام جعيط، في كتابة “ثلاثيته حول السيرة النبوية”. والتي استغرقتْ عملاً وجهداً استمرَّ لسنين طويلة. وفي الجزء الأول من الثلاثية، يذكُر أنَّ مشروعه يتميَّز باعتماده المقتصر على القرآن كمصدر، كما على التاريخ المقارن للأديان، والانفتاح على أفق الثقافة التاريخية والأنثروبولوجية والفلسفية. وبَيْن ما يُمكن وصفه بالمزيج المتشعِّب من الحقول البحثية والمناهج العلمية التي اعتمدَ عليها خلال ثلاثيته هذه، يُمكن الوقوف هنا على جانب مُهم، وهو تحليله للمصادر الأساسية حول سيرة الرسول، وهو جانب اشتملَ على مِسَاحة واسعة من الجزء الثاني من الثلاثية.

ورَغْم إدراكه أنَّ تاريخ الأديان كتاريخ لا يُوْزَن بوَزْن يُذكر أمام مجال المعتقد ذاته، وما يلفه من شعور وارتباط بالحياة الإنسانية؛ حيث يغدُو التاريخ لاعباً أساسيًّا في بروز الدين وتشكله وتغلغله في الأعماق الاجتماعية، ومنحه جزءًا من شرعيته. رغم ذلك، يسير في منهج يصفه بالفينومينولوجي، سابرا أعماقَ المصادر التاريخية القديمة، وحريصاً على التقييم الأوَّلي والتحليل النقدي لهذه المصادر. حيث يفردُ في فصليْن مُنفصليْن من الجزء الثاني -تاريخية الدعوة المحمدية في مكة- مساحة للحديث عن سيرة ابن إسحاق (ت 151هـ/741م)، وقبل التطرُّق لما كتبه المفكِّر التونسي هشام جعيط حول هذه السيرة، نُعطي لمحة مُختصرة حولها؛ فكاتبها هو مُحمَّد بن إسحاق بن يسار المدني، وُلِد بالمدينة وتنقَّل في مُدن عديدة. أما كتابه “السيرة”، فقد قسَّمه إلى ثلاثة أقسام: “المبتدأ” ويتناول تاريخ ما قبل الإسلام، ثم “المبعث” ويتناول سيرة الرسول إلى السنة الأولى للهجرة. أمَّا القسم الأخير، فهو “المغازي” ويتناول باقي السيرة النبوية.

هذه السيرة وَصَلتْ مُنقَّحة ومُختصرة بواسطة عبدالملك بن هشام الحميري (ت 218هـ/813م)، بعد أنْ هذَّبها وحذف أقساما منها، واشتهرتْ بين الخاصة والعام بسيرة ابن هشام. علما بأنَّ النصَّ الأصليَّ لسيرة ابن اسحاق عُثِر عليه، وحقَّق من قبل د.سهيل زكار ونشر في دمشق سنة 1978م.
لا يتَّسع المجالُ للتفصيل حول نشأة علم التاريخ وتطوره لدى المسلمين، والدوافع إلى ذلك، غير أنَّ العهودَ التي سبقتْ ظهور هذه المدونة لابن إسحاق شهدتْ إرهاصات عديدة؛ من قبيل جمع الأخبار والروايات التي كانتْ في غالبها شفهية في القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، مع وجود مُدونات مُنفردة مُوجزة في وقت مُبكر من هذا القرن. وبدافع من العناية بسيرة الرسول الكريم، ومغازيه، وأحاديثه، وأخبار عصره، ظهر أبرز فرع من فروع التاريخ الإسلامي سُمِّي بالسيرة والمغازي، ويُختصر أحيانا بـ”المغازي”، وقد تمثَّل في مدرسة الحجاز “المدينة المنورة”، مُقابل مدرسة الأخبار والأنساب في العراق “البصرة والكوفة”.

يَرَى هشام جعيط أنَّ مُجمل البحث في المصادر التاريخية حول سيرة النبي يجب ألا تتجاوز ما دُوِّن قبل القرن الرابع، ويختصرها في سيرة ابن إسحاق، ومغازي الواقدي (ت 207هـ/813م)، وطبقات ابن سعد (ت 230هـ/844م)، وأنساب الأشراف للبلاذري (ت 279هـ/892م)، ويختمها بالطبري (ت 310هـ/923م) في تاريخه. أمَّا سيرة ابن إسحاق، فقد وُجِّه لها النقد قديما في وجوه من قبيل الاعتماد الكبير على رواية أهل الكتاب “الإسرائيليات”، وإيراد الشعر الموضوع، والخطأ في الأنساب، وعدم تمحيص المصادر.

الإسناد والرواة والأهمية
سيرة ابن إسحاق -حسب جعيط- هي أقدم مُؤلَّف وَصَلنا يستعمل الإسناد، وفي الوقت الذي تكثر فيه الأسانيد وتتشعَّب حول الفترة المدنية، تكون الحال عكس ذلك في الفترة المكية؛ حيث تقل الأسانيد، بل وتسقط أحيانا؛ حيث يرد الخبر بعد عبارة: “قال ابن إسحاق” أو يُسند إلى “رجال من أشياخنا”، أو “عن بعض أهل العلم”. وهذه الأسانيد تعتمد على أناس عاشوا في العهد الأموي.

فعِلْم “المغازي” كان حصيلة سِلسلة مُتصلة تعود في أصلها إلى أفراد ينحدرون من المشاركين في الملحمة النبوية، ووصلت إليهم بعض الأخبار عن أجدادهم، وهم يُشكِّلون الذاكرة الجمعية لأهل المدينة في الغالب، مع معرفة العديد من أسماء هؤلاء الرواة، إلا أنَّ جزءا منهم لم ترد أسماؤهم وهم مَنْ يعنيهم المؤلف بأهل العلم أو المشايخ. لقد كان للفترة التي شهدت نوعا من الاستقرار الداخلي منذ عهد الوليد بن عبد الملك (ت 96هـ/715م) إلى أواخر عهد هشام بن عبد الملك (ت 125هـ/ 743م)، والتي يُسمِّيها جعيط بـ”ما بعد الفتن”، دور في بزوغ الوعي التاريخي الرصين غير المهتاج؛ فمُدة الأربعين سنة هذه كانت لحظة توقُّف أُتِيْح فيها للذات أن تتأمل وتعيد تصور ذاتها.
أهميَّة سيرة ابن إسحاق -من منظور جعيط- تكمُن فيما يتجاوز علم التاريخ؛ وذلك بمنح المخيال الجماعي الإسلامي إطارا كاملا لقصة حياة الرسول؛ حيث ازدادتْ سُلطتها على الضمير الإسلامي، مانحة إياه تصوَّره للسيرة. كما أنَّها ضبطتْ العلامات الأساسية لمسار حياة النبي من ميلاده إلى وفاته. وفي الوقت الذي تقاطعتْ فيه مع أنواع أخرى من التراث، إلا أنها انبثقت في الوعي الجماعي لاكتمالها، ولكونها قصة حياة النبي من الألف إلى الياء. لقد كان لهذه السيرة مع سيرة ابن هشام سُلطة تاريخية ودينية. والغالب عليها الحسُّ التاريخيُّ، خلافا للكتابات المتأخرة حيث الغلبة للخيال والخوارق.

القراءة النقدية لمتن السيرة
القرآن المكِّي لا يتعرَّض مُباشرة للأحداث المذكورة في السيرة، وهو ما يَعْنِي إشكالا في نظر جعيط؛ فأحداث من قبيل: هجرة الحبشة، وحصار بني هاشم، ورحلة الطائف، ودعوة القبائل، وأسماء الصحابة، لا يوجد لها ذكر في القرآن.. فهل هذا يعني أنَّ ما أتت به السير ليست له أية علاقة بالواقع؟ يَرَى جعيط أنَّه لا يُمكن التشكيك الكلي في مادة السير دون عرض نقدي لهذه المادة في تفاصيلها. وهو موضوع فصل حوله بشكل واسع في مُقدِّمة كتابه؛ حيث عاب على المستشرقيْن -خاصة الجُدد منهم- عدم الصرامة المنهجية التاريخية، وتطرُّف بعضهم في نفي كل ما وَرَد في المصادر الإسلامية، أو قبول جميعه دون تمحيص.
وفي معرض بحثه حول الدعوة في الفترة المكية، يَرَى جعيط أنَّ سيرة ابن إسحاق بهذا الخصوص يُمكن تقسيمها إلى تسعة عشر قسما؛ من ابتداء التنزيل إلى الرحلة إلى الطائف. والمهمُّ فيها قوائم المؤمنين من السابقين الأولين إلى المهاجرين إلى الحبشة، وكيفية تقبل قريش للدعوة. هذه السيرة مع قِدَمِها يُفترض فيها الصحة، وما الخلط أو التشويش الذي شمل أجزاءً منها إلا علامة على القِدَم والقُرب من الأصول. وبالمجمل؛ فإنَّ لأهل السير حسًّا تاريخيًّا عميقًا بَرَز لدى الإخباريين أثناء حديثهم عن القرن الأول؛ فهم باحثون عن الحقيقة التاريخية، ويقومون بمقارنات بين مصادرهم، ويحاولون دوما الوصول إلى ما هو “الثبت عندنا” كما يصفونه.

يَسُوْق جعيط في أجزاء ثلاثيته آراءً مُتعددة تتنافى أحيانا مع المشهور من مُعطيات السيرة ومصادرها، وهي في الحقيقة آراء بين المبرهن عليها وأخرى غير ذلك يتم طرحها بتساؤل حذر. ومن ذلك، ذهابه إلى أنَّ ابن إسحاق عند حديثه عن الفترة الأولى من الدعوة، لا وجود للإشارة إلى الفترة السرية، ولا دار الأرقم، ولا إلى مدة ثلاث سنين من الاستخفاء؛ حيث سيتم تفصيل ذلك من قبل السير التالية. كما يَرَى أنَّ دور أبي طالب في حماية النبي مُبالغ فيه، وأنَّ ابن إسحاق مدفوع بميول عقائدية أو مدارة لبني العباس، أراد أن يرفع من شأن حماية أبي طالب ومن ورائه بني هاشم. كذلك هجرة الحبشة لم تكن سوى لمرة واحدة فقط، وقصة سفارة عمرو بن العاص، وما جرى له مع النجاشي هي من صُنع الخيال، وقد وصفها البلاذري بأنها “وهم”.
وبالمجمل؛ فابن إسحاق -حسب جعيط- أتى بمادة لهذه الفترة، أو استنبط قسماً منها، أعطاها صِيْغة الخبر، ووَضَعَها في إطار يبدو إلى حدٍّ ما أنه زمني مُتتالي، وهو كذلك لأنَّ تفاصيله لا تخضع للمنطق الزمني، لكنه أتى بالجديد وبالمهم جدًّا حول هذه الفترة؛ حيث ضاع للأسف ما كتبه معاصرون له.

والحاصلُ أنَّ الأخبارَ حول الفترة المكية تدُوْر في زمن شَهِد صراعا بين الرسول والمؤمنين به، وقريش التي أسلمتْ بعد ذلك، وكان لها الدور السياسي الكبير بعد وفاة النبي. وإنْ كان قد تمَّ طَمْس جُزء منها لاعتبارات عديدة، فإنَّ مُجمل هذه الأخبار ظلت متناقلة في الذاكرة الشفهية، ولربما دون بعضها، قبل أنْ يتم جمعها في سيرة واحدة. ومصادر ابن إسحاق في كثير منها هي مصادر من أتى بعده وأضاف فيها. وما أورده ابن إسحاق قابل للنقد والمقارنة بما جاء عند غيره من الذين عاشوا في القرنين الثاني والثالث الهجريين.

وختاما.. فإنَّ الوعيَ بالتاريخ، واستقراء الماضي، يحتاج إلى المعرفة الدقيقة بالمصادر والمراجع. والمجال المتعلِّق بهذه الفترة المهمة من تاريخ الإسلام أغْرَى -ولم يزل- الكثيرين للخوض فيه. وبَيْن القول بأنَّ التاريخ علم وضعي يَسْعَى لتحليل أنشطة الأفراد والمجتمعات البشرية في الماضي؛ حيث يطرح موضوعًا ما للبحث، مُتخذا المناهج الملائمة لأجل ذلك، ساعيا إلى المفهومية، وبَيْن من يَرَى أنَّ للإيمان والمعتقد تأثيرَه الكبير، خاصة في دراسة حضارة قامت على الدين، تتشعَّب الآراء وتتصادم، ويبقى قبول الآخر وتفهمه هو الجوهر الأهم في كلِّ ذلك.

—————————————————-

الهوامش:
1. صدرت الثلاثية كالآتي:
(1)الوحي والقران والنبوة. دار الطليعة ، ط1، بيروت: 1999م.
(2) تاريخية الدعوة المحمدية في مكة. الطليعة، ط1، بيروت: 2007م.
(3) مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام. الطليعة، ط1،بيروت: 2015م.
2. جعيط، هشام. في السيرة النبوية: الوحي والقرآن والنبوة،ج1، ط1، بيروت: 1999م، ص7.
3. فوزي، فاروق عمر. التدوين التاريخي عند المسلمين: مقدمة في دراسة نشأة علم التاريخ وتطوره حتى بداية القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي. ط 1، مركز زايد للتراث والتاريخ، أبوظبي: 2004م، ص54.
4. ابن اسحاق، محمد بن اسحاق بن يسار المطلبي. سيرة ابن اسحاق “كتاب السير والمغازي”. تح: سهيل زكار. ط1، دار الفكر، بيروت:1978م.
5. فوزي، المرجع السابق، ص 43، 50.
6. جعيط، هشام. تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، ص 41، 211.
7. الدوري، عبد العزيز. بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب. ب. ط، دار المشرق، بيروت: 1983م، ص 29.
8. جعيط، المرجع السابق، ص 31.
9. نفسه، ص 32_34.
10. نفسه، ص 28.
11. نفسه، ص 212-213.
12. نفسه، ص 213-214.
13. نفسه، ص215.
14. نفسه، ص220-226.
15. نفسه، ص220-226.

641 total views, 5 views today