د. سَعيدة بنت خاطر الفارسيَّة

“يَا مركب الهند يا بو دقلين
يا ليتني كنت رُبَّانك
بَعْبُر بك البر والبحرين
وبخزِّن المال في خانك
لَك قسم فِي قسم فِي قسميْن
ولك قسم زَايِد عَلى أخوَانك
وبانقسم الفايْدَة نصِّيْن
والله يخُوْن اللي خَانَك”
هَذِه أغنية خليجية شهيرة جدًّا، غنَّاها المطرب العُماني المتميِّز سالم بن راشد الصُّوري، أثناء إقامته في البحرين في الخمسينيات -ويُقَال إنَّ ضاحي بن وليد غنَّاها قبله، لكنها للحق لم تَنْتَشِر إلا بصَوْت سالم الصوري- ويقال إنَّ كاتبها يحيى عُمر اليافعي صاحب التوقيع الموسيقي الشهير “يحيي عمر قال”، الذي التقى به الصوري أثناء إقامتهما في الهند، ثم غنَّى هذه الأغنية بعد الصوري كُثُر؛ أشهرهم: المطرب السعودي مُحمَّد عبده، لكنَّ الأغنية ستظلُّ تَحْمِل بَصْمَة صاحِبها المتميِّزة والأحْلَى، مَهْمَا تنقلتْ عبر الزمان والمكان.
مُنذ فترة ليست بالبعيدة، بثَّتْ إذاعة الشباب حلقة إذاعية مُتميِّزة من حلقات “كاسر ورحماني” للشاب المتميِّز سالم السَّعدي، وكانتْ المقابلة مع أحد المسِّنين المبدعين؛ وهو: الشاعر الشعبي القدير سالم بن راشد الحبسي من ولاية المضيبي، الشهير بـ”الحصان”، كان الشاعر يتدفَّق شَعْرًا من ذاكرة مُتوهِّجة، وكانتْ موهبته العميقة تضعه في مصاف أعلى قِمَم الشعراء الشعبيين في الوطن العربي، وكانتْ الحلقة رائعة بمذيعها المتمكِّن، وبالشعر الصافي المتدفِّق فيها. ولقد طرب الجمهور كما طرب الإعلاميون لهذا الرجل المبدع، فأعطوا للحلقة وقتاً إضافيًّا مَدِيدًا، وكانت بالفعل تَسْتَحق، لقد استمعتُ للحلقة ولإعادتها كاملةً.. هذا تراثُنَا الجميل، وما له من وَقْع على النفس وعلى الأذن، فماذا فعلنا للحفاظ عليه؟!
للأسف، الجهود فردية وقليلة، لقد كان لي الشَّرف أن أكون أول من فتح الباب أمام الشعر الشعبي العُماني ليشارك في مهرجان الشعر العُماني الثاني في صحار، عندما كُنتُ أترأس لجنة الشعر الشعبي؛ إذ سمحتُ لنصوص: المسبع، والرزحة، والميدان، أن تدخل المسابقة لأول مرة، وأنْ يُشارك شعراؤها مع شعراء الشعر النبطي الذي كان مُسيطرا سيطرة تامة على الموقف الشعري الشعبي العُماني آنذاك، منذ ذلك العام دخل الشعر العامي العُماني تدريجيًّا ضمن المسابقات والبرامج الإذاعية، وفي المنتديات الثقافية، وأخذ يُزاحم شيئا فشيئا غيره من كتابات الشعر الشعبي، وكان كثيرا ما يتميَّز عليها؛ لأنه يحمل حلاوة الأرض وعطرها، وذائقة اللهجة العُمانية، وصُور المكان وأخيلته وأساطيره وموروثاته وموسيقاه المستقرة في الوجدان الجمعي، وهي العناصر الكفيلة بإنجاح أي شعر شعبي. ونظرا لغنى عُمان بإيقاعاتها وفنونها وأساطيرها، توافد كثيرٌ من رَّواد الموسيقى الخليجية -خاصة من دولة الكويت، الذين يعرفون تماما ويقدِّرون ما لعُمان من تميُّز، وبكارة، وجدة، و”طزاجة” لم تُستهلك- فأخذوا بعضَ الإيقاعات، وأعادوا توزيعها مع شيء من التجديد. والحقيقة أنَّ الأغاني العُمانية قد سافرتْ وشرقَّتْ وغرَّبتْ قبل عصر النهضة. وفي غياب اسم عُمان عن الأذهان آنذاك، ففي السبعينيات انتشرتْ أغنية كويتية شهيرة نسبت لليمن، وكانت أغنية راقصة الإيقاع، ذات مرة غنيتُها أمام خالي -وهو بحار قديم، شرَّق وغرَّب عبر البحار في رحلات السفن العُمانية- تقول كلمات الأغنية:
“صبوحة خطبها نصيب
أوووه خطبها نصيب
رغبانة وأبوها غلب
وسرى الليل يالعاشقين
قلت لخالي إنَّها أغنية كويتية جديدة، هزَّ رأسه وقال: هذا غير صحيح، إنها أغنية عُمانية، كان البحَّارة يتغنون بها لواحد منهم اسمه نصيب، عشق بنت حضرمية اسمها صبيحة، وانتشرتْ هناك ليحرجوا والدها على الموافقة بزواج ابنته من الغريب نصيب، وبالفعل حصل. ويوجد بالأغنية المستحدثة مقطع يقول:
صبوحة تحب الحياة…
ما تحب الحسب والنسب
وسرى الليل يالعاشقين
وهذا مقطع مُزيَّف مُحدَّث.. والأصل فيه:
صبوحة تحب الغريب…
والغريب قليل الأدب
وسرى الليل يالعاشقين…
ويُكْمِل الخال بأنَّ البحارة يَضَعُون مثل هذه المقاطع ليضحكوا ويسلِّوا أنفسهم من العمل طوال النهار بعناء وكد مُتواصل، ولهذه الأغنية علامات توضح ارتباطها بالمكان؛ فنصيب اسم غير موجود تقريبا في الشمال/الكويت، لكنه عندنا في الجنوب/عُمان منتشر، “رغبانة” لهجة عُمانية، وهي لا تقال في الكويت، وتعني لها الرغبة بالزواج “أبوها غلب” هذه لهجة خاصة بصُوْر نقول: “غلب الولد يأكل” أي رفض، ظلتْ هذه الكلمات تدور في ذاكرتي طويلا، وقد نسبها البعضُ لليمن، وواضح أنها أغنية سهلة الإيقاع لا ترقى إلى الإيقاع الصنعاني أو العدني أو سمِّه ما شئت، بل إنَّها أغنية تقوم على الصَّوت العالي، وإيقاع التصفيق الجماعي، وهذا ما يشتهر به غناء البحارة، وما يناسب أجواء السفر في البحر، وعندما غنت سميرة توفيق أغنيتها المشهورة بعد ذلك: “يا بنات الخليج.. فرشلي زوالي
وأنا غريب عندكم.. باكر مروح بلادي”
وقيل إنَّ مُؤلفها كويتي، فلما سَمِعَها خالي قال: هذه أيضا ليست أغنية كويتية، وهي أيضا من أغاني البحارة، ولكنها غير واضحة المعالم، أي حُوِّرت كلماتها قليلا.. وكُنَّا نغنِّيها في الهند هكذا:
“يا بنات الهنود، يا بنات الهنود…
فرشن لي زوالي
وآني غريب عندكن…
باكر مروح بلادي”
الزوالي لهجة محلية سجاد، من يومها صار خالي مُستشاري التراثي كلما سَمِعْتُ أغنية غريبة سألته. وعندما كبرتُ، قرأت في مجلة تصدرها شركة النفط الكويتية، لقاءً مُثيرا مع “النوخذة” الرُّبان الكويتي الشهير عيسى بن عبدالوهاب القطامي، والد أستاذتي “لولوة القطامي”، في هذه المقابلة قال -رحمه الله- ليتَّقي الله أبناءُ الخليج في تراثهم الذي ينسبونه للشرق تارة وللغرب تارة أخرى، فقد استمعتُ إلى أغنية المطرب البحريني أحمد الجميري شويخ، من أرض مكناس، التي نالتْ شهرةً واسعةً وتَغنَّى بها الجميع، والتي تقول كلماتها:
“شويخ من أرض مكناس
وسط الأسواق يغني
وايش عليَّه أنا من الناس
وايش على الناس مني”
وسمعتُ الجميري في مُقابلة تليفزيونية ينسبها لشيخ مغربي من مكناس، ويُكمل الرومي: وهذا غير صحيح، وهو تحوير للحقيقة؛ فالأغنية عُمانية لرجل مُصَّـوْت، والمصوت هو النهام الذي يغني للبحارة، ويشجِّعهم على العمل صباحا، وفي المساء يغنِّي للسمر والتسلية، وكان لابد للمصَّوْت أن يتمتَّع بصَوْتٍ جميل، وأنْ يكون قويَّ الصوت جهوره، يسمعه حتى الغواص الغائص في أعماق البحر، ويَسْمَعه أهلُ السفن الأخرى ولو كانت في البعيد للأُنس حينا وللنجدة حينا آخر، وتتنازع السفن على المصَّوْت الجيد، لأسباب كثيرة؛ المهم أنَّ الرومي أكْمَل حديثه قائلا: كان لأحد نواخذة صُور مصوت اسمه “على بن منصور”، وقد اشتهرَ هذا الرَّجل بحلاوة الصوت وقوته، لكنه لم يكن ميَّالا للبحر، فقد كان من بلد يُسمَّى جعلان، وهو بلد زراعي، وفي ذات يوم كان ابن منصور يزرع أرضه، ويسقيها ويغني، فسمعه أحد نواخذة صُور -النواخذة هو الربان مالك السفينة- الذي أعجبه صوته وقوته وجماله، فعرض عليه مبلغاً كبيراً ليخرج معه في سفرته لزنجبار مدة بسيطة ويعود، وافق ابن منصور؛ لأنَّ العرض كان مُغريا ماديا ولعدم خبرته بالأسفار، وكان الرجل متقدما في السن، وسافر لكنه بعد قضاء أشهر في الأسفار والبحر حنَّ لأرضه وزراعته، فغنى بحزن وشجن:
“شويب من أرض جعلان، وسط لبحور يغني
يسألوه ليش زعلان.. وايش على الناس مني”
ويُكمل الرومي: أنا بنفسي حافظ لهذه الأغنية، وكان ابن منصور بعدها يبكي ويبكينا معه، وكنا إذا صوت بن منصور تقاربنا من سفينته لنستمتع بغنائه، وشويب تصغير شايب، وبقية الكلام يوضِّح تماما أنه من أبناء الخليج وعُمان بالذات؛ فمن أَيْن جاء لنا الجميري بتأليف شيخ مكناس هذا؟! ويكمل الرومي: أقول حافظوا على تراثكم يا أهل الخليج، فهو كنزكم قبل أن يضيع”.
انتهتْ مقولة النواخذة عيسى بن عبدالوهاب الرومي.
واليوم، يُقال عن تلك القصيدة إنَّها من الزجل الأندلسي، ألَّفها الشاعر أبو الحسن الششتري، وهو كما يقولون قالها أثناء إقامته في مكناس المغربية، وأعتقد أنَّ الجميعَ ألَّف لها هذا البناء الحكائي نتيجة لما قاله الجميري وثناه خالد الشيخ؛ إذ إنْ لا أحد منا كلَّف نفسه عناء البحث في ديوان الششتري، لكنَّ أحد الشعراء المثقفين، والذي أثق باطلاعه ورأيه، أكد لي أنَّ هذه القصيدة “شويخ من أرض مكناس” غير موجودة في ديوان الششتري. وحتى وإحقاقًا للحق، سأبحث بنفسي في تراث الرجل في البلد الذي أقام فيه، والآخر الذي تنقل في حواريه؛ وهما مدينتا فاس ومكناس.

إذن؛ تراثنا بالفعل شرق وغرب، واليوم هدأتْ الكويت، واستلمتْ المسيرة الإمارات، فكل تراث الباطنة منقول، وهذا عادي لنقل نتيجة للموقع الجغرافي المشترك، وهذه السنوات مُعظم تراث صُور هناك، وهذا أيضا عادي نتيجة للعلاقات الوثيقة قديما بين أهل صور والباطنة، ونتيجة لهجرة الصوريين المستمرة والمتدفقة خارج البلد، وإقامة أعداد كبيرة منهم في الإمارات تحت مُسمَّى “الجنيبي”؛ فإذا تقبلنا هذا وذاك عن تراث الباطنة وصُور، فما هو الرابط بين الإمارات وظفار؟!!! والموضة هذه الأيام ظفارية، أعتقد لا رابط هنا سوى “أن المال السايب يعلم السرقة”؛ فعندما تدَّعِي جارتنا أنَّ الهبوت فن إماراتي، ونحن في الشمال من عُمان لا نجرؤ أن نَنْسِب الهبوت لمسقط أو لنزوى أو لصور؛ لأننا أصلا لا نفهمه، ولأنَّه فن خاص بمنطقته وبلغته المختلفة، هنا تكون السرقة نكراء، وهي في غاية الجرأة، وهو أمرٌ يدلُّ على أنَّنا قد فرَّطنا وضيَّعنا، وأنَّنا لم نحصن ما لدينا من كنوز، ولم نحافظ عليها من السرقة؛ فحُقَّ للآخر أنْ يَغْرِف كَمَا تفعل الإمارات الآن، وتضع توقيعها داخل الأغنية.. عاشتْ سرقة الجيران، لقد كانتْ الكويت تأخذُ على استحياء، أمَّا ربعنا نتيجة -لكل شيء مشترك بيننا وبينهم- فكلُّ شيء مُباح، حتى أغاني الزار !!!

تُرَى مسؤولية مَنْ هذا التراث الجميل غير الموثَّق، المسافر شرقًا وغربًا؟! أين الملحِّن العُماني؟ أين كاتبُ الكلمة؟ أين المطربُ؟ أين المؤسَّسات الرسمية المختلفة؟! صِدْقًا: انتبهوا.. حتى الخِنْجَر العُماني شحَّ ذات يوم؛ لأنَّ الإمارات أدخلته ضمن تراثها الوطني، بعد أنْ اشترت مئات الخناجر من عُمان على غفلة منا، ونحن لدينا وزارات: تراث، وسياحة، وإعلام، وديوان، وصناعات تقليدية وحرفية، وووو…. وعجبي!!!

132 total views, 2 views today