سما عيسى
كاتب وأديب وناقد سينمائي


1

رُبَّما تكون مقولة فيرجيل لدانتي “إذا فقدتني، فسوف تظل هائمًا على وجهك تائهًا”، هي المقولة الأبرز التي بها نتصدَّر تقديم شادي عبدالسَّلام إلى القرَّاء وعشاق السينما؛ فهذا السِّينمائي المصري المتميِّز كان شغوفًا بموروثه الفرعوني القديم، شغفًا جَعَله أسيرَ جماله وفكره وعطائه، ليس في هذا الأسر الروحي استغرابٌ ما؛ فالمثقف -أيًّا كان- لا يستطيع إنجازَ مشروع ثقافي أو فني أصيل خارج تراثه وثقافته وتاريخه.. إنَّه السحر الذي عَبْره تفجِّر الأجيالُ طاقتها الإبداعية في مجالات الحياة المختلفة.

ما هو ضروري ومُهم في تجربة شادي عبدالسَّلام -وذلك عبر فيلمه: “كرسي توت عنخ آمون”، والفيلم الأهم: “المومياء”- هو خُروج الجذر الفرعوني للحضارة المصرية العريقة من توابيتها المحنطة، مع بقائها سرًّا غامضًا بعيدًا مجهولًا مغلقًا، كالسرِّ الذي يُحيط بصَمْت أبي الهول الأزلي، هو إعادة الاعتبار الحقيقي لهذه الحضارة العريقة، التي لم تُعدُّ اليوم بالنسبة للمصريين غير مجرد واجهة سياحية، تدر دخلاً اقتصاديًّا؛ سواءً على العاملين في مجالها، أو على خزانة الدولة في مصر.

الحضارة الفرعونية إحياؤها يُشكِّل مصدرَ خصوبة للمصريين جميعًا، وهي ما يجمع جذورهم العرقية والدينية المختلفة، وهكذا نستطيع -عبر بعثها في مجالات الفنون والثقافة والفكر- تقديم الجذر الخصب الواحد، الذي يعُود إليه المصريون جميعا قبل تشعُّبهم واختلاف انتماءاتهم.

تلك هي الرسالة الأولى لشادي عبدالسَّلام، والتي آمن بها واعتنقها قبله عددٌ كبير من مُثقفي مصر البارزين؛ أمثال: سلامة موسى وأحمد لطفي السيد وحسين فوزي ونجيب محفوظ وأنور عبد الملك وطه حسين…وغيرهم.

وفي هذا يتحدَّث شادي عبدالسَّلام قائلا: “قضيتي هي التاريخ الغائب أو المفقود، الناس الذين نراهم في الشارع والبيوت والمزارع والمصانع، هؤلاء الناس لهم تاريخ ساهموا يوما في تشكيل الحياة بل وفي صنع الحياة أغنوا الإنسانية… كيف نُعيدهم للدور نفسه؟! كيف نستعيد مساهمتهم الإيجابية والقوية في الحياة؟! لا بُدَّ أولا أن يعرفوا مَنْ هُم، وماذا كانوا وماذا قدَّموا.. لا بد أن نُصل بَيْن إنسان اليوم وإنسان الأمس لنقدم إنسانَ بكره.. هذه هي قضيتي”.

ويضيف: “إنني أحسُّ بأنَّ أبناءَ وطني لا يعرفون تاريخهم كما يجب، يهمُّني أن أعرِّفهم ولو 500 سنة من آلاف السنين من تاريخ مصر. وعلى الآخرين أن يُكملوا بقيَّة الحلقات. إنني لا أعمل السينما على أنها شيء استهلاكي.. ولكنني أعملها كوثيقة تاريخية للأجيال القادمة”.

2

قبل الحديث عن الفيلم الأساسي لشادي عبدالسَّلام “المومياء”، أو عندما تُحصى  السنين، أجدُ ضرورةَ الحديث عن عددٍ من أفلامه الوثائقية القصيرة، والتي تُعتبر رَوَافد مُكمِّلة للمومياء؛ أهمها: 1-“كرسي توت عنخ آمون”، 2-“الأهرام”، 3-“رمسيس الأكبر”.

بالطبع.. نُلاحظ أنَّ الأفلامَ جميعها مُنتقاة من التراث الفرعوني؛ ففي فيلم: “كرسي توت عنخ آمون الذهبي”، يعودُ بنا شادي إلى اكتشاف كرسي العرش لملوك الأسرة الثامنة عشر من الفراعنة، والذين ينتهي إليهم توت عنخ آمون. يذهبُ بنا شادي ابتداءً من اكتشافه فترميمه، وحتى إتمام نقله في موكب احتفائي مهيب إلى مكانه الدائم في المتحف المصري.

فيلم “الأهرام” الوثائقي خصَّصه شادي لتوثيق أهرام الأسرتيْن الثالثة والرابعة؛ لذلك اقتصرَ على أهرام الجيزة المعروفة التي شيَّدها خُوفو وخَفْرع ومَنقرع؛ انتهاءً بتمثال أبي الهول الذي يُمثِّل وجه رأس الملك خفرع بجسد أسد أبيض.

الفيلم الثالث دار حول أهم تمثال بالقاهرة، هو تمثال الملك رمسيس الموضوع بباب الحديد، وسُمِّي الميدان “ميدان رمسيس”، باسم الملك الفرعوني الشهير. يوثِّق شادي نقلَ التمثال من المتحف المصري حتى باب الحديد، ثم يعود بنا إلى معبد الأقصر.. هناك؛ حيث نُشاهد تاريخَ معارك رمسيس ضد الحيثيين، في معركة “قادش” التاريخية، بعدها إلى معبد الكرنك؛ حيث نرى جماليات المعبد وأعمدته الضخمة التي شيَّدها رمسيس، وانتهاءً بمعبد أبي سُمبل في أطراف الصعيد المصري، ونشاهد توثيقًا جداريًّا لانتصارات رمسيس على أعدائه.

ويَذْهب الأستاذ مختار السويفي مُقيِّماً تجربة شادي عبدالسَّلام في هذه الأفلام الثلاثة؛ كاتبا: “لا شكَّ إطلاقا أنَّ المخرج شادي عبدالسَّلام كان عاشقا مُولعا بالآثار المصرية والتاريخ المصري القديم، وهو عِشْقٌ كان ينبعُ من الحسِّ الوطني المصري المرهف، الذي كان يتمتَّع به شادي عبدالسَّلام، ويظهر في الغالبية العظمي من أفلامه الفنية والسينمائية، والتي تتمتَّع جميعها بميزة مصرية طاغية.

كذلك يُؤكد الأستاذ هاشم النحاس كاتبا: “هذه الأعمال -رغم تنوعها الواسع- تجمع بينها -وبقوَّة- وحدة الشعور العميق بمصريتها، وهي في مُجملها بمثابة تجليات مُتنوعة لقصائد سينمائية تؤكِّد -من زوايا مختلفة- الشعور بالمصرية والاعتزاز بالانتماء إليها”.

ويضيف: “المصرية عند شادي هي الفرعونية أساسًا، ويتَّضح هذا تماما من الموضوعات التي تدُوْر حَوْلها أفلامه. هذا المضمون المصري الروحي القديم ينسحبُ على أشكال التعبير المصري أيضاً؛ حيث لا مَشَاهد تُجسِّد العنف، فضلا عن قلة الحركة، ووضع اعتبار خاص للعقلانية في مواجهة الدفق العاطفي”.

3

سحر فيلم “المومياء”

قبل شادي عبدالسَّلام، لم تُقدِّم السينما المصرية فيلمًا روائيًّا يتناول التاريخ الفرعوني القديم بهذا العمق والجمال التشكيلي الأخَّاذ، بل إنها لم تذهب إلى جُذور مصر الفرعونية أبداً، أكثر تناولها للتاريخ لم يذهب أبعد من تاريخها الإسلامي القريب. وحتى في تناولها له، كان التناول أقرب إلى الفخر والاعتزاز منه إلى البحث العميق وطرح الأسئلة وفتح الآفاق.

قدَّم شادي عبدالسَّلام تجربته على هيئة لوحات تشكيلية صامتة في مُعظمها، لوحات مُجلَّلة بالسواد.. وقد أعطى مساحة للغة العيون وتعابير الوجه، في حركة هادئة بطيئة -مما ساعده على إظهار هذا الجمال التعبيري الأخَّاذ- تولِّي شيخ المصوِّرين السينمائيين بمصر إدارة التصوير السينمائي للفيلم، الراحل الكبير عبدالعزيز فهمي، حيث كانتْ هناك إشكالية لديه في لغة السيناريو التي استقرَّ الأمر في الأخير على تقديمها باللغة العربية المبسطة، وليس بالدَّارجة المصرية. ومع أنَّ الممثلين مُعظمهم قدَّمها بلغة الخطاب، وكأنه مُدرك أنَّه يُمثل تجربة غائرة في القدم واعيا لذلك، ومطالبا المشاهد بأنْ يعي ذلك أيضا، حتى لدى الممثلين الذين لم يتحدثوا إطلاقاً، ساهمت قسمات وُجُوههم وتعابيرها -خاصةً العيون- في التحدث بلغة سينمائية أخَّاذة؛ أبرزهم: ضيفة الشرف الفنانة القديرة نادية لطفي.

… مضمون الفيلم أخذه شادي عبدالسَّلام من حكاية واقعية كتبها عالِم الأثريات المصرية الفرنسي جاستون ماسبيرو، من كتابه “المومياوات الملكية بالدير البحري”، وهو العالِم الذي فكَّ شفرة اللغة الهيلوغريفية بعد قضائه وعمله عليها ثلاثين عاما في القاهرة.

القصة تتحدَّث عن اكتشاف مخبأ عام 1881م، بالقرب من طيبة العاصمة الفرعونية، يحتوي على مومياوات لعدة فراعنة معروفين، ينتمون لأحد الأسر التي حكمت مصر ما بين عامي 1900-900 قبل الميلاد. أثناء تدهور الإمبراطورية، سُرقت التوابيت المذهبة ورُمي بالجثث، عندها قام بعض الكهنة بوضعها في توابيت حجرية، وأخفوها في مخبأ ظل مجهولا طوال مئات القرون. والذي حَدَث لاحقاً أنَّ إحدى القبائل عثرتْ صُدفة على المخبأ، وابتدأ رجالها الاعتياش على هذا الكنز ببيع قطع منه وقت الحاجة حتى جاء ابنهم ونيس، الذي قام بإبلاغ مؤسسة الآثار بمكان الكنز، مُوْقِفاً بذلك عملية نزف التاريخ الفرعوني المصري القديم وبيعه لتجار الآثار.

هذه القصة في بساطتها، أدْرَك شادي عبدالسَّلام عُمْقَها وأصالتها.. لقد قرأها بوعيِ مختلفٍ، ناقلا إيَّاها من الحدث العادي إلى الحدث القومي، كتب شارحاً هذا الفهم: “الأحداث ثانوية بالنسبة لي، لقد تناولتُ في المومياء أساساً إشكالية الثقافة القومية وهي التي كانت تعنيني”.

يبدأ الفيلم بهذا المقطع الأخَّاذ من كتاب “الموتى الفرعوني”:

“يا من تذهب
ستعود
يا من تنام
سوف تنهض
يا من تمضي
سوف تبعث
فالمجد لك
للسماء وشموخها
للأرض وعرضها
للبحار وعمقها”

عندما تُحاصرنا جُثث أجدادنا وذكرياتهم، وتتحوَّل جثثهم أرقاً في قلوبنا وعقولنا، كيف إذن نكون قادرين على الاتجار بها، واعتبارها كنزًا يُشكِّل مصدرَ ثروة لنا؟ هذا هو السؤال المضني الذي أضْنَى بطل الفيلم “ونيس”، وميَّزه عن بقيَّة أفراد عائلته وقبيلته، ودفعه إذا ذاك إلى إفشاء سر مقبرة الأسرة الـ21 الفرعونية إلى دائرة الآثار المصرية، أو “أفندية القاهرة” مثلما يُطلق عليهم، ساكنو الصعيد المصري، أحفاد الفراعنة القدماء. وما يحتله هذا العذاب الأليم عبر الفيلم، عذاب السكوت عن سرقة الآثار المصرية وبيعها للتجار، هو الذي تعبِّر عنه عينا ونيس وصمته وبكاؤه الهادئ. ومن ثمَّ فحسمه هذا الموقف لصالح الحفاظ على جثامين أجداده في المتحف المصري للآثار، هو مصدر راحته بعد ذلك، حتى لو كان هذا الإفشاء مُعارِضاً لرغبة جماعته وقبيلته؛ التي تعوَّدت الاتجار من ورائها، وكأنها مثلما يقول أحد زعمائها: “هؤلاء الموتى ليسوا أكثر رمادًا، جثث أكلتها الرمة، وليس لهم أبناء وأحفاد؛ بمعنى أنَّ علينا التخلص منها والاتجار بها”.

أجمل وَصْف مُكثَّف لفيلم “المومياء”، كتبه الناقد العالمي كلود ميشيل كلوني، واصفا إياه بالضوء القادم من العالم المعتم. العالم المعتم بالطبع هو الحضارة الفرعونية القديمة، والتي لا يزال ضَوْؤها يقدِّم لنا أسراراً لم يستطع العلم الحديث اكتشافها؛ أهمها: سر التحنيط، الذي يبقي جثث الموتى على ما هي عليه، حتى يومنا هذا.

إلا أنَّ شادي عبدالسَّلام في مُجْمَل حواراته التي أعقبتْ انتشار الفيلم العالمي، يُحذِّر من مَغَبَّة الاستسلام للماضي والبقاء في أسره، مُطالبا نفسه والمصريين مثلما تحدث قائلاً: “في الواقع، إنَّ مُشكلتنا اليوم تكمُن في استعادة ما فقدناه، طوال فترة الاحتلال العثماني والاستعمار البريطاني؛ إذا يجب أن نستعيد لغتنا الأصلية وثقافتنا العربية من أجل الوصول إلى الحداثة، كما يجب أن نحقِّق نوعا من التجانس بين الأصالة والمعاصرة؛ لأننا لن نتمكن من الاقتداء بالغرب إلى الأبد”.

شادي عبدالسَّلام:

– مواليد 15 مارس 1930

– متوفى في 18 أكتوبر 1986

– بكالوريوس فنون جميلة 1954

– قسم العمارة – كلية الفنون الجميلة

– درس الدراما في الأولد ويتسن البريطانية 1956

– عمل مساعداً للإخراج مع صلاح أبو سيف، وحلمي حليم، وبركات.

– قام بتصميم مناظر ثلاثة أفلام؛ في: أمريكا، وإيطاليا، وبولندا – “كليوباترا”، وفرعون الحضارة”.

– عُيِّن مديراً لمركز الفيلم التجريبي عام 1968.

– أخرج فيلم “المومياء” عام 1969.

من أعماله:

* المومياء (ليلة تحصى السنين) 1969.

* الفلاح الفصيح 1970.

* أنشودة وداع 1970.

* آفاق 1972.

* جيوش الشمس 1975.

* كرسي توت عنخ آمون 1982.

* الأهرامات وما قبلها 1984.

* رمسيس الثاني 1986.

الجوائز التي حصل عليها:

أ- الجائزة الثانية في مهرجان ليبزج عام 1970، عن فيلم “أنشودة وداع”.

ب- جائزة جورج سادول، عن فيلم “المومياء” عام 1970.

ج- جائزة النقاد بمهرجان قرطاج، عن فيلم “المومياء” 1970.

د- الجائزة التقديرية لأكاديمية الفيلم البريطاني 1970.

هـ- جائزة أسد سان مارلو، عن فيلم “الفلاح الفصيح”، من مهرجان فينسيا 1970.

و- جائزة سيدالك الكبرى كأحسن فيلم تسجيلي لفيلم “الفلاح الفصيح”.

ز- جائزة السيناريو والإخراج لفيلم “الفلاح الفصيح” من مهرجان الأفلام المصرية التسجيلية والقصيرة 1971.

ح- جائزة الفيلم الذهبية بمهرجان فلادوليدا بإسبانيا، لفيلم “الفلاح الفصيح” 1971.

ط- جائزة شرف من المركز الكاثوليكي المصري 1975.

ي- جائزة السيناريو والإخراج عن فيلم “آفاق”، بمهرجان الأفلام القصيرة والتسجيلية المصرية 1975.

ك- جائزة الإخراج عن فيلم “جيوش الشمس” من مهرجان الأفلام المصرية التسجيلية والقصيرة 1976.

ل- جائزة الإخراج وتصميم الملابس عن فيلم “جيوش الشمس” من جمعية الفيلم 1976.

م- جائزة اتحاد النقاد العرب في أوروبا بمهرجان طولون 1976.

ن- جائزة الدولة التشجيعية عن فيلم “كرسي توت عنخ آمون” 1985.

س- جائزة مهرجان السينما الإفريقية عن مُجمل أعماله 1982.


المراجع:

1- فيلم “المومياء”، إخراج شادي عبدالسَّلام.

2- كتاب “الموتى.. الفرعوني السير: والس بدج”، ترجمة: د. فيليب عطية، مكتبة مدبولي، القاهرة.

3- مجلة القاهرة، العدد 145 ديسمبر 1994، عدد خاص: “شادي عبدالسَّلام.. شعاع من مصر”.