محمد بن رضا اللواتي

في الوقت الذي يُصر “المادي” أن يحصر وسائل الادراك البشرية في “الحس” و “العقل”، ويفسر “العقل” بأداة تحليل المعطيات فحسب، هنالك فئة تعتقد بلون ثالث للإدراك، وأداة أخرى للمعرفة، يسمونها “بالإلهام” أو “الاشراق”[1].

يرى هؤلاء أن “النفس” الانسانية كائن مجرد عن المادة، وإذا ما تم تصفيتها من درن المعاصي وأوساخ الطبيعة، فإنها عندئذ تُصبح في صفائها كالمرآة، تنعكس على صفحتها حقائق الأشياء، وفي الواقع، فإن هؤلاء يقولون: ما توقف الانعكاس عن البروز على صفحات نفوسنا إطلاقا، فالمفيض حنان على الاطلاق ولا يعرف البخل، فهو يجود دوما، إلا أن نفوسنا المتكدرة بأجواء التعلق بزخارف الظاهر، فقد صفوها، وبالتالي لا تتمكن من مشاهدة هذه العلوم والمعارف التي تسطع باستمرار من أفق الغيب.

الكتاب المجيد من ناحيته يوافق على وجود أداة ثالثة للإدراك، غير الحس والعقل، فيقول: “يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا”[2]، ومعنى ذلك أن شجرة التقوى بإمكانها أن تثمر معرفة يستطيع بها صاحبها أن يفرق بين الحق والباطل، فالفرقان هنا، وفق وجهة نظر تفسيرية معينة، هو ما يفرق بين الحق وبين الباطل في أي مجال مجالات الحياة، فهو علم من العلوم وإدراك من الادراكات[3].

ولأجل أن تستعيد النفس قابليتها، يقترح “العرفاء” شروطا عدة لا بد من توفرها لمن يريد أن يغطس رأسه في بركة “الاشراق”. ويُقصد بمصطلح “الاشراق” في قاموس العرفاء، أن المعارف تسطع كالشمس من أفق الغيب على صفحة النفس المستعدة لتلقيها[4].

ويظل الليل، وتحديدا وقت السحر، الزمن الذي يختاره العرفاء ويفضلونه ليسكبوا فيه عشقهم لمعشوقهم الأول، والذي يطلقون عليه “بعنقاء المغرب” تارة، و”غيب الهوية” أخرى، وقد جعلوا همهم الأول الوصال به، ورؤية جماله الذي يعجز العقل عن إدراكه، يبرق لهم ويتجلى نوره في ذواتهم.

فمن وجهة نظرهم، لم يزل المعشوق الأول ظاهرا لهم في ذواتهم، منذ صباح الأزل، عندما قال “وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم”؟ [5] فهو لا يزال ظاهرا في الأنفس وما كف عن ندائه “ألستُ بربكم؟” الذي سيظل يدوي إلى عشية السرمد، غير أن الأسماع مشغولة بالتقاط أصوات البشر عن الاستماع إلى ندائه، والأعين مشغولة بالنظر إلى “زينة الحياة الدينا” عن شهود معالمه في أرواحهم.

والغسق في الكتاب المجيد كثير التكرار، ففي قوله تعالى “أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه”[6] مديح لملئك الذين اتخذوا منه ميعادا لمناجاة رب الأرباب، ينادونه “اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ مِنْ بَهائِكَ بِاَبْهاهُ وكُلُّ بَهائِكَ بَهِيٌّ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ بِبَهائِكَ كُلِّهِ. اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ مِنْ جَمالِكَ بِاَجْمَلِهِ وكُلُّ جَمالِكَ جَميلٌ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ بِجَمالِكَ كُلِّهِ. اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ مِنْ جَلالِكَ بأجله وكُلُّ جَلالِكَ جَليلٌ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ بِجَلالِكَ كُلِّهِ. اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ مِنْ عَظَمَتِكَ بأعظمها وكُلُّ عَظَمَتِكَ عَظَيمَةٌ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ بِعَظَمَتِكَ كُلِّها. اَللّـهُمَّ اِنّي اَسَأَلُكَ مِنْ نُورِكَ بِاَنْوَرِهِ وكُلُّ نُورِكَ نَيِّرٌ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ بِنُورِكَ كُلِّهِ”[7].

وتأتي إرشادات أولياء العرفان أن يكون السالك منتبها إلى نفسه، فسر المحبوب يكمن فيها، ويظهر منها. إنهم يستشهدون بقوله تعالى “ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم”[8]، فإذا كان نسيان “الله” مؤداه نسيان النفس، فمن المحتم أن تذكر النفس مؤداه تذكره تعالى! ولعل الخبر المأثور “من عرف نفسه فقد عرف ربه” يشير إلى هذا المعنى.

“حافظ الشيرازي” أو “حافظ القرآن” الذي حفظ الكتاب المجيد عن ظهر قلب ب14 رواية حتى حاز على لقب “حافظ”، أحد أؤلئك العرفاء الذي تمكن من سكب عرفانياته في كؤوس الألفاظ بنحو جمالي أخاذ، حتى قال عنه الشاعر الألماني “غوته”: “حافظ هو قمة إعجاز الأدب الشرقي، قراءة أشعاره بدلت حالي تمامًا، إن الذي يعرف هذا الصديق السماوي مرة، لا يستطيع تركه أبدًا”[9] ، يتحدث عن تجربة “المكاشفة” التي وقعت له ذات ليلة في وقت السحر، حيث ظل يناجي الجليل حتى وقع له “إشراق” عبر عنه بهذه القصيدة المعربة:

ليلة أمس وفي وقت السحر

أنقذوني من كل الهموم

في جنح ظلام تلك الليلة

سقوني ماء الحياة

من ضياء ذاتي شع نور

جعلني أنسى نفسي

وسقوني من خمرة تجلت فيها

كل صفات ذاتي

أي سحر مبارك كان ذلك السَحًر؟

وأية ليلة سعيدة كانت تلك؟

كانت تلك” ليلة القدر” إذ منحوني

فيها وثيقة الوصال الجديدة

كانت همة حافظ وأنفاس القائمين بالأسحار

هي التي أنقذتني من هموم الأيام.

تنقل “رفيدة طه” في مقال لها عنه، بأنهم لشدة اختلافهم في حقيقة حال “حافظ”، وعندما مات، ترددوا في دفنه في مقابر المسلمين، وبنبش أشعاره وجدوا بيتا يقول:

“لا تتخلف عن جنازة حافظ، فهو ذاهب

لا لفردوس ولو كان عاصيا[10]”.

—————————————————-

المراجع:

[1] السبحاني، جعفر: نظرية المعرفة ص179

[2] القرآن الكريم: سورة الأنفال الآية 29

[3] الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن.

[4] السبحاني، جعفر: نظرية المعرفة ص179

[5] القرآن الكريم: سورة الأعراف الآية 172.

[6] القرآن الكريم: سورة الزمر الآية 9

[7] مناجاة مخصصة لأوقات السحر من شهر رمضان تُعرف بدعاء البهاء.

[8] القرآن الكريم: سورة الحشر الآية 19

[9] رفيدة طه: https://www.sasapost.com/hafez-shirazi/

[10] المصدر السابق.

855 total views, 2 views today