محمد الشحري

إن الحديث عن الشأن الثقافي يُعد مطلبا وضرورة لما للثقافة من أهمية في بناء الانسان وفكره ونهضة البلدان وتقدم المجتمعات فهي المقياس والمحك لإنجاح أي برامج تنموية سواء أكانت اقتصادية او اجتماعية أو سياسية، كما لا يمكن لأي مخططات استراتيجية أن تنجح دون تهيئة ثقافية للمجتمع وأفراده، ولذلك فإن الكتابة عن أي رؤى مستقبلية في السلطنة لا بد وأن تضع في الاعتبار الشأن الثقافي والنهوض به، لأننا نرى أن القطاع الثقافي في السلطنة لا يزال متأخرا مقارنة ببعض القطاعات الأخرى، وفي هذه المداخلة نركز على عدة مواضيع نرى أهميتها في النهوض بالشأن الثقافي، فنسأل عن تهميش الثقافة والمثقفين في السلطنة وهل عندنا في عمان ما يمكن أن نطلق عليه (الثقافة فوبيا)، ثم نطرح فكرة تفريغ الكتاب والعاملين في الانتاج الثقافي، كما نعيد التذكير بأهمية وجود المراكز الثقافية لما ها من دور في استيعاب طاقات الشباب وصقلها، ونختتم الورقة بظاهرة العزوف عن القراءة وهجر الكتب، وهي مواضيع تحتاج كل منها إلى تخصيص ندوات وطنية تطرح الاشكالية وتبحث لها عن حلول، ووضع برامج تقيّم التجارب وتقف على انجازها.

الثقافة فوبيا في عُمان

تحتاج بعض المواضيع  على الساحة المحلية أن تثار حولها الأسئلة، خاصة تلك المتعلقة بالشأن الثقافي، ونقصد بالثقافة هنا المعرفة والفكر والإنتاج الأدبي والفني، على اعتبار أن الثقافة حسب تعريف الأنثروبولوجي البريطاني إدوارد  تايلور ( 1832- 1917) ” هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع”، بمعنى أن كل فرد في المجتمع هو مثقف بصرف النظر عن مؤهله العلمي أو شهاداته الدراسية، والحقيقة أنه  يوجد بيننا أفراد من حملة شهادات الماجستير والدكتوراه  تحدد درجة وعيهم مكانتهم لدى المجتمع ويسهل التعرف على ذلك من خلال تصرفاتهم وآرائهم ومواقفهم في العديد من المجالات، بينما يمتلك ناس لا يحملون شهادات جامعية  درجات عالية من الوعي والحس والذوق، وهنا تكمن المفارقة أن الوعي لا تخلقه المقاعد الدراسية ولا الشهادات الاكاديمية.

بنيتُ تساؤلي عن الثقافة المقلقة أو المزعجة إن صح التعبير، على عدة معطيات من الواقع العماني، منها شح الاهتمام بتأصيل وتجذير المعرفة أو قل تجاهل شبه تام لكل ما من شأنه المساهمة في البناء المعرفي أو توسيع المنابع التي يتحصل منها الوعي على مواده الأساسية، وأقصد بذلك المكتبات العامة، والمراكز الثقافية المسؤولة عن الأنشطة الثقافية الأدبية والفكرية والفنية.

بينما نجد اهتماما ودعما سخيا للأنشطة الرياضية بكل مجالاتها، وهذه خطوة ندعمها  حتى لا يُفهم أننا نتخذ موقفا سلبيا من دعم الرياضة، لكننا نقارب الأندية الرياضية من المؤسسات الثقافية ونتمناها أن تنتشر على خارطة محافظات السلطنة، وأن يحظى كل نادي ثقافي بدعم مالي يصل إلى مليون ريال عماني، كالذي تحصلت عليه الأندية الرياضية التي يقتصر نشاط البعض منها على كرة القدم دون باقي الرياضات ناهيك عن ضعف دور الاندية تجاه مسؤوليتها الاجتماعية والثقافية المنوطة بها.

لا يتسع المجال لسرد العديد من الأمثلة التي نرى ازدهارها على حساب الأنشطة الثقافية، بل على العكس من ذلك نجد أن هناك عراقيل وحواجز توضع في طريق المبادرات الساعية إلى إشاعة المعرفة والقراءة، وهذه الموانع تشريعية واجرائية، منها قانون الجمعيات الأهلية الذي يعرقل قيام جمعيات ثقافية متخصصة، نذكر منها الجمعية العمانية للتراث غير المادي، والتي لم تحصل إلى الآن على الاشهار من قبل وزارة التنمية الاجتماعية رغم تقديم طلب بذلك متضمنا القانون الأساسي للجمعية وشرح مفصل لأهدافها ومجال عملها، وغيرها من الشروط المطلوب استيفائها للحصول على الاشهار، أما الموانع الاجرائية فليس أدل من ذلك، وأد العديد من المبادرات الأهلية لإقامة المحاضرات والندوات الفكرية، والتي تتخذ من المقاهي أماكن لها نتيجة غياب الأندية الثقافية في المحافظات وفي المدن.

نود أن نقول لأصحاب النظرة القاصرة تجاه الفكر والثقافة، والذين يتحسسون من وجودها، أن صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله- قد أمر بإنجاز العديد من الصروح الثقافية، مثل دار الأوبرا ووجه أوامره السامية بالعناية بالجمعيات الثقافية مثل جمعية الفنون التشكيلية وجمعية هواة العود وجمعية التصوير الضوئي، وهذه المؤسسات الثقافية تحتاج إلى من يسيرها والى جمهور متابع لأنشطتها، فكيف ستجذب روادها إذا كان الكثير من العامة لا يتلقون حقهم من التثقيف؟، اضافة إلى ذلك فإن الكثير ممن يستشارون في أمور الثقافة لا يتوفقون في الاستشارة، وليس أدل على ذلك من فكرة انشاء جامعة السلطان قابوس، فقد قال جلالة السلطان أثناء زيارته لجامعة السلطان قابوس سنة 2000، ” وجدت أنه جاء الوقت لإنشاء أول جامعة في هذا البلد في بلدنا العزيز ولا اخفيكم الحقيقة أنه عندما طرحت هذه الفكرة في ذلك الزمان كان البعض من المفكرين في هذا البلد لم يشجعوا حقيقة على اقامة هذه الجامعة في ذلك الحين لان البعض اعتقد انه ما دام بإمكان ارسال الطلاب والطالبات إلى الخارج فربما اسهل وربما أرخص ولكن نظرتنا كانت غير ذلك نحن نشاور ولكن إذا عزمنا نتوكل فتوكلنا”.

ولهذا لابد من أن يفهم أن من يعاني من فوبيا الثقافة، أنه لا يستطيع أن يحجب المعرفة ولا الثقافة عن الفرد مهما حاول ذلك، لأن المتغيرات التي طرأت على وسائل الاعلام الحديثة قادرة على احداث النقلة النوعية في المجتمعات، ولذلك لابد من العمل وفق التطور الثقافي الحاصل في العديد من المجالات.

التفرغ للإنتاج الثقافي أمل لابد أن يتحقق.

نشرت في الصحف المحلية العديد من  القرارات التي ناقشها مجلس الوزراء في اجتماعاته خلال شهري (نوفمبر وديسمبر 2013)، ومن القرارات المهمة التي سأناقشها هنا قرار الضوابط الخاصة بالسماح لموظفي الحكومة الراغبين في التفرغ لإنشاء وإدارة مؤسساتهم الخاصة، وهي خطوة مهمة لخلق الفرد العُماني المُنتج القادر على إدارة مشاريعه الخاصة، وكذلك دعم المشاريع الصغيرة دعما معنويا، والمساهمة في تنويع مصادر الدخل، لكنها في المقابل تحتاج إلى رقابة مستمرة ودائمة من قبل الجهات المعنية على انتاجية الموظف المُفرّغ، حتى لا يؤثر القرار سلبا على المؤسسات الحكومية وافراغها من موظفيها، أو تتكون فئة من الموظفين يُقدمون العمل الخاص على حساب العمل الحكومي.

إن تفريغ الموظف لإدارة مشاريعه الخاصة، لا يجب أن يكون محصورا في المشاريع التجارية أو المواد الاستهلاكية، بل  يجب أن يشمل  التفريغ المثقف ومن يعمل في حقل الانتاج الثقافي، مثل الكاتب والباحث والصحفي  والفنان التشكيلي والمسرحي والمطرب والسينمائي وكذلك الحرفي وغيرهم ممن يعملون في صلب العمل الثقافي الأدبي والفني والفكري، إذ أن فكرة المنتج الفني والأدبي لا تختلف عن أي منتج آخر، فقيمته تقاس بمدى نجاحه في السوق ونسبة الاقبال عليه، حيث لم تعد الفنون والثقافة كيانات مستقلة بل تعتبران الآن أفرعا لشجرة واحدة، فالصناعة الترفيهية والصناعة الثقافية والصناعة الابداعية كلها ينظر إليها الآن على أنها منتجات تروج في السوق، إذ تعتمد على المجال المتعلق بالخيال والفكاهة وهي أمور تلبي أقوى الاحتياجات الانسانية ألا وهي أحلام البشر وميولهم، كما ذكرا المؤلفان م.د.شيشيتش و س.د. جيفيتش في كتاب إدارة الفنون في زمن عاصف.

إن الانتاج الثقافي سينعكس ايجابا على الهوية الوطنية، حيث سيعزز من قيمة المواطنة ومن التمسك بالهوية في زمن التحولات الاجتماعية والفكرية والثقافية التي تحركها وسائل التواصل الاجتماعي، وسيُمكِّن تفريغ المثقفين من التركيز والاشتغال على الموروث الشعبي والفكري وسبر أغواره، ونقل الماضي إلى المستقبل مرورا بجسر الحاضر، وسينتج عن ذلك كما هائلا من الانتاجات الثقافية، التي ستلقى رواجا في السوق ودعما من المؤسسات الحكومية والخاصة التي تقتني أعمالا فنية تشكيلية بالدرجة الأولى ، وستنافس هذه الأعمال على المستوى الاقليمي والعربي، وستصاحب حركة الانتاج، حركة نقدية للأعمال المنتجة التي ستخضع لشروط الابداع القائمة على التفرد لا على كمية الانتاج، كما ستنافس هذه الأعمال الثقافية على الحصول على جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، وهنا أقترح أن يُفرّغ المثقف العُماني الحاصل على هذه الجائزة في أي فرع من فروع الجائزة، حتى يتسنى له مواصلة طريق الإنجاز الفكري والأدبي والفني.

وكما ذكرنا سابقا بأن شروط التفريغ لإدارة المشاريع الخاصة، لابد وأن يقابلها ضوابط محددة، فإن المثقف مطالب بالخضوع لتلك الضوابط، كأن يكون لدى المقدم على منحة التفريغ أعمالا أدبية أو بحثية أو فنية أو فكرية منشورة أو معروضة  أو مسموعة من قبل ، وأن يقدم مخططا لفكرة مشروعه الثقافي، محددا مدة تنفيذ المشروع، كأن تكون سنة قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، والحقيقة التي يجب أن تذكر هنا أن العديد من المثقفين والأدباء لا يجدون الوقت الكافي لمواصلة العمل الانتاجي فيتوقفون عن العمل أو ينتجون أعمال أقل من قيمة من غيرهم، لأن التركيز في العمل الفني أو الأدبي أو الفكري يتطلب صفاء ذهني ونفسي وتركيز كامل على العمل.

إن فكرة تفريغ الأدباء والمثقفين ليست وليدة اللحظة، بل سبق وأن طًرحت في أكثر من مناسبة من قبل العديد من المثقفين والكتاب في السلطنة، وربما حانت الفرصة لإنجاحها الآن وتطبيقها على أرض الواقع بناء على قرار مجلس الوزراء المتعلق بوضع الضوابط الخاصة للسماح لموظفي الحكومة الراغبين في التفرغ لإدارة مشاريعهم الخاصة، أضف إلى ذلك فإن تفريغ المبدع مطروحة الآن في أكثر من بلد خليجي، إن لم تكن قد طُبقت بالفعل، ونأمل أن تأخذ السلطنة بزمام المبادرة وتفرغ مثقفيها ومبدعيها، مستبشرين في الوقت ذاته بمباركة مجلس الوزراء خلال اجتماعه الأخير للمقترح المقدم من مجلس الشورى بإنشاء المزيد من المجمعات الثقافية المتكاملة في مراكز المحافظات في السلطنة، فالمدن العمانية بحاجة إلى مثل هذه المراكز الثقافية، التي ستكون حاضنة للأنشطة الثقافية، ومظلة للمثقفين والأدباء والمفرغين لإنتاجاتهم الثقافية الفكرية منها والفنية والأدبية.

المراكز الثقافية مشاريع تنموية هامة.

تُعد المراكز الثقافية من البنى الأساسية التي أوجدها الضغط السكاني والتطور الحضاري، والتي أسسها القائمون عليها للحفاظ على القيم الانسانية، ولمواجهة تسارع التطور المادي الذي يتقدم على حساب الجانب الروحي، فالفعاليات الثقافية الأدبية والفنية والمسرحية والموسيقية والتشكيلية وغيرها من التظاهرات الثقافية، التي تخاطب الذات والوجدان ما هي إلا اجتهادات للحفاظ على الفطرة الانسانية المتمثلة في الشعور والاحساس بالآخرين، ومحاولة لخلق توازن بين نزعتين مادية وروحية في ذات البشرية للتأثير على السلوك والأداء، وبما أن الفئة الشابة هي الفئة العمرية الأكثر طاقة وحيوية والأقدر على التأثير والتأثر، فإنها هي المعنية باحتوائها ضمن حاضنات تُشكل القيم التربوية الأولى بعد التربية المنزلية التي تشرف عليها الأسرة، وهذه الحاضنات هي المراكز الثقافية التي تنشر قيمة الثقافة التي تهذب النفوس وتقوّم السلوك وترفع من القيم الذوقية والجمالية للإنسان.

لذلك فإن وجود المراكز الثقافية في المحافظات ستخدم بالدرجة الأولى الفئة الشابة والتي ستنعكس ايجابا على المجتمع المحلي، وعلى الانتاج الثقافي العُماني، إذا أحُسنت إدارات المراكز في تنشيط الفعاليات بحيث تقام في الأوقات التي يكون فيها الشباب خارج أماكن العمل ومؤسسات التعليم، ومن خلال تجربة شخصية في تونس فإن المراكز الثقافية تفتح أبوابها في العطل الرسمية وفي المواعيد التي تسمح للشباب بالمجيء إلى المركز في نهاية الاسبوع، بحيث لا يترك فرصة للملل من التوغل في نفوس الشباب،  أضف إلى ذلك فإن البرامج المعدة لكل مركز لا تقتصر على فئة بحد ذاتها وإن كانت الفئة الشابة هي المستهدفة، إلا أن للأطفال برامج ولكبار السن أيضا برامج ترفيهية وتنشيطية تضفي على الأماكن بهجة وحيوية، ولكي يُقضى على الرتابة ولإتاحة الفرصة أمام المهتمين بالآداب والفنون، يتم تنويع وتوزيع الفعاليات الثقافية خلال الاسبوع بحيث تشمل كل الأذواق، فيوم للسرد ويوم للسينما وآخر للموسيقى وآخر للفنون التشكيلية…الخ.

نأمل أن يتم تهيئة أعداد من الشباب والشابات للعمل في المراكز الثقافية كمنشطين ثقافيين، قبل الشروع في تشييد المباني، التي تبقى فارغة مالم يتدخل العنصر البشري في ادارتها وتفعيل أنشطتها، بحيث تركز أيضا على الانتاج الثقافي لتعود بالنفع والمردود الايجابي على المشتغل في الحقول الثقافية، فالمراكز الثقافية لا يجب أن تكون قاعات وفعاليات فحسب، بل لابد من تحويلها إلى ورش عمل تركز على تسويق المنتج الثقافي، مثل تسويق المسرحيات والكتب والاسطوانات الموسيقية واللوحات التشكيلية والأفلام السينمائية، بحيث تؤسس لمشاريع صغيرة تساهم في دخل الفرد وتحقق له حياة كريمة، فالكثير من المواد الثقافية المستوردة التي بين أيدينا ما كانت لتصل إلينا مالم تكن في أصلها مواد معدة للتصدير، ومن خلال تجربة تسويق الحرف العُمانية التي كانت قبل بعث الهيئة العامة للصناعات الحرفية، مواد متحفية تعلق على الجدران، نستطيع أن نحفر الشباب على تطوير منتجاتهم الثقافية الأدبية والفنية، التي ستنشر الثقافة العمانية اقليميا وعربيا على أقل تقدير.

إننا ننتظر تشييد المراكز الثقافية في محافظات السلطنة، ونأمل أن تقام في كل ولاية من ولايات السلطنة لأن وجودها كما اسلفنا لم يعد خيارا بل ضرورة لاستيعاب طاقات الشباب والاستماع لهم ولمطالبهم واهتماماتهم، نظرا لوجود نسبة كبيرة من الشباب في المجتمع، حيث أكدت دراسة احصائية صادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات نشرت في شهر أكتوبر الماضي، أن الشباب يشكلون 22% من اجمالي العمانيين في مارس 2013، كما نأمل أن تشرف على المراكز هيئة تحظى باستقلال اداري ومالي وتتبنى استراتيجية وطنية للنهوض بالقطاع الشبابي وفق الرؤية المستقبلية عمان 2040.

القراءة ليست ترفا بل ضرورة مُلحة.

إن عزوف المتعلمين والجامعيين عن المطالعة حتى في مجالات اختصاصاتهم، لا تستدعي لفت نظر بل تنذر بدق جرس الخطر، وهنا لا نتحدث عن عموم الناس، بل نخص بالذكر حاملي الشهادات الجامعية، الذين وجدنا البعض منهم لا يقرأون ولا يطالعون الكتب والمجلات، وهذه ظاهرة يجب التصدي لها بالمناقشة  والحوار وايجاد الحلول الناجعة لها.

وحتى لا يفهم أننا نطلق أحكام على عواهنا، أو نكتب من أبراج زجاجية بل من الواقع المعاش فإني أسرد هنا واقعة حدثت معي خلال تقديمي  محاضرة عن كتابة المقال وأنواعه وشروطه، وحين سألت الحضور عن آخر مقال قراؤه تفاجأت أنهم لم يقرأو مقال منذ سنة، وحين سألتهم عن قراءة الكتب، لم يجبني أحد، فلكم أن تتخيلوا قاعة فيها حوالي ثلاثين من حاملي شهادة البكالوريوس ذكورا واناثا، ولم يتصفحوا كتاب خارج مقرراتهم الدراسية، ولم يقرأو مقالا أو كتابا، والأمرّ من ذلك أنهم حضروا المحاضرة ليس لأجل المقال، ولكن لكي يكتشفوا المواهب الأدبية في المدارس، فأخبرتهم وأنا في حيرة وأسى، أنه من المُعيب أن نبحث عن المواهب الأدبية، ونحن لم نفتح كتاب ولا جريدة ولا مجلة، إذا أردنا أن نبحث عن المعرفة فهي موجودة بين الأسطر وفي صفحات الكتب.

إنه لمن المحزن والمُبكي أن الأمة التي أمرها الله بالقراءة في أول كلمة نزلت منه إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لا تُقدّر قيمة القراءة ولا الكتابة، رغم تكرار كلمة اقرأ مرتين في أول سورة في القرآن الكريم (اقرأ باسم ربك الذي خلق) و(اقرأ وربك الأكرم)، أضف إلى ذلك فإن ثاني سورة نزلت على النبي بعد (اقرأ) هي سورة القلم ( ن والقلم وما يسطرون)، مما يعني أن رسالة الاسلام جاءت لتحرر الإنسان من الجهل بالقراءة والكتابة بالتدوين والمطالعة، ولذلك لا نستغرب من انتشار الاسلام في ارجاء المعمورة، واعتناق الناس له لأنه جاء لتحريرهم من الجهل ومن تسلط الكهنة القساوسة والخرافات واستبداد الحكام، ولكن ما نتعجب منه هو حالة الركود الفكري الذي أصاب أمة اقرأ، فحينما كنت أبحث عن تفسير كلمة اقرأ، وجدت أن أحدهم فسر الكلمة حسب تفسير البيضاوي وفي رده حول سؤال عن قراءة الكتب الثقافية، أجاب المجيب أنه ”  قد علم أن قراءة الكتب الثقافية إذا لم تكن مشتملة على شيء من القرآن أو ما يجب اعتقاده في الله، فإنها لا تدخل ضمن المعنى الذي تأمر به الآية الكريمة على وجه الخصوص”، وأظن أننا هنا وقعنا في اشكالية الأوصياء الذين يحددون للناس ما يقرأوه، بينما لم نجد هذا الرد أو الحكم عند الامام علي كرّم الله وجهه، حينما قال ” لا خير في قراءة لا تدبر فيها، ولا خير في علم لا ورع فيه” وهنا نفهم من مقولة الامام علي أن هناك ربط واضح بين القراءة والتدبر أي التفكير فالأخير يتوسع بعد كل قراءة وبعد الانتهاء من مطالعة الكتب أي كانت هذه الكتب، فكيف نفهم الآخر إن لم نقرأ أفكاره؟، وكيف ننهض إذا لم نقرأ في التكنولوجيا أو العلم الحديث وهي نظريات فيزيائية وكيميائية بحتة، إذ أن الكتب هي التي تقدح في عقولنا شرارة التفكر سواء أكانت كتبا علمية أو ثقافية او دينية، ولكن يوجد هناك بعض الناس ممن نصّب نفسه موجها للناس يأمرهم بقراءة لكتب معينة وينهاهم عن كتب أخرى، لكننا سنركز على أهمية القراءة التي تعني الاطلاع وتوسيع الآفاق، حسبما وجدناها في مقولات الكتاب والفلاسفة الذين يعلون من قيمة القراءة والمطالعة، فقد قال الروائي المصري نجيب محفوظ ” أكبر هزيمة في حياتي هي حرماني من متعة القراءة بعد ضعف نظري” ويقول الشاعر مصطفى صادق الرفاعي ” ليكن غرضك من القراءة اكتساب قريحة مستقلة، وفكر واسع، وملكة تقوى على الابتكار، فكل كتاب يرمي إلى إحدى هذه الثلاث فاقرأه”، أما الشاعر الانجليزي جوزيف أديسون فيقول ” القراءة أداة أساسية لحياة جيدة، وهي تمثل للعقل ما تمثله التمارين الرياضية للجسد“، أما الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون فيقول ” القراءة تصنع إنسانا كاملا، والمشورة تصنع إنسانا مستعدا، والكتابة تصنع إنسانا دقيقا” وتقول الروائية الفرنسية فرانسواز ساجان ” الأمر الوحيد الذي أندم عليه هو أنه لن يتسنى لي قراءة كل الكتب التي أود قرائتها”.

إذن مالعمل لترسيخ ثقافة القراءة وجعلها عادة من عادات مجتمعنا؟، أرى أن يتم تخصيص العام المقبل 2015 عاما للكتاب والقراءة في السلطنة، تقوم الجهات الحكومية عبر برامج موسعة لنشر ثقافة القراءة والمطالعة في كل المدن والقرى والعمانية، وتشاركها الجهات الأهلية من جمعيات المرأة العمانية إلى الجمعيات المهنية، إلى الأندية والمكتبات الأهلية والعامة والخاصة، وأن يتم تخصيص يوم وطني في السلطنة لقراءة الكتاب العُماني، وهذا التحضير سينعكس ايجابا على المجتمع وعلى الثقافة العمانية وعلى التحصيل الدراسي للطلبة، وسيرفد المكتبة العمانية بالعديد من الاصدارات في المستقبل، ويمكن أن يساند هذا البرنامج ويساهم في الاحتفاء بمدينة نزوى عاصمة للثقافة الاسلامية، ولا ننسى أنفسنا قبل الغير بالمطالعة والقراءة فهي الوحيدة التي تقلل من التضخم الذاتي الذي يعشعش في نفوس البعض منا، وهي الوحيدة التي تهذب سلوكنا وترتقي بذائقتنا العامة والخاصة.

3,086 total views, 2 views today