ريم مُحمَّد

“نَعَم في تَمَام الساعة السابعة مُناسب جدًّا، ألقاكِ لاحقا”.
قالتْ ذلك وأغلقتْ الخط، مُتمدِّدة على أريكتها، سعيدة بعُطلة نهاية الأسبوع بعد أسبوع علم جهيد، ثم انهمكتْ بترتيب أدواتها التي أهْمَلتها منذ نِهَاية الأسبوع الفائت.
وفي تمامِ السَّادسة، اتَّجهت نحو غُرفتها للاستعداد للخروج، وانتقتْ مَلابسها بعناية، وتأنَّقت ما وَسِعَها التأنُّق، ثم حانتْ منها التفاتة تِلْقاء تسريحتها لتتفقد ما بها.
“تبًّا! هذه الألوان لم تعد ملائمة لي وقد انتهتْ صَيْحَتها، حان الوقت لضمِّ ألوان جديدة للمجموعة”.
ثم حملتْ حقيبتها، وغادرتْ المنزل.
في الطريق، اتصلتْ بها صديقتها مرَّة أخرى للتأكُّد:
“هل أحجز لكِ تذكرة العرض الآن، أم حالما نصل؟”.
“نعم، نعم، الأفضل أن تحجزيها الآن، وإلا امتلأت القاعة ولم نعثر على مقاعد كافية لنا”.
“ولكن، لا يبدو أنَّ هنالك مقاعدَ عادية مُتبقية، كل ما تبقَّى هو المقاعد الخاصة، وثمنها أغلى بقليل”.
“حسنًا، لا بأس بذلك، احجزي ما هو مُتوفِّر، المهم أن نشاهد هذا الفيلم العظيم!”.
وبينما هي سائرة، مرَّت على مجموعة شباب من العاملين بأحد فِرَق التطوُّع، وتقدَّم منها أحدهم سائلا إيِّاها بعض “القروش” لإطعام الجائعين، فابتسمت له بلطف مُعتذرة بأنها لا تملك ما يكفي للتبرُّع، وأكملتْ مسيرها.
“تبًّا لهم، ما إنْ يرون امرأً مُتأنقًا حتى يحسبونه برميل نفط، ويسارعون في الاستجداء منه! أيُّ وقاحة هذه؟!”.
وعَلا صَوْتٌ داخليٌّ بنفسها:
“ولكنّكِ تحملين مَبْلغا أكثر من الكافِ لهم بجيبك!”.
“تبًّا لك أنتَ الآخر! كلُّ ما أحمله هو ما أحتاجه لدفع تذكرة الفيلم وشراء ألوان جديدة، وثمن عشاء، ومبلغ احتياطي للتسوُّق، من أين لي ما أعطيه لفريق التبرع هذا؟!”.
“عجبًا! هل كنت أتحدَّث إلى نفسي؟! ما هذا الجنون؟! إنَّ ضُغوط هذه الحياة ومشاغلها لم تُبقِ فينا عقلاً سليمًا واحدًا!”.
حينها، انكفأَ الصوتُ الذي بِدَاخلها على نَفْسِه بتحسُّر، وآثر الصمت على أنْ يكمل ما بجعبته، ووصلت هي إلى وجهتها.
استقبلتْ صديقتها بحفاوة وابتسامة عريضة، وتبادلتا التَّحايا والقُبل.
“أهلا عزيزتي، كيف الحال؟ لم نلتقِ منذ مدة طويلة! كيف هي أمورك كلُّها؟ هيَّا بنا فلنسرع قبل أن تفوتنا بداية الفيلم!”.
…………………….
“أواه! أيُّ وجع هذا؟! قصة تقطِّع نياط القلب!”.
قالتْ ذلك وهي تَمْسَح ما تساقط من شلالات الدموع على خدَّيْها طوال العرض، فيما هزَّت رفيقتها رأسها مؤيِّدة. وتابعت هي مُسترسلة:
“يا لهؤلاء الأنانيين، شديدي الطمع، عديمي الإنسانيَّة! كلٌّ منهم لا يهمه من حياته إلا نفسه، يأكل الأموال أكلاً، ويتملَّك العقارات والأسهم، وينهب في السوق نهبا، ويلتهم كل شيء لنفسه كأنه نار مضطرمة! أمر مُوْجِع حقًّا. لقد كان الفيلم رائعًا جدًّا! من أفضل ما شاهدت طوال حياتي”.
فأجابتها الرفيقة، ولكن بحماسة أقل وهي تنظر كل هُنيهة إلى ساعتها:
“نعم لقد كان مُؤثِّرا إلى حدٍّ بعيد. الآن فلنعد إلى منازلنا”.
“نعم، نعم، ولكن قبل العودة، يجب أن أعرِّج على محل أدوات التجميل قليلا، تصوَّري أنَّ كل ألوان أصباغ الشفاه التي لديَّ كُنت قد اشتريتها خلال الموسم الفائت!”.
“آه! وماذا فعلتِ بها؟”.
“تخلَّصت منها بالطبع؛ فصيحتها أصبحتْ قديمة جدًّا، والآن أحتاج لشراء دفعة جديدة”.
“حسنًا، فلنذهب إذًا”.
ولم تمضِ سِوَى مُدَّة يسيرة على ذلك حتى خرجتْ كل واحدة منهن محمَّلةً بما لو صُبغت به جدران الحي وشوارعه كلها لتبقَّ منه المزيد!
“حسنًا يا عزيزتي، سُعدتُ جدًّا بلقائك، فلنكرِّر هذه اللقاءات بين حين وآخر. لا تقطعينا يا فتاة!”.
ثم لوَّحت كل منهما للأخرى، وسارت في سبيلها.
وَبَيْنما هي راجعة، تناهى إلى مَسْمَعها صَوْت ضعيف لامرأة تبدو متوسطة العمر، كان الصوت قادمًا من الزقاق القريب: “لقد قلت لك ذلك مرارًا يا عزيزي، سأشتريها لك عما قريب! تحلَّ بالصبر قليلا”.
“ولكنَّك تكرِّرين ذلك كل يوم يا ماما! متى سيحل القريب يا تُرى؟ ماما أنا جائع، وأشعر بالبرد! متى يكون لدينا منزل؟”.
التفتتْ إلى مَصْدر الصَّوت، ورأت المرأة تحتضن طفلها بين ذراعيها وتحاول تغطيته بوشاحها الصوفي الذي أغبرَّ لونه لكثرة الاستعمال، وتجيبه في صَوْت متهدِّج:
“عمَّا قريب يا عزيزي، عمَّا قريب”.
ثم تَمْسح دمعتين تحدَّرتا على خديها.
“ما هذا يا ماما؟”.. وأشار الطفل إلى لوحة ضخمة مُعلَّقة على الجدار المقابل للزقاق، فالتفتت إليها الأم، والتفتت هي معهما كذلك.
كانتْ تحمل مُلصق الفيلم الذي خَرَجتْ من قاعة عَرْضِه للتو، مروِّجًا لحكايته الإنسانيَّة الملحميَّة تلك، وحاثًّا الجمهور على الإسراع في شراء التذاكر ليتذكروا دومًا معاناة الإنسان، وينتبهوا إلى المظالم المستمرَّة التي يتعرَّضُ لها!
“آه.. يبدو أنّها مُلصق لفيلم ما يا بُني”.
“وما هو الفيلم يا أمّاه؟”.
“إنَّه أشبه بشريط مصوَّر يُعرَض في قاعة ما على مجموعة من الناس، قصةٌ أو أيُّ شيء آخر”.
لم يستوعب الطفل شيئًا مما قالته أمه، ولكنه ردَّد والدهشة آخذةٌ منه كلَّ مأخذ:
“أريد أن أشاهد هذا الفيلم يا أماه!”.. وأشار إلى اللوحة الضخمة من جديد.
أجابتْ الأم وهي تتصنَّع الاستياء:
“ولِمَ تودُّ أن تشاهد فيلمًا كهذا يا بُني؟ يبدو كئيبًا!”.
“يبدو رائعًا!”.
وفي اللحظة ذاتها تماماً، أقبلتْ إليهما امرأة أخرى، يبدو جليًّا على محياها أنها تصغُر السيدة الأولى بسنوات لولا ما حفرته المصائب على تقاطيع وجهها، ونخرته في جسدها النحيل. مدَّت يَدَها نحو تلك السيدة المتكئة على جدار الزقاق وابنها، مُردِّدةً في استعطاف:
“ساعديني بالله عليك يا سيدتي، حَفِظ الله ابنك الصغير وحفظك من كل سوء، لقد أضنتني المسافات الطويلة وتعب الطريق، ولم ألقَ من يُساعدني في هذا المكان سوى من يجُوْد ببضعة قروش لا تغني ولا تسمن من جوع! ساعديني بالله عليك”.
نظرتْ إليها السيِّدة الجالسة بشيء من التعجُّب، وأجابتها بصوت خفيض:
“بودِّي حقا لو أستطيع مساعدتك يا عزيزتي، ولكن كما ترين”.. وأشارت لحفنة من القروش أمامها، “أنا بنفسي بالكاد أجد ما يكفيني ويكفي طفلي، إنني متشرِّدة كما ترين!”
“أفهم ذلك يا سيدتي، وأقدِّر وضعك حقًّا، ولكنني لاجئة جِئت من أميال بعيدة! عجبًا، أَفَقُدِّر عليَّ أن أفرَّ من الموت تحت لهيب المدافع لأموت بهذه المدينة جوعًا؟!”.
طأطأتْ المرأة الجالسة رأسها بأسى، ومدَّت يدها إلى الحفنة التي أمامها، وأخذت منها ما يُقارب النصف، وأعطته للسيدة الواقفة أمامها.
“هذا، واعذريني على التقصير يا عزيزتي، الأوضاع أصعب مما تتصوَّرين، فليُباركك الله، وليرزقك ما تحتاجين”.
“أواه يا رباه! شكراً لك يا سيدتي العظيمة، هؤلاء العابرون كلهم يمشون بجيوب ملأى بالمال، ويمتلكون أرصدة ضخمة في البنوك، ولكنَّ أحدًا منهم لم يُعطيني رُبع ما أعطيتني إياه! باركك الله لكِ كذلك، وحفظك وحفظ لك ابنك، وفكَّ كربتك ورزقك كل خير!”.
انهمرتْ على السيِّدة الجالسة الدعوات كالمطر، ثم انصرفتْ تلك الشابَّة.
بَيْنَما هي تستمع إلى الحوار كله، وتشهد ما يحدث أمامها، غير مصدِّقة ما ترى، أو مُصدِّقة على مَضَض. ما زالت تذكرة الفيلم وفاتورة محل التجميل في جيبها، أخرجتهما وظلت تتأمل الثمن المدوَّن على كل واحدة في دهشةٍ خالطتها غصَّة. إنَّ ثمنهما يكفي لإطعام هاتين السيدتين والطفل جميعا مدَّة أسبوع كامل – إنْ لم يكن أكثر!
وحانتْ منها التفاتة نحو قائمة الطعام المعلَّقة على جدار المطعم المقابل، وتأمَّلت ثمن الوجبة التي كانت عازمة على شرائها لعشائها. يا تُرى، كم من عشرات “الحفنات” من القروش التي أعطتها تلك السيدة تساوي ثمنا لهذه الوجبة وحدها؟!
وبَرَقت في ذهنها بشكل خاطف صُورة الشاب العامل بفريق التطوع، الذي تقدَّم إليها قبل سويعات سائلا بعضَ المساعدة للجائعين، وفكرُها الذي كان مشغولا بتذكرة الفيلم وثمن أصباغ الشفاه ووجبة العشاء!
شعرتْ بشيء أشبه بالاختناق، وتسلَّل شيء من الحُرقة إلى عينيها، لم تدرِ إن كانت تلك دموعا، أم حساسية عيونها من الكحل والألوان التي كانت تضعها عليهما؟
ظلَّت لمدَّة من الزمن، تنقل بصرها بين الفواتير التي بين يديها، والسيدة وابنها، وقائمة الطعام، واللوحة التي تحمل ملصقَ الفيلم، في دهشة موصولة وذهول وحيرة من أمرها، وكمٌّ هائل من الأفكار يعصفُ برأسها. وفجأة، لفت انتباهها ورقة بيضاء صغيرة مُثبَّتة على طرف اللوحة تلك، مكتوبٌ عليها بضعة أسطر. اقتربت منها أكثر لتتبيَّن ما فيها، فقرأت في مطلعها الشطر التالي:
“يداكَ تلوِّحُ للعائدين، وتحملُ خبزًا إلى الجائعين!
أُحبُّ يديكَ…” (*)
“ربِّ إنِّي أُصَلِّي للَّاجئين، والجائعين، والمشرَّدين، والمحرومين، والمظلومين، والمستضعفين، وجميعِ المعذَّبين على وجه هذه الأرض. أي ربِّ، اعطف عليهم بعطفك، وتحنَّن عليهم بحنانك، وارحمهم برحمتك التي ليست رحمةٌ أوسعُ منها، واستعطف قلوبنا عليهم، وأحيِي ضمائرنا الميِّتة المجدبة اليباب، وأنبتْ الصحاري القاحلة بأرواحنا، بغياثِ المحبة والرحمة والإنسانيَّة، واجعل أفئدتنا على دوامِ الانشغال بحالهم، وجوارحنا مسارعةً إلى البذل في سبيل إنهاء معاناتهم، وأعوذ بكَ -أي ربِّ- من أن تكونَ محكورةً محصورةَ الاشتغال بنفوسنا الأنانيَّة، ورغباتنا الفرديَّة، يا رب”.
“الَّلهم طهِّرنا من أمراضنا القلبيَّة، كما تُطهِّر الأرض بالمطر، من أدران البشر”.
أتمَّتْ قراءة الأسطر كلها، ثم واصلت مسيرها إلى بيتها، وهي تشعر بأن شيئًا ما قد عادت إليه بوادر الحياة مرةً أخرى. شيءٌ بدا حقيقيًّا وواضحًا أكثر من أيٍّ مما يُمكن أن يمرَّ بحياتها. رُبما صوتٌ داخليٌّ أو شيءٌ من هذا القبيل!
——————————————–
(*) من قصيدة للشاعر اللبناني مَهْدِي منصور، غناء الفنانة السوريَّة فايا يونان-2015.

323 total views, 2 views today