عائشة الدرمكي

الثقافة محور التنمية الاجتماعية والاقتصادية في بلدان المعرفة، ذلك لأنها تعبِّر عن حاجات تلك البلدان وفكرها وحضارتها، ولعل انبثاق الثقافة من الفرد إلى الجماعة، تجعلها تمر بمجموعة من المراحل، فبعد أن كانت الثقافة تعبِّر عن أيديولوجية خاصة بمجتمع بعينه، إذ تعبِّر عنه وعن هُويته، أصبح في أواسط الأربعينيات ينظر إليها بوصفها تعبير عن ركود المجتمع وعنصر سببي في هذا الركود على حد سواء نتيجة لظهور مؤثرات أخرى غيرت ليس فقط من طريقة النظر إلى الثقافة بل غيرت حتى طريقة تعامل الفرد والمجتمع معها من حيث الإنتاج، فقد ذكر (آلن هاو) في كتابه (النظرية النقدية) أن ما جعل الثقافة لافتة بالنسبة لـ (المنظرين النقديين) هو ما تميزت به من غياب الدينامية، حتى أن (أدورنو) ابتدع مصطلحًا مهمًّا في هذا المجال هو (صناعة الثقافة) بغرض التقاط مدى تغلب القوى الصناعية على الثقافة وسيطرتها عليها، ولهذا تم اعتبار هذا المصطلح بوصفه ضربًا من الهجوم على الثقافة الشعبية أو الجماهيرية بشكل عام، إلا أن هذا ليس صحيحًا، فقد لجأ (أدورنو) إلى هذا المصطلح لأنه وجد أن مصطلح الثقافة الجماهيرية ليس وافيًّا لما ينطوي عليه من أن الثقافة الحديثة هي من نتاج الجماهير بمعنى من المعاني، في حين أنها نتاج صناعي يُباع للجماهير كسلعة في حقيقة الأمر، وبالمقابل فإن ذلك التقارب الغريب بين (الثقافة) و(الصناعة) هو وحده الذي أنصف حقيقة أن الثقافة لم تعد ذلك التعبير الإنساني الحي المتأسِّس على التكامل الاجتماعي بقدر ما غدت نتاجًا للمصالح التجارية المتداخلة قائمًا على التلاعب والمضاربة.

ولقد مثلت الثقافة إحدى الزوايا الثلاثة في مثلث الحداثة، فالمتغيرات في الاقتصاد السياسي، والتغيرات في علم النفس الاجتماعي، التي غدت تخدمها سيرورة ثالثة هي إغراء صناعة الثقافة، دفع بالمهتمين بمجالات الثقافة لأن يسلطوا ذلك على الأفلام، والمذياع، والتلفاز، والموسيقى حتى الشعبي منها، والصحف التي عملت بكل سرور على تعزيز ذلك الوهم الذي مفاده أن (الحياة الحسنة) إنما توجد في السلعة.

ولهذا فإذا كانت الحياة التي يدعيها أصحاب هذا الاتجاه مرتبطة برابط ما مع السعادة والحسيِّة، وإيجاد معنى للحياة، فإن النتاجات التي تقدمها الصناعات الثقافية لم تَقُد الذات صوب تحقيق السعادة، والحسية والمعنى، بل حرفتها بعيدًا عن ذلك كله. ولقد كانت الثقافة ذات مرة مستودع عناصر كالحقيقة والجمال، وعلى الرغم من أن هذه العناصر كانت تحمل طابع العلاقات الطبقية إلا أنها كانت تنير الدرب أمام إمكانية التحقق الإنساني وبالمقابل لم تعد الثقافة تعمل الآن إلا بوصفها انحرافًا عن الواقع.

هكذا توفِّر صناعة الثقافة آلية أساسية لتكييف الأفراد ذلك التكيُّف السَّلِس تبعًا لمقتضيات السلوك التي تقتضيها الرأسمالية الاحتكارية؛ لأنها توفِّر إحساسًا بالإثارة في الوقت الذي تمارس فيه تأثيرها المنوِّم أو المخدِّر، وهي تبتر امتلاء التجربة الجمالية وتشيده بطريقة تتسق تمامًا مع انحدار الفرد واضمحلاله في عصر المادة.

في كتابه (الإنسان ذو البُعد الواحد) يوضِّح (هربارت ماركوز) ما للمجال الثقافي على المستوى المجتمعي من مؤديات سياسية، ففي سجاله الذي يناقشه هنا يعتقد أن المجتمعات الرأسمالية الحديثة لم تفلح في أن تدمج في منظومتها الطبقة العاملة وحدها بل أيضًا قوى المعارضة جميعًا، وقد رأى ماركوز أن بدائل الوضع القائم قد خُنقت بالفعل، وأن الحياة قد غدت أحادية البعد.

في هذا الكتاب يوضح ماركوز أن حقيقة إدماج البشر المتزايد في المجتمع هو شيء لا ينبغي أن يكون كذلك في حالة السواء، ولكي يبيِّن ذلك فإنه يحتاج لأن يلفت الانتباه إلى واقع الذات الإنسانية باعتبارها ليست مجرد ملحق اجتماعي من ملحقات المنظومة، فهو يرى أن كل الأشياء التي نعتبرها حاجات، وتتعدى ما هو بيولوجي، هي إلى حد بعيد نتاج يعتبره المجتمع حاجة، غير أن بمقدورنا، و(علينا) أن نميِّز الحاجة الزائفة، بوصفها شيئًا يفرض على الفرد من الخارج، شيئًا تفرضه القوى التي لها مصلحة في قمع هذا الفرد.

فهو يرى أن الثقافة في أصل تعريفها (ثنائية البعد)، لأنه لا قوام لها ـ بحسب تعبيره ـ إلا إذا ميَّزَت بين الواقع وبين ما كان يمكن أن يكونه هذا الواقع، بيد أن الطاقة الهائلة التي تملكها وسائل الاتصال الجماهيري في المجتمعات التكنولوجية هي في سبيلها اليوم إلى التخفيف مِن حِدة التناقض بين الواقع الثقافي والواقع الاجتماعي عن طريق دمج قيم الأول بالثاني وإعادة توزيعها على نطاق واسع وتجاري.

ولهذا أصبحت الثقافة في المجتمع التكنولوجي بضاعة، وحتى موسيقى الروح أمست موسيقى تجارية أو قابلة للتتجير. وإذا كان عالم الأدب والفن قد مثََّل على الدوام بالنسبة إلى الناس عالماً متعاليًا، وبعدًا آخر للواقع، وهو (الرفض الأكبر) -كما يقول ماركوز- فإن هذا الرفض قد بات اليوم مرفوضًا وامتص عالم الأعمال (البعد الآخر).

ومما قدمته مدرسة (النظرية النقدية) بوصفها الفكري الفلسفي الماركسي في هذا المجال بالإضافة إلى ذلك هو التمييز بين نتاجات صناعة الثقافة والفن (المستقل) أو (الأصيل)، فقد قدم (ماكس هوركهايمر) من خلال موقفه من الثقافة عمومًا، تحولاً من النظرية المتفائلة العريضة التي عبر عنها في برنامجه الأصلي، إلى نظرة أشد تقييدًا عبَّر عنها في (الفن والثقافة الجماهيرية)؛ فقد رأى أن الفن كما نعرفه غدًا مهمًّا في حقبة الفردانية الحديثة، وأن بمقدور الأفراد أن يعرفوا أنفسهم بوصفهم أفرادًا في الفن، على الأقل بالقدر الذي لم يخضعوا فيه لما يجري عمومًا من تسطيح التجارب والمساواة بينها وبالقدر الذي تظل فيه ارتكاساتهم بعيدة عن تلك الارتكاسات الآلية الميكانيكية التي تتطلبها صناعة الثقافة، أما (فالتربنيامين) فقد اتخذ من الثقافة الجماهيرية موقفًا مختلفًا، فقد شعر أن الثقافة الجماهيرية تنطوي على طاقة تحررية معينة نظرًا لكونها متاحة فكريًّا وماليًّا أمام أعداد كبيرة من البشر.

ولعل تزامن صناعة الثقافة في بداية القرن وما تلاه إلى الآن طفرة معلوماتية حديثة سيقود الثقافة نحو متغير جديد؛ إذ تكشف التقنية هنا عن مغزاها الثقافي بصفتها ساحة ثقافية في المقام الأول، بجانب كونها بنية تحتية لصناعة الثقافة، ذلك لأن شبكة الإنترنت -بحسب نبيل علي في (الثقافة العربية وعصر المعلومات) – تتعامل مع جميع عناصر المنظومة الثقافية، سواء بوصفها ـ أي الثقافة ـ تراثًا قوميًّا أو بوصفها إبداعًا وتعبيرًا أو بوصفها منتجة للسلع والخدمات والأصول الرمزية. بالإضافة إلى أن الشبكة تسهم في تشكيل وعي الفئات الاجتماعية، وتلعب دورًا حيويًّا في تكامل منظومة الثقافة مع منظومات التربية والإعلام والاقتصاد، ولهذا فإن هذه البنية المعلوماتية الجديدة توفر بيئة مثالية لحوار الثقافات والتهجين الثقافي، إلا أن ذلك سيرسخ من جهة أخرى (صناعة الثقافة) في عصر أصبحت المادة والآلة هما الأداة الوسيطة بين الناس في نقل تلك الثقافة. فما يجعلنا هنا نعيد طرح إشكالات تم طرحها منذ أمد بعيد، هو ذلك الانكفاء المتزايد على وسائل التواصل الإلكتروني بوصفها متنفسًا من الناحية النفسية، وتواصليًّا من الناحية الاجتماعية، وحضاريًّا من الناحية الثقافية، وهي وإن وصفت بذلك إلا أنها تعتبر شكلاً مِن أشكال السيطرة من ناحية، ومجالاً لصناعة مجموعة هجينة من الثقافات، وهذا ما سيجعل الفعل التواصلي للثقافة غير مؤهل تمامًا للقيام بالتنسيق بين الأفعال في الواقع المادي الحالي للمجتمع، بل لقد أصبح عاجزًا في أغلب حالاته، ولذلك فإن المجتمعات تلجأ إلى وسائط النقود والسلطة (التي تعتبر الإلكترونيات من أهم وسائلها)، والتي تمكِّن الاقتصاد في أي دولة بوصفها أنساقًا اجتماعية أن تحقق استقلاليتها عن العالم المعيش، ولهذا فإن هذه الأنساق تُعرف اليوم بوصفها أنساقًا ذات نزعة توسعية ومهيمنة ترغب في احتلال كل جوانب العالم المعيش والسيطرة عليه، مما سيؤدي إلى أضرار نفسية واجتماعية كبيرة، وسيطرح على المستوى السياسي أزمة شرعية محققة.

إن (الثقافة) ليست ظاهرة مادية ثابتة، وبالتالي فإنها يمكن أن تتحرر وتنعتق من كثير من الضوابط التي يحاول الإنسان التقيد بها في ظل الكثير من المعطيات الحديثة، ولهذا سنجد أن اصطلاح (صناعة الثقافة) يترسخ ويتجدد بتجدد المعطيات المادية للمجتمعات، وعليه فإننا نحتاج على الدوام أن نعمل من أجل ترسيخ المفهوم المتنامي للثقافة، والذي أصبح اليوم يتعقد ويتداخل؛ إذ أصبحت الثقافة تمثل كل ما يتعلق بالتراث الإبداعي وطرائق التعبير عنه بل إنها منتجة للسلع والخدمات والأصول الرمزية التي غدت اليوم شبكات الإنترنت تمثل البيئة المثالية للحوار الثقافي الذي يشكل تلك المنظومة الثقافية، وعلى الرغم من أن هذه البيئة تمثل خطورة على هوية الثقافات إلا أننا لابد أن نتعامل معها بوصفها بيئة خادمة ولها ضرورتها في (صناعة الثقافة) بالمعنى الإيجابي للمصطلح لا بمعنى التصنيع وتشيئ الثقافة وتسليعها، وبالتالي علينا أن نعيد النظر في (السياسة الثقافية) التي تولي هذا التيار أهمية من حيث التوصيف والطرح الموضوعي.

4,825 total views, 2 views today