ahmed

د. احمد الاسماعيلي
في العدد الثالث من هذه المجلة، نشرتُ مقالا عن العلاقات العُمانية الإيرانية وأثرها في الاندماج الخليجي، وفيه تحدَّثت بشكل واضح عن مُنطلقات السياسة الخارجية العُمانية -سواء تلك المنطلقات البنيوية المتعلقة بالذات في تركيبتها وتأريخها البنيوي الداخلي، أو تلك التي فرضتها الجغرافيا السياسية، كما فرضتها أيضا العوامل الجيوسياسية الإقليمية المعاصرة مع العالم العربي والخليج بشكل خاص- وكذلك العوامل الجيوستراتيجية مع إيران والهند ودول المحيط الهندي. كل هذه العوامل البنيوية والجيوسياسية والجيوستراتيجية جعلتني -شخصيا- أؤمن بأنَّ السلطنة لا بد لها من خلق مسافة محددة في علاقاتها الإقليمية والدولية، وأنَّ مقدار تلك المسافة تحدِّده صيرورات الواقعية السياسية بشكل كبير عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

بَيْد أنَّ ذلك المقال لم يكن معنيًّا بصورة كبيرة بتحليل فضاءات أخرى كانت تشتغل عليها الدبلوماسية العُمانية طوال نصف قرن (بداية من 1970)، وهو الفضاء المتعلق بالسلم والأمن الدوليين. إنَّ هذه المسألة مهمَّة جدًّا، كما يبدو أننا نحاول في هذا المقال أن نكمل المساحات الخالية التي تركتها تلك الأطروحة التي تحدثت عنها في مقالي السابق عن العلاقات العُمانية الإيرانية؛ بل ربما تصبح في هذه اللحظة الزمنية أكثر أهمية؛ نظرا للتشويهات الفكرية التي كرَّستها بعض الأقلام بعد توقيع المرحلة الأولى من الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (5+1)، إضافة إلى موقف السلطنة من الصراع في اليمن؛ فضلا عن موقفها مما يحدث من صراعات إقليمية وعربية.

الإشكال الذي يُمكن أن نتحدث عنه في هذا المقال يكمُن في كشف طرائق تفكير العقل السياسي العُماني في علاقته مع الآخر؛ أي: محاولة فهم ماهية العقل السياسي العُماني في علاقته مع الآخر: لماذا تحاول الدبلوماسية العُمانية اليوم فرض أنموذج السلام في علاقاتها البينية مع الدول الأخرى؛ بل تسعى إلى فرض هذه الرؤية حتى بين الفرقاء عربيا وإقليميا؟ لماذا لم تشترك عُمان في الصراعات العربية والإقليمية منذ أكثر من أربعين عاما؟ هل يمكننا اعتبار مفهوم “الحياد” ذاته جزءًا من لعبة “الصراع الصامت”؟ كل هذه الإشكاليات تُثار بين الفينة والأخرى من قبل المحلليين السياسيين في العالم العربي والخليجي، خاصة في هذه اللحظة الحرجة من الصراع اليمني، والتي تشكل تحولا عميقا في العلاقة البينية العربية.

ما زلتُ أقول بأنَّ عُمان -في تأريخيتها وجغرافيتها وصيرورتها السياسية وبنيتها الفكرية وتركيبتها الداخلية- تُمثل أنموذجا مُختلفا في منطقة شبه الجزيرة العربية أثَّرت على طرائق تفكير العقل السياسي العُماني، الذي أصبح ينطلق من هذه المنطلقات في قراءته للواقعية السياسية، وهذا لا يعني أننا الأفضل أو أنَّ لنا مميزات مختلفة عن الآخرين، غير أنَّ العوامل البنيوية والجيوسياسية لكل دولة قد لا تنسجم بالضرورة مع الواقعية السياسية لدولة أخرى، وأنَّ مجلس التعاون الخليجي لم يصل بعد إلى مرحلة الاندماج الفكري والاجتماعي والاقتصادي ليُشكِّل مناخات ملائمة تنتج موقفا سياسيا موحدا.

غير أنَّ تلك العوامل البنيوية والجيوسياسية التي ينطلق منها العقل السياسي العُماني لا تجعلنا نغفل أهمية الدور العميق الذي لعبه السلطان قابوس -حفظه الله وأدام عليه نعمة الصحة- من أجل تكريس نظرية السلام في المحيط الإقليمي، وهذا بحدِّ ذاته يُعتبر من أهم العوامل التي جعلت السلطنة تحتكم في كافة الصراعات الإقليمية إلى السلام بدلا من الحرب أو الصراع بأي شكل من أشكاله؛ إذ تؤكد الخطابات السياسية التي ألقاها السلطان طوال السنين الماضية (بداية من العام 1970) -وكذلك ممارساته السياسية- أنه رجل سلام، وأنَّ السلام والأمن الدوليين هما الغاية النبيلة والسامية التي يسعى إليها؛ سواء فيما يتعلق بالحركات الداخلية في عُمان، أو تلك الأحداث السياسية التي جرت في العالمين العربي والإسلامي طوال السنوات الخمسة والأربعين الماضية. إنَّ العمق المعرفي والتعليمي الذي حظي به السلطان، إضافة إلى تراكم الخبرات التأريخية لأسرة آل سعيد في عُمان، وسياقات الصراع في بدايات تكون الدولة الحديثة؛ كلُّ ذلك كان له تأثيره العميق في إدراك السلطان -منذ اللحظات الأولى لتوليه الحكم في عُمان- أهمية ترسيخ مبدأ السلام كخيار جوهري لا يمكن المساومة عليه بأي عملية براجماتية؛ سواء في تلك الصراعات الدينية أو الإثنية أو القومية التي اجتاحت المنطقة في فترات تأريخية مختلفة.

… إنَّ النصوص السياسية الأولى (من العام 1970 إلى 1980) والتي رسمت الإطار العام للدبلوماسية العُمانية، كلها كانت تؤكد على “نظرية السلام” كخيار إستراتيجي تؤمن به السلطنة في علاقاتها الخارجية، وظلت البلوماسية العُمانية تتعامل بذات النصوص حتى هذه اللحظة، وهي لحظة الصراع الخليجي في اليمن، ولهذا يحق لنا -كمثقفين- أن نتساءل: لماذا هذا العتب من الأشقاء في كل مواقف السلطنة حيال الأزمات العربية؟ ولماذا هذا العتاب في عدم تدخل السلطنة في الصراع الخليجي اليمني؟

أتصور أنَّ هناك إشكالا موضوعيا مهمًّا ينبغي أن يحظى بمزيد من التحليل؛ يكمُن في صيغة “العقد السياسي” الذي ينتظم عليه مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهي صيغة توافقية تسعى نحو الاندماج إذا ما تهيَّأت لها الظروف والأسباب؛ وإذا ما تعثَّرت أحيانا فإنها ترتق بالمثالية الاجتماعية التي تعبر عن أخلاقيات العقل الاجتماعي الخليجي، كما لا يمكن مطلقا أن نفهم صيغة العقد السياسي بما تمليه دلالات العقد الاجتماعي؛ لأن طرائق التفكير السياسي -سواء فيما يتعلق بنظرية السلام، أو نظرية الصراع- ينبغي أن تكون واضحة وإلا لتعثرت معظم الصيغ السياسية العربية، ولهذا قال معالي يوسف بن علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، في معرض حديثه عن الصراع في اليمن: “لا يُمكن لنا أن نشارك في الحرب ونحن نتحدَّث يوميًّا عن صناعة نظرية السلام؛ هذا لا يمكن”.

لنعد إذن إلى البناء التأريخي لصناعة نظرية السلام في العلاقات الدبلوماسية العُمانية منذ بداية العصر الحديث؛ لنؤكد أن الدبلوماسية العُمانية رسمت منذ العام 1970 المبادئ الأساسية لها في علاقتها مع الآخر؛ فبعد الانكماش الكبير الذي حدث للدولة العُمانية، وبعد تصفية العُمانيين من سُلطتهم السياسية ومكانتهم الاجتماعية في شرق إفريقيا (زنجبار) عام 1964، والمذابح الجماعية التي تعرَّضوا لها هناك، وبعد اشتغال العُمانيين في الفترة من العام 1965 إلى 1975 بالحروب الداخلية (الاشتراكية في الجنوب، والإمامة الدينية في الشمال)، وبعد انتهاء هيمنة عُمان على جوادر عام 1958م، أدركت الدبلوماسية العُمانية أنَّ الدولة لا يمكنها أن تتوسَّع في هذه اللحظة التأريخية نحو المحيط الهندي وشرق إفريقيا كما كانت عليه سابقا. ومن هنا، خرجت السلطنة عن فضائها التقليدي السابق الذي كانت تتحرك فيه؛ لتعيد إنتاج العلاقة مع العالم العربي؛ أي دخلت في عُمق العالم العربي، وطلبتْ الانضمام إلى الجامعة العربية، كما أعلنت السلطنة -في الوقت ذاته- مبادئها في السياسة الخارجية؛ وذلك في خطاب السلطان قابوس في العيد الوطني عام 1973، بقوله: “إنَّ سياستنا الخارجية تقوم على الخطوط العريضة الآتية (الخطاب الوطني للسلطان بتاريخ 18/11/1973):

– أولا: انتهاج سياسة حُسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة.

– ثانيا: تدعيم علاقاتنا مع الدول العربية، وإقامة علاقات ودية مع دول العالم.

– ثالثا: الوقوف بجانب القضايا العربية في المجالات الدولية.

… حرصت السلطنة على هذا النهج منذ البدايات التأسيسية الأولى للدولة العُمانية الجديدة، وتمثلت تلك المبادئ في علاقاتها البينية مع منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربي، ومع الدول العربية تحت مظلة الجامعة العربية، والدول الإسلامية -مُمثلة في مُنظمة المؤتمر الإسلامي- وبعدها مع كافة دول العالم تحت مظلة الأمم المتحدة، وقامتْ بالتأكيد على تلك المبادئ من خلال التوقيع على الاتفاقيات المتعلقة بالسلام والأمن الدوليين؛ ومن أبرز هذه المواقف: “إقامة علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية منذ البدايات الأولى لحكم السلطان قابوس في وقت كانت الصين فيه من المؤيدين الفعليين لثورة الجنوب في عُمان؛ ومنها أيضا: إقامة علاقات دبلوماسية مبكرة مع الاتحاد السوفييتي الذي وقف مع اليمن الجنوبي ضد السلطنة بالمال والسلاح والعقائد” (زاهر المحروقي، العلاقات العُمانية الإيرانية وسياسة الأمر الواقع، جريدة الشبيبة، بتاريخ 5/5/2009). كما حرصتْ أيضا على توقيع معاهدات الحدود الجغرافية مع الدول المحاذية لها -كاليمن, والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة- حرصا منها على تأكيد مبادئ السلام.

هذه المبادئ والأهداف جعلتْ السلطنة تمارس دبلوماسية الحياد، أو تلعب دورَ الوسيط في الأحداث التي مرَّت بها الدول العربية والإسلامية طوال نصف قرن تقريبا، وظلت مُحتفظة بعلاقاتها الدبلوماسية مع مصر بعد المقاطعة العربية؛ وذلك بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، مع تأكيدها أنها مع الموقف العربي في تلك الأزمة، وأسهمت في عودة مصر إلى الصف العربي، كما “كان للدبلوماسية العُمانية دور حيوي في استمرار الحوار بين مصر وإيران خلال فترة انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين منذ العام 1979 وحتى استئناف هذه العلاقات في 26 مارس عام 1991، وساهمت السلطنة بنجاح في إطلاق سراح البحارة والصيادين المصريين الذين احتجزتهم إيران خلال سنوات الحرب العراقية-الإيرانية، كما ساهمت بنجاح في إطلاق سراح الأسرى المصريين الذين احتجزتهم إيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية” (إبراهيم نوار، السياسة الخارجية العُمانية من العزلة إلى دبلوماسية الوساطة، جريدة الأهرام المصرية، 1 أكتوبر 1992). كما ظلت مُحتفظة بعلاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980-198؛ حيث رفضت السلطنة دعوات المقاطعة العربية لإيران، وظلَّت تمارس دور الوساطة بين الدولتين بالرغم من أنَّ العراق كان من أكبر الداعمين لحركة التمرد في الجنوب العُماني في بدايات العقد السابع من القرن العشرين. وفي المقابل؛ كان لإيران دور حاسم في القضاء على تلك الحركات المتمردة في ظفار. كلُّ ذلك كان إيمانا منها بأهمية السلام مع كافة دول العالم.

… يُمكننا أن نعيد طرح الإشكال السابق؛ وهو: هل الحياد يتضمَّن جزءا من لعبة الصراع؟ هذا في حد ذاته إشكال معرفي؛ لكننا عندما نحتكم إلى الأحداث التاريخية، فإنَّ الإجابة عنه تبدو أكثر وضوحا؛ حيث يمكننا أن نعتبر الحياد صورة من صور الصراع السياسي فيما إذا كان حيادا مُورس في حدث تاريخي معين كان يهدف إلى غايات براجماتية؛ لكن عندما نرى أنَّ هذه الدولة تمارس الحياد عبر سياقات تاريخية طويلة، فإنَّه لا يمكن مُطلقا أن نتصوَّر أنها تمارس الحياد كجزء من لعبة الصراع الإقليمي أو الدولي. لقد مارست السلطنة الحياد في كافة سياقات الأحداث التاريخية -عربيا، وإقليميا، وعالميا- بل حتى مع تلك الدول التي شجعت الحركات اليسارية أو الحركات الدينية التي حدثت في عُمان في بدايات العصر الحديث، لقد مدَّت عُمان يدها إليها إيمانا منها بأن السلام هو الأساس النظري والعملية لأي صيغة سياسية ترتكز على الحياد الدولي مستقبلا.

… إنَّ النصوص التأسيسية للمبادئ السياسية للدولة العُمانية الحديثة، إضافة إلى الممارسات السياسية مع المختلف السياسي، والسياقات التاريخية أدت لثبات مفهوم الحياد الإيجابي للدبلوماسية العُمانية في علاقتها مع الآخر المختلف داخليًّا وخارجيًّا، وكعامل مهم في بناء أسس السلام الدولية، كما أدَّت إلى استمرار الاستقرار السياسي في عُمان. تلك إذن كانت مُحركات عديدة آمنت بها الدبلوماسية العُمانية، وأسهمت في صياغة نظرية السلام والأمن الدوليين؛ لتكون المنهج الذي تسير عليه الدبلوماسية العُمانية في علاقتها مع الآخر.

6,499 total views, 2 views today