Aaa_1705

أمامة مصطفى اللواتيَّة

ظاهرتان استَرْعَتا انتباهي في مسيرة الإعلام العربي، أُركِّز عليهما في هذا المقال، مع التأكيد على أنَّهما تستدعيان مزيدًا من البحث والنقاش؛ الظاهرة الأولى عهدناها في فترة ما قبل ثورة التغيير في الإعلام العربي، والتي تمثَّلت في انطلاق قناة “الجزيرة” وقنوات أخرى لاحقاً، وما تبع ذلك من تغييرات جذرية في مُجمل الخطاب الإعلامي العربي ومضامينه وأدائه ومهنيته، حينها كان الإعلام الرسمي العربي أداةً لإعادة إنتاج الأخبار الغربية عبر اشتراكه في استهلاك الخدمات الإخبارية التي تقدمها الوكالات والصحف الدولية.

صناعة الخبر الإعلامي

وبما أنَّ أحد مُتطلبات صناعة الخبر الإعلامي هو تأسيس شبكة من المراسلين والصحفيين والمصوِّرين الموجودين في ساحة الحدث، ومن ثمَّ صياغة الخبر وفق معايير مهنية محددة وإعادة إرسال هذه الأخبار عبر الوكالات الدولية العالمية المعروفة؛ مثل: رويترز، والإسوشيتدبرس…وغيرهما؛ فإنَّ هذه الصناعة كانت صناعة غربية بامتياز. وقد سادتْ لفترة طويلة نظريات التدفق الإخباري غير المتوازن من دول الشمال إلى دول الجنوب، إلى الدرجة التي أضحت فيها هذه المصادر الأجنبية -وما أفرزته من مصطلحات ومفاهيم- البديل الوحيد رغم انحيازه لظاهرة التكتم الإعلامي الداخلي حول أحداث المنطقة العربية والشأن المحلي ومشاكلهما. ورغم وعي الباحثين اليوم بالمواجهات اللغوية التي تقودها جهات متعددة لإنتاج المصطلحات الإعلامية، إلا أنَّ صحفنا المحلية مثلا لا تزال محافظة إلى حدٍّ كبير على الصياغة الخبرية التي تتبناها الوكالات والصحف العالمية فيما يتعلق بالأخبار الدولية، ويُمكن مُلاحظة مدى تشابه الصياغة الخبرية للأخبار المُستقاة من المصادر الخارجية إذا ما قارنا الأخبار ذاتها في الصحف العُمانية، في حين أنَّ هذه الصحف تنتهج أسلوبا مخالفاً تماما في الصياغة الخبرية للأخبار المحلية، مُقدمةً شخصيات الحدث الرسمية على قيمة الحدث نفسه، بل وإغفال آنية الأخبار، رغم أنها تمثل واحدة من القيم الإخبارية المهمة التي تجعل الخبر محور اهتمام.

توطين المصطلحات الإعلاميَّة

وفي الإشكالية ذاتها، فإنَّ هناك العديدَ من المصطلحات الإعلامية الأجنبية التي تمت ترجمتها بشكل حرفي من غير مراعاة قضية (توطين المصطلح) حسب السياق الثقافي واللغوي العربي. ويؤكد د.جمال الزرن* هذا التوجه؛ فهو يرى أن الإعلام العربي يقوم باستهلاك مصطلحات جاهزة من الإعلام الغربي؛ من خلال عملية ترجمة الرسائل الإعلامية الغربية إلى العربية دون تفريغها من خلفيتها الثقافية والحضارية لتناسب الجمهور المحلي. ويضرب مثلا على ذلك باستخدام مصطلح “قوات التحالف”؛ حيث يتساءل: “كيف تعتمد الصحافة العربية مصطلح “التحالف” ومجلس الأمن ضده؟! إنَّ تبني المصطلحات يعني تبني القناعات والخلفيات التي قامت من أجلها هذه الحرب”.

ورَغْم تميُّز الإعلام العربي -خاصة القنوات الفضائية- في تغطية الغزو الأمريكي على العراق، وانتشار مراسلي هذه القنوات كـ”الجزيرة” و”العربية” في عدد كبير من المناطق العراقية، وتحديهم المستمر للروايات الأمريكية، وكشف تناقضها بشأن ما يحدث في ساحة القتال، إلا أنَّ الباحث ( كنانة، ٢٠١٢)** يناقش المصطلحات المستخدمة في الحرب الأمريكية على العدوان، ويرى أنَّ معظم القنوات الإعلامية العربية لم توفَّق في اختيار المصطلح المناسب؛ فقد اختارت قناة “الجزيرة” -مثلا- مصطلح الحرب على الإرهاب، وهو مصطلح مترجم عن إعلام البنتاجون (War on Iraq) ويسبغ على الحرب الشرعية الاجتماعية والأخلاقية التي توجب الاصطفاف حوله، وهو استخدام مُشابه لمصطلحات أمريكية أخرى؛ مثل: الحرب على المخدرات، والحرب على الجريمة. ويضيف الباحث بأنَّ قناة “الحياة” اللبنانية مثلا اختارت مصطلح “حرب على العراق”، وقناة “المستقبل” “العراق في مهب الريح”، وهي عناوين غير دقيقة، بينما اختارت “المنار” المصطلح الأقرب للواقع -كما يرى الباحث- وهو “العدوان الأمريكي البريطاني على العراق”.

الضغط الشعبي

إلى جانب تبنِّي المصطلحات الغربية الإعلامية وجوانبها الفكرية فيما يتعلق بصراعات ومشكلات المنطقة المتعددة مع القوى الدولية، فإنَّ هناك انسياقا لتبني ما يتصل بهذه المصطلحات من ممارسات سياسية وتعبوية على المستوى الدولي، ومن غير التفات إلى أن هذه المفاهيم والمصطلحات تمت صناعتها وصياغتها في سياق غربي ينطلق من موقف القوة الذي تتمتع به تلك الدولة، ويعكس سياساتها وتوجهاتها الأجنبية، وما تحاول أن تفرضه على المنطقة العربية. ومن الأمثلة الجديرة بالذكر، والتي أدت إلى حيرة الإعلام العربي، ومن ثم أجبرته -بسبب الضغط الشعبي- على تغيير مصطلحاته، وهو ما أسفر عنه انسحاب الكيان الصهيوني من الجنوب اللبناني -عدا مزارع شبعا- في العام ٢٠٠٠؛ حيث إنَّ القنوات العربية دأبت على السير على خطى السياسة الأمريكية والإعلام الغربي في تسمية حزب الله بالمنظمة الإرهابية طوال السنوات التي سبقت التحرير، رغم أنَّ هذا التصنيف السياسي بالدرجة الأولى تصنيفٌ أمريكي غربي ترتبت عليه آثار دولية عديدة، إلا أنَّ وسائل الإعلام العربية تبنت هذا المسمى وأصبحت تصف الحزب بالمنظمة الإرهابية في توافق تام مع الإعلام الغربي والإعلام الصهيوني.

جاء التخبط -وربما التحدي- بعد التأييد الشعبي الواسع لنجاح الحزب في تحرير أراضٍ عربية مسلوبة من جهة لطالما أشار إليها الإعلام العربي في خطاباته بالدولة المحتلة والمعتدية، وساد فيها لسنوات الخطاب الذي يُؤكد على رغبة العرب في مواجهة حاسمة لانتزاع حقوقهم المسلوبة من الصهاينة. وفي هذا الوضع المحرج، كان من غير الممكن للإعلام العربي -وتحت ضغط مشاعر الفرحة والبهجة التي اجتاحت الكثيرين- أن يستمر في توصيف الحزب بهذه الطريقة. ومن الملاحظ أنه رغم ظهور جماعات إسلامية أخرى في المنطقة كـ”القاعدة” و”داعش”، إلا أنَّ عدداً من القنوات العربية لم تستخدم تسمية الجماعات الإرهابية لوصف هذه الجماعات المتشددة فكريًّا؛ لأسباب لا يتسع المقال هنا لعرضها. (لمزيد من القراءة حول التناول الإعلامي العربي والدولي لحزب الله قبل وبعد تحرير الجنوب اللبناني عام ٢٠٠٠، يُرجى مراجعة الكتاب التالي: “صورة المقاومة في الإعلام: حزب الله وتحرير لبنان”، تأليف محمد محسن وعباس مزنر، مركز الدراسات الإستراتيجية للبحوث والتوثيق، ٢٠٠١).

فخ المصطلحات

الظاهرة الأخرى التي اجتاحت الإعلام العربي، والتي أفرزتها الصراعات العربية-العربية الطاحنة، المشحونة بدعوات الطائفية والعرقية والتكتلات السياسية المختلفة مع القوى الخارجية: وقوع القنوات العربية التي تمتَّعت بنوع من الاستقلالية المؤقتة في بداياتها في فخ حسابات هذه التكتلات السياسية، ومن ثم قيامها بحروب إعلامية بالنيابة عن دولها، ونتج عنه ما يمكن أن أسميه بتفصيل المصطلحات، حيث يتم إنتاج المصطلح وتوظيفه حسب النموذج الإعلامي الذي سيُقدم فيه. وإذا تغاضينا عن الإفراز المصطلحي للإعلام الغربي، فإنَّ الإعلام العربي أصبح يُتقن لعبة المصطلحات ودلالاتها وتأثيراتها على المتلقي، خاصة مع توظيف الجانب التكنولوجي بشكل حرفي، وظهور شبكة من المراسلين والصحفيين والمقدمين المتخصصين، وتميُّز بعض هذه القنوات في الصحافة الاستقصائية، إلا أنه أصبح من الشائع أن نسمع إعلام دولة عربية يصف مجموعة محددة بالمتمردين، في حين يصفها إعلام دولة مجاورة بالمسلحين أو المقاتلين أو الثائرين. أو أن تسبغ جهة محددة على ضحاياها لقب الشهداء، في حين تكتفي جهة أخرى بوصفهم بالقتلى أو الضحايا، وهو ما أدَّى إلى تغيير حتى في المفهوم الديني لبعض المسميات كلفظة الشهيد مثلا.

ورَغْم أنَّ الإعلام العربي أصبح أكثر تحكماً وتمكنا في استخدامه للمصطلحات الإعلامية -وتوظيف ما سماه الدكتور علي ناصر كنانة بـ”جيوش اللغة والإعلام”-  في المواجهات العربية-العربية في السنوات الأخيرة، لكنه فشل في هذه المهمة في صراعاته العربية-الدولية، وانساق وراء المصطلحات المستوردة، مُتجاهلا أن اللغة اعتقاد وسياق وسياسة لا يمكن أن نجتزئ منها المصطلح ونغفل عن ارتباطاته الأخرى.

بين المهنية والحقوق التاريخية

وهنا.. لابد من مرارة الاعتراف بأنَّ الإعلام العربي بتساهله وتبنيه بعضَ المصطلحات التي أقرَّتها قوى دولية بدعوى المهنية، قد تنازل بذلك عن حقوقه الحالية، بل وحتى حقوقه التاريخية؛ فقد توقف الإعلام العربي منذ زمن طويل عن وصف الكيان الصهيوني بهذا الاسم لصالح اسم “إسرائيل”، ودخلت مسميات لمدن حديثة نشأت أساسا على مدن مسلوبة؛ مثل: “تل أبيب”، ومصطلحات مثل: “الجدار الأمني” عوضا عن “جدار الفصل العنصري” في إعلامنا العربي، وأصبحت بعض القنوات المؤثرة لا تتردَّد في إظهار خريطة فلسطين على أنها “دولة إسرائيل”. بالتأكيد؛ فإنَّ هذا التكرار في الخطاب الإعلامي يؤدي إلى تغذية مباشرة لأذهان المتابعين، ويرسِّخ المفاهيم والمصطلحات الحديثة بشكل سلبي في هذه الحالة، ويؤكد على قبول ضمني بوجود دولة مغتصبة، بدعوى المهنية التي سقطت واقعاً عند مناقشة تلك القنوات لقضايا عربية-عربية عديدة. كما أدَّى هذا لاحقاً إلى استضافة بعض الشخصيات الصهيونية من باب الرأي والرأي الآخر؛ مما يطرح سؤالا مهمًّا حول مدى تطبيق هذه المهنية وقبول الرأي الآخر فيما يتعلق بالقضايا العربية-العربية، وكيف يُمكن التوازن بين متطلبات المهنية والسقوط في فخ الآخر المغُتصب والمتحلل من كل القوانين والأعراف الدولية ذاتها. وفيما يتعلق بالمصطلحات الإعلامية في الوسط العربي، فإنها ستبقى تراوح مكانها أمداً طويلاً بقدر استمرار الحروب والصراعات الأهلية العربية-العربية، وربما تؤدي إلى انصراف المشاهد العربي في نهاية الأمر عن متابعة القنوات العربية المسيَّسة، والعودة مرة أخرى إلى مربع القنوات الغربية؛ طلبًا للتوازن الإعلامي.

—————-

* (خليل، عبد علي خليل)، تفوق الإعلام العربي في حرب المصطلحات والمفاهيم، صحيفة الوسط البحرينية – العدد 230 – الخميس 24 أبريل 2003م.

** (كنانة، علي ناصر)، جيوش اللغة والإعلام: دراسة مقارنة في لغة وإعلام الغزو الأمريكي للعراق 2003، منشورات الجمل، بيروت: ٢٠١٢.

4,496 total views, 2 views today