ياسمين‭ ‬البطاط


أيَا‭ ‬طِفلتي‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬أضاعتْ‭ ‬طفولتها‭ ‬بين‭ ‬أشجار‭ ‬الزيتون،‭ ‬أيَا‭ ‬زهرة‭ ‬قرنفل‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬غزِّة‭ ‬الحزينة،‭ ‬هل‭ ‬اقتلعُوك‭ ‬من‭ ‬أرضك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُزهِري؟‭ ‬أيُّ‭ ‬شناعةٍ‭ ‬ارتكبَ‭ ‬أبواك‭ ‬لتكوني‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬حبل‭ ‬المشنقة؟‭ ‬إلى‭ ‬متى‭ ‬ستظلِّين‭ ‬حُلمًا‭ ‬يراه‭ ‬قلبي‭ ‬كل‭ ‬ليلة،‭ ‬وما‭ ‬إنْ‭ ‬تُشرق‭ ‬الشمس‭ ‬حتى‭ ‬تتضح‭ ‬الرؤية،‭ ‬الرؤية‭ ‬المليئة‭ ‬بغبار‭ ‬القنابل‭ ‬وركام‭ ‬الأبنية‭ ‬المتساقطة‭.‬

يومًا‭ ‬ما‭ ‬سُئلت‭ ‬سؤالًا،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬سبب‭ ‬تسجيلي‭ ‬لحلقة‭ ‬اليوم‭ ‬باختصار‭:‬

‭”‬ياسمين،‭ ‬لماذا‭ ‬فلسطين‭ ‬بالذات‭ ‬التي‭ ‬أسرت‭ ‬قلبك‭ ‬منذ‭ ‬إدراكك‭ ‬للعالم‭ ‬وما‭ ‬حولك؟‭”.‬

يقول‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭: “‬يسرقون‭ ‬رغيفك،‭ ‬ثم‭ ‬يعطونك‭ ‬منه‭ ‬كِسرة،‭ ‬ثم‭ ‬يأمرونك‭ ‬أن‭ ‬تشكُرهم‭ ‬على‭ ‬كرمهم‭.. ‬يا‭ ‬لوقاحتهم‭”.‬

لماذا‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بالذات؟‭ ‬لماذا‭ ‬نحنُ‭ ‬انتقائيون‭ ‬في‭ ‬قضايانا‭ ‬ولا‭ ‬نتعاطف‭ ‬مع‭ ‬الروهينجا‭ ‬أو‭ ‬السودان‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الإنسانية‭ ‬المأساوية‭ ‬التي‭ ‬تحصُل‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نتعاطَف‭ ‬مع‭ ‬فلسطين؟‭ ‬الكثيرُ‭ ‬منا‭ ‬بدأ‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لن‭ ‬تُهزم‭ ‬بعد‭ ‬سبعين‭ ‬عاما،‭ ‬وأنَّ‭ ‬المقاومة‭ ‬لا‭ ‬داعي‭ ‬لها‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬الدماء‭ ‬التي‭ ‬سفكت،‭ ‬فنعتبر‭ ‬أن‭ ‬الأرواح‭ ‬تذهب‭ ‬سُدى‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬مقاومة‭ ‬العدو‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬نعتقدُ‭ ‬أنَّ‭ ‬حل‭ ‬السلام‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وفلسطين‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬الأمثل،‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬إسرائيل‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬وتبدأ‭ ‬فلسطين‭ ‬بترميم‭ ‬الجروح‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬منها‭ ‬عبر‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭. ‬ولأوضِّح‭ ‬لكم‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬بطريقة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإنَّ‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬عندما‭ ‬تقبلت‭ ‬حقيقة‭ ‬أنها‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬تمَّ‭ ‬استعمارها‭ ‬وإبادتها‭ ‬تصالحُوا‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬ورمموا‭ ‬أنفسهم‭. ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نفعل‭ ‬الشيء‭ ‬ذاته‭ ‬مع‭ ‬فلسطين؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬تعتبر‭ ‬قضية‭ ‬محقة‭ ‬وقضية‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر؟‭ ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬فلسطين‭ ‬ببناء‭ ‬نفسها‭ ‬ذاتيا،‭ ‬وتختار‭ ‬السلام‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬سيل‭ ‬الدماء‭ ‬فتتخلى‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬المقاومة؟‭ ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬نعتبر‭ ‬إسرائيل‭ ‬أمرًا‭ ‬واقعًا‭ ‬يجب‭ ‬التعايش‭ ‬معه‭ ‬بطريقة‭ ‬سلمية‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الحرب؟‭ ‬أسئلة‭ ‬كثيرة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬تدُور‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬آلاف‭ ‬البشر،‭ ‬وإن‭ ‬كنتم‭ ‬نتنظرون‭ ‬جوابًا‭ ‬كاملًا‭ ‬مني‭ ‬يُسقِط‭ ‬علامات‭ ‬الاستفهام‭ ‬من‭ ‬عقولكم،‭ ‬فأنا‭ ‬أعتذر‭. ‬ولكنَّني‭ ‬سأتحدَّث‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬من‭ ‬خلفيتي‭ ‬الثقافية،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬قراءاتي‭ ‬ومناقشاتي‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭.‬

إنَّ‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينيَّة‭ ‬باختصار‭ ‬هي‭ ‬قضية‭ ‬وجُود،‭ ‬واختزالُ‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬جغرافية‭ ‬مُحدَّدة‭ ‬هو‭ ‬تقزيم‭ ‬مفضُوح‭ ‬للقضية،‭ ‬وتسطيح‭ ‬مذموم‭ ‬في‭ ‬التفكير؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬يحصُر‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬ضيِّق‭ ‬جدًّا؛‭ ‬فيُصبح‭ ‬الصراع‭ ‬صِراعا‭ ‬على‭ ‬الحُدود،‭ ‬والقضية‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬قضية‭ ‬وُجود‭.‬

عند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬أو‭ ‬المشكلة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬علينا‭ ‬أنْ‭ ‬نعترفَ‭ ‬بوجود‭ ‬مُجتمعيْن‭ ‬متباينيْن‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭ ‬العربية‭ ‬التاريخية‭: ‬المجتمع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والمجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لا‭ ‬يَملُك‭ -‬كمجتمع‭- ‬أي‭ ‬صفات‭ ‬حقيقية‭ ‬تميِّزه‭ ‬سوى‭ ‬امتلاكه‭ ‬لناصية‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬توفِّر‭ ‬الإطار‭ ‬والوعاء‭ ‬لصهر‭ ‬مُكوناته‭ ‬من‭ ‬المجموعات‭ ‬البشرية‭ ‬المبعثرة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬والتي‭ ‬تنتمي‭ ‬لعوالم‭ ‬ولغات‭ ‬وثقافات‭ ‬مختلفة،‭ ‬والتي‭ ‬أصبحتْ‭ ‬ملمُومة‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬واحد،‭ ‬يجمعها‭ ‬دين‭ ‬واحد،‭ ‬ومصلحة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬استعمار‭ ‬فلسطين،‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬آخر؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنَّ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مُوحَّدا‭ ‬على‭ ‬أرضه،‭ ‬وفي‭ ‬وطنه،‭ ‬أصبحَ‭ ‬الآن‭ -‬وبحكم‭ ‬الاحتلال‭- ‬مُبعثرًا‭ ‬مُشتَّتا‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬ومجتمعات‭ ‬مختلفة‭ ‬استهلكتْ‭ ‬جُزءا‭ ‬من‭ ‬خصائصه‭ ‬الفلسطينية‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬الشتات،‭ ‬وحوَّلته‭ ‬من‭ ‬شعب‭ ‬واحد‭ ‬ومجتمع‭ ‬كامل‭ ‬التعريف‭ ‬إلى‭ ‬شعب‭ ‬مكوَّن‭ ‬من‭ ‬مجموعات‭ ‬بشرية‭ ‬متمايزة‭ ‬ومختلفة،‭ ‬ولكن‭ ‬بقي‭ ‬يجمعُها‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬انتماء‭ ‬فلسطيني‭ ‬عام‭ ‬وواضح،‭ ‬ورغبة‭ ‬أكيدة‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬أو‭ ‬التحرير،‭ ‬وهي‭ ‬رغبة‭ ‬تلبي‭ ‬حقا‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬وغريزة‭ ‬إنسانية‭ ‬يتشارك‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬أبناء‭ ‬فلسطين‭.‬

إنَّ‭ ‬فهمَ‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬للعقلية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬قد‭ ‬مَكَّنهم‭ ‬بالنتيجة،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬نهج‭ ‬المقاومة‭ ‬عن‭ ‬فكر‭ ‬القيادة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وبرنامج‭ ‬عملها،‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال‭ ‬بنِدَية‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬أو‭ ‬الاستكانة‭. ‬وهذه‭ ‬الندية‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يميِّز‭ ‬نضال‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬منذ‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الأولى‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭. ‬فأسلوب‭ ‬الكر‭ ‬والفر‭ ‬اختفى‭ ‬لصالح‭ ‬أسلوب‭ ‬الصمود‭ ‬والتحدي‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬لمقاومة‭ ‬مستمرة‭ ‬وشبه‭ ‬يومية‭ ‬للمخطط‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬استعمار‭ ‬الأرض‭ ‬دون‭ ‬البشر‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬عناصر‭ ‬فلسطينية‭ ‬ذات‭ ‬نفوس‭ ‬ضعيفة‭ ‬تتعاون‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال،‭ ‬ولكن‭ ‬الأمور‭ ‬يجب‭ ‬أنْ‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬من‭ ‬منظورها‭ ‬السلبي‭ ‬فقط؛‭ ‬فالفلسطينيون‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬الجائر‭ ‬والاستيطان‭ ‬المجنون‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬الرفض‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الوطن‭ ‬بأي‭ ‬وسيلة،‭ ‬ومهما‭ ‬كان‭ ‬الثمن،‭ ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬المقاومة؛‭ ‬كون‭ ‬الفَنَاء‭ ‬أو‭ ‬خلق‭ ‬أمة‭ ‬فاشلة‭ ‬هو‭ ‬بالنتيجة‭ ‬الهدف‭ ‬الحقيقي‭ ‬للاحتلال‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬الأرض‭ ‬دون‭ ‬البشر‭.‬

لولا‭ ‬المقاومة‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها‭ ‬لوصلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬أبواب‭ ‬بيوتنا‭.‬

الانتفاضة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الأولى،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬تُسمَّى‭ ‬انتفاضة‭ ‬الحجارة،‭ ‬ثورة‭ ‬البراق،‭ ‬إضراب‭ ‬الأسرى‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬سجون‭ ‬الاحتلال،‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬حماس،‭ ‬فتح‭…‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬حركات‭ ‬المقاومة،‭ ‬انسحاب‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬نتيجة‭ ‬عمليات‭ ‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬2005،‭ ‬أسر‭ ‬المقاومة‭ ‬لبعض‭ ‬الجنود‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬فوز‭ ‬حماس‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعة،‭ ‬انطلاق‭ ‬مسيرات‭ ‬العودة‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬الشرقية‭ ‬لقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬رواية‭ ‬الطنطورية‭ ‬لرضوى‭ ‬عاشور،‭ ‬رجال‭ ‬في‭ ‬الشمس‭ ‬لغسان‭ ‬كنفاني،‭ ‬قصائد‭ ‬محمود‭ ‬درويش،‭ ‬رأيت‭ ‬رام‭ ‬الله‭ ‬لمريد‭ ‬البرغوث،‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬في‭ ‬زنزانة‭ ‬العزل‭ ‬الانفرادي‭ ‬لمروان‭ ‬البرغوثي‭… ‬والقائمة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬كلُّ‭ ‬هذه‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬المقاومة‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المقاومة‭ ‬يومًا‭ ‬بالسلاح‭ ‬فقط؛‭ ‬فقد‭ ‬يقاوم‭ ‬الأطفال‭ ‬بالحجارة‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬المؤتمرات‭ ‬والأمسيات‭ ‬الشعرية‭ ‬لإحياء‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬كلها‭ ‬مقاومة،‭ ‬وبقاء‭ ‬القضية‭ ‬مشتعلة‭ ‬في‭ ‬داخلنا‭ ‬حيث‭ ‬نؤمن‭ ‬إيمانا‭ ‬مطلقا‭ ‬بأحقية‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬أراضيهم‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حدِّ‭ ‬ذاتها‭ ‬مقاومة‭ ‬قزَّمت‭ ‬إسرائيل‭ ‬وكبَّلتها‭ ‬من‭ ‬التوسُّع‭. ‬وإذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نُعطِي‭ ‬كلَّ‭ ‬ذي‭ ‬حق‭ ‬حقه‭ ‬بالعدالة‭ ‬والقانون،‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬لإسرائيل‭ ‬أي‭ ‬حق‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬قصفة‭ ‬زيتون‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين،‭ ‬ربما‭ ‬بعضكم‭ ‬سيسأل‭: ‬ولكن‭ ‬كيف؟‭ ‬

فلسطين‭ ‬كانت‭ ‬خيارا‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬دول،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬فلسطين‭ ‬هي‭ ‬الخيار‭ ‬الوحيد‭ ‬والأول‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬وهذه‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬لأحد‭ ‬أن‭ ‬يكفرها؛‭ ‬فنشوء‭ ‬القومية‭ ‬اليهودية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬تكوَّنت‭ ‬من‭ ‬جذور‭ ‬وهمية‭ ‬كونتها‭ ‬إسرائيل‭. ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬فلسطين‭ ‬حقًّا‭ ‬لليهود‭ ‬وكانت‭ ‬حقًّا‭ ‬أرض‭ ‬المعاد،‭ ‬فلن‭ ‬تكون‭ ‬فلسطين‭ ‬خيارا‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬إن‭ ‬كنا‭ ‬نتكلَّم‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العقلية‭. ‬ثم‭ ‬تخيَّلوا‭ ‬معي‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬فلسطين‭ ‬بلا‭ ‬ثَورَات‭ ‬ولا‭ ‬مُقاومة،‭ ‬لن‭ ‬تُهيمن‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬ستضم‭ ‬دولًا‭ ‬أخرى‭ ‬لها؛‭ ‬فمن‭ ‬أهداف‭ ‬إسرائيل‭ ‬إضعاف‭ ‬المنطقة‭ ‬حول‭ ‬فلسطين،‭ ‬لننشغل‭ ‬نحن‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬وألم،‭ ‬ولتنشغل‭ ‬هي‭ ‬بتهجير‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬بينما‭ ‬نحن‭ ‬نغمض‭ ‬أعيننا‭ ‬عنهم،‭ ‬ونعتقد‭ ‬أن‭ ‬القضايا‭ ‬الأخرى‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭. ‬لذلك؛‭ ‬أكرر‭ ‬أنَّ‭ ‬قضية‭ ‬فلسطين‭ ‬هي‭ ‬قضية‭ ‬وجود،‭ ‬وأنَّ‭ ‬احتلال‭ ‬إسرائيل‭ ‬لفلسطين‭ ‬هو‭ ‬احتلال‭ ‬لمعظم‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭.‬

حل‭ ‬السلام‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭:‬

أولًا‭: ‬لنعرف‭ ‬كيف‭ ‬توسَّعت‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬فلسطين؟‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬أخذ‭ ‬الدعم‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬وبالخارج‭ ‬أقصد‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬القائمة‭ ‬أمريكا‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تلتها‭ ‬مباشرة‭ ‬موجات‭ ‬الهجرة‭ ‬الوحشية‭ ‬التي‭ ‬شردت‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬بيوتهم‭ ‬وأراضيهم‭ ‬لبناء‭ ‬مستوطنات‭ ‬لليهود؛‭ ‬فالأرض‭ ‬التي‭ ‬اغتصبتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬صحراء‭ ‬قاحلة‭ ‬أبدا،‭ ‬ولكي‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬أخذتها‭ ‬وتأخذها‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬قامت‭ ‬بإضعاف‭ ‬المناطق‭ ‬المجاورة،‭ ‬وعندما‭ ‬أراد‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬والوصول‭ ‬لحل‭ ‬سلمي،‭ ‬اتخذ‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬التابع‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬131‭ ‬قرارا؛‭ ‬يعالج‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭-‬الإسرائيلي،‭ ‬وكثير‭ ‬منها‭ ‬يتعلق‭ ‬بالفلسطينيين؛‭ ‬ومنذ‭ ‬عام‭ ‬2012،‭ ‬صدر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الحديثة،‭ ‬ولكن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تلتزم‭ ‬بأي‭ ‬قرار‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬معاهدة‭ ‬لا‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬مصالحها‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭.‬

والآن،‭ ‬نحنُ‭ ‬الذين‭ ‬نعيش‭ ‬خارج‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬الحجارة‭ ‬لنحارب‭ ‬العدو،‭ ‬ولكننا‭ ‬نملك‭ ‬عقلا‭ ‬وقلبا‭ ‬أقوى‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬دبابة‭ ‬وبندقية‭. ‬إن‭ ‬المؤتمرات‭ ‬والمشاريع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمظاهرات‭ ‬والتعبئة‭ -‬صحفيًّا‭ ‬وثقافيًّا،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بأدب‭ ‬المقاومة‭- ‬وخط‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬والنضالي،‭ ‬كلها‭ ‬أشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬للمقاومة‭.‬

اختر‭ ‬طريقتك‭ ‬المناسبة‭ ‬في‭ ‬المقاومة؛‭ ‬لأنك‭ ‬إنسانٌ‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ويهمُّه‭ ‬أمر‭ ‬أمته؛‭ ‬لأنك‭ ‬إنسانٌ‭ ‬تشعر‭ ‬بأخيك‭ ‬الإنسان؛‭ ‬لأنك‭ ‬مُسلم،‭ ‬ولأن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القدس‭ ‬الشريف‭ ‬مسؤولية‭ ‬الجميع،‭ ‬لأنه‭ ‬أولى‭ ‬القبلتين‭ ‬وثالث‭ ‬الحرمين‭ ‬الشريفين‭ ‬بعد‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬والمدينة‭ ‬المنورة،‭ ‬كما‭ ‬أنَّه‭ ‬بيت‭ ‬المقدس،‭ ‬ومدينة‭ ‬السلام؛‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬حراس‭ ‬البيت‭ ‬أبناء‭ ‬فلسطين؛‭ ‬لأنهم‭ ‬أَهْلنَا‭ ‬وإخواننا‭ ‬وَدَمهم‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬عروقنا،‭ ‬وإلَّا‭ ‬فإننا‭ ‬نكون‭ ‬بذلك‭ ‬شركاء‭ ‬رئيسيين‭ ‬في‭ ‬مَسْخْ‭ ‬القضية‭ ‬وبيعها‭ ‬للخصوم،‭ ‬أمَّا‭ ‬إذا‭ ‬كُنَّا‭ ‬جَادِّينْ‭ ‬وصادقين‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القدس،‭ ‬فيجب‭ ‬علينا‭ ‬الإمساك‭ ‬بملف‭ ‬القضية‭ ‬بكيفية‭ ‬صحيحة؛‭ ‬حتى‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نُلِم‭ ‬بالوقائع‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬صحيح‭.‬

في‭ ‬إحدى‭ ‬المرات،‭ ‬سمعتُ‭ ‬شاعرًا‭ ‬يقول‭: ‬إنَّ‭ ‬أروع‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬لا‭ ‬تُكتب،‭ ‬أتعلمون‭ ‬لماذا؟‭ ‬لأن‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬مُتولدة‭ ‬من‭ ‬طفرة‭ ‬في‭ ‬المشاعر،‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬لتلك‭ ‬الطفرة‭ ‬أن‭ ‬تخلد‭ ‬في‭ ‬ذاكرتهم‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬ينسون‭ ‬ما‭ ‬مروا‭ ‬به‭ ‬لذلك‭ ‬هم‭ ‬لا‭ ‬يكتبون‭. ‬وهنا‭ ‬يذهب‭ ‬نصف‭ ‬الأدب،‭ ‬فما‭ ‬نقرأه‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬جزءا‭ ‬بسيطا‭ ‬كمثل‭ ‬الماء‭ ‬الذي‭ ‬يبقى‭ ‬على‭ ‬شعرة‭ ‬عندما‭ ‬تغرسها‭ ‬في‭ ‬البحر‭. ‬الأدب‭ ‬الأعظم‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬أنفس‭ ‬الشعراء‭ ‬وفي‭ ‬أنفس‭ ‬الكتاب،‭ ‬الأدب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬والذي‭ ‬أراد‭ ‬له‭ ‬أهله‭ ‬أن‭ ‬يُمحى‭.‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬مُحَاولة‭ ‬لجمع‭ ‬شتات‭ ‬الغربة،‭ ‬أو‭ ‬مُحَاولة‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬الوطن،‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬المهجر؛‭ ‬المهجر‭ ‬الذي‭ ‬نصنعُه‭ ‬لأنفسنا‭ ‬على‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يوما‭.‬

716 total views, 7 views today