سما عيسى

1

قَلَّما نجد أديبًا عالميًا تداخل أدبه شعرًا وقصةً ومسرحًا وروايةً وموسيقى مع السينما، مثلما تداخل رابيندرانات طاغور كمبدع متميز، رافقت تجربته التأسيس الحقيقي للسينما الهندية، الخارجة عن تأثير سينما هوليود، ذات الطابع التجاري البحت، والمتجهة أساسًا إلى البحث عن روح الهند الحقيقية الغائرة في حضارة تمتد إلى قرون بعيدة من تأسيس وتطوير حركة العطاء الروحي الخصب في شبه الجزيرة الهندية.

ذلك ليس راجعا فحسب إلى خصوبة تجاربه السردية والشعرية؛ بل ولإيمانه المبكر بأهمية السينما ومستقبل تأثيرها للمشاركة كحلقة عالمية واسعة التأثير الثقافي والاجتماعي والسياسي.

كتب في رسالة له عام 1929 موجهة إلى المسرح المهني البنغالي، شارحًا هذه الأهمية:

«شَكْلُ الفن يتغير وِفقا للوسائل التي يستخدمها، وأعتقد أن الفن الجديد المتوقع تطوره من الصورة المتحركة لم يظهر بعد. في السياسة نتطلع إلى الاستقلال، وفي الفن يجب علينا أن نفعل الشيء نفسه. كل فن من الفنون يبحث ليجد لنفسه طريقة مستقلة للتعبير في العالم الذي يخلقه، وإلا فإن تعبيره عن الذات يقوضه انعدام ثقته بنفسه. تتصرف السينما حتى الآن على اعتبار أنها خادم للأدب؛ لأنه لم يصل بعد عبقري خَلاق ليخلصها من هذه العبودية. ولن يكون هذا العمل من أجل إنقاذها سهلاً؛ لأن في الشعر والرسم والموسيقى الوسيلة ليست باهضة الثمن، بينما في السينما لا يحتاج المرء إلى الإبداع فقط، ولكن رأس المال كذلك.

الشيء المهم في السينما هو تدفق الصور، وينبغي أن تكون الحركة البعدية غنية جدًا؛ لتكون قادرة على الوفاء بالتعبير عن نفسها من دون استخدام الكلمات، حيث المعنى في لغة ما يوضح باستمرار من جانب اللغة الأخرى، إلا أنه يبين فقط عجز الممارسة في اللغة الأولى. الموسيقى تفي بالتعبير عن نفسها على هيئة تدفق ذاتي للنوتة الموسيقية، دون مساعدة من الكلمات، فلماذا لا يحدث الشيء ذاته للسينما، من خلال تدفق الصور؟ إذا لم يحدث ذلك فإنه بسبب الافتقار للإبداع، وعدم إدراك عند الجمهور الكسول الذي يسعى نحو إثارة رخيصة لأنه لم يحصل على حق البهجة».

2

لقد عاصر طاغور الجيل التأسيسي للنهضة الهندية الحديثة، خاصةً المهاتما غاندي، وكذلك خليفته جواهر لال نهرو. لقد جمعت هؤلاء جميعًا معتقدات ثقافية مشتركة حاولا تطبيقها في الهند.

رغم انتماءاتهم الثقافية الغربية -أي الإنجليزية خاصةً- إلا أنهم أدركوا ما هو أَمَرّ لدى الاستعمار البريطاني، الذي كان يعمل على تشجيع الديموقراطية في بريطانيا وحجب ممارستها خارجها؛ بل ومحاربة أي روح تعمل على زرع بذورها.

لقد زرع هذا الثلاثي الكبير ( طاغور- غاندي- نهرو) مبادئ الحرية الدينية والديموقراطية، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، مبدأ وحدة الهند في ظل تعدد الأعراق والثقافات والأديان واللغات وعادات الطعام والملبس. ومن أجل كل ذلك الذي هو بديهي اليوم قَدَّمَ رواد التنوير في الهند تضحيات جمة نتيجة صراعهم مع الاستعمار البريطاني من جهة المعيق للحرية والتقدم، ومع التيار التقليدي الهندي الذي حارب دون هوادة أيَّ تجربة جديدة تنزع منه كراسي القيادة المتخلفة في الهند.

3

يكشف لنا الناقد السينمائي Satyen K. Bordoloi أنَّ السينما الهندية تناولت أدب طاغور منذ مرحلة السينما الصامتة، حيث قدرت له عددًا من الأفلام، اختفت -مع الأسف- اليوم، أهمها:

Manbhanjan 1923

Bisarjan 1929

Bicharak 1929

Giribala 1930

Dalia 1930

Noukadubi 1932

وعلى الوتيرة ذاتها عندما تحولت السينما إلى فن ناطق، حازت أعمال طاغور على أكثر الأفلام الهندية شهرة آنذاك مثل:

Chira kumar Sabba 1932

Sodh Bodh 1938

Gora 1938

Chokher Bali 1938

Noukadubi 1947

مرة أخرى، ومع الأسف الشديد، اختفت هذه الأفلام اليوم، وما هو مطلوب البحث عنها واستعادتها وتقديمها على الشاشة من جديد، توثيقا لهذا العطاء السينمائي الجاد.

مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، شهدت السينما الهندية اهتمامًا متطورًا بأدب طاغور، امتدت إلى قصائده وأغانيه ومسرحياته، إذ قُدِّمت بناءً عليها عددا من الأفلام كما هو في فيلم Bichara الذي قدمه المخرج Tapan Sinha معتمدا على أغنيات ألفها طاغور والمخرج Natir Buja الذي قدم سينمائيا لطاغور فيلما اعتمد على قصيدة Pujarini إلا أن الخلاف هنا عما سبق في المراحل الفنية الأولى، هو فتح المجال لتقديم النص الطاغوري وفق تفسير مختلف للمخرج، مع الحفاظ على روح إبداع النص.

إلى جانب ذلك ظهر عدد من السينمائيين الطليعيين مَن اعتبر طاغور أبًا روحيًا، وكرس هؤلاء السينمائيون عطاء عمرهم الإبداعي لتقديم أدب طاغور إلى العالم عبر السينما أهمهم Satyjitray و Tapan Sinha و Heman Gupta.

4

فلام Satyjitray  المقتبسة من أدب طاغور:

أدرك Satyjitray كأي هندي من البنغال التأثير الروحي الكبير الذي قدمته تجربة طاغور الإبداعية إلى أجيال مختلفة ومتتالية من الهنود، لذلك سارع Ray عندما احتفلت الهند بالذكرى المئوية لميلاد طاغور في عام 1961م، إلى إخراج فيلم وثائقي طويل عنه، مدة الفيلم 52 دقيقة، وقد قدمه باللغة الإنجليزية رغبة في نشره عاليما. فضلا عن تقديمه لبعض رواياته في السينما بالبنغالية، وأهم هذه الأفلام هي:

1- ناظر مكتب البريد The Post Master

يحمل هذا الفيلم الروائي القصير -المأخوذ عن قصة لطاغور تحمل نفس العنوان- دلالات إنسانية رحبة، عندما يتعين أحد موظفي البريد في قرية بعيدة بالبنغال قادما من العاصمة كلكتا. هناك يدخل في علاقة إنسانية رحبة مع الصبية العاملة بالمكتب، بخلاف الموظف السابق الذي كان لا إنساني في تعامله معها. يقوم بتعليمها القراءة والكتابة، لكنه يصاب فجأةً بالملاريا، وفي ظل إصابته الشديدة بها يكتب رسالة استقالته. تبدو لحظة وداعه القرية مؤثرة جدًا، عندما تمتلئ بالدموع عينا الصبية، وتبتعد عن وداعه عائدةً إلى عالمها الصامت الموحش الدفين.

2- مونيهارا Monihara

عن قصة لطاغور، تدور أحداثها في قصر مهجور، حيث يلتقي الراوي بشبح مجهول على درجات القصر، يبدأ في سرد رواية صاحب القصر وزوجته في الأيام البعيدة مثلما تناقلتها الشفاه، وقبل أن تحل الكارثة على صاحبه، ويفقد أملاكه التجارية في حريق أتى على مخازن تجارته وأملاكه، يقرر السفر إلى كلكتا لطلب مساعدة مالية تعينه من جديد على استعادة مكانته، أثناء رحيله تهرب زوجته من القصر محملة بجواهرها خوفا من أن تكون المجوهرات تعويضًا مناسبًا يستعيد به قدراته المالية المفقودة، يساعدها عامل بالقصر على الهرب، والإبحار إلى الضفة الأخرى من النهر حيث قرية والديها. يصطدم الرجل عند عودته من كلكتا جرَّاء تصرف زوجته، الصدمة التي تؤدي لاحقا إلى جنونه وموته.

3- سامابتي Samapti

ينقلنا راي وطاغور في هذا الفيلم إلى مناخات الحياة الريفية البسيطة في قرى البنغال، يقدم الفيلم حياة فتاة فقيرة، تعيش كصبية بريئة في القرية، يعشقها أحد أبناء العائلات الذي يدرس الحقوق في كلكتا. هذا الحب الذي تعترض عليه أم الشاب، إلا أنها ترضخ أخيرًا وتحاول أقلمة الفتاة مع الحياة العائلية التي ترفض الدخول إلى قوالبها الجامدة، مفضلة الحياة في حرية طفولية بعيدًا عن قيود مؤسسة الزواج التقليدية. يضطر الشاب إلى العودة إلى كلكتا وترك الصبية مع والدتها، إلا أنه يعود لاحقا ليجد الفتاة وقد نضجت وتعلمت في غيابه الكتابة والقراءة، وأصبحت أكثر استعدادًا لتَقَبُّل الحياة الزوجية ومسؤولياتها.

هذه الأفلام القصيرة الثلاث التي أخذها ساتياجيت راي عن ثلاث قصص قصيرة لطاغور تشكلُ معًا غوصا حميميًا للحياة في قرى البنغال، قبل أن تدركها الحضارة الحديثة، وتغير معالم البساطة وجمالياتها وأساطيرها.

أصبحت معروفة في السينما بثلاثية «الثلاث بنات» Three Daughters

4- البيت والعالم Home and the World

عن رواية هامة لطاغور أخرج راي هذا الفيلم عام 1984م حاملًا نفس العنوان ومدته 138 دقيقة، حاصدًا عنها السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي العالمي.

أهمية الفيلم تكمن في تجدده حتى يومنا، وفي مستقبل الأيام أيضا؛ لكونه -والرواية أيضا- يتنبأ باستغلال القوى الاستعمارية للديانات في التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، عبر إشعال نار التعصب الديني خاصة لدى الطبقات الفقيرة، التي تنساق وراء الطموحات السياسية ورجال الأعمال.

الفيلم كما هو في الرواية يعتمد على شخصيات أساسية ثلاث؛ رجل أعمال مُتَنَوِّر، ورجل سياسي يحاول استغلال صداقته برجل الأعمال من أجل تحقيق أهدافه السياسية الخاصة، وبينهما المرأة التي تلعب لدى طاغور أشكالًا متعددة في الحياة، تختلف من حالة لأخرى. هنا نجد المرأة تنساق وراء إغراءات السياسي في الظهور والبروز، واحتلال مكانة كاذبة في المستقبل، متخلية عن صدق وحميميّة زوجها، الذي يستشهد بصدق في الصراع السياسي، من أجل تحقيق مبادئه الإنسانية العليا.

5- فيلم كابوليوالا Kabuliwala

إخراج Hemen Gupta

عام 1961

اللغة HINDI

الزمن 140 دقيقة

يعتبر فيلم كابوليوالا اليوم من كلاسيكيات السينما الهندية، التي يتجلى فيها ثراء العاطفة والحب الإنساسي العميق. أخرج الفيلم Hemen Gupta عن رواية لطاغور تحمل نفس العنوان، أخرجه أولا باللغة البنغالية، ثم لنجاحه الساحق أعاد إخراجه بالهندية. الفيلم يحكي قصة بائع متجول أفغاني، لديه طفلة في قندهار تدعى أمينة. تضطره الظروف المعيشية إلى الرحيل إلى الهند، حيث تدور معظم أحداث الفيلم، هناك يتعلق قلبه بطفلة هندية تذكره بطفلته أمينة، تتعلق به الطفلة أيضًا، وفي يوم عيد ميلادها تنتظره لتعطيه بعضًا من الحلوى، عندما يتأخر عن القدوم تذهب للبحث عنه فتضيع، يصل البائع متأخرًا وعندما يعلم بضياعها يذهب للبحث عنها حتى يحصل عليها، تمرض الطفلة فيصلي لها الليل والنهار حتى تشفى.

يتعرض لاحقًا لإهانة تمس وطنه من أحد الهنود، فيضطر دفاعًا عن نفسه إشهار السكين وقتل مهينه، الأمر الذي يترتب عليه البقاء في السجن لعشرة أعوام. يخرج بعدها ليرى الطفلة فتاةً تستعد للزواج، يتعرف عليه والدها فيقدم له المال اللازم للعودة إلى قندهار، مقتطفًا إياه من تكاليف فرح ابنته. وتقدم له الفتاة بعضًا من حليّها هدية لابنته في قندهار.

الفيلم عاطفي وغنائي، تتخلله أجمل أغاني الحنين الهندية للأوطان، خاصة الأغنية ذائعة الصيت «ميري بياري وطن».

الفيلم شهادة في الإخاء الإنساني الذي يركز عليه طاغور دائمًا في إبداعه، ليرتفع الناس بالحب بعيدًا عن التعصب العرقي والديني.

6- الصخور الجائعة Hungry Stones

إخراج Tapan Sinha

سنة 1960

مدة الفيلم 106 دقيقة

يعتمد فيلم الصخور الجائعة على مناخات أسطورية شرقية عن رواية لطاغور تحمل نفس العنوان، والفيلم يحكي عن فتاة بدوية من الصحراء، خطفها غزاة، وبِيعَت لأمير هندي، ظلَّ معتقلاً إياها في قصره مئتي عام. يحاول جابي ضرائب جاء إلى القصر والتقى بشبحها تخليصها من الأسر. لكنَّ ذلك يتطلب منه العيش في عصرها قبل مئتي عام، فيعود فارسًا قديما كان معاصرًا زمنها. وهناك يخطط وإياها لخطفها وتحريرها والعودة بها إلى بلادها. غير أنه في اللحظات الأخيرة يتم اكتشافه ويقذف به خارج ذلك الزمان، أي العودة به إلى الزمن الذي انحدر منه.

أخرج الفيلم Tapan Sinha عام 1960، وهو أحد المعجبين بتراث طاغور الأدبي، مع إضافة لمسات إخراجية خاصة به، مستفيدًا من تراث الشرق الأدبي السحري، خاصة في ألف ليلة وليلة، وتراث عُمَر الخيَّام الذي تتكرر أشعاره مرارًا في الفيلم.

7- الفصول الأربعة Four Chapters

إخراج Kumar Shahani

عام 1997

الزمن 110 دقيقة

يعد فيلم الفصول الأربعة بلغته الشاعرية والفلسفية العميقة واحدًا من أكثر الأفلام الهندية تجريبية، قدم الفيلم -كما هو في الرواية- الآثار العميقة للمعتقدات السياسية في حياة الناس، وقدرة هذه المعتقدات في المضي بالإنسان حتى فقدان صوابه وروحه.

يقع شاعر رومانسي في حب فتاة، ويحاول السير بها نحو عشق الطبيعة، ومنها إلى عشق الإنسان، مجردًا من معتقده السياسي والديني، خاصةً وأن الزمن الذي التقيا فيه كان فترة الحراك المسلح في الهند، والذي دخل في حراكه عد كبير من الغوغاء، وعدد من القوى الاجتماعية المتخلفة التي تحرق أمامها كل شيئ خارج معتقداتها الدينية وآفاقها الضيقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر

  1. سينما ساتياجيت راي. تأليف: تشيدا نانداس جوتبا

ترجمة: محمد محمد عثمان نائف

  1. البيت والعالم رابند رانات طاغور

ترجمة: شكري محمد عياد

  1. تشيترا وقصص أخرى رابند رانات طاغور

ترجمة: خليل جرجس خليل

  1. نوبل للآداب رابند رانات طاغور

إعداد وترجمة: نصرى الصايغ، نبيل حبيقة

  1. مختارات من طاغور

تأليف وترجمة: طاهر الجيلاوي

6.TAGORE STORIES on Film

ترجمة: د . خالد البلوشي

  1. الأفلام:
  2. Hungry Stones
  3. Three Daughters.
  4. Kabuliwala
  5. Home and the World
  6. Four Chapters
  7. Rabindranath Tagore 1932
  8. Rabindranath Tagore 1961

3,562 total views, 11 views today