Hadrami

محمد بن سليمان الحضرمي

الباحث سلطان بن مبارك الشيباني يحاضر حول:

  • الانتاج العلمي العماني في مجالات الزراعة والعمارة والطب والفلك
  • العمانيون أسهموا في ركب الحضارة بمؤلفات أكدت عمق الخبرة وثراء التجربة
  • د. ناصر الكندي: اللجنة الثقافية أعدت 13 ندوة علمية ستقام خلال هذا العام

أسهم العمانيون بنتاج ثري من المؤلفات والكتب والمصنفات، مشاركين في النهضة العلمية التي عاشها العالم، وبسببها تطور إلى ما هو عليه الآن، فإلى جانب اهتمامهم بعلوم الأحكام والأديان كالفقه والشريعة، واهتمامهم باللسانيات كعلوم اللغة، أسهموا كذلك في العلوم العلمية التخصصية، وظهرت لهم مؤلفات أكدت براعتهم وعمق خبرتهم وثراء تجربتهم، واهتمامهم النابع من حاجتهم الحياتية لهذه العلوم، وكما هو معلوم فإن الزراعة واحدة من أهم الحرف التي مارسها العمانيون منذ القدم، وهي كفة راجحة في ميزان ممارسات الإنسان العماني اليومية في الجانب الحرفي، تعادلها كفة اهتمامهم بالبحر، وبسبب هذا الاهتمام وجدت مؤلفات لها شأن كبير بعلم الزراعة، ومؤلفات في العمارة وهندسة البناء، والطب والفلك وغيرها، وحول هذا الجانب، دشنت اللجنة الثقافية لفعاليات نزوى عاصمة للثقافة الإسلامية، برنامجها الثقافي لهذا العام، بمحاضرة تناولت “الإنتاج العلمي العماني”، ألقاها الباحث سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني، أقيمت الفعالية صباح يوم الأربعاء 28 من شهر يناير، في قاعة الشهباء بجامعة نزوى، رعاها سعادة الشيخ حمد بن سالم الأغبري والي نزوى، وتابعها مجموعة من الدكاترة والباحثين والمهتمين والطلبة والطالبات، ابتدأ التدشين بكلمة لسعادة الشيخ الوالي تحدث فيها عن أهمية المناسبة التي تحتفي السلطنة بها، وتتربع نزوى على قائمة تمثيلها، وأشار في كلمته إلى أن نزوى مدينة العلم والتراث هي محط أنظار العالم العربي والإسلامي، المهتم بمتابعة المناسبة، ونأمل أن تحدث نقلة مختلفة في الاهتمام بتراث وتاريخ المدينة، وتحدث عن أهمية المحاضر، حيث أنها تعنى بموضوع هام، يبرز دور العمانيين في مجالات الزِّراعة والعِمَارة والطِّبِّ والفَلَك، وهو دور ثقافي ترك أثرا كبيرا من المؤلفات في كل جانب، ثم تحدث الدكتور ناصر بن صالح الكندي رئيس اللجنة الثقافية لفعاليات نزوى عاصمة للثقافة الإسلامية، مقدما نبذة عن المحاضر، وشغفه المتواصل بتدوين سيرة العمانيين التاريخية، ومساهماته البارزة في مختلف الفعاليات والأنشطة، وأشار إلى أن  اللجنة الثقافية قد أعدت 13 ندوة متميزة، ستقام هذا العام في نزوى وخارجها، خصيصا لهذه المناسبة، بعضها ستقيمها جامعة نزوى، كما سيتم خلال شهر ابريل القادم تدشين ندوة نزوى في الذاكرة الثقافية، وسيكون أحد محاورها الانتاج العلمي.

تناولت المحاضرة التي ألقاها سلطان الشيباني إسهام العمانيين بالتأليف في مجالات الزراعة والعمارة والطب والفلك، حيث قام بعرض نماذج لمخطوطات وأضاميم ورقية تحتفظ بها خزائن التراث العماني والعربي، وبين في محاضرته انفتاح المؤلفين العمانيين الأوائل، واستفادتهم من الانتاج العلمي العربي، وهذا يؤكد أنهم لم يكونوا في معزل عن النتاج العلمي الذي ظهر في عواصم الخلافة الإسلامية، بل كانوا يجلبون الكتب والمؤلفات من رحلاتهم الخارجية، ويجوبون الأقطار والعواصم، في رحلات ثقافية من أجل البحث عن معلومة علمية.

ملف علمي حضاري منسي

استفتح الباحث ورقته بالقول: إن الإِنتاج العلمي العماني في مجالات الزراعة والعمارة والطب والفَلك ملف حضاري منسي، سُوِّدَتْ فيه صفحاتٌ بقيت رهينة الغبار، ودُوِّنَتْ فيه مصنفاتٌ ظلت حبيسة الخزائن، مضيفا: إن التجربة هي أساس الإبداع في هذه العلوم، ولأجل ذلك صنّفها المكتبيون ضمن العلوم التجريبية أو التطبيقية، تقابلها علوم بحتة تعتمد جانب النظر في دراستها وتطويرها، كما أن النتاج العماني في هذا الجانب أكثره راجع إلى ممارسة ومتابعة، بل ربما لم يعتنوا بتأثير هذه العلوم وتدوينها قدر اعتنائهم بتداول الخبرة فيها وتناقلها أبا عن جَد.

وفي هذا السياق يؤكد الباحث حرص العماني على ممارسة منهج التطبيق العملي للفرضية، حتى تصبح حقيقة علمية، يدونونها في مصنفاتهم، ويشهرونها باعتبارها كشفا علميا جديدا.

في مجال الزراعي، يقول الباحث: لا نجد في تراث العمانيين كتابا مفردا في هذا المجال، لكن الواقع يشهد أن التجربة العمانية في الزراعة والفلاحة حافلة بالخبرة والممارسة، تتناقلها الأجيال عقبا بعد عقب. ومن المؤسف أن هذه الخبرة لم تجد من يدونها ويحفظها.

ونظرا للعلاقة الحميمة بين العماني والنخلة أثرت في الكتب القديمة اصطلاحات خاصة بالعمانيين في هذا الشأن، كالتنبيت والتحدير والخراف والجداد والدراك والطناء والدوس والكناز. ومن الشواهد على ذلك قول أبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني (ت: 255هـ) في (كتاب النخلة): «وأهل عمان يسمون شراء الثمار الطناء.

ومما هو داخل في علوم الزراعة، ما نجده من أبواب مفصلة عن المزارعة والمساقاة وحرث الأرض في كثير من المطولات الفقهية، كما نجد أبوابا أخرى في أحكام إحياء الأرض الموات وزراعتها، وشهدت الرموم – وهي الأرض الخراب – حضورا كبيرا لدى فقهاء عمان، وعقدوا لها فصولا مطولة في كتبهم، تدل في مجملها على حرصهم الشديد على تنظيم الاستفادة منها وضرورة إصلاحها.

ويندرج تحت هذا الجانب حرص العمانيين على تقسيم حصص المياه، وعدم التعدي فيها، والاستفادة من الماء الفائض، وغير ذلك مما يتصل بالآبار والعيون والأفلاج، وفي هذه الأخيرة أثرت سجلات مخطوطة، توضح قسمتها وتوثق حصصها، عرفت بنسخ الأفلاج.

مؤلفات في علم الزراعة

بعد هذه التجربة الطويلة في ممارسة الزراعة ألم يكن للعمانيين تأليفات خاصة بها؟ يكشف الباحث سلطان الشيباني عن ثلاثة مؤلفات درست علم النبات، ورصدت أسماء الأشجار المزروعة بعمان، وفوائدها واستعمالاتها الطبية، فلا تُعْدَم من تداخُلٍ في موضوعها بين الزراعة والصيدلة وعلم البنات البحت وعلم الخواص المندرج تحت علوم الأسرار، فهي إذن كتب ليست مستقلة بعلم الزارعة، بل بخصائص بعض النباتات النامية في عمان، وفوائدها الطبية.

أولها كما يشير الباحث، كتاب الشيخ ناصر بن جاعد الخروصي (ت1262هـ) المسمى: «السر العلي في خواص النبات بالتصريف السواحلي» ؛ رتبه على مقدمة وثلاثة فصول وعشرين بابا، وتحدث فيه عن خواص النباتات وأثمارها وأوراقها وغصونها. وهو يذكر أسماءها باللغتين العربية والسواحلية، وصرح أنه نقل كثيرا من فوائدها من كتب أخرى، ثم عاين الأشجار بنفسه ووصفها، وجرب كثيرا من استعمالاتها. وذكر مشاهداته لها في زنجبار والجبل الأخضر بعمان ووادي بني خروص وجبال دارسيت.

ومما يميزه أنه رصد أسماء كثيرة اعتنت بهذا العلم ولم يصلنا شيء من نتاجها، مثل: حميد بن سيف بن عدي اليعربي، وعامر بن عبد الله بن نادي الحارثي، وأحمد بن مرشد الخروصي، وأحمد بن خلف بن مسلم البوسعيدي، وراشد بن سالم المعمري، وسليمان بن أحمد البوسعيدي.

ولعل مؤلفاتهم ضاعت مع ما ضاع من مؤلفات كثيرة للعمانيين، بسبب سوء الحفظ أو بفعل الرطوبة واكل الأرضة لها، او الاحتراق، فقد احترقت مكتبات عمانية ونهبت وسرقت، فضاع ما فيها من كنوز.

أما الكتاب الثاني فهو كتاب: «كنوز الأسرار في علم الأشجار والأحجار بلغة أهل السواحل وعمان»؛ تأليف محمد بن جمعة المغيري (ق13هـ)، سرد فيه أسماء الأشجار دون ترتيب معين، وعدد فوائدها الطبية (مع الخلط بينها وبين خصائصها الروحانية أحيانا)، وهو يذكرها بأسمائها العربية والسواحلية، كما يقيد أماكن وجودها في عمان وزنجبار والجزيرة الخضراء، بل ذكر مشاهداته لبعضها في أرض مركة من الصومال. وينص على كثير من الأدوية المجربة.

الكتاب الثالث: «هداية الأخيار إلى مناهج الأسرار»؛ تأليف الكاتب: عبد الله بن حمود بن حامد العذالي، كتبه بخط يده بمسقط سنة 1361هـ، وضمنه مشاهداته بنفسه وما طالعه وعاينه في بلدان عمان المختلفة، واستفاد من مرافقته للشيخ إبراهيم بن سيف الكندي في معرفة أسماء النباتات وخواصها.

شح المصنفات في العمارة

وفي علم العمارة يؤكد الباحث سلطان الشيباني على شح المصنفات العمانية في هذا الجانب، وبلا شك فإن تخطيط المدن العمانية يدل على وجود معايير في اختيار موقع المدينة أولا، ثم تحديد مواضع المرافق الأساسية فيها كالمسجد والسوق والفلج ومسكن الحاكم أو الوالي والضواحي والبساتين. ولا شك أن وراء ذلك عقولا هندسية عَفَا عليها الزمن ولم يقيد لنا أسماءها.

وقد اعتمَد تخطيط المدن الإسلامية عبر التاريخ على نظام معماري فريد، يجعل من المسجد عنصرا رئيسا فيه، بل هو مرتكز المدينة ومحورها. جاء في نثار الجَوْهَر: «ينبغي بناء المسجد وسط المنازل قبل تخطيطها، ثم تُبْنَى حوله ليستووا في المَشْي إليه بلا مشقَّةٍ على أحدهم، وجاز خارج المنازل».

وعادةً ما يمُرّ على خط بناء المسجد مجرى فلج، يتم استغلاله بطريقة هندسية فريدة لتوفير مرافق للوضوء. ومن الأساليب المألوفة في عُمان لتعزيز بناء المسجد وتعبيرًا عن إجلاله: أن يُرْفَعَ على مصطبة راسخة، ليكون مستواه مرتفعًا عمّا جاوره. ولكل مسجد في الغالب صحنٌ خارجي، يتخذه أهل عمان للصلاة فيه وقت الصيف خصوصا، وهذا ما أدّى إلى ظهور عنصر معماري دائم يتمثل في وجود محراب ثان في الجدار الرئيس المطلّ على صحن المسجد.

حصن من أعاجيب الزمان

وفي هندسة بناء القلاع والحصون العمانية، يشير الباحث إنها تقف شاهدة على عمارة إسلامية رصينة محكمة، وليت التاريخ حفظ لنا أسماء مهندسيها وبنائيها، فإن إحكام صنعتها دليل على براعة الصانع، يقول الإمام السالمي في تحفته واصفا حصن جبرين: «وكان من أعاجيب الزمان”, وكان الشيخ علي بن ناصر الريامي رآه من ظاهره وباطنه، وقال: إن نظرتَ إلى سُقُفِهِ قلتَ إنها خير من صنعة جُدُرِه، وإن رأيتَ جدره قلتَ ها هنا الصنائع العجيبة!، وفيه من النقوشات والتصاوير ما لا يُحصى ولا يوصف».

ولا تفوت الإشارة هنا إلى صناع عمانيين مهرة برعوا في النقش والزخرفة والرسم على الجدران والأخشاب، وفي ما بقي من التراث المعماري العماني شواهد عديدة على ذلك، من أبرزهم: الكاتب النحات مشمل بن عمر المنحي (ق10هـ) وأبناؤه وأحفاده. وعلي بن طالب الكهيلي النخلي وعائلته.

وتحدث الباحث عن مهندس عماني حاذق، حفظت لنا الأخبار التاريخية طرفا من إنجازاته، وهو المهندس محمد بن سليمان الخروصي السمائلي، عهد إليه سلطان زنجبار السيد برغش بن سعيد بمد أول شبكة مياه إلى الجزيرة، فاختار موقعا لمحطة المياه يبدو منخفضا لأول وهلة، فأنكر عليه عامة الناس، لكنه أصر على رأيه، وابتدأ بتنفيذ مشروعه الرائد الذي استمر ثلاث سنوات، حتى افتتح بنجاح سنة 1298هـ. وقد رجع المهندس الخروصي آخر حياته إلى موطنه سمائل، وبنى له فيها بيتا يضرب به المثل في الهندسة المعمارية، حتى بلغ الحال بالسلطان فيصل بن تركي أن يستدعيه ليبني له بيتا مماثلا.

الأسرة الطبية في عمان

وفي مجال الطب برز الطبيب العماني راشد بن خلف بن محمد بن عبد الله بن هاشم العِيني الرستاقي (ق10هـ) الذي أنشأ منظومة مختصرة في أهم القواعد الطبية، وتشخيص الأدواء، ووصف الأدوية، سماها «زاد الفقير وجبر الكسير» وهي قصيدة لاميّة من بحر الطويل، مطلعها:

أقول مقالا محكما ومفصلا  :::   لأهل النهى في الطب علما مكملا

وهي قصيدة سهلة لقيت رواجا عند المشتغلين بالطب قديما وحديثا، يشهد له وفرة نسخها المخطوطة في خزائن المخطوطات العمانية كمكتبة وزارة التراث والثقافة، ومكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب، ومكتبة الشيخ ناصر بن راشد الخروصي بالعوابي، ومكتبة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بمسقط، ومكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي بالمضيرب، وفي خزائن أخرى خارج عُمان، كدار الكتب المصرية بالقاهرة، ومكتبة جامعة الإسكندرية، ومركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية في ليبيا، والخزانة الحسنية بالرباط في المغرب، ومكتبة الملك فهد بالمملكة العربية السعودية.

وقد قام الطبيب الناظم بشرحها، ورجع إلى مصادر غير طبية في شرح منظومته لاستكمال مادته العلمية، منها مصادر لغوية؛ ومن مميزات هذا الكتاب اشتماله على رصيد من المصطلحات العمانية وتفسيراتها، حرص المؤلف على استعمالها والتنبيه على أنها «بلغة أهل عمان»، مثل: الصَّعْتَر، والجَزْع، والصُّخّام، والجلجلان.

ثم برز أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر مجدد علم الطب وحامل لوائه ومحيي آثاره: الطبيب البارع راشد بن عميرة بن ثاني بن خلف الهاشمي العِيني الرستاقي؛ المتفنن في تدوين علم الطب بأساليب شتى وطرق متنوعة، بين النظم والشرح والمجربات والمطولات والمختصرات. منها: كتاب (فاكهة ابن السبيل)، ومختصره، وكتاب (منهاج المتعلمين) للمبتدئين، ألفه لابنه عميرة، و(مقاصد الدليل وبرهان السبيل)، ورسالة في الكي بالنار، وأرجوزة مع شرحها في تفصيل مراحل عمر الإنسان منذ الطفولة ثم الشباب ثم سن الكهولة انتهاء بالشيخوخة وسن الهرم. وقصيدة دالية مع شرحها، في تشريح جسد الإنسان من لدن رأسه إلى قدميه مفصلاً فيها أجزاء الجسد وكيفية تشريحها. وقصيدة ميمية في العين وتشريحاتها، رسم فيها تشريح العين واتصالها بالدماغ واتصال كل ذلك بجسد الإنسان مع ذكر بعض أجزاء الجسد والأغشية ومسمياتها ووظائفها.

وابتكر آلات الوسم والجراحة وبعض المعدات الطبية، ووضع رسومات دقيقة للمشارط والمباضع والمياسم، تُصَوّر دقته في اختيارها وصنعها. ومن ذلك: إجراؤه عمليات جراحية دقيقة، كعملية جراحة لامرأة حامل نطحها ثور سنة 995هـ، فشق بطنها وخرجت أمعاؤها. وقد ابتدأ اولا بالحفاظ على الأمعاء الخارجة من الفساد، فكمدها وأدفأها، ثم نكس جسد المرأة أثناء العملية لينحدر الرأس والظهر، ثم أجرى الخياطة.

وأجرى عملية في القولنج لرجل أعجمي في البحرين، وسافر إلى البيمارستان العضدي في بغداد، ليشاهد بعينه حصاة كبيرة مستخرجة من بطن إنسان، ولا شك أن رحلاته هذه أفادته كثيرا في تطوير مداركه والاحتكاك بأطباء آخرين.

كما عُرف من أسرة بني هاشم بالرستاق: الطبيب عميرة بن ثاني بن خلف (ق10هـ) والد الطبيب راشد بن عميرة، وحفيده عميرة بن راشد (ق11هـ)، والطبيب مبارك بن خلف بن محمد بن هاشم (ق10هـ) وابنه علي بن مبارك بن خلف (ق10هـ).

الطبيب العماني الجوال

وتحدث الباحث سلطان الشيباني في سياق عرضه للنتاج العلمي العماني الخاص بملف الطب، عن الطبيب علي بن عامر بن عبد الله العقري النزوي (ق11هـ)، الذي كان طبيبا متنقلا، وأقام في بلدان عديدة من عمان لعلاج المرضى، وهو الذي صنع بنجاح رِجْلاً خشبية للفقيه الأديب المشهور خلف بن سنان الغافري، بعد ما قُطعت رجله، بسبب عاهة أصابتها. وثمة مباحثات في الطب وجهها الطبيب الشاعر بشير بن عامر الفزاري الإزكوي إلى الطبيب علي بن عامر، وأجاب عليها الأخير.

أما علم الفلك، فللعمانيين باع طويل من التجربة العملية، لأنهم يعتمدون عليه في تحديد اتجاه القبلة وحركة الرياح ومواسم هطول المطر، ومطالع النجوم، وحركة الشمس من مطلعها إلى زوالها لقسمة مياه الأفلاج الفلج، كل مزارع يأخذ حصته بحسب الوقت المحدد، مستفيدين بالساعة الشمسية، وبتمدد ظلها يمكن ضبط الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها.

وفي هذا الجانب يقول الباحث سلطان الشيباني من أبرز فروع علم الفلك: علم الميقات. ويرادفه بالمصطلح العصري علم الحساب الفلكي. وقد اصطلح الفلكيون العرب على وضع تسميات لأجزاء الزمن من الهيئة الفلكية، فالدقيقة من أصغر أجزائه، وكل أربع دقائق درجة، وكل ثلاث عشرة درجة منزلة، والمنازل عند أكثر علماء الفلك ثمانية وعشرون منزلة، وكلُّ ثلاثين درجة برجٌ قمري، والأبراج اثنا عشر عند الفلكيين.

كشف أسرار علم الفلك

ويرى الباحث الشيباني أن من أهم المؤلفات العمانية في علم الفلك كتاب: «كشف الأسرار المخفيّة، في علوم الأجرام السَّماويّة، والرُّقوم الحَرْفيّة» للشيخ عمر بن مسعود المنذري (ت1160هـ). ألفه بطلب من الإمام سلطان بن سيف اليعربي، ورغبة في تقييد علم قلّت عناية أهل زمانه به – على حدّ تعبيره – وجعله في ستة أجزاء، ضمنه مباحث فلكية في تقرير أصول علم النجوم والحاجة إليه، وخصائص أبراجه. وفي الكواكب السبعة السَّيَّارة وما يعتريها من علامات ودلالات.

ومن مؤلفاتهم النظمية: «القصيدة اللامية السليمانية في المنازل القمرية الشامية واليمانية»؛ لأَحْمَد بن مانع بن سُلَيْمَان الناعبي العقري النَّزْوِيّ (ق9هـ/ 15م).

ومن نوادر رسائل علم الفلك رسالة مختصرة موجهة للمبتدئين، توجد ضمن مجموع في الفلك والرمل والكيمياء (رقم 3166) والمؤلف هو خميس بن سالم بن خميس الهاشمي (ق13هـ)، وفي صدر الرسالة مقدمة كتبها سعيد بن أحمد اليحمدي، ذكر فيها أنه أحب الولوج إلى علم الفلك فلم يجد من يفتح له باباً للدخول فيه، وطالع الكتب فوجدها غامضة كثيرة الرموز، فعاد إياسه أكثر من رجائه إلى أن أسعفه الشيخ خميس بن سالم الهاشمي بهذه النبذة اليسيرة فوجد فيها ضالته، وأثنى على كاتبها ثناء تلميذ على شيخه، واصفاً إياه أنه «متفنن» في علم الفلك «مُدارسٌ فيه أكثر أهل زماننا».

ومن المصنفات البحرية العمانية التي استفادت من علم الفلك: «لوامع الدراري في علم المجاري» كتاب ألفه قاضي زنجبار: الشيخ مُحَمَّد بن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن علي المُنْذِرِيّ (توفي: الأحد 13 جمادى الآخرة 1286هـ) في علوم البحار والجغرافية، يضبط المجاري أو الطرق البحرية، ويصف خط سيرها ومواسمها الزمنية، وكتب أخرى جليلة، تعج بها خزائن التراث العمانية.

مداخلات وإجابات على الأسئلة

في ختام المحاضرة فتح باب النقاش مع المحاضر، حيث قدم بعض المثقفين مداخلات حول محاور المحاضرة، وطرحوا أسئلة على بعض الاستفهامات التي لم يذكرها المحاضر في ورقته، وحول استرشاد العمانيين بمثل هذه المباحث العلمية، أكد سلطان الشيباني في إجابته على هذه الملاحظة، مؤكدا بعدم وجود تراكم معرفي بين الأجيال، يحث لا يأخذ اللاحق عن السابق، فيبني عليه ويطور المعرفة شيئا فشيئا، هذا لم يحدث إلا في النادر مثال على ذلك في الفقه، حيث لا يطلع الفقيه اللاحق على بعض ما كتبه الفقيه السابق، والفقه مجال معروف بغزارة التأليف عند العمانيين، فما بالكم بالمعارف والمجالات العلمية الأخرى النادرة والشحيحة.

كما تحدث عن نزول المطر بعد صلاة الاستسقاء، حيث قال بإن هذا الفعل ليس فيه مخالفة لسنن الطبيعة، وحدثت حالات أن وقع فيها المطر بعد أن صلى الناس صلاة الاستسقاء، بل أنه حدث عكس لهذ الظاهرة، ففي عهد الامام الصلت بن مالك وتحديدا سنة 251هـ، وقعت أمطار غزيرة في عمان، وهو ما يعد اليوم في العلم الحديث إعصارا، بعد أن صلى الامام مع الناس صلاة صلاة الاستسقاء، فنزلت الأمطار بغزارة، ومن شدة نزولها خرج الإمام مع الناس ليدعو الله أن يوقف الأمطار، ففرج الله عنهم وزالت الغمة.

وتحدث عن ندرة ما أخرج وطبع من مخطوطات علمية، حيث قال المحاضر: للأسف أننا نعاني من مشكلة ندرة ما أخرج من التراث العلمي الاسلامي، وما أخرج منه خرج على أياد غير متخصصة، وهذه مشكلة نوقشت في عدة مؤتمرات، وأنا شخصيا أرى أن انتظار المتخصصين لإخراج هذه المخطوطات سيستغرق وقتا طويلا، لذلك لا أرى بتوقيف حركة النشر، ويجب إخراج هذه الكنوز حتى يتم البناء عليها.

وقال أيضا: بصفتي الشخصية أخرجت سابقا رسالة في علم الفلك للمبتدئين، من تأليف الشيخ خميس بن سالم الهاشمي، وهذه العام اشتغلت على كتاب “الايضاح فيما أودع الله من حكمة في النجوم والرياح”، وهذا جهد يسير، علي أن أخرجها وعلى الباحثين أن يدرسوها ويستخرجوا ما فيها.

كما تحدث عن التهمة التي تقول أن عمان عاشت عزلة عن الثقافة والعلم، وقال: هذه تهمة دندن حولها الكثيرون، ولكن الواقع ينفيه، وما يكتشف يوما بعد يوم من مخطوطات، يدل على اطلاع العمانيين على المعارف الأخرى عند غيرهم، وهذا يدفعنا إلى السؤال الآخر، هل استفاد العلماء العمانيون من غيرهم؟ الجواب نعم، وأنا شخصيا رصدت نموذجا جيدا في هذا المجال، وهو الشيخ ناصر بن جاعد الخروصي، وهو من القلائل الذين أتيح لهم أن يحتكوا بالأوروبيين، الموجودين في العاصمة مسقط، الأمر الذي جعله يبدع في علوم الفلك والكيمياء، وكان يأخذ عنهم الشيء الكثير، وهو شخصية نموذجية يحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث، ومن ذلك أيضا، أنه في إحدى رحلاته إلى الحج، التقى بفلكي مغربي، فاستأذن القافلة التي كان يصاحبها إلى الحج، ليقيم مع الفلكي شهرا، ودرس على يديه علوما متعددة في مجال الفلك.

5,995 total views, 5 views today