سماء عيسى
كاتب وناقد سينمائي

تُحاول هذه القراءة تحديدَ سمات بارزة، تُميِّز الأداء الفني الخلَّاق لجيل جديد من التشكيليين والنحَّاتين العُمانيين.. هذا الجيل الذي فَرَض تميُّز عطائه، قدَّم تجاربه الخلاقة عبر المعرض السنوي العام للفنون التشكيلية (الدورة السابعة والعشرون)، الذي تُقِيمه كل عام الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية؛ تتويجا لأنشطتها السنوية، شاملًا الرسم والتصوير والأعمال التركيبية والنحت.

1- عُمق التجربة في تركيزها ووضُوحها: لا تحفلُ اللوحات والمنحوتات بعدد مكتنز من المفردات، وإنما التركيز يأتي مُتوهِّجا عبر الثيمة الأساسية للعمل الفني.. ولحضور هذا التوهُّج، يلغي الفنان هوامشَ تجربته وزوائدها، مُستفيدا من عنصر الصمت الذي مع غياب الإنسان يغدو المؤكَّد على ما يحدث ويضيء.

2- الالتصاق بمُعاناة الإنسان جرَّاء الحروب، وما تفرضُه عليه من تشرُّد واقتلاع من الجذور، يُقدِّم الفنان بتجريد فني آثارها ودمارها.

3- العَودةَ وبحنين طاغٍ إلى الإرث التاريخي والشعبي.. يحضُر كمصدر إلهام مُتجدِّد لدى عدد واسع من الفنانين المشاركين بالمعرض.

4- التعبير الشاعري عن التجربة، وبعبق من الحنين الرومانسي، إلى الطبيعة وبساطة الحياة في الريف.

(أ) عندما يُشرق الأمل

الفنان عدنان بن صالح الرئيسي – الجائزة الكبرى

يَرسم الفنان كوكبًا مليئًا بالحُطام، حطام يقود لليأس.. بمصادره المتعدِّدة يُقدمه عدنان أرضًا جافة ميتة، تعبر عن الحطام، الألوان غامقة، تتناثر قطع من الكوكب، لم يشأ الفنان خلق تجسيد لها؛ كي لا يقع في المباشرة والتحديد.. الحطامات مجهولة المصدر ومعلومة في آن؛ ذلك ما أعطى اللوحة مساحة واسعة للخيال، ذهب في النصف العلوي منها إلى استنطاق آفاق حياة جديدة مُفعَمة بالأمل، احتلت الشمس قلب اللوحة، نصفُها السُّفلي غارق في المأساة، والنصف الآخر زاخر بالحياة، يمتلئ بالمياه الزرقاء.

ذلك ما هدف إليه الفنان: النهوض من قلب المأساة إلى حياة جديدة تُنَاقِض الحطام الذي فرضته علينا قساوتها ومرارتها.

عدنان رغم انحيازه للتجريد بوعي فني مُدرِك لأهميته الفنية، هو أيضًا ينحاز للتعبير عن واقع مُر، وعن مستقبل قادم يزخَر بالحب والأمل.. التفصيلات وتدرُّجات اللون، إبراز ما هو غير مرئي أمام العين، أخصب اللوحة بجمال متميز.. إنه فنان امتلك رؤى إنسانية رَحبة عبَّر عنها ببساطة وصدق وعمق في آن. تجربة أضاءتْ أملها الخاص ليفتح لنا جميعًا أبوابَ أملٍ كوني متجدد.

(ب) أفق القرية

سلمان بن عامر الحجري – المركز الأول في الرسم والتصوير

صَخَب الحياة وتجدُّدها يأتي من صَمتها.. قُرَى زاخرة بالحياة دون صخب بشري مباشر، يكاد يصل لانعدام أي أثر بشري بها، يُمارس الفنان ذلك بوعي تام؛ اذ ما يود تقديمه لنا ذكريات طفولته بها، تتناثر بالقرية مُفردات جمالية خصبة؛ أهمها: منازل القرويين الصغيرة، النخيل، وحرفيات النساء البدويات، تغطي الرمال خلفية القرية، دافعة الحياة للحضور وليس الغياب، مُفردات اللوحة تبتعد بِنَا عما يستخدمه الإنسان لمنفعته الاستهلاكية، وإن وجدت فتوظيفُها يتمُّ خدمةً للجمال الصامت الذي يحرص الفنان على إبرازه.

لا حدودَ يُؤطِّر بها الفنان لوحته.. قرية مفتوحة الآفاق على رمال الشرق الشاسعة اللامتناهية، الرمال تحتضن القرية مُكوِّنة نسيجًا خاصًّا من جمال يتداخل فيه بحميمية الريف الزراعي والصحراء، ذالك ما يُميِّز الشرق العُماني الذي انحدر منه الفنان سلمان بن عامر الحجري. اللوحة -مِثلما يتضح من وجود لوحة أخرى مكملة لها بالمعرض- جزء من مشروع فني متكامل يحمل الثيمة إياها، وهي الآفاق الجمالية لقرى الشرق العُماني، تجربة تُوثِّق جمالا غير مرئي، جمالٌ يرتبط بالتأمل الروحي الذي تمنحه الصحراء لعشَّاقها.

(ج) الخروج من المجهول

الفنان عيسى بن أحمد المفرجي – المركز الأول جائزة الأعمال التركيبية

يتقدَّم الفنان عيسى المفرجي إلى عالم مجهول حقًّا، عالم تخفيه البحار، عالم اللاعودة إلى المنابت الأولى؛ التي لفظتْ أبناءها، وقذفتْ بهم في بحار تقود لعالم لا نعرفه، هل ثمَّة طريق للوصول إليه، أم أنَّ الغرق والموت في انتظار الراحلين.

عيسى المفرجي يطرح الأسئلة دون أن يُقدِّم لنا إجابات جاهزة، ما تبقَّى من الراحلين أحذيتهم أو البحر الذي ابتلعهم دلالة عدم وجود أدنى أثر لهم.. عبر التاريخ عندما تَضِيق بالإنسان الأرض، فلا أمل له لمواصلة حياته غير البحر، عالم البحار مجهول، حَرِص الفنان على إبراز غموضه عبر الألوان الغامقة، والراحلون لا أثر لهم إلا أحذيتهم على الشاطئ، يحرص عيسى عبر عمله هذا على ترك خيال المشاهد لتأويل وتفسير الحدث الرئيسي بلوحته. حرص على إخفاء نتائج الإبحار، البحر هو المجهول مثلما يوصف في عنوان اللوحة، ونهاية الإبحار به أقرب إلى النهايات المأساوية عنه إلى أي نهاية أخرى.

ثمَّة روابط مُشتركة يقرؤها المشاهد في التجارب جميعها، يُلاحِظ التأكيد على ما يُقدمه الواقع؛ اذ هو المصدر الأساسي لثيمتيْ الغياب البشري، وللامتداد اللانهائي للصحراء وللبحار، لدى كلٍّ من سلمان الحجري وعيسى المفرجي، الواقع المأساوي الذي يفسح من مآسيه أملًا بحياة أخرى كما هو لدى عدنان الرئيسي، ويذهب بالإنسان إلى ما لا نهائيات المجهول، كما هو لدى عيسى المفرجي.

(د) الزمان والمكان – المزولة

النحات علي بن سليمان الجابري – المركز الأول في النحت

يعُود بِنَا هذا النحات المتميز إلى تقديرات الزمن عند العُمانيين القدماء.. “المزولة” أداة قياس لحركة واتجاه نور الشمس على الأرض، يذهب النحات لتقديمها كأداة تُوثِّق ديمومة الحياة واستمراريتها، الوقت في تعاقُبه اليومي المستمر، تعاقُب حركة الشمس وظلال غيابها، على كروية الأرض التي تجسدها منحوتة دائرية من الرخام العُماني، تمتد عليها قطعة من خشب الساج العُماني، يُحدِّد امتلاءه بالضياء أو بالظلال الوقت من الزمن اليومي ابتداءً من ظُهُور الضَّوء حتى عتمته. دائرية الأرض المتجهة إلى دائرية الزمن هي فكرة مُستوحاة من التراث الآسيوي، الذي يلغي الماضي، فالحاضر، فالمستقبل، منتصرًا لدوران الزمن وتعاقبه في وحدة دائرية كما هو في هذه المنحوتة المتميزة، يخطُو بِنَا علي الجابري نحو ما لا نكون قادريْن على تجسيده إلا عبر الفن، هذه المنحوتة في ثَرَائِها برُوح التاريخ، تُقدِّم الجمال المفقود، العائد إلينا نابضًا مُتجدِّدا مُلهِمًا، نفتقد حضورَه هذه الأيام.

—————–

* المعرض السنوي العام للفنون التشكيلية – الدورة السابعة والعشرون 2019

* أعضاء لجنة التحكيم:

– خالد محمد سيد فرج (إخصائي فنون تشكيلية – مصر).

– ربيعة الرينشي (دكتوراه علوم وتقنيات الفنون – تونس).

– مُرتضى بسرافي (فنان تشكيلي – إيران).

* الإشراف العام على المعرض: مريم بنت مُحمَّد الزدجاليَّة – مديرة الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية.