د. سيف المعمري

لا تزال التنمية قضية محورية في العالم الثالث، فهي الطريق إلى انتقال مجتمع ما من مرحلة حضارية متخلفة إلى مرحلة أخرى تتسم بالتحسن في مجالات الحياة المختلفة، وعُمان كغيرها من المجتمعات بدأت مشروعا تنمويا منذ ما يزيد على أربعة عقود، كان هدفه الأساسي الإنسان العماني الذي وجد نفسه خارج دائرة الفاعلية الحضارية لفترة تاريخية، حيث افتقد لأدوات التقدم الحديث من تعليم ومؤسسات حياتية مختلفة، ولذلك حددت التنمية في أدبياتها أن الإنسان هو هدف التنمية وغايتها، ولذلك لم تكن الرغبة  في تنمية تسعى إلى تحديث الوسائل من بنية تحتية ومؤسسات فقط، بل  كان السعي إلى تنمية تركز على تحديث الذهنيات التي تعيد اكتشاف نفسها في عالم معاصر يتطلب منها الوعي بخصوصيتها الحضارية، وهو اكتشاف يتطلب المواءمة بين متطلبات المعاصرة وضرورات المحافظة على التراث. ورغم التقدم الذي حققته البلد في التنمية خلال العقود السابقة، إلا أن هناك ضرورة لإعادة قراءة واقع التنمية العمانية من منظور ثقافي، سيما في ظل طروحات ترى أن الثقافة كانت الخاسر الأكبر في مشروع التنمية ليس في عمان وحدها فحسب، بل في المنطقة الخليجية بأكملها، فالطفرة النفطية وإن قادت إلى بناء مدن عصرية بوسائل مختلفة، إلا أنها لم تساعد على بناء فرد متعلم أو مثقف واع لتاريخه وحضارته وقادر على تسخير الإمكانات المادية الهائلة في مشروع ثقافي تقدمي،  وفي هذا السياق يرى الدكتور عبدالله الغذامي بوجود :”انفصام تام بين عمارة المكان وعمارة الإنسان، حيث صارت التنمية مكانية أكثر منها بشرية، وانتزع البعد الإنساني فيها، حتى أنك لتشعر بلا إنسانية المكان…قادرون بغيرنا وعاجزون عن تمثل شرطنا الإنساني، حتى صار المكان عندنا أرقى من الإنسان، وصار المكان هو الحداثي لإنسان لما يزل خارج اللعبة”.

إن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق بالنمو الاقتصادي فقط، لأن التنمية لابد أن تجعل من الثقافة هدفا أساسياً لها، فالتنمية هي وسيلة لمساعدة الإنسان إلى بناء حياة ليست استهلاكية فحسب، إنما حياة فكرية وعاطفية تجعله واعياً لقيمة التراث الفكري والفني من حوله، وتساعده على تذوقها بصورة أفضل؛ مما يساعد على تحقيق تطور إنساني بدلاً من تحقيق نمو اقتصادي فقط للمجتمع، ولذلك أكدت منظمة اليونسكو على هذه العلاقة الارتباطية بين الثقافة والتنمية، من أجل زيادة مساهمة الثقافة في توجيه عملية التنمية المستدامة، وخصصت لذلك العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998) من أجل تشجيع المجتمعات على الالتفات إلى ثقافاتها وعمل إحصاءات لمواردها الثقافية ورسم خرائط لها بما يؤدي إلى الحفاظ عليها، مما ينعكس على تحقيق إفادة اقتصادية منها، ويساعد على تحقيق تماسك اجتماعي، ولاقى هذا الاهتمام العالمي بالتنمية الثقافية اهتماماً عربياً بها حيث تم تخصيص ما يمسى بالعقد العربي للتنمية الثقافية (2005-2014) بمباركة من وزراء الثقافة العرب، وجاءت أهداف هذا العقد تؤكد على الآتي:

-وضع الثقافة في محور عملية التنمية في الوطن العربي.

– تأكيد الهوية الثقافية وتعزيزها والحفاظ عليها.

– تشجيع الإبداع وتعزيز المشاركة في الحياة الثقافية في الوطن العربي وتأهيل الثقافة العربية لمواجهة المستقبل ومجابهة تحديات العولمة.

– دعم التفاعل والحوار بين الثقافة العربي والثقافات الأخرى وتعزيز السياسات والممارسات الثقافية.

– تعزيز التنوع الثقافي في عصر العولمة.

– دعم الموارد البشرية الكفيلة بتحقيق التنمية الثقافية الشاملة والمستديمة.

تفعيل دور البحوث والدراسات والمؤسسات في رسم السياسات الثقافية.

  • إكساب التعاون العربي الثقافي البيني ومع الخارج مزيدا من النجاعة والفاعلية والارتقاء به من مستوى التبادل إلى مستوى التنسيق والمعرفة والتكامل.

إن قراءة واقع التنمية العمانية اليوم لن تكون كاملة بدون الحديث عن التنمية الثقافية لأنها تعطي مؤشرات عن بناء الإنسان العماني المفكر والمنتج والمشارك بوعي في الحضارة الإنسانية المتطورة باستمرار، فالتنمية العمانية الحديثة هدفت أساسا إلى تحسين ظروف العيش الإنساني للفرد العماني، فكما جاء في خطاب صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم في عام في 23 يوليو 1970م “…سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل”، إن مصطلح “العيش الأفضل” الوارد في خطاب جلالته لم يقصد به توفير مستلزمات الحياة الأساسية المرتبطة بالجانب المادي الاقتصادي، إنما كان يحتمل تفسير أكبر يرتبط ببناء قدرات الإنسان التعليمية والثقافية التي تمكنه من المشاركة في تحقيق العيش الأفضل، وفي تبني أساليب معيشية حديثة لا تتناقض مع الإطار الثقافي الذي ينتمي إليه الإنسان، ولذلك يركز بعض المهتمين بالتنمية على ما يسمى بالتنمية الثقافية التي لا يمكن فهمها في إطار ضيق يتمثل في توفير فرص التعليم ودعمها، وفي تنفيذ تظاهرات ثقافية بين الفينة والأخرى، إنما يمكن أن ينظر إليها على أنها سياسة تنموية هادفة ومقصودة تسعى إلى بعث مكنونات التراث الثقافي المختلفة وتحفيز الطاقات الإبداعية الفكرية والاقتصادية لإثراء هذا التراث وتسويقه داخليا وخارجيا بما يعود بنتائج اقتصادية وثقافية كبيرة في الداخل والخارج.

تنعكس التنمية المعاصرة على الوضع الثقافي العماني سلباً وإيجاباً، وقبل مناقشة هذا التأثير لابد من الانطلاق من بعض المعطيات التي تساعد على فهم هذا الوضع الثقافي، ويمكن تلخيص هذه المعطيات في النقاط الآتية:

أولاً/ إن المنتج الحضاري الثقافي العماني كان عنصراً مهما في تشكيل الحضارة العربية الإسلامية منذ بدايتها، سواءً من حيث التأسيس لعلوم اللغة أو الفقه أو التاريخ، ولاحقا لعلوم الفلك وعلوم البحر، مما ساعد على التقدم العلمي العماني الذي أثر أيضا في قوة الدولة العمانية وقدرتها على النهوض باستمرار في ظل تحديات خارجية وداخلية مرت به عبر تاريخها الطويل، وبالتالي فإنه لا يمكن تحقيق تقدم حقيقي إلا من خلال الاتكاء على هذا الموروث الثقافي واستنهاض قيم العمل والإبداع والبحث والمعرفة، وما دار خلال العقود الماضية من استعانة بالآخر في التنمية لا يجب أن يستمر بنفس الوتيرة، إذا أردنا تجنب الانفصام بين تاريخنا الذي صنعه أجدادنا بعملهم الدؤوب وبقيمهم المنفتحة على التعلم والإبداع وبين واقعنا الذي نعتمد فيه على الآخر في الداخل أو الخارج فهو الذي يصنع لنا كل شيء حتى رموزنا الثقافية التي نفخر بها من خناجر وحلوى عمانية وغيرها ….

ثانياً/ إن التنمية ظلت محكومة بالبناء الاقتصادي في جوهرها، لأنه أساس لا غنى عنه في تحقيق التقدم، ولكن آن الأوان للتركيز على الثقافة لأنها أيضا من أهم السبل في تحقيق تنمية تقوم على المعرفة والأخلاق، وكما يرى عبد الرحمن منيف “جزء من الخسارة التي تلحق بالبلدان أنها تركن إلى الأوهام، وتعيش في الماضي، وتخطئ في قراءة الواقع واحتمالات المستقبل، وكما أن التاريخ ذاكرة، فإن إدراك الجديد ذاكرة أخرى…فإذا لم يحسن استيعاب التاريخ ولم يجر معرفة الجديد، فإن كل شيء ستحول إلى ذكريات وأغان حزينة”. وبالتالي لابد من الوعي بتاريخنا حتى نحدد مسار المستقبل الذي نريده لهذا البلد، فلا يمكن أن ننطلق إلى العالم المتغير مثقلين بتراث ثقافي لا نعرف كيف نستفيد منه في تفاعلنا مع هذا العالم بحيث نكون متوازنين، فلا نحن منكفئين عليه ولا منقطعين عنه.

هذه التنمية الثقافية تبرز أهميتها في اللحظة الراهنة في محورين من وجهة نظري، هما:

المحور الأول/ تعزيز الانتماء لدى الأجيال العمانية التي بدأ تواصلها مع ثقافتها وتاريخها يضعف نتيجة للتفاعل اليوم مع ثقافة معاصرة لها محدداتها ومتطلباتها وأدواتها اللغوية، وفي ظل المد الشديد لهذه الثقافة تنحسر المعرفة بالثقافة الوطنية التي يعيدون اكتشاف مكنوناتها وجمالها وثرائها من خلال الآخر، هذا الانتماء لا يمكن أن يتعزز بدون فعل ثقافي مستمر يوجه لهذه الأجيال في مختلف الأماكن التي يتواجدون فيها، فلا قيمة للقلعة المغلقة إن لم تحول إلى مركز ثقافي وملتقى حواري بين أبناء المجتمع، فتواجدهم فيه، واستشعارهم لقيمته يولد لديهم روح وطنية متحفزة للعطاء…

المحور الثاني/تعزيز مساهمة المنتج الثقافي والحضاري العماني في الاقتصاد المحلي، فمن خلال دراسة مختلف جوانب التراث الثقافي، ونشر تفاصيله، وإحياء المدن القديمة التي تحتضنه، وعرض التراث العماني بها مما يساعد الأجيال العمانية وغيرها على معرفة قصة الحضارة العمانية، هذا يساعد على تعزيز إسهام المورد الثقافي في الناتج الوطني الإجمالي، مما يتيح أيضا تنويع مصادر الدخل وفتح فرص عمل متعددة للشباب العماني مما يحفز على فتح تخصصات في الجامعات العمانية تعنى بالتراث والترجمة والسياحة واللغات وغيرها.

يتطلب قراءة واقع التنمية الثقافية في سلطنة عمان الانطلاق من مجموعة معايير منها أدوات الإنتاج الثقافي في مجالات الإعلام، والإبداع الفني والأدبي، وحركة النشر، وحركة الترجمة، وعدد المؤسسات الثقافية وفاعليتها، وعدد المتاحف وتوزعها، وعدد دور السينما، والمسارح، والمدن القديمة، والصناعات التقليدية، وتوافر الموارد البشرية الكافية والمتخصصة في جوانب الثقافة المختلفة، وتوزع المكتبات على مختلف المحافظات، والالتفات إلى كبار العلماء والمفكرين العمانيين والاحتفال بهم بشكل دوري، والاستفادة من البنية التراثية الثقافية والمنتشرة في مختلف أنحاء عمان في الترويج لسياحة ثقافية حضارية مما يزيد من قيمة الموروث الثقافي ويولد فرص لانتقاله من جيل لآخر،   ولذلك لا يمكن إعطاء أحكام قاطعة حول حقيقة التنمية الثقافية في عمان إلا من خلال الاستقراء المنهجي لهذه المعايير، لكن ذلك لا يمنع من تقديم قراءة انطباعية تساعد في فهم طبيعة العلاقة بين الثقافة والتنمية.

لا يمكن تجاهل مكانة التراث والثقافة العمانية في مسيرة التنمية خلال العقود الماضية، حيث انطلقت العملية التنموية من مبادئ ساهمت في الحفاظ على مكونات التراث الثقافي المادي وهو التراث الغير قابل للتجديد، ويتجسد في المعالم والمباني الأثرية والتاريخية أو ذات البعد الثقافي والهندسة المعمارية، والتراث الثقافي الغير مادي، وهو يحتمل أن يكون مورداً متجدداً بصورة عامة. ويشمل اللغات والتقاليد والمعتقدات والممارسات الغذائية وجميع الوسائل الأخرى للاتصال والتعبير، بالإضافة إلى العادات والأعراف الشعبية و الفنون والحرف والصناعات التقليدية، ولقد قامت الحكومة بجهد ملموس في كلا الاتجاهين، وخصصت أموالا لإعادة ترميمها وتوثيقها، وأنشئت مؤسسات ثقافية للإشراف عليها، ولا تزال هذه الجهود مستمرة تسعى إلى تنشيط الحياة الثقافية وجعل هذا التراث محوراً أساسياً في  التنمية الاقتصادية لأنه مورد خصب ويتميز بالثراء.

رغم ما أنجز خلال العقود الماضية في مجال التنمية على مختلف مستوياتها إلا أن التنمية الثقافية لا تزال تثير قلقا كبيرا يؤثر في جوهر التنمية نفسها التي باتت تواجه تحديات عدة بعضها مرتبط بالفرد الذي يجد نفسه متأرجح بين ثقافة وهوية وطنية وبين ثقافة عالمية لها قدرة كبيرة في التسويق لنفسها عبر وسائل تكنولوجية مبهرة وجذابة تشجع من خلالها على الاستهلاك بدلا من التشجيع على الإبداع، وبعضها مرتبط باستراتجيات التنمية ومؤسساتها حيث حدت بيروقراطيتها من دورها في استنهاض الروح الثقافية المبدعة التي تعيد تقديم مفكرين عمانيين شباب يكونون امتداداً إلى سلسلة المفكرين والمبدعين الذين كان لهم إسهام حضاري في مختلف العلوم الإنسانية والتطبيقية، ولعل المؤسسات المعنية بالثقافة على وجه الخصوص بحاجة إلى تفعيل وجودها بدلاً من تركها كما يرى الشاعر العماني سيف الرحبي “واجهات تصفر فيها الريح ويرتادها اللاعبون للتسلية والندوات الرسمية”، هذا التوجيه لهذه المؤسسات ضروري من وجهة نظره في المرحلة الراهنة “فما أحوجنا في أفق هذا العصر المدلهم إلى خلق منابر حقيقية لحماية وتنمية الإبداع ووقائع الروح من الافتراس الزاحف بتقنياته المختلفة في تسويق وتسويق كل ما هو رخيص ومدمر لروح الإنسان”.

ولكن رغم هذه الأهمية للتنمية الثقافية إلا أن هناك إشكاليات تواجهها التنمية الثقافية في عمان منها أن التخطيط العمراني الحديث لبى الحاجات الاقتصادية لأفراد هذه التجمعات السكانية حيث خصصت مساحات للأسواق في حين تجاهل حاجاتهم الثقافية حيث لم تخصص مساحات للأنشطة الثقافية في شكل مكتبة أو مركز ثقافي مصغر يكون منطلق لتحفيز القراءة والحوار وبناء الوعي العام، وأيضا ضعف التنسيق بين جهود المؤسسات الثقافية القائمة التي لابد أن توحد جهودها نحو تحقيق أهداف ثقافية محددة مثل الأهداف التي حددها العقد العربي للتنمية الثقافية، وسيكون من المفيد أن نضع أيضا عقداً للثقافة العمانية، يتم فيه تعزيز الجهود في مختلف المجالات الثقافية مما يعزز من دور الثقافة في تحقيق أهداف التنمية. علاوة على ذلك لابد من إعادة تقييم الحرية الإبداعية الثقافية، فحرية التعبير بمختلف أشكالها عامل مهم في تحقيق التنمية الثقافية العمانية، لأن الفكر لا يمكن أن يزدهر إلا في ظل مساحة مناسبة من الحرية التي تتيح إعمال التفكير في مختلف جوانب التراث وأيضا في المسار الثقافي الحاضر.

إن التركيز اليوم على توفير فرص عمل للأعداد المتزايدة من الخريجين لا يجب أن يضعف من التركيز على التنمية الثقافية، فالهدف من التنمية هو دائما تمكين  الأفراد من رفع مستوياتهم الثقافية ليواجهوا التحديات الصحية والاجتماعية والتعليمية التي تواجههم، وبالتالي لابد من تلبية حاجة الناس إلى مؤسسات وبدائل وأماكن لتطوير قدراتهم وممارسة أنشطتهم الثقافية، بدلاً من التركيز على توفير أماكن اقتصادية لتعظيم رفاهيتهم الاقتصادية، وإلى جانب ذلك فإن التخطيط لتنشيط السياحة كأحد أهم القطاعات الاقتصادية لابد أن ينطلق من أهمية استثمار التراث الثقافي العماني، من خلال استثمار الإمكانات المتوافرة في المدن التاريخية العمانية مثل صور وصحار ونزوى ومرباط وغيرها وإحياء صناعتها وأسواقها القديمة، والحفاظ على مدنها وحاراتها التاريخية، وعقد المهرجانات والمناسبات الثقافية بها، هذا الاتجاه سوف يبث الحياة في تاريخ هذه الأماكن ويوثق من علاقة الإنسان بالمكان، ويزيد من انتمائه له..لأنه يمثل الذاكرة التي لا يمكن أن يعيش بدونها.

4,164 total views, 2 views today