صفيَّة بنت ناصر الشرجيَّة

إنَّ مِنْ أعظم الأمُور التي يَسْعَى المرءُ لتحقيقها في شبابه ليَجْنِي ثِمَارها عند الكِبَر: “الابن الصالح”، الذي يشدُّ من أزْر والديه عند الكبر. إنَّ الابنَ الصالح ثمرةُ كفاح وعمل، ولا يأتي من سَرَاب؛ فمن أحْسَن زرعه صلُحَ ثمره؛ فلا بد على الوالدين تربية أبنائهم على مكارم الأخلاق؛ وعلى رأسها: التواضع؛ فمن تواضع لله رفعه. وفي المقابل، كما قال رسولنا الكريم سيدنا محمد -عليه أفضل الصلاة والتسليم- “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”. وهنا أتساءل: كيف لنا أن نربِّي أبناءنا على حُب المظاهر، والتكبُّر والنظر إلى الآخرين بدونية وكأنَّهم خُلِقوا من نُور وغيرهم من طين؟ كيف لنا أن نُنِشْئ جِيْلاً صالحاً يَرْقَى بِنَا عالياً إذا كان أقصى ما يشغل تفكيره هو: “من أيِّ ماركة قميصه؟ حذائه؟ ساعته أو حقيبته؟”.. ذلك التفكيرُ السطحيُّ الذي يُظْهِر فراغاً كبيراً في عقل الفرد.
التربية اصطلاحاً تعني: الطريقة التي من الممكن من خلالها اكتشاف نقاط القوة الكامنة في الفرد؛ وبالتالي العمل على توجيهها بالشكل الصحيح، وتنميتها، وتثبيط السلوكيات الخاطئة للرُّقي بالفرد؛ لذلك فإنْ لم نهتم بهذا الجانب في الطفل منذ الصغر، فلن نستطيع إصلاحه عند الكبر؛ فهي مُجرَّد مرحلة سريعة الانقضاء.
إنَّ ما لفت انتباهي إلى طَرْح هذا الموضوع هو رؤيتي لمقطع على أحد برامج التواصل الاجتماعي؛ حيث يَظْهَر طفلٌ يروي حادثةً حَدَثت له عند زيارته لإحدى الحدائق العامة؛ حيث أبهرني تفكيره الكبير الذي يَجْعَله مُتصدراً قائمة جِيْله فكراً وخُلقاً. يحكي الطفل حادثته قائلاً: بأنَّ طفلا آخر في الحديقة قد سَخِر منه لارتدائه حذاءً قديماً نسبيًّا، ولا يُواكب الموضة في وقتنا الحالي! ثم يُكمل الطفل مُوضِّحاً وجهة نظره من الموضوع بأنَّه يرتدي الأشياء التي تُعجبه، وتُشعره بالسعادة، بغضِّ النظر عن قيمتها أو الماركة التابعة لها؛ فهو شخصيًّا لا تهمه الماديات والمظاهر أبداً؛ لذلك ردَّ على الطفل الساخر بأنْ لا يُحاسبه على ما يرتديه في قدمه، بل على تفكيره وكمية المعلومات التي يملكها في عقله، دون النظر إلى ما يملكه؛ فحتَّى هذا الحذاء الذي يتفاخر به الطفل الساخر لن يكون على مقاسه بعد عشرين عاماً من الآن؛ فالأهم والأدوم هو ما نملكه في عقولنا ليس ما نرتديه اليوم.
شخصيًّا.. لا أملك إلا أنْ أرْفَع القبعة لوالديْ هذا الطفل الرائع، والواثق من نفسه؛ فكلُّ ما نَطِق به حِكَم ودروس يجب أن تُضاف إلى مناهجنا الدراسية. لقد أعجبني فيه أنَّه لم يتأثَّر سلباً بسُخرية الطفل، بل على العكس لقَّنه درسًا في القِيَم والأخلاق التي لم يتعلمها من المحيطين به؛ فليست المظاهر هي مَنْ يَصْنع النجاح والتميُّز، بل الفكر الذي يشغل حيزاً من عقولنا.
ثم انتهى المقطع برسالة وجَّهها الطفل للآباء والأمهات بهذا الصدد، أنْ لا يُربُّوا أبناءهم على حُب المظاهر والماديات، والسبب وراء ذلك هو أنه بمجرد أن يفقدوا هذا الماديات التي يملكونها سيشعرون بأنَّهم غير مُهمِّين، وسيفقدون ثقتَهم بأنفسهم؛ وبالتالي سيلجأون دائماً إلى إبراز أنفسهم من خلال الأشياء الباهظة التي يملكونها.
لا أملك إلا أنْ أدوِّن هذه الرسالة في مَقالي هذا، راجيةً أن تبلُغَ مَسَامِع كلِّ أم وأب يسعون دائماً إلى إسعاد أبنائهم من خلال توفير أثمن الأشياء وأغلاها، مُتناسين الصورة الذهنية التي يخلقونها في عقل الطفل، والتي مع مُرُوْر الزمن ستظهر من خلال تصرفاته وأخلاقياته. أنا هُنا لا أقصد أنْ نبتاع لأبنائنا أرخص الأشياء، بل على العكس أن نربِّيهم على أنَّ الأشياء ليست بقيمتها، بل بمعناها، وأنْ لا يبخسوا الرخيصَ لأنه رخيص فقط، وأنْ لا يُقللوا من الآخرين لارتدائهم ثيابا مُتواضعة، وأنْ لا نكرِّر على مسامعهم: “هذا رخيص ما من مُستوانا”, أو “عيالي ما يلبسون إلا الماركة الفلانية”…وغيرها من العبارات الهدَّامة؛ ليُصبح الطفل فيما بَعْد مُتفاخراً بما يرتدي، جاهلاً لقيمته الحقيقية.

وفي الأخير.. نحن بحاجه لتربية أبنائنا على التفكير بعُمق، وتوسيع ثقافتهم ومدركاتهم بشكل أوسع؛ من خلال توفير سُبل التعلُّم الذاتي كالكتب وألعاب الذكاء التي تَسْمَح للطفل بالتفكير، واتخاذ القرار، والتعلُّم من الأخطاء، إضافة إلى أنْ نكونَ لهم قدوةً حسنةً ليحتذوا بها؛ فمتى ما أصبح الحُكم بالمظاهر مقياسًا لقيمة الإنسان، حينها لا نملك إلا أنْ نقول “على الدنيا السلام”.

399 total views, 8 views today