سليمان الخياري

مَعَ بُزُوْغ نظريَّات الترجمة في مُنتصف القرن المُنصرم في الغرب، وما رَافَقها من أُطْرُوحات أكاديمية، ونقاشات حادَّة، ونقدٍ أدبيٍّ، أصْبَح للترجمة شأنٌ آخر. فلم يعد تعريف الترجمة مُقتصراً على النقل من لغة إلى أُخرى؛ بما أنَّ اللغة المصدر تحملُ أبعاداً ثقافية وأيديولوجية ولغوية، ولم يَعُد المُترجِمُ ناقلاً فحسب، بل أصبح شريكاً في الكتابة أيضًا. فبعض الكتابات قد تكُوْن سيِّئة في لغتها المصدر، بينما تُصبح رائعة في لغتها الهدف؛ لهذا يتوجَّب على المُترجم أن يُوْلِي اهتماماً أكبر بأبعاد اللغتين: المصدر والهدف.

الحَدِيْث حول الترجمة دوماً شائقٌ وشائك؛ ما من مُؤتمر أو ندوة أو جلسة حوارية تُقام إلا والمعوقات التي تُثار حول الترجمة أكبر من الحلول المطروحة؛ نظراً لقلة الجهود المبذولة في هذا المجال، رغم أنَّ الترجمة قديمة قِدم الحضارة الإنسانية. ومع تقدُّم الحضارة في شتى مجالاتها وتعقدها، أضحت الترجمة أكثر تعقيداً وتشعباً بحيث أصبح -لِزاماً- على المُترجم أن يتخصص في مجالٍ مُعينٍ من مجالات الترجمة ليتسنى له الولوج إلى عالمها بشكل أفضل.

وَمِنْ هَذَا المنطلق، أقامَ النادي الثقافي جلسةً حواريةً بتاريخ 2 مايو لهذا العام، تحت عنوان “ترجمة القوانين وأثرها في الاستثمار بالسلطنة”، وقد أثارتْ هذه الجلسة الكثيرَ من التساؤلات حول الجهة المسؤولة عن ترجمة القوانين في السلطنة ومدى أهميتها؛ إذ إنَّ الجهود المنفردة التي تقوم بها كلُّ مؤسسة على حدة، في ظل غياب جهة مُعتمدة، يعتريها الكثير من القصور والمُجازفة. وبما أنه لا يوجد نصٌ قانونيٌ واحدٌ مُوحَّدٌ ومُعتمد؛ فإن المُستثمر الذي يَسْعَى للدخول إلى السلطنة يقع في الحيرة والشك. فاللغة القانونية تُعتبر لغة اختصاص لا يُمكن أن تُستخدم في الحياة اليومية، بل في سياقات مُعينة؛ كالتقاضي والتشريع. ولهذا السبب، نجد أنَّها عصية على الفهم على غير المُختصين. فتركيبة الجملة القانونية ومُفرداتها قد تكون مُبهمة وتحتاج شروحات وإيضاحات وتفسيرا، وهي تشكل تحدياً كبيراً للمترجم إنْ لم يكن على دراية تامة بهذه اللغة. أضف إلى ذلك، أنَّ المُفردة في السياق القانوني تتشعَّب إلى تفاصيل دقيقة؛ فالسرقة تُصبح موصوفة أو مستجمعة الأحوال أو غير مُستجمعة الأحوال أو عادية أو تافهة، وجريمة القتل تُصبح قتلَ عمدٍ أو غيرَ عمدٍ، أو مع سبق الإصرار والترصُّد. ولو تطرَّقنا إلى الأوراق التجارية لوجدنا تتضمَّن شيكَ الضمان والوفاء والمرتجع، ويترتَّب عليه التزام أصلي وصرفي. وكلها تفاصيل تحتاج إلى عناية فائقة أثناء الترجمة. وقد يكُوْن للمفردة أكثر من معنى في سياقاتٍ مُختلفة. ولا يجوز إعمال نظريات الترجمة في المجالات القانونية كالحذف والإضافة والتقديم والتأخير؛ إذ يتوجَّب على المترجمِ أن يلتزم بالنص الأصلي حرفيًّا دون إضافة أو نقصان؛ حِفَاظاً على حقوق المتقاضين. وبلا شك، فإنَّه لا يُوجد مُستفيدٌ واحدٌ من غياب جهة مُوحَّدَة تُعنى باعتماد الترجمة؛ فلا المؤسسات قادرة على الوصول إلى المستثمر الأجنبي خارج البلد الذي يتابعنا من خلال الشبكة المعلوماتية، ولا المستثمر قادر على اتخاذ قرارٍ في ظل غياب قانون يفهمه بلغته. ولن يتأتَّى هذا إلا بتضافر الجهود بين مُختلف الجهات لإنشاء جهة كهذه.

وَأَشَار المُحَامي سعيد الشحري -في مَعْرِض حديثه عن القانون التجاري، وعن الاستثمار- إلى أهميَّة وُجُود إطار عام يستطيع من خلاله هذا القانون أنْ يُوْجِد وأنْ يَتَجَاوب مع الاحتياجات، وأن يُحقِّق أهدافاً، فلا يُمكن أن نقرأ القانون التجاري بمعزلٍ عن البنية التشريعية والقانونية في البلد. وبما أنَّ النهضة العُمانية الحديثة قد بدأت مع بداية السبعينيات، فإنَّ أغلب القوانين الرئيسية بدأتْ وفق فلسفة تشريعية مُتكاملة؛ بدءاً بالاحتياج الفعلي، وهذا الاحتياج ينعكسُ في شكل قانون، ويتم تطبيقه ثم تعديله واستكماله ضمن المنظومة التشريعية المُتكاملة. وقد أوْضَح أنَّ القانونَ التجاريَّ -على سبيل المثال- قبل صُدُوْرِه في العام 1990 كان عبارة عن تشريعات تُنظم الأعمال التجارية المُختلفة. مُبيناً أنَّ هذه الفلسفة التشريعية قد انعكستْ أيضاً على التشريع القضائي؛ إذ إنَّ حسم المنازعات التجارية تدَّرج بعد أنْ كان هيئة إلى محكمة، وتمَّ تطبيق قانون السلطة القضائية في العام 1999. وتأكيداً لفكرة البنية التشريعية، لا بد من وُجُوْد مُؤسسات، ولهذا السبب صدر قانون تنظيم الجهاز الإداري للدولة. أمَّا فيما يتعلق بالعمل التجاري، فقد صَدَر قانون السجل التجاري في العام 1974، وفي العام ذاته صَدَر قانون الشركات التجارية وقانون الاستثمار الأجنبي. كما بيَّن أنَّ الدلالات لصدور مثل هذه القوانين هو التعامل مع احتياجات واقعية ملموسة تتطلبها التنمية، وهذه إحدى خصائص قانون التجارة الذي يستهدفُ المُستثمرَ المحليَّ والأجنبيَّ على حدٍّ سَوَاء. لذلك؛ فلابد أن يكون العمل التجاري مُقننًا لتحديد مسؤوليات من يزاولون التجارة. وقد شدَّد على أهمية توفير بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي؛ إذ إنَّ الاستثمار يُنظر إليه دوماً على أنه عصبُ الحياة للبلدان. وهذه البيئة لن تتأتى إلا إذا وُجِدَت جهات تُسَاعد على حَسْم المنازعات أو الخلافات التي تنشُب بين الأطراف التجارية، وهنا تكمُن أهمية القانون.

كَمَا شدَّدت آن الكنديَّة أيضاً على أهمية وجود الإطار التشريعي المُحدد في جلب الاستثمار، وضرورة وجود ترجمة مُعتمدة للقانون العُماني إلى عددٍ من اللغات الأجنبية. فالمُستثمر الأجنبي عندما يدخُل السلطنة بغرض الاستثمار، ينظر بعد الاستقرار السياسي إلى استقلالية القضاء وإلى المهنية الموجودة داخل المحاكم؛ فعندما يَرَى أنَّ اللغة الإنجليزية -وهي لغة الأعمال المُستخدمة عالميًّا- ليس لها حضور فاعل في المحاكم من خلال الترجمة قد يخرج بانطباع سلبي. فاستخدام اللغة العربية في المحاكم -وفقاً لنصوص القانون- أمرٌ لا مِرَاء فيه، لكنْ أيضا هُناك حاجة ماسة لمُترجمين مُؤهَّلين يُتقنون ترجمة اللغة القانونية إتقاناً تاماً؛ وذلك من أجل حِفْظ حقوق المُتقاضين، وهذا لن يتأتَّى إلا بالتأهيل الجيد في اللغة القانونية.

وَمِنْ جهةِ أخرى، تطرَّق المترجِم مُحمَّد الحجري -خلال الجلسة- إلى أَقْدَم نصٍّ قانونيٍّ مُترجم في التاريخ البشري.. مُشيرا إلى اتفاقية الصُّلح المُبرمة بين رمسيس الثاني وإمبراطور الحضارة الحيثية، بعد معركة قادش في سوريا في العام 1271 قبل الميلاد (حسب إحدى الروايات)، ولا تزال آثار الاتفاقية المكتوبة بالخط الحيثي معروضة في مُتحف الآثار بإسطنبول. وهناك نُسخة طِبْق الأصل في المقر الدائم للأمم المتحدة، كما أنَّ النسخة الفرعونية من الاتفاقية منقوشة باللغة الهيروغليفية على جدران معبديْ الكرنك والرامسيوم في طيبة (الأقصر حاليا) في جنوب مصر، وقد أشارَ المُترجِمُ إلى أنَّ ترجمة اللغة القانونية كانتْ حَاضِرَة في العلاقات الدولية القديمة، وهذه العلاقات قديمة قِدَم الكتابة ذاتها، ثم عَرَّج المُترجِمُ في الحديث على أثر تعدُّد الترجمات، وغياب وجود ترجمات رسمية للقوانين.. مُشيداً بالجهود والمبادرات التي تبذلها بعض المؤسسات الحكومية في ترجمة قوانينها، إلا أنَّ هذه الجهود لا تزال مُبعثرة؛ إذ إنَّه قد يتصادف وجود عدة ترجمات غير رسمية لقانونٍ واحد، وهذا يَعْنِي ضَيَاع الجهود، في حين كان بالإمكان أن تتولى جهة مهنية أو رسمية واحدة اعتمادَ الترجمات. وقد أشار المتحدِّث إلى تَجْرِبة أستراليا في هذا المجال؛ حيث أنشأت هيئة وطنية لاعتماد المترجمين التحريريين والفوريين، وقد قامتْ هذه الهيئة باعتماد أكثر من 33 ألف مُترجِم يُتَرْجِمون من وإلى لغات مُختلفة في أستراليا، كما أكَّد أنَّ توافر ترجمة مُعتَمَدة للقوانين تُحفِّز المستثمر على اتخاذ قراره بالاستثمار، ويرى أنها من التسهيلات التي يَنْبَغِي إيلاؤها أهمية خاصة؛ فهي تساعد الشركات على سرعة امتثالهم للتعليمات والأنظمة الحكومية، كما أوْضَح المُترجم في حديثه أنَّه لا يُوجد تنوُّع في اللغات التي تُترجم إليها القوانين العمانية، وَيَرَى أنَّه مِنَ المُهم بمكان أنْ تتوافر ترجمات بلغات أخرى كاللغات الآسيوية والأوروبية الأخرى. واختتمَ حديثه بالتأكيد على ضرورة إيلاء الترجمة اهتماماً أكبر؛ من خلال إقامة مشاريع ترجمية للقوانين العُمانية إلى عِدَّة لغات، خاصة تلك القوانين التي ترتبطُ بالعمل والاستثمار، وإنشاء مُؤسسة مهنية تُعْنَى باعتماد جودة الترجمة والاستفادة من التجارب القائمة حالياً، وأهمية عَقْد دورات مهنية في مجال ترجمة اللغة القانونية والتجارية، وتطوير قطاع الترجمة، وتسهيل إجراءات فتح مكاتب الترجمة من خلال مراجعة قانون مكاتب الترجمة القانونية، واعتماد نظام جودة وميثاق شرف وطني يَسْعَى من خلاله المترجمون إلى تَحْسِين وتجويد الترجمة في السلطنة.

137 total views, 2 views today