Ahmed F

أحمد الفلاحي

يقينا.. ليس على مذهب إسلام كريموف:

تصارع القيم بنقائضها: مَنْ يحكم من؟.. الإنسان أم القيم؟

◄ استبداد الأيديولوجيَّات والخروج من القمقم.. صعوبة المعادلة

في حوار مُطوَّل نشرته “مجلة العربي” في عددها 606 -الصادر في مايو للعام 2009م- للأمير الحسن بن طلال؛ قال في جزء منه: “عندما نجدُ في المدارس آلاف المرشدين الصحِّيين لا يستطيعون عمل الدور المطلوب منهم في بناء كينونة الطفل لأسباب حواجز وهمية، مبنية بين ذلك المرشد الصحي والأسر، عندما نرى تجارة الجملة في “المولات” -المجمعات التجارية والسوبر ماركت- وتدمير النسيج الاجتماعي الإنساني؛ فالإنسان لا يعرف جاره. أقول عندما نرى الإنترنت يُوصلنا بالعالم، ولكن الشبكة الداخلية (Inner net) تموت في قلوبنا، حينئذ نصبح -حقيقةً- أرقاما، وندخل الفضاء الرقمي ونخرج من الفضاء الإنساني”.

فهذا الدخول والخروج الذي يشير إليه الأمير، هناك من يعده موجه بـ “الريموت كنترول”، وهم المحسوبون على الاتكالية، وتبرير النقص بعدم وجود الفعل، وهناك من يراه يأتي في سياق الحياة الطبيعية، وهم من يُؤمنون بالتغيير على أنه سُنة كونية، ولا مناص منه؛ لأن هذه واحدة من حقائق الحياة واستحقاقاتها التي يجب أن نعيها في شموليتها دون الوقوف على جزئيات تظل ناقصة مهما كانت قناعاتنا بها تؤدي إلى تحميلها كل الأخطاء، وهذا ما يقودنا إلى أكثر من الوقوف على محدِّدات هذه المسألة، وهي أثر القيم في حياة الناس، ومدى قدرتها على توجيههم على طرفي نقيض في بعض الأحيان؛ فمجموع القيم ليست كلها تنحو المنحى الإيجابي؛ فبقدر ما تحافظ على بعض الكيانات الإنسانية في شأن ما، تأتي الأخرى لتعلن عن استبداد يصل إلى حدِّ “القرف”، وهي في النهاية قيمة من قيم المجتمع، هل لأن المجتمع لا يستطيع أن يُوظف قيمه بالطريقة المثلى، أم أنَّ بعض القيم تفرض أجندتها على المؤمن بها؛ فتحوُّل مسارات قناعاته إلى ما يخدم “فكرة” القيمة ذاتها، وما تذهب إليه في حقيقتها. وعندما نضرب مثالا لتقريب المعنى، يُمكن القول: “إن المحافظة على النفس البشرية” قيمة رائعة من القيم الإنسانية، ويشترك في التمسك بها كل البشر بلا استثناء. وتأتي في المقابل قيمة “القتل”، وهي المعنى المضاد للمفهوم الأول، وهي قيمة إنسانية أيضا ولكنها ليست رائعة في كثير من المواقف، وإن كانت ضرورية في مواقف معينة؛ فمن يستعديك إلى حدِّ إنهاء حياتك، يقينا، ليس أمامك إلا الدفاع عن نفسك، ولو أدَّى هذا الدفاع إلى قتل من يستعديك، مع إيمانك بأنك تكره القتل، ولكن لأنك في موقف لا خيار لديك فيه إلا الشروع نحو هذه النتيجة الصعبة التي لا تتمناها.

وانطلاقاً من كثير من المبرِّرات في مسألة القيمة ونقيضها تأتي الأفعال الدنيئة التي يقبل عليها البشر، ويمارسونها بكامل الرضا؛ انطلاقا من مفهوم “الغاية تبرِّر الوسيلة”، والنتيجة آلام بشرية لا تنتهي، ومآسٍ إنسانية يحرص على تفعيلها الإنسان نفسه، مُبرِّرا سلوكياته نحو الفعل المشين، الذي يَنْدى له الجبين، وهذا ما يُؤسف له حقًّا.. مُؤكدا بذلك ثيمة “الاستبداد” التي تتراوح ممارستها في نفسيته كلما تهيَّأت لها أسباب الخروج من معقلها الذي تساهم في تخفيف ثورته بعض القيم، إنَّ أحسن توظيفها وخفوت ثورتها، وإلا فحياتنا كبشر استبداد غير مُنقطع النظير، تحركه عوامل كثيرة؛ من ضمنها: القيم الدينية، عندما يصبح مفهوم الدين عند البعض أكبر ممول للاستبداد، وقد جاء في كتاب “طبائع الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل” لمؤلفه عبدالرحمن الكواكبي قوله: “الاستبداد لو كان رجلا يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وابنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب. أما ديني وشرفي وحياتي فالمال المال المال…”، وهذه الصور تتجلَّى كلها في سلوكيات الناس في الشرق وفي الغرب لا فارق بين الأجناس، ولا بين الأديان، ولا بين الجغرافيا؛ فكلُّ البشر يشتركون في تقويض المفهوم الحقيقي للإنسانية من خلال الممارسات المختلفة التي تعكس جوانب هذا الاستبداد؛ وذلك وفقا لفهم الناس وتوظيفهم لمجموعة العوامل التي تحدد: قيمهم، وبناءاتهم المعرفية، وثقافاتهم المتناسلة، ووعيهم بما يدُوْر حولهم، وتفسيرهم لهذه المعاني المركبة في حياتهم، وقدرتهم على توظيف الزمن في النأي بالأفعال عن محيط الاستبداد، أو تسخير الزمن لتعميق أكثر لممارسته؛ لأنَّ الزمن -في المقابل- أكبر ممول للاستبداد كما هي الفكرة القائمة؛ لأنه يُتيح فرص بقاء الظلم، كما هو يتيح فرص الخروج إلى نفس العدالة؛ حيث يتيح الفرص للأفراد، والدول، والمجموعات لأن تكون الاستبداد وتطبخه على نار هادئة، ومن ثم تنثر مآسيه على من حولها؛ حيث لا تأتي الأمور في جملتها دفعة واحدة؛ فكلُّ المآسي الإنسانية التي يرتكبها الإنسان تجاه نفسه، وتجاه الآخرين من حوله هي أساسها الزمن الذي أتاح له فرصة التعدي أو الاستبداد على غيره، أو على نفسه، ولذلك هو يقع دائما في مطب الشر، والظلم، والإساءة، والغدر، والمسكنة، والضر، والذل، والفقر، والبطالة، والجهالة، والخراب، وكلها مآسٍ إنسانية حقيقية تعيشها البشرية في كلِّ بقاع العالم من أقصاه إلى أقصاه في صورة من صور الهزيمة التي يعيشها الإنسان مع ذاته منذ بدء الخليقة، وهذه عواملها -كما قلت- الدين، والمال، وافتعال العنصريات، والطائفية، وأخطر ما يكون فيها هو الدين عندما يُوظَّف التوظيف الخاطئ في الحياة البشرية؛ وذلك من باب التسليم المطلق لمفهوم الدين عند العامة والخاصة على حدٍّ سواء؛ فالدين يظلُّ محددا أسمى ومطلق في الإقبال على فعلٍ ما مِنْ عدمه، على الرغم من أنَّ تعاليم الدين الحقيقية كلها تدعو إلى السلام، والأمن، وحفظ الكرامة، والمحافظة على النفس البشرية…وغيرها من القيم التي تحافظ على كينونة الحياة. ولذلك؛ وعودة إلى فهم الأمير في المسألة الإنسانية وتأثير مُستجدات الحياة على توجيه بوصلات مساراتها، فإنَّ هذه المستجدات يسيرا أن توجه نحو بناء أكثر للقيم، وتعزيز أكثر للفعل الإنساني، ولكن لأنَّ الطبيعة البشرية التي تحمل بين جنبيها قيم الخير والشر هي التي يُعوَّل عليها في توجيه هذه البوصلة، وليس مُستجدات الحياة فقط.

على مدونة “محلي”، لصاحبها مصري الجنسية، كتب يتساءل عن معنى التدين ويقول: “أيوه أنا عايز أفهم؟ يعني اللي بيصلي وبيصوم وبيزكي ويحفظ قرآن؟ ولا اللي بيحترم الناس وعادل وكريم وطيب وبيتقي ربنا؟ ولا اللي بينجح إنه يقنع الناس إنه متدين؟ ولا اللي وشه سمح ويريح وعليه علامات التقوى؟ ولا اللي مطول دقنه وحالق شنبه وعنده زبيبة ورافع بنطلونه؟ ولا اللي بيدخل لفظ الجلالة بين كل كلمة والثانية؟ ولا اللي بيقضي حاجات الناس لوجه الله؟ ولا اللي بيمنع الأذى عن الناس ويقف جنبهم ضد الظلم؟ ولا العضو في جماعة أو حزب ديني؟ طيب مين اللي يقرر إنك متدين؟ إنت؟ أهلك؟ أصحابك؟ حزبك؟ استفتاء؟”.. المصدر: مجلة الدوحة، عدد أبريل 2012م.

هذه إحدى أهم الإشكاليات التي يطرحها صاحب المدونة في قضية الفهم في جانبه الديني، وقس على ذلك الفهم في جوانب الحياة الأخرى، وانعكاسا لهذا الفهم تأتي ممارسات الناس في توظيف هذه المفاهيم، والارتقاء بها نحو صلاح الحياة الدنيا، وخير البشرية، أو الزج بها في متون الاستبداد، مع التأكيد على أنَّ البشرية منذ نشأتها الأولى وهي تعيش هذا الفصام التاريخي في فهم هذه القيم، وما مآسي البشرية طوال التاريخ إلا انعكاس لفهم مغلوط في توظيف هذه القيم، ومما يؤسف له حقا: أن تمر البشرية بهذا العمر المتراكم منذ آلاف السنين وإلى يومنا هذا، وعلى ما يبدو على امتداد عُمر الكون المتبقي، ولا تزال تعيش إرهاصاتها الأولى عندما قرَّر أحد ابني آدم بأن يقتل أخاه في صورة من الاستبداد المباشر بلا تريث، ولا جدال: ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ “27” لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ “28” إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ “29” فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ”30″)) (سورة المائدة) إنها شعرة فاصلة ما بين الخير والشر؛ الخير الذي ينضوي تحت لواء الفهم والواعي لحقيقية القيم، والشر الذي ينفذ من كافة الأطر المعرفية ليعلن أنه القيمة المطلقة للحياة، ولا يترك أي نفس للبقاء، وإمعانا في الزج بالمفاهيم في قائمة الاستبداد فلا نزال -على الرغم من وعينا الكامل، أو هكذا يُفترض لكثير من المفاهيم- نردد كلمة “مطوع” -على سبيل المثال- نصف بها فلانًا من الناس، ويا ليته وصف صادق. كلا، بل فيه ما فيه من اللمز، والغمز، والاتهام غير المباشر بالنفاق، وسوء الأخلاق، ولا ندري حقيقة مستوى العلاقة القائمة بين هذا الإنسان “المطوع” الذي تربطه بالله -عزَّ وجل- وفي المقابل أيضا هناك تهم تلصق بهتانا بالآخرين لأنهم غير مُتقنعين بلباس معين، أو هيئة معينة، فعلا: “مين اللي يقرر انك متدين؟ إنت؟ أهلك؟ أصحابك؟ حزبك؟”… إنَّها إشكالية كبرى!! ويعلو سقف هذه الإشكالية كلما غرق هذا المجتمع أو ذاك في تقليديته الاجتماعية؛ فالمجتمعات الحديثة استطاعت أن تتحرَّر إلى حدٍّ ما، من إشكالية هذا الحصار الذي تفرضه القيم المتوارثة، ولو أنَّه تحرر يحمله الكثير من المتاعب في شأن القيم ذاتها؛ حيث يكتوي بالكثير من هذه المتاعب.

ومن الكتب الرائعة التي وقعتْ بين يدي: كتاب “القيم المعنوية العليا قوة لا تقهر”، ومؤلفه الرئيس إسلام كريموف رئيس جمهورية أوزبكستان، والكتاب من أوله إلى آخره يتخذ ثيمة واحدة؛ وهي: القيم المعنوية، والتي وصفها الكاتب بـ”المعنوية الروحية”، وركز عليها طوال صفحات الكتاب البالغ عددها أكثر من 100 صفحة.. مؤكدا الرئيس الكاتب أنَّ هذه المعنوية -وهي الجذور- هي التي من شأنها أن تؤصل من بقاء الفعل، والهوية، والبقاء، ولا يجوز بأي حال من الأحوال الخروج عن هذه “المعنوية الروحية”، مهما تقادمتْ الحياة، منذ بدايتها، ومهما تطوَّرت مع نهاياتها، ستظل “المعنوية الروحية” هي المحدِّد المهم لعراقة أي شعب، ومحدد أصالته، وغاية الهوية التي تميزه عن عوالم الآخرين؛ فـ”ساحة الأيديولوجية أكثر تأثيرا وقوة من الساحة النووية” كما يقول.. مشيدا في ذلك بدور العلماء، والمربين والقادة العظام الذين يثرون أوطانهم بما حققوه على أرض الواقع من منجزات يقرها التاريخ بين مجلداته، كواحدة من البناءات المهمة في تاريخ البشرية في أي وسط اجتماعي تحدده جغرافية مكانية معينة.

والرئيس الكاتب لا تقلقه كثيرًا مسألة التطور التي تعيشها الحياة في مختلف أوجهها، وهو على نقيض الفهم الذي عند الأمير الحسن، كما جاء في مدخل هذه المناقشة، ذلك -كما يؤكد- أنه “من الطبيعي أن تحدث التغيرات في أيديولوجية المجتمع في مرحلة التحول من نظام إلى غيره، ولكن لا يجب أن يتسرَّب القلق إلى قلوبنا عندما يظن بعض الناس أن بيئة اقتصاد السوق الحر ترخص القيم الأخلاقية للشعب، وأنَّ الثقافة تهبط إلى درجة ثانية”؛ ذلك أنه وحسب “المعنوية الروحية” التي بنى عليها الكاتب الرئيس فكرة كتابه؛ “إن الإنسان الذي يتدفق في عروقه إحساس الافتخار والاعتزاز بقوميته، وحبه لوطنه وحماسته وشجاعته يستطيع أن يحقق الأعمال الجليلة”.

تبقى فكرة كتاب “القيم المعنوية العليا قوَّة لا تُقهر”، وجهة نظر تحمل قناعة صاحبها الرئيس إسلام كريموف. وعلينا أن نحترم وجهة نظره هذه، ولكن يقينا لن نسلِّم بطلاقة الفكرة؛ لأنَّ الواقع الذي نراه يذهب بعيدا على التأصيل الذي يضعه كريموف في شأن القيم المعنوية، ولم تعد “ساحة الأيديولوجية أكثر تأثيرا وقوة من الساحة النووية”، وإلا لما صمدت إيران 12 عاما على مائدة المفاوضات مع الأمريكان والغرب؛ لتخرج اليوم متكوِّرة على إنجازها النووي، مع تعقيدات أيديولوجياتها.. كلُّ ذلك مقارعة ولتقف في خط التوازي مع مُستبد ظل قرونا مستمرة يمارس استبداده على إنسان لا يملك حتى قوت يومه.

هناك الآن دعوة لقراءة رأسية لكثير من أوجه المعرفة، ولا شك أنَّ القيم في مناخاتها المختلفة هي واحدة من أوجه المعرفة؛ لأنَّه متى استطاع مَنْ عنده الرغبة الحقيقية لفهم أعمق للحياة، يُمكن أن يتحقَّق له ذلك. أما من يكتفي بما هو عليه الحال؛ فحال البشرية منذ خلقتها الأولى -وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- تسير إلى حتفها في أغلب الأحيان، وما الحروب والتصدُّعات النفسية التي حدثت، والتي تحدث إلا دليل قاطع على هذا الواقع للأسف الشديد.

4,840 total views, 2 views today