أيمن بن عبدالله بن زاهر البيماني

قرأتُ ذات مرة كلاماً ظلَّ راسخاً في رأسي إلى يومنا هذا، لعالم فرنسي اسمه جان بياجي؛ حيث قال: “الجغرافيا لقيطة العلوم”. وشخصيًّا، لا أدري سخط الفرنسيين آنذاك على الجغرافيا؛ فعاد الكرة فرنسي آخر اسمه جيل سوطير بقوله: “الجغرافيا هو ذلك العلم المسخ، الذي يسرق من باقي العلوم وينافسها، ويتداخل معها دون مبررات تذكر، وأسباباً تشفع له”. ولكنْ: هل فعلاً الجغرافيا علم يحشر نفسه في كل شيء، أم هي شراكة معرفية تنمو يوماً بعد يوم بين الجغرافيا والعلوم الأخرى؟!

ومن أحدث التعريفات الحديثة الخاصة بعلم الجغرافيا أنه ذلك العلم الذي يدرس الاختلافات المكانية والظواهر الطبيعية والبشرية على سطح الأرض؛ ليسهل أمورَ الحياة اليومية والعمليات الإنشائية والتخطيطية والهندسية والاقتصادية والنقل والخدمات…وغيرها؛ لذلك ترتبط الجغرافيا مكانيًّا بجميع العلوم الموجودة على سطح كوكب الأرض؛ وذلك لسبب بسيط وهو ندرة وجود علم لا يرتبط بالحيز المكاني الجغرافي؛ فلا يُناقش العلماء علماً معلقاً في الهواء؛ وإنما جميع العلوم والنظريات الفيزيائية والحيوية وأمراض الإنسان والحيوان والنبات، وخصائص الإنتاج الاقتصادي واستخراج وتوزيع الثروات وسلوك المجتمعات، والتخطيط الهندسي والمعماري، وعلوم السياسة والحروب والحدود السياسية والإدارية؛ جميعها مواضيع وعلوم ترتبط بسطح الأرض ولها حيز مكاني جغرافي تقوم عليه وتناقش فيه. لذلك؛ تعتبر الجغرافيا مصبَّ جميع العلوم الأخرى، فتُسهم في إعادة تشكيلها وتطويرها وإضافة الطابع الجغرافي عليها.
فمُنذُ أن وُجِدَ الإنسان في هذا الوجود، وُجِدَت معه الجغرافيا، فكان هذا العلم ملازماً له في كافة أمور حياته اليومية، ولم يتطوَّر هذا العلم بمختلف فروعه ومعارفه إلا بسبب تغير حاجة الإنسان المستمرة، وتطوُّر مستوى حياته ورغبته في استكشاف مكنونات هذه الأرض المباركة، ووصف الظواهر الجغرافية سواءً كانت الطبيعية منها -كالكوارث الطبيعية، والتقسيمات الجيولوجية، وفهم تضاريس الأرض، وتوزيع شبكات المياه- أو المواضيع البشرية -كالمواليد والوفيات والهجرات من مكان لآخر، وسلوك الإنسان وعلاقته بالجغرافيا، وتطوُّر العمران البشري، وتغيُّر أنماط البناء وفقاً لتغيُّر الظروف الجغرافية من مكان لآخر.

بدأت الجغرافيا كعلم موسوعي تمَّ استخدامه في وصف الظواهر والمشاهدات اليومية والمسالك والممالك، وما يوجد حول الإنسان في الواقع المُعاش وصفاً نظريًّا؛ لذلك قالوا بأنَّ الجغرافي لا يُمكن أن يكون جغرافيًّا ما لم يكن مغامراً ورحالاً ومُستكشفاً وقادراً على وصف الظواهر والأشياء من حوله.

ثمَّ ظهرتْ حركة مهمَّة جدًّا كنقطة تحول في تاريخ الجغرافيا؛ ألا وهي مرحلة الكشوفات الجغرافية؛ وذلك خلال القرن الخامس عشر الميلادي، وقد جاءت أغلب الكشوفات بنزعة استعمارية من دول النفوذ آنذاك كالبرتغال وإسبانيا وإنجلترا وفرنسا للبحث عن أراضٍ جديدة وأخذ ثرواتها، ووصلت حال بعض الدول المستعمرة إلى استعباد شعوب المناطق التي تصل إليها سفنهم الاستكشافية. ورغم هذه النزعة السلبية لأغلب مرحلة الكشوفات الجغرافية؛ إلا أنها ساعدت كثيرا في تطوير علم الجغرافيا؛ فتطورت معها أساليب الملاحة البحرية ورسم وإعداد الخرائط عن دول العالم الجديد المكتشفة واستخدام البوصلة، كذلك دراسة المُناخ والأراضي الجديدة وأساليب تخطيطها وتطويرها وإمكانية العيش فيها. كما أنَّ هذه الفترة تزامنت معها المشكلات بين تلك الدول حول المستعمرات الجديدة، فظهرت الحاجة للاهتمام بدراسة وتطوير وترسيم الحدود الجغرافية للدولة السياسية؛ سواءً بين المستعمرات الجديدة أو بين تلك الدول بذاتها. فوصول البرتغاليين والإسبان للأمريكيتين أدى لاكتشاف جغرافية تلك المناطق ودراستها بشكل شامل ودقيق مع مرور الزمن؛ فتطوَّرت معها العلوم السياسية ودراسة الأجناس البشرية وسلوك المستوطنات البشرية، كما أنَّ الحملة الفرنسية على مصر -بغض النظر عن مساوئها- كان لها دور عظيم في اكتشاف بعض خبايا الجغرافيا التاريخية وعلوم الآثار لمصر منذ عصر الفراعنة؛ فعلى سبيل المثال تمكن العالم الفرنسي “شامبليون” عام 1822م من فك طلاسم حجر رشيد، وكشف أسرار لغة مصر القديمة أيام الفراعنة.

وخلال نهايات القرن التاسع عشر، تزايد الاهتمام بعلم الجغرافيا لدوره الكبير في تكوين وتطوير عدد من العلوم الأخرى؛ فتمَّ إنشاء الجمعيات الجغرافية في دول عديدة من العالم، ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي أصبح هناك قِسمٌ للجغرافيا في أغلب جامعات وكليات بريطانيا، ومن ثمَّ انتشرتْ في بقية دول العالم. فبدخول الجغرافيا في الأقسام الأكاديمية، وتلونها بتلك الصبغة، اختلفَ توجُّه الجغرافيين معها؛ فأصبحوا ذوي ميل ونزعة لخدمة النواحي الأكاديمية، وتطوير أساليب ومناهج البحث، والتعاون مع العلوم الأخرى كالاجتماع والنفس الإنساني والاقتصاد والسياسة والتاريخ وعلوم الأرض وعلوم الطقس والمناخ.
كما ظهرتْ الحُروب بين الدول خلال القرن العشرين؛ فاستفادت الجغرافيا من النظريات السياسية، وقامت بمدِّ السياسيين بالمعارف اللازمة والتي تُعينهم على معرفة نقاط قوة وضعف العدو والانتصار عليه، حتى إنَّها تمَّ اتهامها بأنها سبب رئيسي لقيام بعض الحروب؛ لذلك ظهر ما يسمى بـ”جغرافية الحروب” (Geography of Wars). وبعد مرحلة الحروب، وجدت الدول حاجة مُلحَّة في نفسها لإعادة تعمير ما أفسدته الحروب؛ فظهرتْ الجغرافيا التخطيطية في الصناعة والزراعة والاقتصاد، وفهم خصائص الأرض والإقليم وثرواته الطبيعية والبشرية؛ فشاركتْ الجغرافيا تلك الدول في وضع الخطط والإستراتيجيات، جنباً إلى جنب مع علوم السياسة والاقتصاد والاجتماع.

ومُنذ ستينيات القرن الماضي، ظهرت الثورة الكمية (Quantitate Revolution) في الجغرافيا، وشهدت تطوير منهجيات الكم في التحليل المكاني، والتي احتوتْ على مُقاربات من علوم الإحصاء والرياضيات، وتزامنت معها الثورة المعلوماتية والتقنية، فشهدت ظهور بعض التقنيات الحديثة في الجغرافية؛ فظهرت ثورة نظم المعلومات الجغرافية (Geographical Information Systems) في كندا، ثم انتشرت بشكل كبير، تبعها بعد ذلك تطور تقنيات الاستشعار عن بُعد (Remote Sensing)، وإطلاق أول قمر صناعي (لاندسات) عام 1972م.

تطوَّرتْ بعدها الجغرافيا الحديثة بشكل كبير للغاية، وبرزتْ الثورات الحديثة في الجغرافيا كالجغرافيا السلوكية (Behavioral Geography)، والمتداخلة مع علم الاجتماع والاقتصاد والواقع المعيشي للإنسان، والتي تناقش الفكر لدى الإنسان وسلوكياته وعلاقتهما بالمكان، والثورة النظرية (Theoretical Revolution)، وأساليب البحث الجغرافي. وتطوَّرت الجغرافيا لتناقش قضايا الفكر والإدراك والتصورات الذهنية، وظهرت فروع عديدة أخرى في الجغرافيا البشرية مثل جغرافية الأديان وجغرافية الطعام وحتى جغرافية الخيال؛ فأصبح هناك الجغرافي الاقتصادي، والجغرافي الاجتماعي، والجغرافي الحضري، والجغرافي الثقافي؛ لذلك أصبحتْ تضيف للمعرفة البشرية الشيء الكثير، وصار بإمكانها مناقشة المشاكل الواقعة اليوم وفهمها، ومحاولة إيجاد حلول لها من ناحية جغرافية.

وهنا.. نستطيع الإجابة عن السؤال التالي: “هل فقدت الجغرافيا هويتها بين العلوم الأخرى؟”. بالطبع لها؛ فرغم هذا التداخل الكبير إلا أنَّ الجغرافيا لم تفقد هويتها، ولم تخن وحدتها، ولم يتمزق كيانها، وإنما استفادتْ من تلك العلوم بما يُعينها على تطوير نظرياتها ومناهجها وأساليبها دون الانصهار مع العلوم الأخرى لتفقد هويتها، مما يساعدها على إضافة التراكم المعرفي للعلوم البشرية والطبيعية على حد سواء. وينبغي الفهم والتركيز والاستيعاب أن الشراكة بين العلوم لا تلغي علماً على حساب الآخر، وتداخل الجغرافيا مع العلوم الأخرى هو السمة الأبرز لهذا العلم، وأبرز ميزاتها هو التعاون والشراكة مع العلوم الأخرى.

وهكذا؛ فقد أصبح للجغرافيا دور الريادة الكبيرة؛ سواءً في العلوم الإنسانية والفكر الجغرافي والسلوكي، أو في الجانب العلمي من حيث تطوُّر النظريات ومناهج وأساليب البحث الجغرافي النوعي والكمي والتقنيات الحديثة. وفي الوقت الحالي -وكما أشاهده شخصيًّا- فإنَّ الجغرافيا أصبح لها ولو نكهة بسيطة في جميع العلوم الموجودة على الأرض، فلا يوجد أي علم أو تخصص أو مجال لا يرتبط بالمكان؛ لذلك فهو موضوع جغرافي بامتياز، وقابل لإخضاعه للدراسة الجغرافية!

4,620 total views, 2 views today